٠03رمضان 1417 هـ - تأملات قرآنية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

تأملات قرآنية - الدرس : 13 - من سورة الأنفال والتوبة - الإيمان والهجرة.


1997-01-15

بذل المال في سبيل الحق :

 أيها الأخوة الكرام؛ في سورة الأنفال آية مهمة جداً بل إن على فهمها وتطبيقها تنعقد الآمال، يقول الله عزّ وجل:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾

[سورة الأنفال: 72]

 آمن وهاجر؛ أخذ موقفاً عملياً، ترك وانضم، تبرأ ووالى، يوجد في العقيدة بحث اسمه البراء، وبحث اسمه الولاء، لابد من أن تتبرأ من الكفر وأهله، ولابد من أن توالي المؤمنين.

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ﴾

 بذل ماله في سبيل الحق.
 ذكرت اليوم في الخطبة أن هناك فقر القدر، وهناك فقر الكسل، وهناك فقر الإنفاق. الذي يجاهد بماله يذهب ماله بين يديه لكنه ادخره عند الله عزّ وجل، قال: " واللهِ إني أحبك يا رسول الله، قال: انظر ما تقول، قال: واللهِ إني أحبك، قال: انظر ما تقول ، قال: واللهِ إني أحبك، فقال عليه الصلاة والسلام: إن كنت صادقاً فيما تقول للفقر أقرب إليك من شرك نعليك".
 المؤمن ينفق من ماله، لا يخزّنه، لا يجمعه:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا ﴾

 المؤمن بين المؤمنين كأنه في أهله، أحياناً يأتي أخٌ كريم، طالب علم من إفريقيا، من تركيا، من الصين، بعض الناس - سامحهم الله – يقول: الطلاب الأجانب، هذا منّا ونحن منه، وهو بين أهله ولا فرق بيننا وبينه أبداً، إنما المؤمنون أخوة، يجب أن تشعر بهذا الانتماء.

ضرورة التعاون و التناصح بين المسلمين :

﴿ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾

 يتعاونون، يتناصحون، يتزاورون، يتبادلون، يتجالسون، يؤيد بعضهم بعضاً، يدافع بعضهم عن بعض، كتلة واحدة، هذا الإيمان، العلم لم يكحّل عينيه بمجتمع مؤمن يكون حجة له.
 الإسلام في العالم فكر، ثقافة، لكن العالم لا يجد مجتمعاً إسلامياً مطبقاً حتى نقطف الثمار، المجتمعات الإسلامية ذات الأطر الإسلامية ليست كما ينبغي أن تكون، والذين يذهبون إلى بلاد الغرب لا يمثلون الإسلام خير تمثيل.

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾

 نريد إسلاماً عملياً، نريد تطبيقاً عملياً، نريد على مستوى هذا المسجد أن نعيش هذا الإسلام، أن نتعاون، أن نتناصر، أن نتناصح، أن نتحابب، أن نتزاور، أن نتبادل.

الإيمان حركة :

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا﴾

 الآن موضة جديدة يقول لك: أنا إيماني في قلبي، لكن لا يطبق شيئاً من الإيمان. إيماني في قلبي، كلام فارغ، ما إن يستقر الإيمان في القلب حتى يعلن عن ذاته بحركة، منع، عطاء، ولاء، براء، وصل، قطع، غضب، رضا، إنفاق، إمساك، لابد من حركة، لا يوجد حركة لا يوجد إيمان.
 الطبيب يضع يده على الشريان عجيب لا يوجد نبض، يأتي بمرآة يضعها على أنفه لا يوجد بخار ماء، يأتي بمصباح يضعه في عينه لا تضيق الحدقة، هذا منته، إذا لم يتحرك إطلاقاً منته، لا يتصدّق، ولا يحضر مجلس علم، ولا يعاون، ولا يقدّم شيئاً، لكن ثقافته إسلامية، ومشاعره إسلامية، جالس في منزله ولايقدّم شيئاً إطلاقاً.

الانتماء الحقيقي انتماء سلوك وعطاء و حب :

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ﴾

 هذا ليس منكم، هذا انتماء فكري لا يقدّم ولا يؤخر، الانتماء الحقيقي انتماء سلوك، الانتماء الحقيقي انتماء ولاء، الانتماء الحقيقي انتماء براء، الانتماء الحقيقي عطاء، الانتماء الحقيقي حب، الانتماء الحقيقي بذل

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾

المعركة بين الحق و الباطل معركة أزلية و هذه سنة الله في خلقه :

 الآية التي بعدها:

﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾

[سورة الأنفال: 73]

﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾

 هذا شيء غريب:

﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾

  يتعاونون لإزهاق الحق، يتعاونون لإيقاع الأذى بالمسلمين، يتعاونون لإفقار المسلمين، يتعاونون ليتغلبوا على المسلمين، يتعاونون للتفريق بين المسلمين، يتعاونون على كل شر، يتعاونون أعلى درجة من التعاون،

﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾

 أما الآية الدقيقة كلها ففي حرف واحد:

﴿ إِلَّا تَفْعَلُوهُ ﴾

 العلماء قالوا: هذا الحرف هو الهاء،

﴿ إِلَّا تَفْعَلُوهُ ﴾

 هذه الهاء تعود على الآية السابقة بأكملها، أي إذا ما آمنتم وهاجرتم وجاهدتم بأموالكم وأنفسكم، وإذا لم تؤووا ولم تنصروا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير.
 هناك معركة قديمة وإلى الأبد بين الحق والباطل، وهذه سنة الله في الخلق. فأهل الحق إن لم يتعاونوا طوقهم الباطل، إن لم ينمو الحق نما الباطل وضيّق على الحق، فقضية مصيرية يعبّر عنها الأجانب: نكون أو لا نكون، نكون بالتعاون، نكون بالتناصح، نكون بالتباذل، أن يبذل بعضنا لبعض شيء جميل جداً، ويرفع المعنويات جميعاً أن نجد المجتمع الإسلامي متعاوناً، وشيء مؤلم جداً أن نجد الانتماء فردياً، كل ينتمي إلى ذاته، وإلى مصالحه، وإلى بيته، وإلى أولاده، ولا يعبأ بأحد.
 إنسان مثلاً لا يهمه أمر مئة ألف شاب لا يجدون غرفة يقطنون فيها، ولا زوجة يسكنون إليها، وممكن أن تقام حفلة بستين مليوناً. هذا يتناسب مع مجتمع إسلامي؟! يتناسب مع مجتمع متعاون؟! بذخ إلى درجة غير معقولة، إسراف وبذخ وإنفاق المال على أهداف رخيصة والأساسيات عند بعض الناس غير موجودة، هذا يدعو إلى التعاون. لذلك قال ربنا:

﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾

[سورة المائدة: 2]

﴿ إِلَّا تَفْعَلُوهُ ﴾

 يجب أن نؤمن، وأن نهاجر، وأن نجاهد بأموالنا وأنفسنا، وأن نؤوي إخوتنا الكرام، وأن ننصرهم حتى نستحق ألا تكون فتنة في الأرض وفساد كبير.

الابتعاد عن معاداة غير المسلمين بلا سبب أو مبرر :

 أيها الأخوة؛ يفهم بعض المسلمين أن يأخذ موقفاً معادياً من غير المسلمين بلا سبب، وبلا مبرر، وبلا منطق، وبلا حجة، لأنه غير مسلم هو يعاديه، هذا لم يقرأ القرآن، استمعوا قال:

﴿ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾

[سورة التوبة: 4]

 آية بعدها:

﴿ كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾

[سورة التوبة: 7]

 فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين، أي إنسان غير مسلم لكن لم يسيء إليك، ولم يتآمر عليك، ولم ينقض عهدك، واستقام في معاملتك، أنت ينبغي أن تكون مثلاً أعلى في الاستقامة له، مثلاً أعلى في الوفاء له، مثلاً أعلى في إنجاز وعدك له، مثلاً أعلى في وفاء عهدك إليه، هذا المؤمن، بهذه الطريقة يميل الناس إلى الإسلام. حتى إن الله عزّ وجل يقول:

﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

[سورة التوبة: 6]

 أجره وعاونه وأسمعه كلام الله، هذا الذي عليك، تكون قد أديت الذي عليك. ثم إن المشكلة أن المؤمن إذا عادى غير المؤمن هذا عِداء عقائدي يزول في لمحة. سيدنا عِكرمة، من عِكرمة؟ ابن أبي جهل، ماذا قال عنه النبي؟ قال: اقتلوه ولو تعلّق بأستار الكعبة، لأنه أمضى عشرين عاماً في عِداء النبي، وفي هجائه، وفي التنكيل بأصحابه، كتلة شر. دخلت على النبي الكريم زوجة عِكرمة قالت: يا رسول الله إن عِكرمة فرّ منك وهو يخاف أن تقتله فأمّنه أمّنك الله. قال: هو آمن. ذهبت إليه وأبلغته أمن رسول الله فعاد معها.
الشيء الذي لا يصدق أنه حينما وصل إلى النبي قال عليه الصلاة والسلام:
 " إذا أتاكم عِكرمة مسلماً فإياكم أن تسبوا أباه، فإن سبّ الميتِ يؤذي الحي ولايبلغ الميت "، لما طرق الباب قال كُتّاب السيرة: قام النبي إليه أو وثبَ إليه ونسي أن يضع رداءه على كتفيه من شدة فرحه به.
 نحن مشكلتنا إذا إنسان عادى الدين أن تكرهه كراهية شريفة، تكرهه لأنه يعادي الدين، فإذا اصطلح مع الله تحبه فوراً. فوراً ينتهي كل شيء. لذلك قال سيدنا عمر: دخل عمير على رسول الله والخنزير أحب إليّ منه وخرج من عنده وهو أحبُ إليّ من بعض أبنائي. لا يوجد عداء دائم أبداً. قال تعالى:

﴿ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾

[سورة التوبة: 11]

 انتهى الأمر، أخوة كاملة وصادقة.

الأعمال الصالحة ليست بمستوى واحد :

 الحقيقة أيضاً: هذه الآية دقيقة، ليست كل الأعمال الصالحة في مستوى واحد، هناك أعمال صالحة لا تُكلُف شيئاً، تكلّف فقط مالاً، أحياناً الإنسان يكون بأعلى درجة من الغنى، حدثني رجل، أخ كريم في المسجد، رجل كريم ميسور الحال، وحجمه المالي كبير جداً، أراد أن يبني لله مسجداّ، بحث عن أرض وجد أرضاً مناسبة جداً، موقعها مناسب، ومساحتها مناسبة، بحث عن صاحبها، صاحب الأرض ورثها وهو يعمل مستخدماً في مدرسة، ولا يملك إلا راتبه الذي لا يكفيه إلا خمسة أيام، في فقرٍ مدقع. فاتفق معه على ثمنها، والثمن كان ثلاثة ملايين و نصف المليون. وقّع العقد عَمَلَ له شيكاً بمليونين، وقال له: إن الشرط أن تذهب معي إلى الأوقاف من أجل أن نسجلها، قال له: لماذا الأوقاف؟ فقال له: هذه مسجد، قال له: أعطني الشيك، أخذ منه الشيك ومزقه وقال: أنا أتبرع بها للمسجد. يقول هذا الإنسان الغني: شعرت بصغار أمام هذا الفقير بشيء لا يوصف. أنا دفعت ثمنها، لو فرضنا معه مئة مليون دفع ثلاثة ملايين و نصف، دفع جزءاً من ماله، أما هذا الفقير الذي لا يملك من الدنيا إلا هذه الأرض فاستحيا من الله أن يأخذ ثمنها وهي لبيت من بيوت الله، أخذ الشيك ومزّقه، أحد أخواننا الكرام هو الذي يشرف على بناء المسجد، اقترح أن يعينه ناطوراً بأربعة آلاف، لم يرض، المبلغ كبير، يا أخي هذه أجرة الناطور.
 فالإنسان أحياناً يقدم شيئاً هو عند الله كجبل أحد. فربّ درهم سبق ألف درهم. يقول الله عزّ وجل:

﴿ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾

[سورة التوبة: 19]

 أي ممكن أن تكون ببحبوحة كبيرة جداً، وتعمل عملاً يكلّفك واحداً بالألف من مال الله، ووجاهة، وحفلة تكريم، وثناء، وخُطباء يلقون كلمات، قال لي أحد الأخوان الكرام: شخص تبرع في بلد إسلامي بثلاثمئة مليون دولار لمشروع خيري. أحبّ أن يتعرف عليه، فوجده جالساً في تطامن بأدب، بخضوع. الإنسان أحياناً يتبرّع، هو متواضع لله عزّ وجل، الإنسان يدفع أحياناً مبلغاً بسيطاً يريد رخامة، و شرط الرخامة أن يضع عليها اسمه.

﴿ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾

نظام الله عز وجل في الحرب :

 قبل آخر آية:

﴿ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾

[سورة التوبة: 36]

 لو طبّقت البشرية هذا النظام، أيّ معركة يجب أن تقف في هذه الأشهر، إذا وقفت المعركة ذاق الناس طعم السلم، فارتاحوا له، ربما أدت هذه الهدنة التي هي أمر إلهي إلى الوِفاق. أما الآن فثماني سنوات معركة بين دولتين، راح مليون قتيل، لو طبّقوا هذه الآية أوقفوا القِتال في هذه الأشهر صار هناك ميل للسلم، أما الدم فيدفع إلى المزيد من إزهاق الدم، لأن الله هو الخبير قال لك:

﴿ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ﴾

 في هذه الأشهر ينبغي أن يقف القتال، فإذا وقف القتال لا يوجد منهزم ولا منتصر، وقف القتال تنفيذاً لأمر الله، ذاق الناس طعم السلم، ارتاحوا قليلاً، فكّروا بالوِفاق بدل العِداء، هذا من حكمة الله عزّ وجل في هذه الأشهر الحرم.

التولي و التخلي :

 يوجد نقطة دقيقة أن الله عزّ وجل أمرنا أن نلتفت إليه، أن نقبل عليه، قال:

﴿ إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

[سورة التوبة: 39]

 الله يدعوك تتأبّى يعالجك، تصّر على ما أنت فيه يستبدل قوماً غيرك. أي لا أحد يتدلل كثيراً على الله عزّ وجل. يدعونا ويؤدبنا ويكرمنا. فإذا الإنسان أصرّ على موقفه خذ الدنيا:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾

[سورة الأنعام: 44]

 أريد أن أقول لكم إن موضوع حُنين وموضوع بدر هذان درسان لنا كل يوم، دائماً في عملك، في بيتك، في قيادة مركبتك، في تعاملك، في شرائك، في بيعك، في تجارتك، قل: أنا خبير، عندي خبرات متراكمة يتخلى الله عنك، قل: الله، يتولاك. أنت بين التخلي والتوّلي. إن عزوت نجاحك إلى الله زادك من فضله، وإن عزوته إلى قدراتك الذاتية تخلى عنك. فحجّمك وبدوت على حقيقتك.
 فيوم حنين والنبي معهم وصحابته الكرام الكبار في المعركة قال:

﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾

[سورة التوبة: 25]

 نسأل الله أن يجعلّنا موحدين.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018