٠03رمضان 1417 هـ - تأملات قرآنية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

تأملات قرآنية - الدرس : 12 - من سورة الأعراف - الهدى.


1997-01-15

الهدى واحد والحق لا يتعدد :

 أيها الأخوة الكرام؛ الآية الثامنة والسبعون بعد المئة من سورة الأعراف وهي قوله تعالى:

﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾

[سورة الأعراف: 178]

 تفيد هذه الآية أن الهدى وحده من عند الله، وأن أي ثقافة، أي إطلاع، أي مبدأ، بعيد عن منهج الله هو ضلال بعينه. الهدى واحد والحق لا يتعدد، والهدى هدى الله:

﴿ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾

[سورة الأنعام: 71]

 معنى ذلك أن الإنسان على أحد طريقين؛ فإن لم يكن على أحدهما فهو على الآخر قطعاً، والدليل:

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾

[سورة القصص: 50]

 هناك طريقان اثنان لا ثالث لهما؛ إما أن تكون مع الحق، أو مع الهوى، والهوى باطل. المحرك إما مبدأ أو مصلحة، إما هدف نبيل أو شهوة، إما حق وإما هوى، في الحياة ما يسمى بالاثنينية.. حق وباطل، خير وشر، استقامة وانحراف، إحسان وإساءة، فلا يوجد حل وسط، أن تكون بين بين، إما أن تكون على الحق أو فأنت على الباطل قطعاً.
 قل إن هدى الله هو الهدى، لا يوجد بالأرض هدى ثان، لا يوجد بالأرض حقان، لا يوجد بالأرض وجهتا نظر صحيحتان، الحق لا يتعدد، والدليل:

﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا ﴾

[ سورة الأنعام : 153]

 بالمفرد:

﴿ فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾

[ سورة الأنعام : 153]

 يخرجهم، لم يقل من الأنوار، لا، قال: من الظلمات إلى النور ، أي لو ذهبت لأطراف الأرض لوجدت أمماً تعبد آلهة من دون الله. في الهند يعبدون البقر، في مكان آخر يعبدون الشمس، في مكان ثالث يعبدون الشهوة، في مكان رابع يعبدون بعض الحيوانات:

﴿ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾

[سورة الأنعام: 71]

 فإما أن تكون على ما هدانا الله أو على الباطل.

المنقطع عن الله إنسان يستخدم عقله لتغطية شهواته :

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾

[سورة القصص: 50]

 الإنسان يلتقي أحياناً مع مثقف عالي الثقافة، يراه غير ملتزم بشيء، لكنه متكلم بارع، يقرأ كثيراً، ويتحدث كثيراً، إياك أن تظن أن هذا الإنسان على سعة إطلاعه، وعلى وفرة معلوماته، وعلى طلاقة لسانه على حق، إن لم يعرف ربه، إن لم يعرف منهج ربه، فهو على الباطل، لأن الإنسان حينما ينقطع عن الله، أو حينما يؤثر الشهوة، لا أقول يفاجأ، يجد معه جهازاً بارعاً جداً، جهازاً معجزاً هو العقل، فهذا العقل يستخدمه استخداماً لغير ما صنع له، إنسان وجد معه آلة تصوير ملونة، غالية جداً، خطر بباله فكرة أن يستخدمها لتزوير العملة، ونجح بعض الوقت ثم كشف أمره، وألقي القبض عليه، وأودع في السجن، هو استخدم أعلى آلة مصنوعة حتى الآن إلا أنه استخدمها لغير ما صنعت له، إذا كان عندك رسم ملون أردت أن تأخذ عنه صورة هذه الآلة تفيدك بهذا الشيء، أما أن تستخدمها للتزوير، فالإنسان يستخدم عقله للباطل، يغطي به باطله، يغطي به شهواته، يبرر به انحرافه، فمثل هذا الإنسان لا تغتر به، قال:

﴿ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾

[سورة المنافقون: 4]

 كلامهم مسموع، منطق، يبدأ من خطأ لكن بعد ذلك يوجد تماسك، كلام مزخرف.

﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً ﴾

[سورة الأنعام: 112]

 يوجد كلام مزخرف، وكلام مرن، وكلام رنان يملأ الأذن. الحق لا يتعدد، إما أن تكون على الحق أو أنت على الباطل قطعاً:

﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي ﴾

[سورة الأعراف: 178]

﴿ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾

[سورة الأنعام: 71]

الإنسان أضلّ من الحيوان إن لم يستخدم عقله :

﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾

[سورة الأعراف: 179]

 كالأنعام أي كائن همه الأكل والشرب، همه الشهوة، همه المتعة، أما ما معنى قول الله عزّ وجل:

﴿ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ﴾

 الأنعام ليست مكلّفة، والأنعام لم تؤتَ العقل، ليست مكلّفة ولم تؤتَ العقل، الآن أحياناً شباك الصيادين في البحار عبارة عن جدار، لو أن للسمكة عقلاً لا تقع في الصيد، تعود للوراء وتلف على الشبكة، لكن السمكة لا تستطيع أن تحتال. لم تؤتَ العقل، يكفي أن تضع جداراً فتقع السمكة الشبكة، أما لو رجعت وسارت يمنة أو يسرة لنجت من الصيد. فالحيوان لم يؤتَ العقل ولم يكلّف. الإنسان إذا سار مع شهوته كالحيوان لكن هو أضل من الحيوان لأن معه جهازاً لم يستخدمه.

لا ينفع حذر من قدر :

 يوجد شيء ثان مهم جداً.. الإنسان لو استخدم عقله لمصالحه ونجح، هذا النجاح مؤقت، أما أن ينجح إلى ما لا نهاية فهذا يتناقض مع عدالة الله، ومع وجوده، قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

[سورة الأعراف: 182]

 الله قد استدرج فرعون، وجد فئة قلة مضطهدة ضعيفة:

﴿ إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ ﴾

[سورة الشعراء:54-56]

﴿ فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ ﴾

[سورة الشعراء:60]

 قال أصحاب موسى، قال تعالى:

﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾

[سورة الشعراء:61-62]

 شق البحر ودخل فيه موسى وأصحابه، وخرج من البحر، تبعه فرعون وهو في وسط البحر عاد البحر إلى ما كان عليه. هذا استدراج، هذا الوضع الخاص جداً لو وسعته الإنسان مهما كان ذكياً- ومع الله لا يوجد ذكي- لا ينفع حذر من قدر، يؤتى الحذر من مأمنه، فالإنسان إذا كان ذكياً أو عاقلاً، الذكي يستدرج إلى ركوب سفينة تلوح له تجارة رابحة، والطريق الوحيد هو السفينة، وهو في البحر يهيج البحر فتصبح هذه السفينة كريشة في مهب الريح. الإنسان يستدرج بالتجارة، تلوح له صفقة رابحة جداً يشتريها، يتساهل في بعض الشروط تكون سبب إفلاسه، فمع الله لا يوجد ذكي، قال:

﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

[سورة الأعراف: 182]

 مهما أخذت احتياطاً، مهما بالغت في أخذ الحيطة، الإنسان يستدرج من حيث لا يعلم، لا ينفع حذر من قدر، لا ينفع أن تغطي كل احتمال، لا ينفعك أن تأخذ بالأسباب وأنت معتمد عليها، عندئذٍ يخيب الله ظن هذا الإنسان، فالإنسان يستدرج.
 أعرف شخصاً استدرج لإصلاح قطعة كهربائية في بيته، وكانت سبب موته وهلاكه وهو في أوج نشاطه، وفي أوج جبروته، وقف على كرسي وقع، دخلت إحدى قوائم الكرسي في مقعده فقضى نحبه في أيام معدودات وهو يملك مئات الملايين. الإنسان يستدرج. لا ينفع حذر من قدر.

كيد الله متين لمن لم يؤمن به :

 وقال تعالى:

﴿ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾

[سورة الأعراف: 183]

 المتانة صفة في المادة تقاوم قوى الشد، و القساوة صفة في المادة تقاوم قوى الضغط. الألماس صلب قاس، والفولاذ متين. فالله شبّه كيده بأنه متين، الإنسان مربوط بحبل ربطاً محكماً، فمهما تحرك بثانية واحدة يصبح في قبضة الله عزّ وجل. تقريباً مثل دابة مربوطة بحبل والحبل طويل، هي متوهمة أنها حرة طليقة لكن يوجد حدود تقف عندها، حينما تتجاوز منطقة تساوي طول الحبل، الحبل يشدها، والذي بيده الحبل في أية لحظة يسحبها إليه:

﴿ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾

 لذلك إذا رأيت الله يتابع نعمه عليك وأنت تعصيه فاحذره، لأنه صار هناك كيد. من هذه الأدعية: اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، لا تؤمنا مكرك، و لا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك.
 كل إنسان يمشي بشكل خاطئ، دخله غلط، بيته غلط، حياته المادية غلط، يوجد معاص، مربوط وفي أية لحظة يشد الحبل فإذا هو في العقاب الأليم هذه:

﴿ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾

 الله يجعل العطاء عطاء وليس إملاء. الكافر يملى له إملاء، صحيح أنك عملت تحاليل و كانت كلها سليمة، يجوز بحادث تُدمر، بحادث تصير مشلولاً، أحياناً يملى، يعطيه الله قوة، صحة، أحياناً وسامة، أحياناً شأن كبير، لكن كله مبني على معصية، قال تعالى:

﴿أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ﴾

[سورة التوبة: 109]

 الآية الدقيقة:

﴿ أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴾

[سورة الأعراف: 185]

 أي إذا ما آمنت بالكون، إذا لم تؤمن بملكوت السموات والأرض، وأن هذا الكون يدل على الله، وأنه يظهر أسماء الله الحسنى، إن لم تؤمن بالطريقة التي رسمها الله، فكيف تؤمن؟ إذا شخص لم يقرأ، ولم يذاكر، ولم يحضر محاضرات، وهو هدفه النجاح، نقول له: كيف تنجح؟ نجاحك مستحيل إن لم تدرس، إن لم تذاكر، إن لم تحضر المحاضرات، إن لم تشتر الكتاب كيف تنجح؟ النقطة هنا:

﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴾

 أي إن لم تؤمن بملكوت السموات والأرض، وإن لم تؤمن بحتمية الموت، لا يوجد طريق ثان للإيمان، هذا هو الطريق الوحيد.

قواسم مشتركة تجمع كل الفرق الضالة :

 يوجد نقطة مهمة؛ دائماً يوجد مبادئ و أشخاص وعلاقة عكسية بينهما، فكلما كبر المبدأ صغر الأشخاص، وكلما كبر الأشخاص صغر المبدأ، لو فرضنا أنه هناك جماعة ضالة كالذين يعبدون البقر مثلاً، أو يعبدون الشمس، تجد في مثل هذه المبادئ الأشخاص كبار جداً أي كلمته هي النافذة، رأيه تشريع، رغبته مبدأ، المبادئ صغيرة، الأفكار تافهة، ضحلة، قليلة. يقابلها شخص هو كل شيء.
 أما بالعكس لو أن المبدأ كبير جداً الشخص يبدو صغيراً. من هو الشخص؟ سيد المرسلين يقول:

﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾

[سورة الأعراف: 188]

 أرأيت إلى هذا التواضع؟! قل لهم يا محمد:

﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾

 أنا سمعت قصة أن مريداً عند شيخ، توفي هذا المريد ودفن، جاء الملكان لحسابه، فهذان الملكان تلقيا ضربة من شيخه، خرجا من القبر فقال لهما الشيخ: أمثل هذا يسأل؟ انظروا لكلام النبي عليه الصلاة والسلام:

﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً ﴾

 أما ممكن شيخ يقول لك: إن هذا مريد عندي لا أحد يجرؤ على سؤاله، هذا كلام فارغ، الإنسان عندما يكون مبدؤه عظيماً الشخص يصبح صغيراً. يقول النبي الكريم:

((عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلَا يَأْخُذْهَا ))

[ متفق عليه عن أم سلمة]

 أي لو استطعت أن تنتزع من فم النبي حكماً لصالحك ولم تكن على حق لن تنجو من عذاب الله. في ظل المبادئ الكبيرة، الأشخاص أمام هذا المبدأ ضعاف، مفتقرون إلى الله عزّ وجل، فنحن عندنا قاعدة، أية فرقة ضالة الشخص يكبر جداً على حساب المبدأ، والنصوص لا أصل لها ضعيفة.
والشيء الثالث هناك تخفيف في التكاليف، الجماعات الضالة عبر التاريخ الإسلامي يجمعها أشياء ثلاثة؛ أولاً: رأس هذه الجماعة أكبر من مبدئها. فكلامه تشريعي ما يحل هو الحلال، ما يحرم هو الحرام، ما يقر هو الواقع.
 الشيء الثاني: على حساب التكاليف، هذه أنتم معفون منها، وهذه أنتم معفون منها، وهذه أنتم معفون منها.
 الشيء الثالث: الأسس النصية ضعيفة أو موضوعة.
 ثلاثة قواسم مشتركة تجمع كل الفرق الضالة، الشخص أكبر من المبدأ، أما بالإسلام فالمبدأ أكبر من الشخص مع أنه النبي عليه الصلاة والسلام.

﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾

البشر جميعاً من جِبلة واحدة :

 و:

﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آَتَيْتَنَا صَالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾

[سورة الأعراف: 189]

 هو الذي خلقكم من نفس واحدة أي كلما سافرت وجدت الإنسان هو الإنسان في أي مكان وزمان، الخصائص واحدة، محبة الأم لابنها أينما ذهبت في العالم اذهب إلى قبائل متوحشة، اذهب إلى قارات بدائية، اذهب إلى القطب، إلى الجنوب، إلى الشمال، إلى الشرق، إلى الغرب، دول متحضرة، متخلفة، ذات ثقافة عالية، ثقافة متدنية، الأم هي الأم، والأب هو الأب، والمرأة هي المرأة، والحاجات هي الحاجات.

﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾

 من خصائص واحدة، من جِبلة واحدة، من طبيعة واحدة، من فطرة واحدة.
 سألوا امرأة تعمل في الفن: ما شعورك وأنت على خشبة المسرح؟ قالت: شعور الخزي والعار. وهذا شعور كل امرأة تعرض مفاتنها على الجمهور، إن الحب يجب أن يبقى بين الزوجين وفي غرف مغلّقة، الفطرة واحدة، إنسانة تعمل في كل أنواع المباذل الرخيصة، وهذا إحساسها، وهذا شعورها:

﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾

 فأينما ذهبت وأينما حللت الإنسان هو الإنسان، الأم هي الأم، الأب هو الأب، العلاقات هي العلاقات. عندنا أسماء نحن فقط:

﴿إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان﴾

[سورة النجم: 23]

 أحياناً تتجاوز الحدود من بلد إلى بلد تجد هناك تغييرات، أما الإنسان فهو الإنسان، لا يختلف.

حكم الله عزّ وجل في الشيطان :

﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾

[سورة الأعراف: 200]

 الشيطان ليس له عليك من سلطان، ومع ذلك تستطيع أن تبعده عنك، أو أن تحرقه بكلمة واحدة هي الاستعاذة بالله، إلا أن العلماء اشترطوا لها القلب الخاشع، والقلب الحاضر:

﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾

 فكلما ألمت بك الوساوس لا سمح الله أو شعرت أنه قريب منك استعذ بالله. هذا أمر إلهي، وهذا توجيه إلهي، وهذا حكم الله عزّ وجل في الشيطان.

﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾

[سورة الحجر: 42]

 لأنهم يستعيذون بي، والاستعاذة بالله تذهب الشيطان أينما حل، وأينما كان.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018