٠03رمضان 1417 هـ - تأملات قرآنية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

تأملات قرآنية - الدرس : 04 - من سورة البقرة - الوازع الداخلي والرادع الخارجي.


1997-01-11

الله وحده من يعلم السرائر :

  أيها الأخوة الكرام؛ إن أروع ما في الدين هذا الوازع الداخلي، بينما كل الأنظمة الوضعية تقوم على الرادع الخارجي. استنبطت هذا من قول الله عزّ وجل في سورة البقرة:

﴿ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾

[سورة البقرة: 220]

 ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم، أي إن خالطتموهم بأموالهم، لو أخذتم أموالهم وتاجرتم بها، إصلاح لهم خير، وإن تخالطوهم فإخوانكم لكن الله يعلم المفسد من المصلح، لو أن تاجراً بيده أموال يتامى، عنده صفقات رابحة وثابتة، هذا المال الذي بيديه أراد أن يجس السوق بصفقة لا يدري ما إذا كانت تربح أو تخسر، فجعل مال اليتيم درءاً لماله، جعل مال اليتيم حقلاً للتجارب، فإن ربحت هذه الصفقة أدخل ماله، وإن لم تربح يبقى ماله محفوظاً، وقد جس السوق وعرف حقيقة هذه الصفقة بمال اليتيم. هذا الوضع لا يستطيع أحد أن يعلمه إلا الله، ما إذا كنت قد جعلت مال اليتيم درءاً لمالك.
 قال تعالى:

﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ﴾

[سورة البقرة: 220]

 هذه الآية قس عليها ملايين الحالات، هناك ملايين الحالات لا يمكن لبشر أن يعرفها إلا الله، طبيب تفحص مريضاً، له أن ينظر إلى مكان المرض، فلو اختلس النظر إلى مكان آخر لا يشكو منه، من يعلم ما إذا فعل هذا أو لم يفعل؟ الله وحده، قال تعالى:

﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾

[سورة غافر: 19]

 حالات كثيرة جداً في الحياة لا يمكن لقانون وضعي أن يضبطها، حالات كثيرة جداً، لو أن فأرة وقعت في زيت وأخرجت الفأرة وبيع الزيت من يعلم؟ هل في الأرض كلها من يعلم ذلك. إلا أن الله يعلم..
 أنا كما وعدتكم في هذا الشهر إن شاء الله سنقف عند الآيات التي تحمل معنى القانون الثابت المطرد:

﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ﴾

 بإمكانك أن تمسك الزوجة بطهر إضراراً بها، تطلقها تطليقاً في طهر لم تمسها فيه، وتدعها إلى أن ينتهي القرء تراجعها ثم تطلقها لإيقاع الضرر بها. هذه النوايا لا يعلمها إلا الله، كل قانون وضعي ينتهي عند الظاهر لكن الله سبحانه وتعالى يصل إلى السرائر.
 واحد ببلد غربي تزوج زواجاً شرعياً مئة بالمئة، إيجاب وقبول ومهر وشاهدان في مركز إسلامي، وفي نيته أنه حينما تنتهي دراسته أن يطلقها. هذا الزواج عند معظم العلماء زنا، من يستطيع أن يعرف هذه النية؟ الشيء الظاهر عقد شرعي لا غبار عليه، ما من أحد على وجه الأرض يكشف الحقيقة.
 أنا ذكرت هذه الأمثلة، و لكن هناك ملايين الحالات لا يمكن لمخلوق أن يعرفها إلا الله:

﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ﴾

 بعني هذه الشاة وخذ ثمنها؟ قال له: ليست لي، قال له: قل لصاحيها إنها ماتت. قال: ليست لي. قال له: خذ ثمنها. قال له: إنني في أشدّ الحاجة لثمنها ولو قلت لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب لصدقني فإني عنده صادق أمين، ولكن أين الله؟
 الإنسان إذا قال: أين الله؟ وضع يده على جوهر الدين. هذه واحدة.

توجيه الله عز وجل في شأن الزواج :

 الآن في شأن الزواج، هذا توجيه الله عزّ وجل، يقول الله عزّ وجل:

﴿ وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾

[سورة البقرة: 221]

 إذا أنت قرأت القرآن، وقلت: صدق الله العظيم، وصدق رسوله الكريم، وقبّلت المصحف من ستة وجوه، ثم أردت أن تتزوج امرأة دينها قليل، لكن شكلها بارع، هل أنت مصدق لله عز وجل:

﴿ َلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ﴾

 هذا حكم الله، الدليل؛ قال:

﴿ ُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ﴾

 المرأة الفاسدة تدعو إلى النار، الزوج الفاسد ولو كان غنياً يدعو إلى النار، أي إذا أردت أن تأخذ بيد ابنتك إلى النار فزوجها بإنسان فاسد، إن أردت أن تذهب إلى النار فتزوج من امرأة فاسدة. لأن الله عزّ وجل قال:

﴿ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً ﴾

[سورة النساء: 76]

 وقال:

﴿ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ﴾

[سورة يوسف: 28]

 دقق، وازن، إن كيد الشيطان كان ضعيفاً.... أما إن كيدكن عظيم. فالإنسان حينما يُؤْثِر في المرأة المال والغنى والحسب والنسب والجمال على حساب الدين، جعل نفسه مقوداً إلى النار وهو لا يدري:

(( تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة]

 من تزوج المرأة لجمالها أذله الله، ومن تزوج المرأة لمالها أفقره الله، ومن تزوجها لحسبها زاده الله دناءة، فعليك بذات الدين تربت يدك.
 إذاً الذي آثرته لجماله، أو لغناه، أو التي آثرتها لجمالها، أو لحسبها، أو لنسبها، وكان في دينها رقة، هذه تدعو إلى النار. أما إذا آثرت الصالحة المؤمنة فهذه تدعو إلى الجنة.
 بالمناسبة... الذي عنده زوجة مسلمة، مطبقة للشرع، تحفظ نفسها في غيبة زوجها، هذه الزوجة يجب أن تعامل بأعلى درجة من الاحترام، لأنها تأخذ بيد زوجها إلى الجنة، فلو أنها فسدت، وانحرفت يميناً وشمالاً، ماذا يفعل؟ له منها خمسة أولاد هذه مصيبة كبيرة.
 الشيء الثاني؛ تسمعون من بعض المتطرفين فتاوى تجيز أن تؤتى المرأة من غير المكان الذي شرعه الله، يلوون أعناق النصوص، يشدون النصوص، مع أن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[سورة البقرة: 223]

 نساءكم حرث لكم في مكان توضع فيه البذرة فينمو الغلام هذا المكان المسموح.

﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ﴾

 هذه آية قطعية في دلالتها.

من حلف يميناً فليكفر عنه و ليفعل الخير :

 الشيء الثاني الأساسي؛ البارحة أخ سألني أنه حلف يميناً ألا يفعل هذا الشيء، قلت بلا تردد وببساطة كفّر عن يمينك وافعل الخير:

﴿ وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

[سورة البقرة: 224]

 ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم، لا تجعل اليمين الذي أقمته حجاباً بينك وبين فعل الخير، أنت مخلوق لفعل الخير، فأي يمين حلفته كفّر عنه، وافعل الخير. ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم.
 مرة ثانية أنا أقف عند الآيات التي تعطي معنى القانون الثابت عند سنن الله الثابتة.

الاعتداء على الآخرين ظلم للنفس :

 الآن يقول الله تعالى:

﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آَيَاتِ اللَّهِ هُزُواً وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾

[سورة البقرة: 231]

 لو أنه إنساناً لا يتقن حفظ القرآن الكريم أراد أن يتذكر تتمة الآية يقول: ومن يفعل ذلك فقد ظلمها. أليس كذلك؟ الآية جاءت:

﴿ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾

 نستنبط أن الإنسان مهما ظلم الآخرين هو في الحقيقة يظلم نفسه، مهما كسب مالاً حراماً بذكاء واحتيال وشطارة هو في الحقيقة يظلم نفسه، مهما اعتدى على حقوق الآخرين وظن أنه قوي ومرن هو في الحقيقة يظلم نفسه. مثل بسيط؛ شخص جاء بحجر وحطم زجاج سيارته، وثمن الزجاج خمسة و ستون ألفاً، يكون أوقع الأذى بمن؟ بنفسه.
 كل إنسان يعتدي على الآخرين ويأخذ ما ليس له، ويعتدي على أعراضهم، ويحتال عليهم. هو في الحقيقة يظلم نفسه لأنه يحملها ما لا تطيق.

توجيهات من الله لمن يؤمن بالله و اليوم الآخر :

 الشيء الثاني... ربنا عزّ وجل أعطى توجيهاً قال:

﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[سورة البقرة: 232]

 فأي إنسان لو أنه طلق امرأته، لابد من أن يشوه سمعتها، لابد من أن يحطمها، كلما سئل عنها تكلم شيئاً يقال وشيئاً لا يقال من أجل أن يثبت للآخرين أنه طلقها وهو محق في تطليقه. هنا ربنا عزّ وجل يقول:

﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾

 أي أنا أحياناً حينما أجد أنه لا سبيل إلى الوفاق بين الزوجين أدعو لكل منهما بالدعاء التالي: أقول للزوج: رزقك الله زوجة أحسن منها. وأقول لولي الفتاة: رزقك الله صهراً أحسن منه، أي الله عزّ وجل عنده خير كثير، أما إذا لم يكن هناك نصيب من هذه فهل يجب أن نحطمها؟
 النقطة الدقيقة قال: ذلك - هذا التوجيه - يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر، أي إذا شخص ليس مؤمناً بالله الإيمان الكامل، الإيمان الذي يردعه عن معاصي الله، ولا يؤمن باليوم الآخر على أنه يوم حقيقي، سوف يسأل عن كل شيء، هذا التوجيه لا يستفيد منه. لذلك الآن نستفيد أن أي توجيه للإنسان قبل أن يؤمن بالله واليوم الأخر لا يجدي. أي إذا عرفت الأمر ولم تعرف الله تتفنن في التفلت منه، أما إذا عرفت الآمر وعرفت الأمر فتتفانى في طاعة الله عزّ وجل، فالله أعطى توجيهاً:

﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ﴾

[سورة البقرة: 232]

 أي أنت عندما يكون معك كتاب باللغة الإنكليزية وتترجى إنساناً ليقرأه لك، لو أنك عرفت أنه بالأساس أُميّ بكل اللغات، ألا تشعر بحرج وسخف أنك بذلت ماء وجهك لإنسان ليترجم لك كتاباً وهو لا يفهم شيئاً في اللغة الأجنبية. أنت حينما تسعى لتبين أمر الله لإنسان لا يعرف الله لا يصدق، ولا يستفيد.
أحياناً أقول: إنسان يصلي لكنه أخذ ما ليس له، أو اعتدى، أو ظلم، أنا أقول في نفسي: هذا لا يعرف الله. والله لو عرفه لما فعل هذا، لو عرفه لعد للمليون قبل أن يمد يده إلى هذا المال. تجد أناساً يعتدون على حقوق الآخرين، يعتدون على أموالهم، على أعراضهم، قصر العدل فيه دعاوى لا تعد ولا تحصى، أكثرها دعاوى كيدية، هؤلاء لو أنهم يصَلُّون في المساجد كما أراد الله، لو أنهم عرفوا أن هناك إلهاً سيحاسبهم، أن لهذه التي يظلمها رباً سيدافع عنها، أن لهذا المخلوق الأعجم إلهاً سيقتص من ظالمه، لوقف. فلذلك الله عزّ وجل قال:

﴿ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ﴾

 هذه التوجيهات لا لكل الناس، لمن آمن بالله واليوم الآخر فقط، و ما سوى ذلك فإن هذا كلام لا يترك أثراً في النفس.

كيفية التعامل بين الناس :

 آخر آية، والله أيها الأخوة؛ هذه الآية لو طبقها الناس لكان المسلمون كما وصفهم النبي عليه الصلاة والسلام كالجسد الواحد إذا اشتكى له عضو تداعى سائر الجسد بالسهر والحمى. قال:

﴿ وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾

[سورة البقرة: 237]

 صار عقد قران، زار زيارتين، ما صار هناك خلوة، ثم بدا له أن يطلقها، قد يكون محقاً أو غير محق، النتيجة بدا له أن يطلقها، قال:

﴿ وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾

 أي هناك مهر قد يكون خمسمئة ألف، أربعمئة ألف، مئتان مقدم و مئتان مؤخر، فنصف ما فرضتم، أي زرتهم مرتين كل زيارة كلفتك مئة ألف.
 لكن ربنا عزّ وجل جعل في الحق العدل قسرياً، أما الإحسان فجعله طوعياً قال:

﴿ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ﴾

 الولي، دقق الآن قال:

﴿ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾

 حقها أن تأخذ نصف المهر لأنها ظهرت أمامه، وانكشفت عليه، حقها أن تأخذ نصف المهر. قال:

﴿ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ﴾

 ثم يقول الله عزّ وجل:

﴿ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾

 عفونا، لا نريد شيئاً، وأنت أيها الزوج:

﴿ وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ﴾

 قدّم هدية ثمينة، قدّم إسوارة ثمينة، هم أعطوك المئتي ألف أنت قدّم خمسين ألفاً، قدّم خمسة و عشرين ألفاً، قدّم شيئاً. هذه القاعدة، بغير الطلاق تطبق، إنسان سامحك قدّم له شيئاً، إنسان خدمك اخدمه. اجعل المعروف ديناً عليك، العوام لهم كلمة: أكل الرجال على الرجال دين، أما على الأنذال فصدقة، شخص خدمك اخدمه، عمل معك معروفاً اعمل معه معروفاً، عاونك بشيء عاونه بشيء. أي لا تجعل المعروف فرضاً على الآخرين، اجعله فرضاً عليك:

﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾

 الحوار هذا أنه أنت أيها الزوج مادمت قد طلقت زوجتك قبل أن تمسها فعليك نصف المهر، هذه بنت الناس، هذه فتاة تعرفت على شاب، هذا الشاب ملأ حياتها، بعد شهر لا أريدها، الفتاة ليست قطعة قماش تغيّر تفصيلتها، تبرمجت معك، القضية تجعل فيها رضاً نفسياً كبيراً جداً، هذا الرضا النفسي مقابله أن تدفع نصف المهر، ويا أهل الفتاة و يا أيتها الفتاة زارك مرتين، وجمّع المهر بصعوبة بالغة، مصلحته ليست معك، فأراد أن يفترق عنك، اعفي عنه، عفونا عنك، الإنسان يجب ألا يكون عنده حساسية:

﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ﴾

 فهذا التوجيه يفيدنا كثيراً في التعامل بين الناس. في التعامل التجاري، وبين الجيران، والتعامل بين الأخوة، أحياناً الأخ مثلاً لا يعطي أخواته من الميراث، خذ الميراث لكن أحياناً تشتهي الفتاة شيئاً من الميراث فلا يعطوها إياه.

﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ﴾

 لو طبقنا هذه الآية لأغلقت المحاكم أبوابها، لو طبقنا هذه الآية لكنا كالبنيان المرصوص يشد بعضنا بعضاً، لو طبقنا هذه الآية لكنا كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
 إذا كان هناك إنسان بالأرض يحق له أن يتلقى خدمات الآخرين بلا مقابل هو النبي عليه الصلاة والسلام، سيد الخلق، ومع ذلك سيدنا ربيعة خدمه أسبوع قال له: يا ربيعة سلني حاجتك؟ النبي عليه الصلاة والسلام رأى خدمة ربيعة ديناً عليه.
 فأنت اعتبر كل خدمة تقدم لك ديناً عليك، لا تقل: أنا مفضّل على الناس، أنا يجب أن يخدموني.. لا.. أنت كن كواحد منهم. النبي عليه الصلاة والسلام بإمكانه أن يعيش فوق الجميع لكنه عاش بين الجميع، عاش كواحد منهم، كان مع أصحابه في سفر فأرادوا ذبح شاه، هذا قال: عليّ ذبحها، وقال هذا: عليّ سلخها، وهذا قال: عليّ طبخها، وقال عليه الصلاة والسلام: عليّ جمع الحطب، قالوا: نكفيك ذلك، قال: أعلم أنكم تكفونني ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه . هذه واحدة.
 كان مع أصحابه في معركة بدر، ثلاثمئة راحلة الأصحاب ألف، قال: كل ثلاثة على راحلة، وأنا وعلي وأبو لبابة على راحلة، ركب النبي وانتهت نوبته في الركوب، وجاء دوره في المشي فتوسلا إليه أن يبقى راكباً، قال:

(( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا يَوْمَ بَدْرٍ كُلُّ ثَلَاثَةٍ عَلَى بَعِيرٍ كَانَ أَبُو لُبَابَةَ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ زَمِيلَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: وَكَانَتْ عُقْبَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فَقَالَا: نَحْنُ نَمْشِي عَنْكَ؟ فَقَالَ: مَا أَنْتُمَا بِأَقْوَى مِنِّي وَلَا أَنَا بِأَغْنَى عَنِ الْأَجْرِ مِنْكُمَا ))

[ الحاكم وابن حبان عن عبد الله بن مسعود ]

 أنت عش بين الناس كواحد منهم، هم يرفعونك، أما إن رفعت نفسك عليهم أنت فسوف يبغضونك، ويتضايقون منك، ولا تنسوا الفضل بينكم. أعطِ كل ذي حق حقه.
 الملخص: كل الأعمال الصالحة التي تقدم إليك اجعلها ديناً عليك، والنبي قال: "تهادوا تحاببوا"، فعل تهادوا فيه مشاركة، قدم لك هدية قدم له هدية، قدم لك خدمة قدم له خدمة، أعانك على موضوع أعنه على موضوع.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018