٠03رمضان 1417 هـ - تأملات قرآنية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

تأملات قرآنية - الدرس : 01 - من سورة البقرة - البعوضة.


1997-01-09

البعوضة من آيات الله الدالة على عظمته :

 أيها الأخوة الكرام؛ حينما قال الله عزّ وجل في سورة البقرة:

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ ﴾

[سورة البقرة: 26]

 الحقيقة هذه الآية وهناك آيات كثيرة جداً على منوالها. أي أن الله عزّ وجل يقول:
 هذه البعوضة مَثَلٌ يستفيد منه المؤمنون ولا يعبأ به الكافرون. المثل واحد، فيا ترى نحن نفكر في البعوضة لنؤمن أم نؤمن فنستفيد منها أيهما أول؟ النقطة الدقيقة أن الكون مفعم بالآيات،
 تعلمون أن هذه البعوضة إذا وقفت على جسم الإنسان، والإنسان انزعج من وجودها، الكهرباء التي في أعصابه تشعر أن هناك زلزالاً فتهرب قبل أن تستطيع أن تقتلها، الكهرباء التي في أعصاب الإنسان حينما ينزعج من البعوضة تسبب فيها سيالة عصبية كهربائية والتي تشعرها أن هناك زلزالاً خطيراً، لذلك بإمكانك أن تقتل بعوضة على جسم أخيك بسهولة فائقة، وليس بإمكانك أن تقتل بعوضة على جسمك.
 الشيء الآخر أن هذه البعوضة لها جناحان، يرفان ستة آلاف رفة في الثانية، ولها جهاز - كما قلت سابقاً – رادار، تتجه إلى الطفل مباشرة لا إلى أثاث الغرفة، وجهاز تحليل، تفحص دم الذي تقف عليه، فقد يكون دمه لا ينفعها، وكذلك جهاز تخدير، بحيث أن الإنسان لا يشعر بلسعتها إلا بعد حين، وجهاز تمييع، لأن لزوجة الدم لا تسري في خرطومها، جهاز رادار وجهاز تحليل وجهاز تخدير وجهاز تمييع.
 ولها قلب مركزي، وقلبان جانبيان، لكل جناح قلب، ويرف جناحاها ستة آلاف رفة في الثانية، ولها محاجم، ولها مخالب، وهذه البعوضة كما قلت إن وقعت على جسم إنسان وشعر أن على جسمه بعوضة تحدث كهرباء في أعصابه، هذه الكهرباء تشعرها بالخطر، فتنطلق قبل أن تقتلها وهي بعوضة.

في القرآن والسنة استعمالات للكلمة بأسبابها :

 لو أن الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء. بعض هذا الكلام تعرفونه سابقاً، ولكن الشيء الذي أحبّ أن أقف عنده:

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ﴾

[سورة البقرة: 26]

 يا ترى نفكر في البعوضة حتى نؤمن أم نؤمن فنعظم خالق البعوضة؟ الآية نؤمن أولاً، الآن في القرآن الكريم وبالسنة المطهرة استعمالات للكلمة بأسبابها.
 ورد في كلام العرب أن بعضهم يقول: رعينا الغيث، الغيث لا يُرعى، الماء لا يُرعى، لكن رعينا كلأً سببه الغيث، فسمينا الشيء بمسببات، وقد نسمي الشيء بنسائبه، وقد نسمي الشيء ببديله.
 هذه من أساليب اللغة العربية، هنا معنى الذين آمنوا الذي أراد أن يؤمن، فلما قال النبي عليه الصلاة والسلام:

(( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُم ))

[ مسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه ]

 المعنى الدقيق الدقيق لكلمة لو لم تذنبوا في هذا الحديث ليس معنى هذه الكلمة أن تقع في الذنب، ولكن معنى الكلمة ألا تشعر بالذنب، هناك استعمالات كثيرة في اللغة العربية إما بأسبابها، أو بنتائجها، أو ببدائلها، أو بملابساتها، إنسان أذنب فلم يشعر بذنبه فهو ميت القلب فذهب الله به، إنسان أذنب فشعر كأن ذنبه كالجبل جاثم على قلبه. لو لم تذنبوا أي لو لم تشعروا بذنوبكم لذهب الله بكم وأتى بقوم يذنبون أي إذا أذنبوا أحسوا بذنوبهم، هنا موطن الشاهد:

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ﴾

[سورة البقرة: 26]

 هنا معنى الذين آمنوا، الذين أرادوا أن يؤمنوا، الذين اتخذوا قراراً بأن يؤمنوا، الذين بحثوا عن الحقيقة، الذين بحثوا عن الحق، الذين أرادوا الدار الآخرة، الذين أرادوا أن يكونوا مخلوقات كما أراد الله أن تكون. هؤلاء إذا فكروا بهذه البعوضة آمنوا. هذا قانون؛ أي إن لم ترد الإيمان، لو صعدت إلى السماء، لو نزل كتاب من السماء، لو قام إنسان من قبره فأخبرك لا تؤمن. والذي يؤكد هذا الأنبياء السابقون جاؤوا بمعجزات حسية ومع ذلك قومهم لم يؤمنوا. تفسير دقيق إن لم ترد الإيمان لا تؤمن.
 لو رأيت المعجزات الخالدات، لو رأيت كل ما خلقه الله من عظمة، والذي أراد الحقيقة أي شيء يدله على الله.

من أراد الحقيقة فكل شيء في الكون يدله عليها :

 قال تعالى:

﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً ﴾

[سورة البقرة: 26]

 أحياناً تقول كلمة، تشرح آية، تشرح حقيقة، تجد شخصاً انهمرت عيناه بالدموع خشوعاً وإجلالاً وتعظيماً. وإنسان إلى جانبه، ولسان حاله يقول: لم نفهم ما هذا، إنسان تهز أعماقه، وإنسان لا يعبأ بها. ما الفرق بين الرجلين؟ الأول أراد الحقيقة فبحث عنها فوجدها، والثاني ما أرادها فلما عُرضت عليه رفضها.

﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً ﴾

[سورة البقرة: 26]

 شيء واحد. مثل آخر:

﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ ﴾

[ سورة الشعراء : 198]

 لو أن القرآن نزل على الأعاجم فقرأته على أمتك أو على قومك يا محمد ، طبعاً لو قرئ عليهم بلغة أعجمية.
 أنت الآن اذهب إلى بلاد فارس، أو إلى أي بلاد لا تعرف لغتها إطلاقاً، واستمع إلى مناقشة ساعة. أنا أقسم بالله أنك لا تفهم ولا كلمة، قال:

﴿ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الشعراء : 198]

 دقق الآن:

﴿ كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ﴾

[سورة الشعراء: 200 ]

 إذا الإنسان كان مجرماً ومنحرفاً وقرأ القرآن بلسان عربي مبين، قرآن معجز عظيم كلام الله عزّ وجل لا يؤمن، كذلك أيضاً:

﴿ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾

[ سورة فصلت : 44]

﴿ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ﴾

[ سورة ألإسراء : 82]

 إذاً المثل الذي يوضح: أنت كإنسان، كآلة بصيرة عالية المستوى وغالية كثيراً، فيها ميزات رائعة، فيها خصائص مذهلة، إن أردت الحقيقة، هناك فيلم في الآلة كل شيء ينطبع عليه، وإن لم ترد الحقيقة هذه الآلة الغالية بلا فيلم، مهما التقطت من مناظر لا ينطبع عليها شيء.
 محور اللقاء اليوم:

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِين ﴾

[سورة البقرة: 26]

 أما هذا التعقيب

﴿ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِين﴾

 الإنسان حينما يفسق لا يفهم، حينما يفسق يضل، يؤكد هذا المعنى:

﴿ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾

[سورة يونس: 33 ]

 لذلك ملخص الآية: إن أردت الحقيقة، إن بحثت عنها، إن أردت أن تصل إلى الله، كل شيء في الكون يدلك عليه، وإن أعرضت عن الله ولم ترد الحقيقة أردت الدنيا، إن التقيت بأنبياء، لو رأيت المعجزات، لو نزل كتاب من السماء، لو شُقَّت الأرض فخرج ميت أنبأك بما رأى لا تؤمن، هذه نقطة.

الأصل في الأشياء الإباحة والأصل في العبادة الحظر :

 النقطة الثانية..: لا أحبّ أن أطيل عليكم أن بني إسرائيل لما طلبوا من سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام أن يسأل ربه عن البقرة، الآن الله عزّ وجل أمر ونهى، وأحل وحرم، وهناك شيء ثالث: أمر ونهى، وترك أشياء لم يأمر بها ولم ينه عنها. حلل وحرم وترك أشياء لم يحلها ولم يحرمها. هذه نقول سكت الله عنها.
 لو دققت في الذي سكت الله عنه لرأيت حكمة الله لا تعدلها حكمة، إن حكمة الله في الذي سكت عنه لا تقل عن حكمة الله في الذي أمر به أو الذي نهى عنه.
 أيها الأخوة الأكارم؛ لو تأدبنا مع الله عزّ وجل فالذي أمرنا به نأتمر به، والذي نهانا عنه ننتهي عنه، أما إذا سألنا عن أشياء سكت عنها الشرع ضيقنا على أنفسنا. إن الله أمركم بأشياء ونهاكم عن أشياء وسكت عن أشياء فلا تسألوا عنها رحمة بكم.
 الدين يسر، سيدنا عمر مرّ مع أصحابه على مجمع من ماء- غدير - فقال أحد أصحابه لصاحب الغدير: يا صاحب الغدير أترده السباع؟ قال عمر رضي الله عنه: يا صاحب الغدير لا تخبرنا.
 الأصل في الأشياء الإباحة، والأشياء لا تحرم إلا بنص، والأصل في العبادات النص ولا تفعل إلا بنص، إذاً هنالك فرق؛ الأشياء غير العبادات لا تحرم إلا بنص، أما العبادات لا تثبت إلا بالنص، فقاعدة العبادات اطلب الدليل الذي أثبتها والأشياء الأخرى التي أحلها الله لنا اطلب الدليل التي حرمها الله علينا.
 فالأصل في الأشياء الإباحة، والأصل في العبادة الحظر. العبادة لا تثبت إلا بالنص، والأشياء لا تحرم إلا بالنص، واحدة لا تثبت والثانية لا تحرم. فأنت إن رأيت إنسان يفعل فما لم يفعله النبي عليه الصلاة والسلام طالبه بالنص، وإن رأيت إنساناً يحرم على نفسه شيئاً لم يرد فيه تحريم قل له: أين النص الذي يحرم هذا؟ الأصل في الأشياء الإباحة.
 يقول لك شخص: هذه الكنزة مصنوعة ببريطانيا لا تلبسها... كلما سألت وضيقت يأتي التحريم. الذي أمر الله به تأتمر به، والذي نهى الله عنه تنتهي عنه. والذي سكت عنه اسكت عنه رحمة بك.

﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ * قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ ﴾

[سورة البقرة:67-71]

 قال علماء التفسير: كان يجزئهم أن يذبحوا أية بقرة، وهذه التي أمروا بها دفعوا ثمنها أضعافاً مضاعفة، وبحثوا عنها طويلاً، وبذلوا جهداً كبيراً.
 إن هذا الدين يسر، ولن يشادَّ أحدٌ هذا الدين إلا غلبه.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018