بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أدعية مأثورة - الدرس : 01 - اللهم ربنا ورب كل شيء.


2002-11-06

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

انعدام الوسيط بين العبد وربه :

عندما تقول: يا رب يقول الله لك: لبيك يا عبدي
أيها الأخوة الكرام: ذكرت لكم أنه في آيات الصيام جاءت آية الدعاء وهي قوله تعالى:

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾

[ سورة البقرة الآية: 186]

وقد وردت آيات كثيرة تزيد عن عشر آيات على صيغة متشابهة:

﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ﴾

[ سورة البقرة الآية :219]

﴿ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ﴾

[ سورة البقرة الآية :219]

﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ﴾

[ سورة البقرة الآية :222]

﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ﴾

[ سورة البقرة الآية : 189]

إلى آخر هذه الآيات إلا آية الدعاء:

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾

[ سورة البقرة الآية: 186]

استنبط علماء التفسير من آية الدعاء التي اختفت منها كلمة قل أنه ليس بين العبد وربه وسيط لمجرد أن تقول: يا رب، يقول الله لك: لبيك يا عبدي، وقد ورد أنه إذا قال العبد وهو راكع: يا رب، قال الله: لبيك يا عبدي، فإذا قال العبد وهو ساجد: يا رب، قال الله له: لبيك يا عبدي، فإذا قال العبد وهو عاص: يا رب، قال الله له: لبيك ثم لبيك ثم لبيك.

 

التائب من الذنب كمن لا ذنب له :

الله عز وجل ينتظر من عبده أن يتوب، أي أن التائب يفرح الله عز وجل:

(( لله أفرح بتوبة عبده من الضال الواجد، والعقيم الوالد، والظمآن الوارد ))

[السيوطي في الجامع الصغير عن أنس]

والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، ولا يعرف امرؤ السعادة التي تغمر قلب التائب إلا إذا تاب، كأن جبالاً أزيحت عن كاهله، يشعر بنشوة وبخفة وبسعادة ما بعدها سعادة قال تعالى:

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾

[ سورة البقرة الآية : 186]

أي إذا دعاني حقيقةً قد يصبح الدعاء جزء من طقوس نؤديها ولا نفقه معناها، قد يصبح الدعاء عادةً من عوائدنا، أما أجيب دعوة الداعي إذا دعاني حقيقةً قد يدعو الإنسان ربه وهو عاقد الأمل على غيره هذا لم يدعُ الله حقيقةً:

﴿ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾

[ سورة البقرة الآية : 186]

المخالفات والمعاصي والآثام حجب بين العبد وربه :

الشيء الذي يمنع الناس من أن يكون الدعاء ديدنهم هو وقوعهم في المخالفات، وقوعهم في المعاصي والآثام، لأن المخالفات والمعاصي والآثام حجب بين العبد وربه، إذاً أنت حينما تستجيب، أو حينما تلتزم، أو حينما تطيع، أو حينما تأتمر بما أمرت وتنتهي عما عنه نهيت، أنت حينما تفعل ذلك تستطيع أن تدعو الله عز وجل، وأن تتوكل عليه، وأن تعتمد عليه، ولكن لن تستطيع أن تستجيب له إلا إذا عرفته، إلا إذا عرفت من هو الله، ماذا عنده إذا أطعته؟ وماذا ينتظر العاصي إذا عصاه؟

﴿ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي ﴾

[سورة البقرة الآية : 186]

لابد من أن تدعوه حقيقةً مخلصاً، لابد من أن تعقد الأمل عليه، لابد من أن تضع ثقتك في قدرته، ثم لابد من أن تستجيب له، ثم لابد من أن تعرفه حتى تستجيب له:

﴿ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾

[سورة البقرة الآية : 186]

من كان مع الله كان الله معه :

أيها الأخوة الكرام: من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام:

(( اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ))

[ أبو داود وأحمد عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ]

هذه الشمولية التي ينعم بها المؤمن، هذه الشمولية في التصرف، أنت الذي تعبده هو رب كل شيء، بيده كل شيء، بيده الأقوياء، بيده الضعفاء، بيده الأغنياء، بيده الفقراء، بيده الحوادث، إليه يرجع الأمر كله، هذا شعور لا يعرفه إلا من ذاقه، أنت حينما تعبد الله تعبد خالق الأكوان، تعبد مسير الأكوان، تعبد من بيده مقاليد كل شيء، تعبد من إليه يرجع الأمر كله، تعبد من يعلم كل شيء، ومن يحاسب كل مخلوق مكلف.

(( اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ))

[ أبو داود وأحمد عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ]

أنت حينما تقيم شبكة علاقات قوية في مكان وتسافر إلى مكان آخر تفقد هذه الشبكة في المكان الآخر لأنه لا يعرفك أحد، أما حينما تقيم علاقةً قويةً متينةً مع الله فأينما سافرت، وأينما حللت، فالله معك.

 

معية الله في القرآن الكريم على طريقتين؛ معية عامة و معية خاصة :

بالمناسبة حينما تأتي معية الله في القرآن الكريم تأتي على طريقتين؛ هناك معية عامة، وهناك معية خاصة، فالمعية العامة هي قوله تعالى:

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾

[سورة الحديد الآية : 4]

أي معكم بعلمه، مع الكافر، مع المؤمن، مع المستقيم، مع المنحرف:

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾

[ سورة الحديد الآية :4]

أما حينما يقول الله عز وجل:

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[سورة الأنفال الآية : 19]

فقالوا: هذه معية خاصة، والمعية الخاصة تعني أنه معكم بالحفظ، والنصر، والتوفيق، والتأييد، وهو معكم أينما كنتم بالمعية العامة:

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الأنفال الآية: 19]

﴿ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾

[ سورة البقرة الآية :194]

المعية الخاصة:

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾

[ سورة الحديد الآية :4]

(( اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ))

[ أبو داود وأحمد عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ]

عظمة الإيمان أن الله الذي يعبده الإنسان يخضع له كل شيء :

عظمة الإيمان أن الذي تعبده يخضع له كل شيء، أن الذي تعبده بيده كل شيء، أن الذي تعبده مالك كل شيء، أن الذي تعبده كل شيء مصيره إليه، قال تعالى:

﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ* ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾

[سورة الغاشية الآيات:25- 26]

لا يقبل الله من الإنسان عقيدةً تقليداً إطلاقاً قال تعالى:

﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾

[ سورة محمد الآية: 19 ]

(( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي دُبُرِ صَلاتِهِ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ أَنَا شَهِيدٌ أَنَّكَ أَنْتَ الرَّبُّ وَحْدَكَ لا شَرِيكَ لَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ أَنَا شَهِيدٌ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ أَنَا شَهِيدٌ أَنَّ الْعِبَادَ كُلَّهُمْ إِخْوَةٌ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ اجْعَلْنِي مُخْلِصًا لَكَ وَأَهْلِي فِي كُلِّ سَاعَةٍ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ يَا ذَا الْجَلالِ وَالإكْرَامِ اسْمَعْ وَاسْتَجِبْ اللَّهُ أَكْبَرُ الأكْبَرُ اللَّهُمَّ نُورَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ رَبَّ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ اللَّهُ أَكْبَرُ الأكْبَرُ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ اللَّهُ أَكْبَرُ الأكْبَرُ))

[ أحمد و أبو داود عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ]

أنا شهيد أنك الرب وحدك، يا رب لا شريك لك، هذا هو التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، قال تعالى:

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾

[سورة الشعراء الآية : 213]

لمجرد أن تدعو مع الله إلهاً آخر عن وعي أو عن غير وعي، لمجرد أن تقع في الشرك الجلي أو في الشرك الخفي، فقد فتحت على نفسك أبواباً من العذاب:

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾

[سورة الشعراء الآية: 213]

النبي عليه الصلاة والسلام واثق من نصر الله له :

((اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ أَنَا شَهِيدٌ أَنَّكَ أَنْتَ الرَّبُّ وَحْدَكَ لا شَرِيكَ لَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ أَنَا شَهِيدٌ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ....))

[ أحمد و أبو داود عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ]

ماذا يعني أن يشهد النبي أنه رسوله؟ أن يشهد محمد بن عبد الله أنه رسول الله وأنه عبده؟ تعني هذه الشهادة أن النبي عليه الصلاة والسلام واثق من نصر الله له وهو في الطائف حينما كذب، وحينما سخر منه، وحينما أوذي، قال له سيدنا زيد: كيف تعود إلى مكة وقد أخرجتك؟ قال: إن الله ناصر نبيه.
وأنت حينما تقرأ في السيرة أن النبي عليه الصلاة والسلام في أثناء الهجرة أهدر دمه، ووضع مئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، تبعه سراقة قال له: كيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرى؟ والآن المؤمن حينما يغسل دماغه من خلال ما يسمعه، وحينما يتوهم أن المسلمين قد انتهوا، هو لم يشهد لرسول الله بالرسالة، النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

((اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ أَنَا شَهِيدٌ أَنَّكَ أَنْتَ الرَّبُّ وَحْدَكَ لا شَرِيكَ لَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ أَنَا شَهِيدٌ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ....))

[ أحمد و أبو داود عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ]

التمكين في الأرض له ثمن و ثمنه طاعة الله و امتثال أوامره :

يجب أن تثق أن الله لن يتخلى عن المؤمنين، وأنك حينما تطيعه لابد من أن يمكنك في الأرض، التمكين في الأرض له ثمن، المسلمون اليوم يتمنون التمكين في الأرض دون أن يدفعوا الثمن، يريدون أن يعيشوا كبقية الناس الشاردين الغافلين الغارقين في ملذاتهم، ومع ذلك يتمنون على الله أن يمكنهم في الأرض وهذا لن يكون، لأن الله عز وجل يقول:

﴿ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ ﴾

[ سورة النور الآية: 55 ]

حينما يكون دين الناس مرضياً عند الله عز وجل يمكنهم في الأرض، أما أن يمكنوا ودينهم دين مظاهر، دين ألقاب، دين اجتماع من دون تطبيق، فهؤلاء لن يمكنوا في الأرض.

 

عظمة هذا الدين أنه إنساني :

((اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ أَنَا شَهِيدٌ أَنَّكَ أَنْتَ الرَّبُّ وَحْدَكَ لا شَرِيكَ لَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ أَنَا شَهِيدٌ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ أَنَا شَهِيدٌ أَنَّ الْعِبَادَ كُلَّهُمْ إِخْوَةٌ...))

[أحمد و أبو داود عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ]

هذه النظرة الإنسانية قد تجد مجتمعاً يعامل أفراده معاملةً تفوق حدّ الخيال، ولكنه يعامل بقية الشعوب معاملةً وحشية يندى لها الجبين، هؤلاء ليسوا إنسانيين، عظمة هذا الدين أنه إنساني، إنساني النزعة.
سيدنا صلاح الدين رحمه الله تعالى حينما فتح القدس لم يسفك دماً إطلاقاً، بينما الفرنجة حينما فتحوا القدس قتلوا سبعين ألفاً في يومين أو ثلاثة، الإسلام إنساني، ما عرف التاريخ فاتحاً أرحم من العرب، لذلك من دعاء النبي عليه الصلاة والسلام:

((...أَنَا شَهِيدٌ أَنَّ الْعِبَادَ كُلَّهُمْ إِخْوَةٌ...))

بل إن بعض علماء الحديث في تفسيرهم لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ ))

[البخاري، مسلم، الترمذي، النسائي، ابن ماجه، أحمد، الدارمي عن أنس]

حينما تفهم هذا النص فهماً دقيقاً لا ترى أن معنى الأخوة هنا إلا الأخوة الإنسانية، أخوك في الإنسانية ما لم تحب له ما تحب لنفسك فلست مؤمناً، ما لم تحب لأخيك في الإنسانية ما تحبه لنفسك فلست مؤمناً.

 

علامات الإخلاص :

اللهم ربنا و رب كل شيء أنا شهيد أن العباد كلهم أخوة:

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾

[سورة الشورى الآية : 39]

و لكن لا عن حقد، و لا عن تنكيل، و لا عن تمثيل، و لا عن قهر، تنتصر و أنت في أعلى درجات الإنسانية، اللهم ربنا و رب كل شيء اجعلني مخلصاً لك لأن الإخلاص لله عز وجل هو روح الدين، ركعتان من مخلص خير من ألف ركعة من غير مخلص، أنت بالإخلاص ينفعك قليل العمل و كثيره، و من دون إخلاص لا ينفعك لا قليل العمل و لا كثيره، أنت بالإخلاص تتنزل عليك السكينة، الإخلاص أيها الأخوة علامته أن يستوي سرك و علانيتك، أن تستوي جلوتك و خلوتك، أن يستوي ظاهرك و باطنك، هذه من علامات الإخلاص، و من علامات الإخلاص أيضاً ألا تنتظر من الناس على عملك الصالح ثواباً، و ألا تعلق أهمية على ردود فعل من أحسنت إليهم، شكروك أم لم يشكروك، قدروا عملك أم لم يقدروه لأنك مخلص، من علامات الإخلاص ألا يزيد خيرك لمن شكرك و ألا يقل خيرك لمن لم يشكرك.

 

الإخلاص روح العبادة :

الإخلاص هو عبادة القلب
الإخلاص هو روح العبادة، بل إن الإخلاص هو عبادة القلب:

﴿ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ ﴾

[ سورة الزمر الآية :2]

الجوارح تنصاع إليه، و القلب يخلص في هذه العبادة، إن الإخلاص عبادة القلب، و إن الإخلاص لا يمكن أن يطلع عليه أحد من بني البشر إلا خالق الأكوان، الله عز وجل وحده يعلم ما إذا كنت مخلصاً أو غير مخلص، اللهم ربنا و رب كل شيء اجعلني مخلصاً لك و أهلي.

 

 

 

 

من يهتم بدينه فقط و لا يهتم بدين أهله ففي إيمانه خلل :

 

 

 

إن لم يتعد إيمانك إلى أهلك ففي إيمانك خلل
دققوا في قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا (6) ﴾

[ سورة التحريم الآية :6]

ما لم تنجح في أن تكون زوجاً مثالياً تأخذ بيد زوجتك إلى الله و رسوله، و ما لم تنجح في أن تكون أباً مثالياً تأخذ بيد أولادك إلى الله و رسوله، ففي إيمانك ثلمة، و في إيمانك خلل، لأن بيتك جزء من دينك، أما هذا الذي يلتزم بيوت الله و أهله و بناته و أولاده متفلتون، و لا يهتم لتفلتهم، و لا يحرص على دينهم، و لا على استقامتهم، فنقول: هذا الإنسان في إيمانه خلل كبير، بيتك جزء من دينك، علاقتك بزوجتك جزء من دينك، أن تحرص على هدايتها جزء من دينك، أن تعينها على طاعة الله جزء من دينك، أن تحملها على طاعة الله جزء من دينك، أولادك جزء من دينك.
ظاهرة عجيبة جداً يهتم الإنسان بدينه فقط و لا يهتم بدين أهله، و قد تجد في الطريق امرأة محجبة و إلى جانبها ابنتها و هي متفلتة، كيف ترضى هذه الأم أن تمشي مع هذه البنت؟ النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الدعاء يقول:

(( اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، اجْعَلْنِي مُخْلِصاً لَكَ وَأَهْلِي فِي كُلِّ سَاعَةٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ....))

هناك عند بعض المؤمنين المقصرين تأتي موجات إيمان، وموجات تقصير، وموجات غفلة، وموجات وقوع في المخالفات، الإنسان ساعة وساعة، ليس معنى ساعة وساعة أنها ساعة طاعة وساعة معصية، مستحيل ساعة تألق وساعة فتور، لو بقيتم على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة ولزارتكم في بيوتكم، أما نحن معاشر الأنبياء -كما قال عليه الصلاة والسلام - تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا، أما أنتم يا أخي فساعة وساعة.
ساعة وساعة يفهمها بعض المسلمين فهماً ما أراده النبي إطلاقاً، يفهمونها ساعة طاعة وساعة معصية، بينما الحقيقة أنها ساعة تألق وساعة فتور، إن للنفس إقبالاً وإدباراً فإذا أقبلت فاحملها على النوافل، وإذا أدبرت فاحملها على الفرائض.

(( اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، اجْعَلْنِي مُخْلِصاً لَكَ وَأَهْلِي فِي كُلِّ سَاعَةٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ....))

بطولة الإنسان أن يحبه من حوله و يقدروا مكانته :

في حياتنا أشخاص نحبهم ولا نقدرهم، وهناك أشخاص نقدرهم ولا نحبهم، لكن العظمة أنك إذا أقبلت على الله عز وجل بقدر ما تعظمه بقدر ما تحبه، والبطولة أن يحبك الذين حولك، وأن يقدروا مكانتك:

(( يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، اسْمَعْ وَاسْتَجِبْ...))

اسمع: فعل أمر، ولكن في علم البلاغة إذا جاء الأمر من الأدنى إلى الأعلى قيل له: دعاء، فإذا جاء الأمر من مساوٍ إلى مساوٍ قيل له: التماس، فإذا جاء الأمر من أعلى إلى أدنى قيل له: أمر، فهو في الإعراب فعل أمر، أما في المعنى البلاغي فهو دعاء؛ يا رب اسمع واستجب.

(( يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، اسْمَعْ وَاسْتَجِبْ، اللَّهُ أَكْبَرُ الْأَكْبَرُ، اللَّهُمَّ نُورَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، اللَّهُ أَكْبَرُ الْأَكْبَرُ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، اللَّهُ أَكْبَرُ الْأَكْبَرُ))

حسبي الله أي يكفيني أن أعرف الله، يكفيني أن يكون الله راضياً عني، ما يحتاجه المسلمون اليوم النصر المبدئي أن يكون الله حسبك.

(( اللَّهُ أَكْبَرُ الْأَكْبَرُ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، اللَّهُ أَكْبَرُ الْأَكْبَرُ))

أيها الأخوة الكرام: هذا دعاء من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام فيه شمولية، وفيه إشارة إلى الإخلاص، وإشارة إلى الالتزام، وإشارة إلى العناية بالأهل، وإشارة إلى الثقة بالله عز وجل.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018