أحاديث قدسية - الدرس : 03 - ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنىً وأسدّ فقرك.

2002-11-08

 الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

كل أعمال الدنيا مهما ارتقت تنتهي بالموت :

 أيها الأخوة الكرام، فيما أخرجه الترمذي في جامعه بسنده قال:

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلَأْ صَدْرَكَ غِنًى وَأَسُدَّ فَقْرَكَ وَإِلَّا تَفْعَلْ مَلَأْتُ يَدَيْكَ شُغْلًا وَلَمْ أَسُدَّ فَقْرَكَ))

[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 أيها الأخوة، حقيقة مهمة جداً هي أن هناك أعمالاً لها أثر في المستقبل، و هناك أعمالاً لا أثر لها في المستقبل إطلاقاً، مثلاً من واقع الدنيا لو ذهبت إلى بلد، و درست اختصاصاً نادراً، هناك اختصاصات تدر على صاحبها في الشهر مليون ليرة، لو ذهبت إلى بلد، و أمضيت فيه بضع سنوات، و درست، و نلت شهادة نادرة جداً، المؤسسات الضخمة بحاجة إليك، أو لو جلست مع أصدقائك تلعب النرد، كلاهما عمل، العمل الأول له أثر مستقبلي، هذه الشهادة هيأت لك دخلاً فلكياً، بينما لعب النرد ليس له أثر إطلاقاً في المستقبل، الآن: هذا المثل منطلق لو أنك آمنت بالله، لو أنك تعرفت عليه، لو أنك فكرت في ملكوت السموات و الأرض، لو أنك تعرفت إلى منهج الله، لو أنك حملت نفسك على طاعته، هذا عمل، لكن أثره المستقبلي جنة عرضها السموات و الأرض إلى أبد الآبدين، بينما كل أعمال الدنيا مهما ارتقت تنتهي بالموت، مهما بلغت من مكان رفيع، مهما بلغت من ثروة طائلة، مهما بلغت من عز الدنيا، لابد من أن توضع في القبر، فالذي يحصله الإنسان في عمر مديد يخسره في ثانية واحدة.

 

الإنسان خاسر لا محالة لأن مضي الزمن يستهلكه :

 لذلك هذا الحديث القدسي يقترب من سورة العصر:

﴿ وَالْعَصْرِ ﴾

[ سورة العصر: 1]

 يقسم الله بمطلق الزمن:

﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾

[ سورة العصر: 2]

 خاسر لا محالة، لأن مضي الزمن يستهلكه، أنت بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منك، مضي الزمن يستهلكه، فالإنسان خاسر لأنه يتناقص، لو أن لأحدنا عمراً يقدر بسبعة و ستين عاماً، كل ثانية تمضي يقترب من نهايته، نحن بضعة أيام عشنا إلى رمضان هذا و لا ندري أنعيش إلى رمضان آخر؟ لا أحد يضمن أن يعيش ثانية بعد التي هو فيها، و من عدّ غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت، فلذلك هذا الوقت الثمين الذي هو أنت، الذي هو رأسمالك، الذي هو أثمن ما تملكه، هذا الوقت الثمين ينفق على طريقتين: إما ينفق استهلاكاً كلعب النرد، مهما استمتعنا بالحياة، و جلسنا في بيوت جميلة، و انتقلنا إلى أماكن جميلة، و أكلنا أطايب الطعام، و استمتعنا بكل ملذات الحياة، يأتي ملك الموت ليأخذ منا كل شيء، بربكم لو أن أحداً منكم ذاق ألوان الطعام الطيبة في ولائم عديدة ،ثم آلمه سنه ألماً لا يطاق، لو تذكر طعم الطعام الذي أكله هل يذهب عنه ألم سنه؟ إذاً: الاستمتاع بالحياة ليس له أثر مستقبلي إطلاقاً، الاستمتاع بالحياة ديدن أهل الأرض، أهل الأرض ديدنهم الاستمتاع بالحياة، يأتي ملك الموت فينهي كل شيء، الموت ينهي غنى الغني و فقر الفقير، و قوة القوي و ضعف الضعيف، و دمامة الدميم، و ذكاء الذكي و غباء الغبي، ينهي الموت كل شيء، و ترون أنتم بأم أعينكم كيف أن ملوكاً و أغنياء غادروا الدنيا شأنهم شأن أي إنسان على وجه الأرض، كل مخلوق يموت.

 

الوقت الثمين ينفق استهلاكاً أو ينفق استثماراً :

 فيا أيها الأخوة، هذا الوقت الثمين الذي هو أنت إما أن ينفق استهلاكاً أو أن ينفق استثماراً، إما أن تنفقه في عمل له أثر مستقبلي بعد الموت، وإما أن تستمتع بمتعة آنية تنقضي مع انقضاء وقتها، لذلك جاءت الآية الكريمة التي لو تدبرها الناس لوسعتهم:

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة العصر: 1-3]

 أي يومك إن خلا من زيادة علم بالله، و من عمل صالح تتقرب به إلى الله، و من دعوة إلى الله بشكل أو بآخر، و من صبر عن معصيته، و على طاعته، و على قضائه و قدره، فهذا اليوم خسارة و لو بعت بمليون ليرة، لو حققت ربحاً مادياً فلكياً هو خسارة عند الله، لأن الله هو الذي يعلم، و الله يعلم و أنتم لا تعلمون، فابن آدم تفرغ لعبادتي، هذا الوقت أيها الأخوة له زكاة، كيف أن للمال زكاة للوقت أيضاً زكاة، إن أنفقت زكاة مالك حفظ الله لك بقية مالك، و إن أنفقت زكاة وقتك حفظ الله لك بقية وقتك، و بارك الله لك في وقتك، و فعلت في الوقت القليل الشيء الكثير، و أما الذي لا يقتطع وقتاً من وقته لعبادة الله يقول لك: لست فارغاً، أنا مشغول:

إلى متى أنت باللذات مشغول  و أنت عن كل ما قدمت مسؤول
تعصي الإله و أنت تظهر حبه  ذاك لعمــري في المقال شنيع
لو كان حبك صادقاً لأطعتـه  إن المـــحب لمن يحب يطيع
***

الإنسان حينما يعمل عملاً صالحاً ينفق الوقت استثماراً :

 تفرغ، لابد من وقت فراغ، إن لله عملاً في النهار لا يقبله بالليل، و إن لله عملاً في الليل لا يقبله بالنهار، الآن إذا أديت زكاة وقتك فاقتطعت من وقتك وقتاً لعبادتك، لأداء الصلوات الخمس بإتقان، لقراءة القرآن، لحضور دروس الإيمان، لدعوة إلى الله، لعمل صالح، لصلة ذوي القربى، لخدمة المؤمنين، أنت حينما تعمل عملاً صالحاً تنفق الوقت استثماراً، هذا الذي ذهب إلى بلد غربي، و درس و نال شهادة نادرة جداً، الآن درّت عليه كل شهر مليون ليرة، إذاً الوقت الذي أمضاه في الدراسة ليس ضائعاً، وقت مستثمر، و نحن في هذه الدنيا المحدودة إذا عشنا استرخاء و استمتاعاً بالحياة أنفقنا الوقت إنفاقاً استهلاكياً، متى نتألم؟ حينما نغادر الدنيا:

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ* لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا ﴾

[ سورة المؤمنون: 99-100]

 هل تصدقون أيها الأخوة أن النبي عليه الصلاة و السلام كان يمشي مع أصحابه فرأوا قبراً فقال:

(( صاحب هذا القبر إلى ركعتين مما تحقرون من تنفلكم خير له من كل دنياكم))

[ رواه ابن المبارك عن أبي هريرة ]

 يوجد شركات عملاقة فائض أرباحها يساوي ميزانيات دول، يوجد شركة أرباحها السنوية تساوي الدخل القومي لمجموعة دول، لو أنك تملك مثل هذه الشركة، هي ملكك و لم تحقق الذي خلقت من أجله فأنت خاسر.

 

من يتفرغ لعبادة الله يملأ الله صدره غنى و يسدّ فقره :

 أيها الأخوة، ابن آدم تفرغ لعبادتي، لا تقل مشغولاً، أي مثلاً لو أنك أتيت بشهادة عالية، و فتحت عيادة، و وضعت على باب العيادة أن أوقات الزيارة بين الخامسة و السابعة، و جاءك مريض في الساعة السادسة، هل يمكن أن تقول له: أنا مشغول، لماذا أنت هنا؟ تقول: مشغول لشيء من الدنيا، تقول: مشغول لعمل تافه، لعمل سخيف، لعمل لا جدوى منه، لعمل ليس له أثر مستقبلي، أما أنت تقول: مشغول لأداء عبادة، مشغول لأداء صلوات، مشغول لقيام الليل في رمضان، مشغول لطلب العلم، مشغول لتربية الأولاد، ابن آدم:

((... تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلَأْ صَدْرَكَ غِنًى))

[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 تحس بالغنى، تحس بالتوازن، تحس أنك بعين الله:

﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾

[ سورة الطور: 48 ]

 تحس أن الله معك، و إذا كان الله معك فمن عليك؟ تحس أنك وصلت إلى كل شيء، ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، و أنا أحب إليك من كل شيء.
 أنت حينما تتفرغ لعبادة الله ينطبق عليك قوله تعالى:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾

[ سورة الليل: 5-7 ]

 الإحساس بالتيسير إحساس لا يوصف، الأمور كلها تجري لصالحك، الأمور ميسرة، عملك ميسر، زواجك ميسر، تربية أولادك ميسرة، تزويج بناتك ميسر:

((... تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلَأْ صَدْرَكَ غِنًى وَأَسُدَّ فَقْرَكَ وَإِلَّا تَفْعَلْ مَلَأْتُ يَدَيْكَ شُغْلًا ...))

[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 و عزتي و جلالي لا أقبض عبدي المؤمن، إن لم ترض بما قسمته لك فلأسلطن عليك الدنيا، تركض فيها ركض الوحش في البرية، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك و لا أبالي، و كنت عندي مذموماً، أنت تريد و أنا أريد فإذا كلمتني فيما أريد كفيتك ما تريد، و إن لم تكلمني فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد.

 

الحياة من أعظم النعم لأن الإنسان في الحياة يتوب إلى الله ويتدارك كل تقصير :

 متى تكون خيبة الأمل؟ متى يكون الشعور بالخسارة؟ عند مجيء ملك الموت:

﴿ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ﴾

[سورة الزمر: 56]

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا ﴾

[سورة المؤمنون: 99-100]

 أيها الأخوة، نحن أحياء و الحياة من أعظم النعم، إنك في الحياة تتوب إلى الله، و في الحياة تتدارك كل تقصير، و تصحح كل خلل، و تسد كل فجوة، مادمت حياً، أكبر نعمة أن القلب ينبض، بإمكانك أن تفعل كل شيء، أما إذا ابتعدت عن منهج الله كنت في خسارة ما بعدها خسارة، و إلا تفعل ملأت يديك شغلاً، أندم الناس من عاش فقيراً ليموت غنياً، أندم الناس غني دخل ورثته بماله الجنة و دخل هو بماله النار، أندم الناس عالم دخل بعلمه النار و الذين علمهم دخلوا الجنة، فالقضية خطيرة جداً، إن تفرغت لعبادة الله ملأ صدرك غنى، و سدّ فقرك، أي كيف أنك تؤدي زكاة مالك ليحفظ الله لك بقية مالك عليك أن تؤدي زكاة وقتك، إن أديت زكاة وقتك بالتفرغ لعبادة الله يمكن أن تفعل في الوقت المحدود الشيء المستحيل، عندئذ يبارك الله لك في وقتك، أمورك ميسرة:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾

[ سورة الليل: 5-7 ]

 الأمور ميسرة.

 

الإنسان من خوف الفقر في فقر و من خوف المرض في مرض :

 هذا الحديث أولاً صحيح:

((يَا ابْنَ آدَمَ تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي ......))

[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 لا تقل: أنا مشغول:

((يَا ابْنَ آدَمَ تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلَأْ صَدْرَكَ غِنًى وَأَسُدَّ فَقْرَكَ وَإِلَّا تَفْعَلْ مَلَأْتُ يَدَيْكَ شُغْلًا وَلَمْ أَسُدَّ فَقْرَكَ))

 أَمْلَأْ صَدْرَكَ غِنًى وَأَسُدَّ فَقْرَكَ، لأنك من خوف الفقر في فقر، و من خوف المرض في مرض، و توقع المصيبة مصيبة أكبر منها، أما الذي يتفرغ لعبادة الله فيملأ الله له صدره بالغنى، وَأَسُدَّ فَقْرَكَ، تأتي الأمور كما تريد، الأمور ميسرة، وَإِلَّا تَفْعَلْ مَلَأْتُ يَدَيْكَ شُغْلًا وَلَمْ أَسُدَّ فَقْرَكَ.