الخطبة 1105 : خ1 - حكم الاحتفال بذكرى المولد3 ، خ 2 - حينما تطبق السنة تكون أقوى بالحديث عنها.

2009-03-20

الخــطــبـة الأولــى :

     الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وآل بيته الطيبين الطاهرين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين.
     اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

من تحدث عن النبي الكريم دون التخلق بأخلاقه لن يذوق طعم الإيمان :

     أيها الأخوة الكرام، قبل أن أمضي كما وعدت في الخطبة السابقة أن أتابع الحديث عن رحمته، لابدّ من مقدمة وجدتها مناسبة جداً، هذه المقدمة: أنا حينما أستمع إلى شمائل النبي عليه الصلاة والسلام، حينما أرى أخلاقه العلية في بيته، مع أصحابه، في حله، في ترحاله، في فقره، في غناه، هذه الأخلاق تعجبني وأتأثر وأقول ما أروعك يا سيدي يا رسول الله، ولكن ما دمت في حيز الإعجاب وأتحدث عنه أيضاً وأنا في عالم آخر، قد تتحدث عن إغاثة الملهوف ألف مرة ولا تغيث ملهوفاً في الخمس سنوات مرة، قد تتحدث عن التواضع ألف مرة ولا تكون متواضعاً في يومك مرة، هذا الانفصال بين ما نسمع عن أخلاق النبي وبين واقع المسلمين، معظم المسلمين يرتادون المساجد، يستمعون إلى الخطب، يتأثرون، يعجبون، يا ترى في حياتهم اليومية هل يطبقون ؟ ماذا ينفعنا أن نشيد برسول الله ؟ أنا أريد الحقيقة المرة لو أمضينا كل أعمارنا في الحديث عن رسول الله ونحن لم نتخلق بأخلاقه لا نذوق طعم الإيمان.

الفرق الكبير بين حقائق الإيمان المودعة في الكتب و بين التخلق بها :

     أخوتنا الكرام يقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ ))

[ متفق عليه عن أنس بن مالك ]

     فرق كبير، كبير كبير بين حقائق الإيمان المودعة في الكتب، أي إنسان يقرأ ويكتب يطلع عليها، ويعجب بها، ويشيد بها، ويتأثر بها، لكن ما لم تتحرك لتطبيقها، ما لم تجعلها واقعاً في حياتك، ما لم تتخلق بها لن تنتفع إطلاقاً لا من ذكرى مولد النبي عليه الصلاة والسلام ولا من أي موضوع إسلامي آخر، يعني أليس هناك سؤال كبير، مليار وخمسمئة مليون مسلم يدينون بدين الحق، معهم وحي السماء، أتباع سيد الأنبياء، خمس دول محتلة، ثرواتهم ليست بيدهم، أمرهم ليس إليهم، للطرف الآخر عليهم ألف سبيل وسبيل ألم تسأل نفسك يوماً أين الخلل ؟ أين الخطأ ؟ أين التقصير ؟
     أخوانا الكرام، أحياناً أن تأتي إلى المسجد، وأن تستمع إلى الخطبة، جزء من عاداتك، شيء طبيعي جداً كل مسلم يوم الجمعة يغتسل، ويرتدي أجمل ثيابه، ويتعطر، ويأتي إلى المسجد، لكن في البيت في الأيام الستة هل أنت مطبق لهذا المنهج ؟ في عملك، في بيعك، في شرائك، في زواجك، في عرسك هل تجمع النساء الكاسيات العاريات وتقف أمامهم مع زوجتك لتقدم لها الحلي، أين دينك ؟
     أيها الأخوة، هذا الانفصام بين ما نسمع كل أسبوع وبين ما نقرأ، وبين ما نتحدث وبين واقعنا، الذي أتمناه عليكم أن هذه الشمائل المحمدية التي هي محور ذكرى مولده صلى الله عليه، هل حولت عشراً منها إلى واقع ؟ هل حولت واحد بالمئة منها إلى واقع ؟ هل عاملت زوجتك كما عامل النبي زوجته ؟ هل اعتنيت بأولادك ؟ هل لاعبتهم ؟ هل حببتهم إليك ؟ هل كان دخولك إلى البيت عيداً عندهم أم كان الخروج عيداً ؟ أين أنت من هذا الدين ؟ ألم يخطر في بالك يوماً أن تسأل نفسك هذا السؤال المحرج أين أنا مما أسمع ؟

الغفلة تبعد الإنسان عن الله تعالى :

     أيها الأخوة، إلى متى نحن غافلون ؟ إلى متى نحن نرحب بكل ما يقال عن النبي عليه الصلاة والسلام ونبتعد عن سنته كلياً ؟ من أين أتيت بهذا الكلام ؟ من كثرة الاتصالات الهاتفية التي أسمع من خلالها قسوة في معاملة الزوجات، قسوة في معاملة الأولاد، بعداً عن طريق الحق، أتتمنى أن ننصر على هذه الحال ؟ النبي وأصحابه الكرام قمم البشر في أحد عصوا أمره فلم ينتصروا، ولو أنهم انتصروا لسقطت طاعة رسول الله، وفي حنين لم ينتصروا لأنهم وقعوا في شرك خفي حينما قال أحدهم:

(( لن نغلب من قلة ))

[ أخرجه أبو داود والترمذي والحاكم عن ابن عباس ]

     فإذا كان نخبة الخلق، نخبة الخلق لمعصية في أحد لم ينتصروا ولشرك خفي في حنين لم ينتصروا فكيف بأمة ترزح تحت المعاصي والآثام ؟ ونقول أين الله لما لم ينصرنا ؟

تطبيقنا لمنهج النبي الكريم في حياتنا يبعدنا عن عذاب الله عز وجل :

     أيها الأخوة، لا تقبل أن تأتي إلى المسجد هكذا أديت صلاة الجمعة، سقط الوجوب وإن لم يحصل المطلوب، ماذا تعلمت من هذه الخطبة ؟ ذهبت إلى البيت الأكل غير جاهز هل غضبت أم صبرت كما صبر النبي عليه الصلاة والسلام ؟ إن سألتك زوجتك أتحبني ؟ تذكر كل عيوبها مع هذا السؤال، تقع الفرقة، يقع الابتعاد، أما النبي عليه الصلاة والسلام قال لها: حبي لك كعقدة الحبل، كانت تسأله من حين لآخر كيف العقدة ؟ فيقول على حالها، ألا يمكن أن تطبق هذا المنهج في حياتك ؟ كيف كان النبي عليه الصلاة والسلام يلاعب أولاده في البيت يركبون على ظهره، يرتحلونه، كيف ؟ كيف كان يسلم على الصبيان ؟ كيف كان يتحبب إليهم ؟ كيف كان يلاعبهم ؟ كيف كان يجري معهم ؟ كيف كان يدعوهم لركوب الناقة ؟ ألا تريد أن تكون سعيداً في البيت، يعني إلى متى نستمع ونتأثر ونثني على من قال هذا الكلام وحياتنا بعيدة عن منهج النبي عليه الصلاة والسلام بعد الأرض عن السماء، ألم نفهم قوله تعالى:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ (33) ﴾

( سورة الأنفال)

     والله من سابع المستحيلات أن نعذب ونحن نطبق منهج النبي عليه الصلاة والسلام، من سابع المستحيلات أن نهزم ونحن نطبق منهج النبي عليه الصلاة والسلام:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ (33) ﴾

( سورة الأنفال)

اللذة و السعادة :

     أيها الأخوة الكرام، حينما تنفصل الفكرة عن الواقع نكون في مصيبة كبيرة، صار في إدمان على سماع الدروس، إدمان على سماع الخطب، إدمان فقط، حياته وعصبيته وكلامه القاسي وضربه المبرح وقسوته على زوجته والتجهم في وجه زوجته، هذا الذي ألفه، وكل شيء يسمعه في الجامع موضوع ثان، يسمعه يتأثر فيه ويرويه للآخرين، أين واقعه ؟ نريد هذه اللفتة، اسأل نفسك كل دقيقة أين أنت من هذا الدين ؟ أين أنت من منهج سيد المرسلين ؟ أين أنت من أحكام الشريعة ؟ فإذا استقمنا جميعاً صدقوا ولا أبالغ:

(( لن تغلب أمتي من اثني عشر ألفاً من قلة ))

[ الجامع الصغير ]

     صدقوا ولا أبالغ، اثنا عشر ألفاً من المؤمنين يقفون في وجه أكبر الجيوش، وهذا حصل في غزة، قيامهم في الليل، قراءتهم للقرآن، صومهم صوم نفل، جعلهم يصمدون أمام أعتى جيش في المنطقة.
     أيها الأخوة الكرام، ينبغي أن تقول لي أنا أسعد الناس بهذا الدين، ينبغي أن يكون بيتك جنة ولو كان صغيراً، ولو كان مستأجراً، ولو كان دخلك محدوداً، ولو كنت في وظيفة متواضعة، أخوانا الكرام اللذة غير السعادة، اللذة تأتي من مكان جميل، من بيت واسع، من إطلالة رائعة، من زوجة جميلة، من تنعم بمباهج الحياة الدنيا هذه اللذائذ، هذه للذائذ لن تكون مستمرة ولا متنامية بل متناقصة، فإن كانت في معصية الله أعقبتها كآبة، أما السعادة شيء آخر، السعادة تنبع من الداخل لا تحتاج لا إلى بيت واسع، ولا إلى امرأة جميلة، ولا إلى طعام نفيس، ولا إلى مناظر خلابة، تحتاج إلى رضوان الله، فلذلك اللذة متناقصة وتعقبها كآبة، وطبيعتها مادية، ولا تأتي إلا من خارج النفس، وهي متناقصة، بينما السعادة تنبع من أعماق النفس، وهي متنامية، ومستمرة، وتتصل بالجنة، والسعادة أن تتصل بالله، السعادة أن تكون ربانياً، السعادة أن تطبق منهج رسول الله.

النبي الكريم قدوة لنا علينا تقليده في كل شيء :

     فيا أيها الأخوة الأكارم، ينبغي أن نضع حداً لهذا الانفصام بين السماع وبين العمل، ينبغي أن نضع حداً بين واقع لا يرضي وبين مثل نعجب بها، إعجابنا بها لا يقدم ولا يؤخر، بربكم لو أن ابناً أمياً لا يقرأ ولا يكتب وله أب عالم كبير، وأمضى كل حياته في مديح أبيه، والله الذي لا إله إلا هو لا يرقى ولا شعرة مع كل هذا المديح، أي صار شيء من عاداتنا بذكرى المولد نأتي بالمنشدين، نأتي بالحلويات، نجمع الناس، نرش ماء الزهر وانتهى الأمر، عاد إلى بيته، إلى المعاصي، إلى الآثام، إلى القسوة، إلى الضرب، أنا لا أتكلم من فراغ أنا أتكلم من واقع، أنا أكثركم اطلاعاً عليه من كثرة الاتصالات التي تأتيني من بيوتات المسلمين، مسلم، قاسٍ، عنيف، لئيم، محتال، ليس هذا هو المسلم.
     أيها الأخوة، كان أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام يقرؤون عشر آيات فإذا أتموا تطبيقها انتقلوا إلى عشر آيات أخرى، حاول أن تعيش الإسلام، تعيش سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، تعيش أخلاقه، تعيش شمائله، حاول تقلده بكل شيء هو قدوة لنا:

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (21) ﴾

( سورة الأحزاب)

     كان صلى الله عليه وسلم إذا رأى طفلاً أظهر له البشر والسرور إيناساً له، حدثني أخ عن إنسان دخل المسجد صغيراً و لم يكن في المسجد من صفوف إلا صفاً واحداً، إذا برجل قد دفع الصغير في صدره خارج الصف متوهماً أن هناك صف ثانٍ، قال لي: ترك الصلاة خمسة وخمسين سنة من هذا الدفع، طفل يجب أن يلقى في الجامع كل الترحيب، كل الود، كل المحبة.

رحمة النبي الكريم بالمؤمنين :

     أيها الأخوة، كان يظهر البشر والسرور إيناساً له، كان يأخذ أطفال أصحابه بين يديه يحملهم ويداعبهم، كان إذا مرّ بصبية يقرئهم السلام، يقول السلام عليكم أيها الصبية، رأى صبية يتسابقون فجرى معهم تطييباً لقلبهم، كان يلقى الصبي وهو يركب ناقته، فيدعوه إلى ركوب الناقة ليدخل السرور على قلبه.
     أيها الأخوة، مات لإحدى بنات النبي صلى الله عليه وسلم طفل صغير، فلما رفع إليه فاضت عيناه، فقال سعد بن عبادة يا رسول الله ما هذا ؟ فقال عليه الصلاة والسلام:

((هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء))

[أخرجه البخاري عن أسامة بن زيد]

     ورد في الأثر: لاعب ولدك سبعاً، وأدبه سبعاً، وراقبه سبعاً، ثم اترك حبله على غاربه.
     يقول ابن سويد " رأيت أبا ذر رضي الله عنه وعليه حلة وعلى غلامه مثلها، يعامل خادمه مثله، فسألته عن ذلك فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( هم إخوانكم وخولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم من العمل مالا يطيقون، فإن كلفتموهم فأعينوهم عليه ))

[البخاري عن المعرور بن سويد]

     هكذا تعامل البنت التي جئت بها كي تعين أهلك في البيت ؟
     مرّ النبي صلى الله عليه وسلم بصحابي يضرب غلاماً له، فقال له:

(( اعلم أبا ذر أن الله أقدر عليك منك عليه))

     أيها الأخوة الكرام، رحمته صلى الله عليه وسلم بالجيران، كان يشيع الأمن والاستقرار بين المؤمنين.

المودة و الأمان و التناصح صفات تجعل الإنسان و كأنه في جنة :

     أيها الأخوة:

(( مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيُوَرِّثُهُ ))

[متفق عليه من حديث ابن عمر وعائشة ]

     أيها الأخوة، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن، كررها ثلاثاً،: قيل من هو يا رسول الله ؟ قال من لا يأمن جاره بوائقه ))

[متفق عليه من حديث أبي هريرة]

     قيل له يوماً يا رسول الله، إن فلانة تذكر أنها تكثر من صلاتها وصدقتها وصيامها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها، قال: هي في النار.
     أيها الأخوة، مرة ورد عنه:

(( أتدرون ما حق الجار إن استعان بك أعنته ))

     مرة أرد أن أزور أخ دلني على بيته فطرقت باباً في البناء سألت عنه قال لا يعرفونه أبداً، هو في الطبق الذي فوقه، تصور جار لا يعرف اسم جاره الذي فوقه:

(( أتدرون ما حق الجار ؟ إن استعان بك أعنته، وإن استنصرك نصرته، وإن استقرضك أقرضته، وإن مرض عدته، وإن أصابه خير هنأته، وإن أصابته مصيبة عزيته، وإن مات شيعته، ولا تستطل عليه بالبناء فتحجب عنه الريح إلا بإذنه، وإذا اشتريت فاكهة فأهدِ له منها فإن لم تفعل فأدخلها سراً، ولا يخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده، ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها ))

[كنز العمال عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده]

     يروى أن الأمير عبد القادر الجزائري هذا البطل له جار فقير اضطر أن يبيع بيته، دفعوا له به ثمناً بخساً فغضب، قال: والله أنا لا أبيع جيرة الأمير بهذا المبلغ، جاء من أبلغ الأمير هذا الكلام، وقتها كان يريد ثلاثمئة ليرة ذهب، فاستدعاه، قال له: هذه الثلاثمئة لك، وابقَ جارنا ونحن أيضاً لا نبيعك.
     نحن يا أيها الأخوة، إذا في مودة بين بعضنا نعيش في جنة، في تفاهم، في صدق، في أمانة، في تعاون، في تناصح، الإنسان يأكل أخشن الطعام، يسكن أضيق بيت، يرتدي أخشن الثياب لكن إذا في حب هو في جنة، فأما الخصومات، تجد أخوة في المحاكم، شركاء في المحاكم سبعمئة ألف دعوى يوجد بقصر العدل.

الإسلام ديناميكي حركي :

     أيها الأخوة الكرام، أريد أن أقول لكم نقطة دقيقة أن الإسلام حركي متنامٍ، مرة أبو ذر رضي الله عنه قال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ماذا ينجي العبد من النار ؟ قال عليه الصلاة والسلام: الإيمان بالله، فقال أبو ذر يا نبي الله أمع الإيمان عمل ؟ فقال عليه الصلاة والسلام أن تعطي مما رزقك الله، قلت: يا نبي الله فإن كان فقيراً لا يجد ما يعطي ؟ قال عليه الصلاة والسلام: يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، قال: فإن كان لا يستطيع أن يأمر بالمعروف، ولا يستطيع أن ينهى عن المنكر ؟ فقال عليه الصلاة والسلام: فليعن الأخرق (يعاون إنساناً)، قلت يا رسول الله أرأيت إن كان لا يحسن ؟ قال: فليعن مظلوماً، قلت: فإن كان ضعيفاً ؟ ما ترك قضية فتعجب النبي عليه الصلاة والسلام، فقال أما تريد أن تترك لصاحبك من خير ؟ ليس له ولا ميزة ؟ لا يستطيع أن ينفق من ماله، ولا يستطيع أن يأمر بالمعروف، ولا يعين الأخرق، ولا يعين المظلوم، قال النبي عليه الصلاة والسلام: ليمسك أذاه عن الناس، فجاء السؤال المحرج، قلت يا رسول الله أو إن فعل هذا يدخل الجنة ؟ لا حول ولا قوة إلا بالله، قال النبي عليه الصلاة والسلام : ما من عبد مسلم يصيب خصلة من هذه الخصال إلا أخذت بيده حتى تدخله الجنة.
     فالإسلام كلما فعلت شيئاً تاقت نفسك إلى شيء أكبر، يعني بالتعبير المعاصر الإسلام ديناميكي، والمعاصي كذلك كلما تجرأت على معصية تاقت نفسك لمعصية أكبر، باتجاه المعاصي في حركة، باتجاه الطاعات في حركة.
     هل تصدقون أن يقول النبي عليه الصلاة والسلام:

((عذبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت لا هي أطعمتها وسقتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض))

[رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر]

     فما قولكم بما هو فوق الهرة ؟ بالشعوب التي تعذب، بالشعوب التي تحاصر، بالشعوب التي تقتل، بالمئات، بل بالألوف بل بالملايين، والذين قتلوهم مرتاحون جداً هم أتوا من أجل الحرية والديمقراطية ودمروا أمة بأكملها.
     رأى النبي صلى الله عليه وسلم جملاً، حن، يعني ذرفت عيناه، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح ذفريه فسكن الجمل، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (( من صاحب هذا الجمل ؟ ))قال فتى من الأنصار، قال له النبي الكريم:

(( ألا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها فإنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه))

[الطبراني عن عبد الله بن جعفر كما في الكنز]

قصة النبي الكريم مع جابر بن عبد الله :

    أيها الأخوة الكرام، الحديث عن رسول الله شيء ممتع جداً لأن الإنسان مفطور على حب الكمال، وقصة حدثتكم عنها كثيراً لكن هنا مكانها الصحيح:
     عن جابر بن عبد الله قال: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ذات الرقاع، مرتحلاً على جمل لي ضعيف، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم، جعلت الرفاق تمضي ( أي تسبقني ) وجعلت أتخلف عنهم ( لأن جمله ضعيف ) حتى أدركني رسول الله صلى الله عليه وسلم، رسول الله قائد الجيش، زعيم الأمة، الإنسان الأول، يرى شاباً صغيراً فقيراً، يركب جملاً ضعيفاً، قال ما لك يا جابر ؟ قلت: يا رسول الله أبطأ بي جملي هذا، قال: فأنِخْهُ، وأناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم جمله، ثم قال: أعطني هذه العصا من يدك، ففعلت، فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخس بها الجمل نخسات ( أي وخزه بها وخزات)، ثم قال: اركب، فركبت، فانطلق جملي، والذي بعثه بالحق صار جملي يجاري ناقة رسول الله، وتحدث معي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: أتبيعني جملك هذا يا جابر ؟ قلت يا رسول الله بل أهبه لك، قال: لا ولكن بِعنيهُ، قلت فسُمْني به، قال: أخذته بدرهم، قلت: لا، إذاً يغبنني رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فبدرهمين، قلت: لا، فلم يزل يرفع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم الثمن حتى بلغ الأوقية، فقلت: قد رضيت، قال: قد رضيت، قلت: نعم هو لك، ثم قال لي: يا جابر هل تزوجت ؟ قلت: نعم يا رسول الله، قال أثيباً أم بكراً ؟ قلت: بل ثيباً، قال أفلا تزوجت بكراً ؟ قلت: يا رسول الله إن أبي أصيب يوم أحد، أي استشهد، وترك بنات له سبعاً، فتزوجت امرأة جامعةً تجمع رؤوسهن، وتقوم عليهن، فقال: قد أصبت إن شاء الله، و القصة طويلة أنا آخذ مقتطفات منها.
     قال أخبرت امرأتي الحديث، وما قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت سمعاً وطاعة ( يعني بع جملك لرسول الله )، قال: فلما أصبحت أخذت برأس الجمل فأقبلت به حتى أنَخْته على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم جلست في المسجد قريباً منه، قال وخرج النبي عليه الصلاة والسلام فرأى الجمل، قال ما هذا ؟ قالوا هذا جمل جاء به جابر، قال: فأين جابر ؟ فدعيت له، فقال: تعال يا بن أخي خذ برأس جملك فهو لك، ودعا بلالاً فقال: اذهب بجابر، وأعطه أوقية من الذهب، فذهبت معه، وأعطاني أوقية وزادني شيئاً يسيراً، قال: فو الله ما زال ينمو هذا المال عندنا ونرى مكانه في بيتنا حتى اغتنينا.
     يعني أعطاه صدقة بشكل بيع وشراء، واشتريت وبعت، وداعبه ولاطفه، وسأله عن بيته وعن زواجه وعن جمله وساعده، هذا سيد الخلق مع شاب صغير، لذلك المؤمن يحب الناس جميعاً، متواضع لجميع الناس، لا يوجد عنده حواجز، لا يوجد حوله أناس يمنعون الناس عنه، هو بين أيدي الناس.

متابعة سيرة النبي الكريم و تعلم أخلاقه و شمائله واجب علينا :

     أيها الأخوة الكرام، أتمنى عليكم أن تتابعوا سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، اقرؤوا السيرة، تعلموا من أخلاقه، من شمائله، من محبته للناس، من محبته للصغار، من علاقته الطيبة مع زوجاته، هذا الذي نستفيده من ذكرى المولد، أما أن نكتفي بما ألفه الناس من إلقاء الخطب الرنانة، والشدو بالأناشيد التي تمدح بها النبي عليه الصلاة والسلام، ويبقى واقعنا مختلفاً عن واقع الإسلام فهذه مشكلة كبيرة.
     أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم، فيا فوز المستغفرين أستغفر الله.

* * *

الخطبة الثانية :

     الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

الطرق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق :

     أيها الأخوة، الذي سأقوله في الخطبة الثانية متصل بافتتاح الخطبة الأولى، ما لم نبحث عن أطر، عن تطبيقات عملية لهذه الأخلاق المحمدية، فنحن بعيدون عن أن نستحق أي وعد من الله، يعني تحدثوا ما شئتم ما دام واقعنا غير إسلامي نصر لا يوجد كما ترون، ما دام منهج النبي عليه الصلاة والسلام غير مطبق عندنا إطلاقاً، يعني فكرت تعمل عملاً صالحاً ليس له علاقة بحياتك اليومية ؟ تزوج شاب بشابة ؟ تعرف لك ابنة أخ ممتازة، أخلاقها عالية وصالحة تبحث عن زوج لها وتقنعه بها، ممكن أن تعمل عملاً ليس له علاقة بمصالحك إطلاقاً لا يتصل لا بعملك ولا بربحك ولا بمكانتك ولا بوظيفتك ؟ فكر أن تعمل شيئاً يا أيها الأخ حتى الله يرحمنا، لأن الإنسان لما يموت:

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ﴾

( سورة المؤمنون)

     الآن الطرق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، فكرت بعمل صالح ؟ فكرت بدعوة إلى الله ؟ فكرت بمعالجة مرضى ؟ معالجة أيتام ؟ فكرت بنشر الحق ؟ فكرت بشيء يتجاوز حياتك ؟ يتجاوز اختصاصك ؟ يتجاوز مصالحك ؟ يتجاوز بيتك ؟

الحديث عن القيم والمبادئ شيء جميل لكن لا ينفع الإنسان ما لم تكن متمثلاً بهذا الخلق:

    أيها الأخوة الكرام، كما قلت قبل قليل يمكن أن تتحدث عن إغاثة الملهوف عشر سنوات وما أغثت بحياتك ولا ملهوف، هذه مشكلتنا، الحديث سهل لا يكلف شيئاً بالعكس يعمل مكانة، الحديث عن القيم والمبادئ شيء رائع جداً يعمل مكانة كبيرة لكن لا ينفعك إطلاقاً ما لم تكن متمثلاً بهذا الخلق.
     مرة عبد لسيده شيخ، فجاء شيخه إلى البيت زائراً، وسيد هذا العبد احتفى بشيخه كثيراً، فلما رأى مكانة الشيخ عند سيده سأل الشيخ أن يقنع سيده أن يعتقه، قال له إن شاء الله، توقع خلال أيام يعطيه توجيهاً، يعتقه، مضى شهرين ثلاثة ثم زارهم ثانية ذكره بطلبه، قال له إن شاء الله، مضى شهر، شهرين، ثلاثة، تنحل بكلمة، مضى أشهر ثلاثة ثالثة، فجأة سيده أعتقه فذهب إلى الشيخ معاتباً، ما دام بكلمة منك تنحل مشكلتي سنة أخرتني، قال له يا بني أرهقتني بهذا الطلب، وفرت من مصروف البيت مبلغاً أعتقت به عبداً ثم طلبت من سيدك أن يعتقك.
     فأنت حينما تطبق الشيء تكون قوياً بالحديث عنه، فحاول أن تكون قدوة، وحاول أن تطبق شيئاً، وحاول تقول صباحاً يا رب هب لي عملاً صالحاً أتقرب به إليك، لأنه:

(( ومن أصبح وأكبر همه الدنيا جعل الله فقره بين عينيه، وشتت عليه شمله، ولم يؤته من الدنيا إلا ما قدر له، ومن أصبح وأكبر همه الآخرة جعل الله غناه في قلبه، وجمع عليه شمله وأتته الدنيا وهي راغمة ))

[ أخرجه ابن ماجة عن الترمذي ]

     الله يلهمنا العمل الصالح ويلهمنا نقرأ السيرة، ونطبق هذه السيرة في بيوتنا، في عملنا، ومع من حولنا.

الدعاء :

     اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، انصر المسلمين في كل مكان، وفي شتى بقاع الأرض يا رب العالمين، اللهم أرنا قدرتك بأعدائك يا أكرم الأكرمين.