الدرس (23-44) : أساس العلاقات العامة - العلاقة الزوجية خاصة .

1998-09-20

 الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

كيف يسعد الزوج بزوجته ؟

 أيها الأخوة الكرام, السعادة الزوجية: أساس في استقامة حياة الإنسان, والنبي عليه الصلاة والسلام: يعطينا قاعدة في السعادة الزوجية, هذه القاعدة:

((إذا رأى الرجل من زوجته ما يكره, عليه إنصافاً أن يفكر في محاسنها, أيضاً: فإذا بقي في مساوئها كرهها, أما إذا وضع إلى جانب مساوئها محاسنها توازن الأمر, ورضي بها, وإذا فكر في مساوئها, فليفكر في مساوئه هو, وإذا ذكر نقصها, فليفكر في نقصه))

 فهذه النظرة المتوازنة, المنصفة: أساس السعادة الزوجية, وهذه قاعدة ذهبية في الحياة.
 يقول عليه الصلاة والسلام:

((لا يَفْرَكْ مؤمن مؤمنة، إِن كَرِه منها خُلُقاً، رضي منها آخَرَ))

[أخرجه مسلم عن أبي هريرة]

 والإنصاف: أحد أسباب السعادة في الحياة؛ أن تنصف الناس من نفسك, أن تعرف ما لهم وما عليهم, أن تضع مساوءهم, وأن تضع محاسنهم, أن تضع السلبيات, وأن تضع الإيجابيات.
 فحينما تضع الإيجابيات مع السلبيات: الأمر يتوازن, وحينما تتحدث عن مساوئها, ذكر نفسك بمساوئك, وحينما تضع نقائصها, ذكر نفسك بنقائصك, فإن لم تكن كاملة, فأنت لست بكامل, إذا كان فيها نقص, وعندك نقص, النظرة الموضوعية نظرة أخلاقية.
 فالإنسان ...... يعني أنا لا أتكلم من فراغ: ألاحظ أن هناك عشرات حالات الشقاء الزوجي, سببها: أن الزوج ناظر إلى هذا النقص, ولم ينظر إلى هذه النواحي الإيجابية, فكره الزوجة, وإذا حصلت هذه الكراهية بين الزوجين, انعكس هذا على الأولاد انعكاساً سيئاً, والشريعة السمحاء لحكمة أرادها الله: سمح للرجل....... مع أن الكذب من أكبر الكبائر.

((يطبع الرجل على الخلال كلها: إلا الكذب والخيانة))

 يعني مقبول أن يكون المؤمن ذا مزاج عصبي, لكن وفق الحق, مقبول أن يكون المؤمن انطوائياً, مقبول أن يكون المؤمن منفتحاً, مقبول أن يكون المؤمن اجتماعياً, هذه كلها طباع لا تطعن في إيمانه, فلان عصبي هكذا العوام يقولون, فلان هادىء, فلان صرِّيف, فلان ليس بخيلاً, دقيقاً في مصروفه, هذه الطباع لا تطعن في إيمان الإنسان, أما أن يكذب ليس مؤمناً, الكذب يتناقض مع الإيمان, أما أن يخون ليس مؤمناً, الخيانة تتناقض مع الإيمان, ومع أن الكذب يتناقض مع الإيمان, سمح لك أن تكذب على زوجتك, ليس في كل الموضوعات, وهذا الخطأ الشنيع الذي توهمه الأزواج, كل شيء يكذب عليها؛ بالأسعار, بأسعار الحاجات, أين كان؟ مع من تلقى؟ بالنهاية أصبح عندها كذاباً, سقط, مسموح لك أن تكذب عليها.....
 في موضوع دقيق جداً: لو قالت لك: أتحبني؟ وأنت لا تحبها كثيراً, فقلت لها: وصفاً يفوق الواقع, أو سألها: أتحبينني؟ مسموح لها أن تكذب عليه كذباً يطيب قلبه, أن يكذب عليها كذباً يطيب قلبها, لأن الحياة الزوجية, لأن زواج الإنسان أحد فصول حياته, لكن زواج المرأة كل فصول حياتها, فإذا فشلت أو أخفقت في زواجها تحطمت, يعني يكفي أن يعيرها بنقص فيها أو بعلة فيها حتى يحطمها, لأن كل طموحها أن تكون مقبولة عنده.
 فالشرع الحكيم نظر إلى هذا قال:

((لا يحل لأجل أن يكذب على زوجته, ويحل لها أن تكذب عليه فقط))

 في موضوع الحب الذي بينهما, وما كل بيت يبنى على الحب, آلاف البيوت تبنى على المصالح, هذه أم أولادي, وهذه نصيبي, وهذه قدري, ولم أجد في الأرض امرأة ترعى أولادي كأمهم.
 في رجل عاقل بعد أن ينجب أولاداً, يضع حظوظه تحت قدمه, هؤلاء الأولاد ثروتك في الحياة, هؤلاء زادك إلى الله, هؤلاء استمرار لوجودك, فإذا الزوج لاحظ حظوظه, وعنده أولاد, حطم أولاده.
 فلذلك: الزوج العاقل, المؤمن يضع حظوظه الدنيوية من النساء تحت قدمه, إكراماً لأولاده, هذا الزواج أصبح زواج مصلحة, لم يعد زواج حب, وما كل بيت يبنى على الحب, لو سألته: أتحبني؟ قال: أحبك, وأنت أمل حياتي فرضاً, هذا مسموح به.
 والشيء الثاني:

((لا يَفْرَكْ مؤمن مؤمنة))

[أخرجه مسلم عن أبي هريرة]

 يعني في آلاف النعم, الزوج قد لا ينتبه إليها, إحدى هذه النعم الكبرى, أنك تذهب إلى عملك, وأنت مطمئن, لن يدخل إلى البيت أحد, لن يحادث امرأتك أحد في غيبتك, لن تسمح لأحد أن ينظر إليها, مثلاً: لن تخرج إلى الشرفة مبتذلة في غيبتك أبداً, لن تفتح النافذة أمام الجيران, تعرض عليهم مفاتنها أبداً, هذه نعمة لا تعد لها نعمة, لكن أنت لم تنتبه لها, وقد تكون نظيفة, وقد تكون ذات طبخ ماهر, وقد تكون مرتبة, لها طباع معينة, لما تنشأ مشكلة لا تنس إيجابياتها, حينما تنظر إلى إيجابياتها تسعد بها.
 أنا في تجربة معي: مرة جاءني أخ غاضب أشد الغضب من زوجته, وهو على وشك أن يطلقها, فاستدرجته, قلت له: تخونك؟ قال: أعوذ بالله, ما هذا الكلام! لم ينتبه لها, أعوذ بالله, لا يوجد أشرف منها, قلت: طبخها سيء؟ قال: أعوذ بالله, طباخة من الدرجة الأولى, قلت له: وسخة؟ قال: لا والله, نظيفة يا أستاذ, لم ينتبه, هو يذكر ميزاتها واحدة واحدة, ثم استحيا أن يتابع الطريق إلى طلاقها.

أبعاد هذا الحديث: لا يفرك مؤمن مؤمنة..... :

 أيها الأخوة,

((لا يَفْرَكْ مؤمن مؤمنة، إِن كَرِه منها خُلُقاً، رضي منها آخَرَ))

[أخرجه مسلم عن أبي هريرة]

 هذا الحديث لو وسعته أوسع؛ في علاقاتك مع الناس, لك أخ, لك شريك, لا تشك بأمانته, لكن طبعه صعب, لما تكره طبعه, لا تنس أنه أمين, لما تكره طبعه, لا تنس أن هذا الشريك يحمل...., يعني غيور على المصلحة.
 فالإنسان دائماً لا ينسى ميزات الآخرين إذا غضب منهم, لا ينسى ميزاتهم حتى يكون متوازناً, إذا كان إنسان أحب إنساناً, يتعامى عن كل أخطائه, وإذا أحببت إنساناً, لا تنس بعض السلبيات, من أجل أن تتوازن.
 ورد حديث ليس ثابتاً مئة في المئة, لكنه لطيف:

((أحْبِبْ حبِيبَك هَوْناً ما، عسى أن يكونَ بَغِيضَكَ يوماً ما، وأبْغِضْ بغيضَك هَوْناً مَا, عسى أن يكونَ حبيبَك يوماً ما))

 فالإنسان حينما يتوازن, وأروع مثل ضربه النبي بالتوازن: نظر إلى الأسرى, فإذا صهره بين الأسرى, ما معنى صهره بين الأسرى؟ يعني جاء يقتله, ولو تمكن منه لقتله, لو تمكن العاص أبو الربيع زوج زينب لقتله, نظر به بين الأسرى, قال:

((والله ما ذممناه صهرا))

 كصهر ممتاز أنصفه, يعني ذكر الناحية الإيجابية؛ صهر ممتاز, زوج وفي, لأن أولاد أبو جهل طلقا ابنتي النبي نكاية به, فلما دعي لتطليق زينب نكاية بالنبي رفض.
 وبالمناسبة يا أخوان: لما الإنسان يعمل تطليقاً كيدياً, يكون سلك سلوك أبي جهل, أبداً, أنا لا أصدق مؤمناً, يطلق امرأة من زوجها, ليغيظ أباها, وهو مؤمن, هذا عقد الزواج أقدس عقد في الوجود:

﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً﴾

[سورة النساء الآية:21]

 فكل إنسان يدفع إلى الطلاق بين زوجين متفاهمين, مخلصين, محبين لبعضهما, نكاية بالأب, هذا إنسان جاهلي, يسلك سلوك أبي جهل.
 والله سمعت قبل أيام: أن رجلاً طلق امرأة من زوجها, ليغيظ أباها, ويدعي أنه مؤمن, هذا عمل كبير جداً, هذا ما فعله أبو جهل, وهذا ما رفضه أبو العاص الربيع, لم يطلق ابنة النبي استجابة لرغبة كفار قريش.
 إذاً: هذا الحديث: أنا أعده منهجاً كاملاً:

((لا يَفْرَكْ مؤمن مؤمنة، إِن كَرِه منها خُلُقاً، رضي منها آخَرَ))

[أخرجه مسلم عن أبي هريرة]

 الآن: وسعه على أخواتك, على جيرانك, على شركائك, على أصحابك, متوازن, الكمال لله, الكمال المطلق لله عز وجل, والنبي معصوم بمفرده, بينما أمته معصومة بمجموعها, وكل إنسان تفوق في جانب, وغاب عنه جانب, فهذا التوازن في النظرة, يسبب علاقات طيبة مع الناس.
 وقد قيل: أن النبي صلى الله عليه, كان يصلي في أصحابه, دخل صحابي متأخر, حرصاً منه على أن يتابع مع النبي في الصلاة, أحدث جلبة وضجيجاً في المسجد, ليلحق الركعة مع النبي, فلما انتهت الصلاة, قال له النبي عليه الصلاة والسلام:

((زادك الله حرصاً, ولا تعد))

 يعني فهم موقفه فهماً إيجابياً, يعني حريص أن يصلي معنا, لكن أحدث جلبة وضجيجاً, شوش على الصحابة صلاتهم, قال:

((زادك الله حرصاً, ولا تعد))

 إذا كنت مدير دائرة, كنت مدير معمل, كنت صاحب مؤسسة, مدير مستشفى, مدير مدرسة, ورأيت خطأ من موظف عندك, حاول أثناء توجيه الموظف إلى هذه الملاحظة, أن تذكره بفضائله.
 لما الإنسان يتعامى رئيسه عن فضائله يضوج, لما يعرف فضائله....., عندك موظف يتأخر, لكن أمين, يجب أن تقول له: أنا معجب بأمانتك, لكن عليك مأخذ, معجب بأمانتك, لكنك متأخر, لم يعد يغضب, معنى ذلك: ميزاته يعرفها رئيسه, إمكاناته العالية يعرفها, ذكاؤه, إخلاصه, خبرته بالعمل, لكن النقطة هذه, تشويش بيني وبينك, وهذا منهج في معاملة الآخرين, لا تنس خصائصهم الإيجابية,

((زادك الله حرصاً, ولا تعد))

 وكل مدير عمل يحاسب الموظفين, ويعلمهم أنه على علم بخصائصهم الإيجابية, ولكن له عليهم مأخذ, هذا النقد مقبول, وساري المفعول, وله آثار إيجابية ولو نقدهم.
 أحياناً: الابن مع الأب؛ الابن يخدم في البيت, يعمل, يتعب, يخطأ خطأ, يقيم عليه القيامة, الابن يكاد يخرج من جلده, أنا البارحة خدمتكم, البارحة عملت.......فالأب يتعامى عن كل ميزات الابن .
 أحد أسباب المشكلة في الأسرة الواحدة: الأب لا يرى الإيجابيات عند الابن, خطئ خطأ, قام عليه القيامة, أحياناً الابن ينفجر ويتطاول, السبب: انضغط جداً, وأنت تؤنب ابنك, لا تنس أن عنده فضائلاً, أنا لم أنس خدمتك البارحة لأختك, خدمتك لأمك, لم أنس حرصك على صلاح الأسرة, لكن هذا خطأ يا بني!.
 دائماً: ذكر بالإيجابيات, تجد السلبيات سرت سرياناً مقبولاً, عامل ابنك هكذا, وعامل الجيران هكذا, وعامل الشريك, وعامل الآخرين هكذا, وعامل زوجتك هكذا, الله يحب الإنصاف, لأنه لا يوجد شعور يهز النفس كالظلم, لا يوجد شعور يسحق الإنسان سحقاً, أن الناس يتجاهلون ميزاته, ويكبرون أخطاءه, هذا عمل شيطاني, أنا أسميه: أسلوب القنص, القنص تمكن منك ضربك.
 في شخص يبني حياته على القنص, إذا أراد أن يقرأ كتاباً: أين الخطأ؟ إذا رأى خطأ يرتاح, لأنه هو قناص, إذا عاشر شخصاً, رأى منه خطأ ارتاح, شهر فيه, هذا أسلوب يفعله الشيطان وحده.

((وكل بني آدم: خطاء, وخير الخطائين: التوابون))

 يقولون: رجل دعا إلى الله في العصور السابقة, يبدو أنه كان مخلصاً, والناس اجتمعوا له, طبعاً له خصوم, دائماً المحترفون لهم خصومات كثيرة, فتكلم الناس به حسداً.
 دائماً: الاختلافات بين المسلمين, تعود إلى ثلاث حالات: اختلاف طبيعي, واختلاف قذر, واختلاف محمود؛ اختلاف التنافس: محمود, واختلاف نقص المعلومات: طبيعي, والاختلاف الذي أساسه الحسد والبغي: اختلاف قذر .
 أنا من الممكن أن أختلف مع أخي اختلاف وجهات النظر, اختلاف علمي, هذا اختلاف معه اختلاف تنافس, أنا أرى أن الدعوة إلى الله, أفضل عمل من أعمال الخير, وأخي يرى العكس: أن إطعام الفقراء, ورعاية الأيتام, أفضل من الدعوة إلى الله, فأنا مجد في الدعوة, هو مجد في خدمة الخلق, نحن مختلفون لكن اختلاف تنافس, أنا أعمل في حقل, هو يعمل في حقل, هذا اختلاف محمود, لقوله تعالى:

﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾

[سورة المطففين الآية:26]

 أنا لما أختلف مع أخي اختلاف حسد, لأن الله رفع شانه, أريد أن أحطمه حسداً من عند نفسي, هذا اختلاف قذر, أما في قضية غير واضحة, أنا توهمت أدلة, هو توهم أدلة فاختلفنا, هذا اختلاف طبيعي.
 على كل: الاختلاف كما قالوا:

((لا يُفسد في الود قضية))

 إذا كان في اختلاف الود لوحده, ممكن أن أختلف مع أخي في تفسير آية, لكن أخي, وأنا أحبه ويحبني, وأزوره ويزورني, أما أن ينقلب الخلاف إلى عداء, هذا عمل شيطاني, وهذا عمل الشيطان في كل العصور,

((إن الشيطان يئس أن يعبد في أرضكم, ولكن رضي في التحريش بين المؤمنين))

 فهذا الحديث رأيته منهجاً من مناهج الحياة:

((لا يَفْرَكْ مؤمن مؤمنة، إِن كَرِه منها خُلُقاً، رضي منها آخَرَ))

[أخرجه مسلم عن أبي هريرة]

 تعيش حياة سعيدة, ومسالمة, والناس كلهم يحبوك, وتحب الناس كلهم, وليس لك عدو, لأنك كنت منصفاً, أما إذا لم تنصف, لك مليون عدو.