الخطبة : 0188 - ذكرى المولد3 - محبته صلى الله عليه وسلم - المجرات .

1987-11-13

الخطبة الأولى
الحمد لله ثمّ الحمد لله، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله
وما توفيقي، ولا اعتصامي، ولا توكّلي إلا على الله، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقرارًا برُبوبيَّته، وإرغامًا لمن جحد به وكفر، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر، ما اتَّصَلَت عين بنظر، أو سمعت أذنٌ بِخَبر. اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد، وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين، اللَّهمّ ارْحمنا فإنّك بنا راحِم، ولا تعذّبنا فإنّك علينا قادر، والْطُف بنا فيما جرَتْ به المقادير، إنَّك على كلّ شيءٍ قدير.

النبي عليه الصلاة والسلام رسول المحبّة :

أيها الأخوة المؤمنون، في الخطبتَين السابقتين تحدَّثتُ عن رحمة النبي عليه الصلاة والسلام وعن عدالته، واليوم نتحدّث عن محبّته صلى الله عليه وسلّم.

أيها الأخوة المؤمنون، المرء إن لمْ ينطوِ على قلبٍ ينبض بالمحبّة، فهذا الإنسان لا ينتمي إلى بني الإنسان، إن لم تشعر بِرغبة في أن تحبّ، وإن لم تسع إلى أن تُحَبّ، فلَسْتَ من بني البشر، النبي عليه الصلاة والسلام كان رسول المحبّة، أحبَّ الله كثيرًا، لذلك أطاعهُ طاعةً تامَّة، أحبَّ الناس كثيرًا، لذلك دعاهم إلى ما يُسعدهم، أحبّ الخلق كافّةً، لذلك عطف على كلّ مخلوق، أعماله، وأقواله، وتصرّفاته، إنَّما كانت صادرةً عن محبّته لله، ومحبّته للخلق، ومحبّته للبشر.
أيها الأخوة المؤمنون
ذات يومٍ أقبلَ عليه رجلٌ فظّ لم يكن قد رآه من قبل، غير أنّه سمع أن محمَّدًا يسبّ آلهة قريش، والقبائل كلّها، فحَمَل سيفَهُ، وأقْسَمَ ليُسوِينَّ حِسابه مع محمد صلى الله عليه وسلّم، والتقى هذا الرّجل الغاضب بسيّدنا محمَّد صلى الله عليه وسلّم، بدا في حديثه عاصفًا مزمجِرًا، والرسول عليه الصلاة والسلام يبتسمُ، وتنطلقُ مع بسماته أنوار النبوّة وما هي إلا لحظاتٍ حتى انقلبَ هذا الرّجل إلى مُحِبّ، يكادُ من فرْط الوجد والحياء أن يذوب قلبهُ لِرَسول الله صلى الله عليه وسلّم، فاتَّجَه إلى يدي النبي عليه الصلاة والسلام يُقبّلهما، ودُموعهُ تنْحدرُ من عَينيه، ولمّا أفاق قال: والله يا محمّد لقد سعَيتُ إليك، وما على وَجه الأرض أبغضُ إليّ منك، وإنِّي لذاهبٌ الآن، وما على وَجه الأرض أحبّ إليّ منك! حادثةٌ غريبة يصْعبُ تفسيرها، أتاهُ وهو ينطَوي على بغْضٍ شديد، وانْصرف منه وقد امتلأ قلبهُ بالمحبّة الآسرة، ما تفسيرُ ذلك؟ بعضهم يفسّر هذه الحادثة بأنّه لمّا التقى النبي عليه الصلاة والسلام وتوجَّه إليه رأى محبّته للبشر كافّة، حينما صافحَتْ نفسُ هذا الأعرابي النبي عليه الصلاة والسلام وجدهُ محبًّا، إذا أردْت أن يحبَّك الناس فأحبّهم أنت أوَّلاً، أحِبَّهم كي يُحِبُّوك، ولن يُحِبُّوك قبل أن تحبّهم، النبي عليه الصلاة والسلام أحبَّ الناس كافّة، لذلك بعثه الله إلى الناس كافّة، بعثه الله عز وجل إلى جميع الخلق، كان حبيب الحقّ، وهاديًا للخلق.

محبة النبي الكريم للخلق كافة :

أيها الأخوة الأكارم، ذاتَ يومٌ وهو في الطائف، حديثُ عهْدٍ بِدَعوتِهِ سلَّط عليه أعداؤُه بعض السّفهاء، لقد جاشَتْ نفسُه، رمَوْهُ بالأذى، سفَّهوا دَعْوَتَهُ، ردُّوا نبوَّتهُ، كذَّبوا قوله، أغْرَوا به سفهاءهم
وقد جاءهم من مكّة إلى الطائف، جاشتْ نفسهُ، وظهر ما في نفسه مِن حبّ للخَلْق كافَّةً، ورفع بصرهُ إلى السماء وقال: يا ربّ، إن لم يكن بِكَ غضبٌ عليّ فلا أُبالي ولك العتبى حتى ترضى، لكنّ عافيَتَكَ أوْسعُ لي، جاءهُ جبريل عليه السلام قال: يا محمَّد، لقد أمرني ربّي أن أكون طَوْعَ إرادتك، لو شئْتَ لأطبقْتُ عليهم الأخْشبَيْن، فقال: لا يا أخي، اللهمّ اهْد قَومي فإنّهم لا يعلمون، لعلّ الله يخرجُ من أصلابهم من يُوحِّدُه، من الذي حجزهُ عن أن يسْمحَ بإهلاكهم؟ محبّته للخلق، أحبَّ الخلق، ولن تستطيع أن تكون هاديًا للناس إلا إذا أحببْتهم، إلا إذا اسْتوعبْتهم، إلا إذا احْتَوَيْتهم، إلا إذا قدَّرْت ظروفهم، إلا إذا أردْت إسعادهم.
أيها الأخوة المؤمنون، ذات يومٍ يدخُل على ولده الحبيب إبراهيم، وهو مُسجًّى في فراش الموت، يتدفّق حنان محمّد صلى الله عليه وسلّم غامِرًا، فلا يزيدُ على أن يقول وعَيناه تبْكِيان: "تدْمعُ العَين، ويحزنُ القلب، ولا نقول ما يُسْخط الربّ، وإنا عليك يا إبراهيم لمَحَزونون".

أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام رأَوا القمَر قد خُسِف، وظنُّوا أنّ هناك ارتباطًا بينهما، بين خُسوف القمر وبين موت إبراهيم، فبلغَ ذلك النبي عليه الصلاة والسلام، فقال:

(( إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ ..))

[ متفق عليه عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ]

محبّته لله عز وجل طغَتْ على عاطفة الأُبوّة، أراد أن يفْصل بين هذه الظاهرة الكوْنِيّة، وبين أن تُتَّخَذ دليلاً على قُدْسيّة النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: " إنما أنا بشرٌ أرضى كما يرضى البشَر، وأغضبُ كما يغضبُ البشر، والشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى، لا تنكسفان لِمَوت واحد، ولا لحياته".
أيها الأخوة الأكارم، لا شيء يؤكّد المحبّة كالإخلاص، لذلك إذا أردْت أن تكتشف ما إذا كنت محِبًّاً لله عز وجل فامْتَحِن إخلاصك له، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ))

[ متفق عليه عن عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ]

ما يفسد المحبة :

أيها الأخوة المؤمنون، لا شيءَ يفسِدُ المحبّة كالنّفاق، والرّياء، لذلك كان عليه الصلاة والسلام يدعو ربّه ويستعيذُ به من النّفاق، ومن الرّياء، ومن سوء الأخلاق، وكان يقول:

((إنّ أخْوَفَ ما أخاف عليكم الشّرْك الأصْغر قالوا: وما الشّرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرّياء، يقول اللّه يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء"))

[ أحمد عن محمود بن لبيد]


فالرّياء شِرْك أصْغر؛ الشِّرْك، والنّفاق، والرِّياء، هذه كلّها تفسِدُ المحبّة، وأثْمَنُ ثروةٍ تملكها أنْ يحبّك الله ورسوله صلى الله عليه وسلّم، سيّدنا النبي عليه الصلاة والسلام قال:

((والله يا معاذ إنِّي لأحبّك))

[ أحمد عن معاذ بن جبل]

إذا حظيتَ بِمَحبّةِ الله، ومحبّة رسوله، ومحبّة أهل الحقّ، فهذه ثروةٌ كبيرة لا تقدَّر بِثَمَن، النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( لا يقبل الله عملاً فيه مثقال حبّة من خردل من رياء ))

[البخاري القاسم بن مُخَيْمِرَة ]

فالرّياء، والشِّرْك الأصغر، والنّفاق، وعدم الإخلاص، هذا كلّه يُفسد محبّة العبد لربّه، هذا عن محبّة النبي عليه الصلاة والسلام لله.

مكافأة الله عز وجل النبي بأن جعله نبياً للناس كافة :

فماذا عن حبّه للناس؟ أحبَّ الناس جميعًا، لذلك كافأهُ الله عز وجل بأنْ جعَلَهُ نبيًّاً للناس جميعًا، ورسولاً للناس جميعًا، قال عليه الصلاة والسلام:

(( بُعثتُ إلى الأحمر والأسوَد))

[ أحمد عن أبي موسى]

وفي حديث آخر:

((بُعثْتُ إلى الناس كافّة))

[ابن مردويه عن ابن عباس]


ويدعو النبي عليه الصلاة والسلام إلى أن يحبّ الناس بعضهم بعضًا، بل يجعلُ من الحبّ آيةً للإيمان، قال عليه الصلاة والسلام:

((والذي نفس محمد بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا))

[مسلم عن أبي هريرة]

والنبي عليه الصلاة والسلام يدعو أصحابه الكرام إلى أن يعبِّروا عن محبّتهم بعضهم بعضًا، كان هناك جليسٌ عند رَسول الله صلى الله عليه وسلّم مرّ رجلٌ فقال هذا الجليس: إنِّي أحبّ هذا الرّجل، فسأله النبي الكريم: هل أعْلمْتهُ بهذا؟ قال: لا، قال: فأعْلِمْهُ، فلَحِقَهُ الرّجل، وقال للذي أحبَّهُ: إنِّي أُحبّك في الله تعالى، فأجابهُ صاحبهُ، أحبّكّ الذي أحْببْتني له.
وقد وضَع عليه الصلاة والسلام توْجيهًا ثابتًا، فقال:

(( إذا أحبّ أحدكم أخاه فلْيُخبِرْهُ أنَّه يحبّه ))

[ صحيح عن المقدام بن معد يكرب]


وكان يقول:

(( إذا آخى الرجلُ الرجلَ فليَسْألْهُ عن اسمه، واسم أبيه، ومِمَّن هو فإنّه أوْصَلُ للمودَّة))

[ البخاري عن يَزِيدَ بْنِ نُعَامَةَ الضَّبِّي]

يسألهُ ذات يومٍ سيّدنا أبو ذرّ رضي الله عنه، يقول يا رسول الله: "ما شأنُ الرّجل يحبُّ القوم، ولا يستطيع أن يعمل عملهم، فيُجِيبُهُ عليه الصلاة والسلام بعِبارته الجامعة: أنت مع منْ أحْببْت".
قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: "أُحبّ الصالحين و لستُ منهم لعلّي أن أنال بهم شفاعـة، وأكرهُ من بضاعتهم المعاصي وإن كنَّا سواء في البضاعة" .
هم القوم لا يشقى بهم جليسهم، أنت مع من تحبّ، لِيَكن أحدنا عالمًا، أو متعلّمًا، أو مستمعًا، أو محبًّاً، فالمحبّة تقود صاحبها إلى الدرجات العلى، المحبّة تقودُ إلى الاستقامة، المحبّة تقود إلى فعل الخيرات، المحبّة ترقى بِصاحِبها إلى أرقى الدرجات.

على المحبة أن تكون خالصة لوجه الله :

أيها الأخوة المؤمنون، يقول عليه الصلاة والسلام:

((إنّ من عبادي الله أناسًا ما هم بأنبياء، ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشّهداء يوم القيامة لِمَكانهم من الله تعالى، قالوا: يا رسول الله أخبرنا من هم؟ قال: هم قومٌ تحابّوا في الله، على غير أرحامٍ بينهم، ولا أموال يتعاطونها ))

[مسلم عَنْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ]


الإنسان أحيانًا يحبّ أقرباءه بِدَافعٍ فِطريّ، وقد يحبّ من ينفعُه بِدافِعٍ شهوانيّ، أما أن تحبَّ أخًا لا تربطُك به قرابة، ولا نسَب، ولا مصلحة، ولا تعامل، ولا درهم، ولا دينار، فهذه المحبّة خالصةٌ لوَجه الله عز وجل، وقد ذكر النبي عليه الصلاة والسلام عن هؤلاء فقال:

(( والله إنّ وُجوههم لنُور، وإنّهم لعلى نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس))

[مسلم عَنْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ]

ثمّ تلا قوله تعالى:

﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾

[ سورة يونس: 62-63]

حتى إنّ الحبّ عند رسول الله صلى الله عليه وسلّم هو الأصْل، والبغضاء مشتقّة من المحبّة، فلأنّ النبي عليه الصلاة والسلام يحبّ الله يبغضُ أعداءه، لأنّه يحبّ الطائعين يبغضُ العُصاة، لأنّه يحبُّ المؤمنين يبغض الكافرين، البغضاء يجبُ أن تنطلق من المحبّة، لأنّ المحبّة هي الأصل، ولكنّ النبي عليه الصلاة والسلام يُعطي تَوجيهًا دقيقًا، يقول:

(( أحْبِبْ حبِيبَك هَوْنا مَّا، عسى أن يكونَ بَغِيضَكَ يوماً مَّا، وأبْغِضْ بغيضَك هَوْنا مَا عسى أن يكونَ حبيبَك يوماً ما ))

[الترمذي عن أبي هريرة ]

آداب اجتماعية تمتن أواصر المحبة بين الناس :

و لِحِرص النبي عليه الصلاة والسلام على تمتين أواصر المحبّة بين الناس سنَّ آدابًا اجتماعيّة غايةً في الأهميّة، فقال عليه الصلاة والسلام:

((إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث إلا بإذنه؛ فإن ذلك يحزنه ))

[مسلم عن أبي الربيع وأبي كامل]


مِن آداب الصُّحبة، ومن آداب العلاقات الاجتماعيّة أنَّنا إذا كنَّا جميعًا فلا يتناجى اثنان دون ثالث، فإنّ ذلك يُحزنهُ، من الآداب الاجتماعيّة التي تُسبِّبُ النُّفور:

(( لا يقيمنّ أحدكم رجلاً من مجلسِه ثمّ يجلسُ فيه))

[ ابن حبان عن ابن عمر]

أن تقول لفلان: اجْلس لأقعُد مكانك، هذا يسبّب إحراجًا، واسْتِهانةً بِمكانة الآخر، نهى النبي عليه الصلاة والسلام أن يُقيم الرجل أخاه لِيَجلسَ مكانه.
شيءٌ آخر: " لا يحل - كما قال عليه الصلاة والسلام - لِرَجلٍ أن يجلسَ بين اثنين إلا بإذنهما"، ومن دواعي المحبّة إفشاء السّلام بين الناس، فكان عليه الصلاة والسلام يُكثرُ من السّلام على الناس، كان يسلِّمُ على الصّبيان، أمرنا بإفشاء السّلام، وبذْل الطّعام، والصّلاة بالليل والناس نِيام، حتى ندخل الجنّة بِسَلام.
يقول عليه الصلاة والسلام:

(( إذا دخلْت على أهلك فسلِّم، يكن سلامك بركة عليك وعلى أهل بيتك ))

[ الترمذي عن أنس]

قلْ: السّلام عليكم، يذهبُ عنهم الشّيطان، يحِلُّ الوئام والمودّة.
وكان يقول عليه الصلاة والسلام:

((ثلاثٌ يُصفين لك وُدَّ أخيك، تُسلّم عليه إذا لقيته، وتوسِّعُ له في المجلس، وتَدعوهُ بأحبّ أسمائِهِ إليك))

[ شعب الإيمان عن عثمان بن طلحة]

وكان يقول عليه الصلاة والسلام:

((تصافحوا يذهب الغلّ))

[مالك في الموطأ عن عطاء الخرساني]


أيْ الحِقدُ من قلوبكم.
والوفاء مِمَّا يُديم المحبّة بين الناس، فالوفاء عنوان المحبّة، والمحبة دليلها الوفاء، والوفاء والمحبّة لا يفترقان.
ذات يومٍ زارتْهُ بالمدينة المنوّرة سيّدة عجوزٌ، فخفّ عليه الصلاة والسلام للِقائها في حفاوةٍ بالغة، وأسْرع فجاءَ بِبُردَتِهِ، وبسطَها على الأرض لِتَجلسَ عليها، وبعد انْصرافها سألتهُ السيّدة عائشة عن سرّ هذه الحفاوَة البالغة، فقال :

(( هذه كانت تزورنا أيّام خديجة، وإنّ حسن العهد من الإيمان ))

[ البخاري عن عائشة ]

الوفاء دليل المحبّة، بل إنّه سور المحبّة، وأما الخِصام الذي يبدو بين الناس فهو الذي يفتّت المحبّة، وهو الذي يُذهبها، فكان عليه الصلاة والسلام يقول:

((كفى بك إثمًا ألاّ تزال مخاصمًا))

[ الترمذي عن ابن عباس]

و:

((من هجر أخاهُ سنةً فهو كسفْكِ دمِهِ))

[ أبو داود عن أبي خراش الأسلمي]

ما لي أسمعُ أنّ فلانًا خاصم فلانًا سنَتَين، ولم يتكلّما، وكلاهما مسلم:

((من هجر أخاهُ سنةً فهو كسفْكِ دمِهِ))

[ أبو داود عن أبي خراش الأسلمي]


والخِصام قد يتأتَّى من المشاحنة، والمماراة، والجدَل المغرض، لذلك مرَّ النبي عليه الصلاة والسلام يوماً بِأربعةٍ من أصحابِهِ هم: أبو الدرداء، وأبو أمامة، و وائل بن الأُسقع، وأنس بن مالك، رآهم يتجادلون ويتماروْن في أمرٍ من أمور الدِّين فغَضِبَ عليه الصلاة والسلام غضبًا شديدًا، ثمّ قال:

(( مهْلاً يا أمّة محمّد، إنَّما هلك من كان قبلكم بهذا المراء لقلة خيره، ذروا المِراء - المشاحنة-، فإنّ المُماري قد تمَّت خسارتهُ، ذروا المراء فكفى بك إثمًا ألاّ تزال مماريًا، ذروا المراء فأنا زعيمٌ بثلاث آيات في الجنّة لمن ترك المراء وهو صادق، ذروا المراء فإنّ أوَّل ما نهاني عنه ربّي بعد عبادة الأوثان المراء))

[الطبراني عن أبى الدرداء]

أيها الأخوة المؤمنون، ممَّا يُديم المحبّة، ويجعلها مستمرّة أن تقبلَ العُذْر من أخيك، قال عليه الصلاة والسلام:

((من أتاهُ أخوهُ متنصِّلاً - أيْ معتذِرًا- فلْيَقبلُ ذلك منه مُحِقًّا كان أم مبطلاً، فإن لم يفعل لمْ يرِد عليّ الحوض))

[ المستدرك عن أبي هريرة]

شِرار الخلق هم الذين لا يقبلون معذرة:

((تعوذوا بالله من ثلاث فواقر: جار سوء إن رأى خيرا كتمه و إن رأى شراً أذاعه،....وإمام سوء إن أحسنت لم يقبل و إن أسأت لم يغفر ))

[ السيوطي عن أبي هريرة ]

وكان يقول عليه الصلاة والسلام:

((إن أحبكم إلي أحسنكم أخلاقاً، الموطؤون أكنافاً، الذين يألفون ويؤلفون، وأبغضكم إلى الله المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الملتمسون للبرآء العنت))

[ المعجم الأوسط عن أبي هريرة]

أصحاب رسول الله مثل أعلى في المحبّة :

أيها الأخوة المؤمنون:

(( أحبُّوا الله لما يغدوكم به من نِعَمه ))

[ المعجم الكبير عن ابن عباس]

أحبُّوا النبي عليه الصلاة والسلام لأنّ محبّته عَينُ محبّة الله عز وجل، أحبُّوا إخوانكم المؤمنين فهم أجنحتكم، أحِبُّوا الناس كافّة، وهذا واجبٌ على كلّ مسلم أن يحبّ الناس كافّة لِقَول النبي عليه الصلاة والسلام:

((الخلق كلهم عيال الله، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله))

[ أخرجه أبو يعلى عن أنس بن مالك ]

ومن بعض الأحاديث التي وردت في كتب الأحاديث:

(( ألا لا إيمان لمن لا محبّة له، ألا لا إيمان لمن لا محبّة له، ألا لا إيمان لمن لا محبّة له))

[ أحمد عن أنس بن مالك]


أيها الأخوة المؤمنون، كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم مثلاً أعلى في المحبّة، تَروي كتب السيرة أنّ النبي عليه الصلاة والسلام رأى رجلاً بيَدِه خاتمٌ من الذَّهب، فأشار عليه الصلاة والسلام إلى أن ينْزعهُ من يده، فما كان من هذا الرّجل إلا أن ألقى به على الأرض توًّاً، وحلفَ ألا يأخذه بعدُ، وبعد أن طُرح على الأرض، وقال له بعض من معه: "لقد مضى رسول الله عليه الصلاة والسلام فَخُذْ هذا الخاتم، وانتفِع بِثَمَنِهِ، فقال هذا الرّجل: والله لا آخذهُ أبدًا"، لأنّ النبي عليه الصلاة والسلام أشار إلى هذا الرّجل أن ينزعهُ من يده، ولم يرْض النبي أن يتحلى هذا الإنسان بِخاتمٍ ذهبي، ألقى الخاتم على الأرض، ورفضَ أن ينتفع بثمنه وفاءً للنبي عليه الصلاة والسلام.
أيها الأخوة المؤمنون، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطّى غيرنا إلينا فلْنَتَّخِذ حذرنا، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتْبعَ نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

* * *

الخطبة الثانية :

 

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وليّ الصالحين، وأشهد أنّ سيّدنا محمَّدًا عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم، اللهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المجرات :

أيها الأخوة المؤمنون، كلمة المجرّات نسمعها كثيرًا، ونقرأ عنها الشيء الكثير، ولكنّ الحقائق التي اكتُشفت حديثًا تكادُ لعظمتها لا تصدّق. قالوا: المجرّات جُزُرٌ كونيّة هائلة تشكّل وحدات الكون الأساسيّة، في المجرّات غبار كوني، وسُدمٌ، ونجوم، وكواكب، ومذنّبات، ونيازك، وشُهب، ومجالات مغناطيسيّة كهربيّة عنيفة، كلّ هذا في المجرّة الواحدة، والشيء الغريب أنَّ أكبر مرْصدٍ على وجه الأرض، رصَدَ ألف مليون مجرّة، بينما بالعين المجرّدة لا نرى إلا ثلاث مجرّات
إذا نظرنا إلى قبّة السماء نرى درْب التبانة، ومجرّة ماجلان الصغرى والكبرى، بينما المَرْصد والمراصد الكبيرة رصَدَت ما يزيدُ عن ألف مليون مجرّة، بل إنّ تقديرات العلماء أنّ في السماء مليون مليون مجرّة، وفي كلّ مجرّة بالرّقم الوسطي ما يزيدُ عن ثلاثمئة ألف مليون نجم في كلّ مجرّة، لذلك ربّنا سبحانه وتعالى حينما قال:

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾

[سورة الواقعة: 75-76]

لنأخذ على ذلك درْب التبانة، وهي مجرّتنا، التي نحن جزءٌ صغير منها طولها يزيد عن مئة وخمسين ألف سنة ضوئيّة، بينما نبعدُ عن القمر ثانيةً ضوئيّة واحدة، نبعدُ عن الشّمس ثمانُي دقائق، المجموعة الشّمسيّة من أقصاها إلى أقصاها لا تزيد عن ثلاث عشرة ساعةً ضوئيّة، أما مجرّتنا فطولها يزيد عن مئة وخمسين ألف سنة ضوئيّة، وشكلها كالمغزل.
الشيء الغريب والجديد أنّ هذه المجرّات تدور حول نقطةٍ موهومةٍ في الفضاء الخارجي، تدور حول هذه النّقطة بسُرعاتٍ لا تصدّق، إنّها تدور بسُرعاتٍ تعادل ثمانية أعشار سرعة الضّوء، والضّوء يقطع في الثانية الواحدة ثلاثمئة ألف كيلو متر، إن هذه المجرّات تسير بِسُرعاتٍ بين سبعة وثمانية أعشار من سُرعة الضّوء.
المجموعة الشّمسيّة على سبيل المثال تدور حول نقطةٍ في مجرّتنا، تستغرقُ دورتها حول هذه النّقطة مئتين وخمسين مليون سنة، وسرعتها تزيد عن سبعة أعشار سرعة الضّوء.

التفكر في قدرة الله عز وجل :

أيها الأخوة المؤمنون، الأرقام الفلكيّة، السرعات الفلكيّة، والأعداد الفلكيّة، المسافات الفلكيّة شيءٌ لا يستطيعُ هذا العقل تصوّره.

الأرض تدور حول نفسها بسرعة ألف وستمئة كيلو متر في الساعة، والأرض تدور حول الشّمس بسُرعة ثلاثين كيلو متراً في الثانية، والشمس تجري لمستقرّ لها بسُرعة مئتي كيلو متر في الثانية، والمجرّة بسُرعة ألفين وأربعمئة ألف كيلو متر في الثانية، أي سبعة أمثال سرعة الضّوء ومع ذلك من أجل أن تدور الشّمس حول نقطةٍ في المجرّة تحتاج إلى مئتين وخمسين مليون سنة، الله عز وجل يقول:

﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ﴾

[ سورة الغاشية: 17-20]

قبل وقتٍ من الزّمن حصل انفجار في قلب المجرّة، مجرّة لها رقم اثنان وثمانون، حصل فيها انفجار، ألسنة اللَّهب امْتدَّتْ مئة وأربعين ألف مليون مليون كيلو متر، وقد شعَّتْ من هذا الانفجار طاقة تدميريّة تعادل ألفي بليون بليون قنبلة هيدروجينيّة، إذا قرأْت في أسماء الله الحسنى القويّ يعني انفجار في بعض المجرات، هذا الانفجار يساوي ألفي بليون بليون قنبلة هيدروجينيّة، مع أنّ هذه القنبلة الواحدة كافية لِتَدمير أكبر مدينة على وجه الأرض.

من اتسعت معرفته بالكون ازدادت خشيته لله :

أيها الأخوة المؤمنون، قال تعالى:

﴿ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾

[ سورة فاطر: 28 ]


كلّما اتَّسَعت معرفتك بالكون، ازدادَت خشْيتُك، نحن على وجه الأرض، و الأرض كوكبٌ صغير صغير، الأرض تدور حول الشمس، والشمس تدور حول نجم في المجرّة، والمجرّة تدور حول نقطةٍ وهميّة في الفضاء، وكلٌّ يدور، قال تعالى:

﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ ﴾

[ سورة الطارق : 11]

أيْ أنّ كلّ جرْمٍ في السماء يدور دَوْرةٍ إهليلجيّةً بحيثُ يرجعُ إلى مكان انطلاقه.
أيها الأخوة الأكارم، تفكّروا في خلق السموات والأرض، قال تعالى:

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

[ سورة آل عمران: 190-191 ]

الدعاء :

اللهمّ اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيْت، وتولَّنا فيمن تولّيْت، وبارك اللّهم لنا فيما أعْطيت، وقنا واصْرف عنَّا شرّ ما قضَيْت، فإنَّك تقضي ولا يُقضى عليك، إنَّه لا يذلّ من واليْت، ولا يعزّ من عادَيْت، تباركْت ربّنا وتعاليْت، ولك الحمد على ما قضيْت، نستغفرك اللهمّ ونتوب إليك
اللهمّ هب لنا عملاً صالحًا يقرّبنا إليك، اللهمّ أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنّا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارضَ عنَّا، وأصْلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصْلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصْلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا، واجْعل الحياة زادًا لنا من كلّ خير، واجعل الموت راحةً لنا من كلّ شرّ، مولانا ربّ العالمين، اللهمّ اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمَّن سواك، اللهمّ لا تؤمنَّا مكرك، ولا تهتِك عنَّا سترَك، ولا تنسنا ذكرك، يا رب العالمين، اللهمّ إنَّا نعوذ بك من عُضال الداء، ومن شماتة العداء، ومن السَّلْب بعد العطاء، يا أكرم الأكرمين، نعوذ بك من الخوف إلا منك، ومن الذلّ إلا لك، ومن الفقر إلا إليك، اللهمّ بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحقّ والدِّين، وانصر الإسلام وأعزّ المسلمين، وخُذ بيَدِ وُلاتهم إلى ما تحبّ وترضى، إنَّك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.