الخطبة : 0328 - كسب المال5 ( طرق كسب الرزق ) - مذبحة الأغنام.

1990-12-28

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا برُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ، ما اتَّصَلَت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بِخَبر ، اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علّمتنا ، وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا ، وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

مهنة الإنسان أخطر شيء في حياته :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ ورد في بعض الأحاديث القدسيّة قول النبي عليه الصلاة والسلام :

 

((إن روح القدس نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستكمل أجلها ، وتستوعب رزقها ، فاتقوا الله ، وأجملوا في الطلب ، ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله ؛ فإن الله تعالى لا ينال ما عنده إلا بطاعته ))

 

[ ابن ماجه وأبو نعيم والحاكم وابن حبان وأخرجه الطبراني عن أبي أمامة الباهلي ]

 مهنة الإنسان أيها الأخوة شيءٌ خطيرٌ جدًّا في حياته ، فإذا كانت حرفتهُ ومِهنتهُ، وموردُ رزقه ، حرفةً مشروعةً سعِدَ بها ، ونفع بها المسلمين ، وإن كانت حرفةً فيها معصيَة لله عز وجل ، أو فيها إيقاعٌ للأذى بالمسلمين ، كانت هذه الحِرفةُ نِقْمة على صاحبها ، وسببًا لِهَلاكه ، ابْحث عن مهنة فيها نَفْعٌ للناس ، ابحَث عن مهنةٍ فيها عطاءٌ للناس ، ابْحَث عن مهنةٍ ترضي الله عز وجل ، ابْحث عن مهنةٍ مَشروعةٍ في أصلها وطبِّقها بِطَريقةٍ مشروعة ، وابْتغ بها وجه الله عز وجل وخِدمة المسلمين كي تنقلبَ هذه الحِرفة إلى عبادة .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ انطلاقًا من أنّ تسعة أعشار المعاصي من كسب الرّزق ، وانطلاقًا من أنّ الدعاء لا يُستجاب إلا إذا أكل الإنسانُ مالاً حلالاً من كسبه ، وكدّ يمينه ، وعرق جبينه ، كانت هذه السّلسلة من الخُطب المتعلّقة بِكَسْب الرّزق .

 

أعظمُ الأعمال في الدّنيا ما كان له أجرٌ وأُجْرة :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ أباح الإسلام التَّكَسُّب عن طريق الزّراعة ، بابٌ كبير مباح ، ولكنّ الأحاديث الشريفة الصحيحة تزيدُ عن الإباحة بأنّ هذا الذي يُطعمُ الناس ، ويسعى في توفير حاجاتهم الغذائيّة له عند الله أجرٌ كبير ، فقد روى الإمام البخاري عن أنسٍ عن النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّم قال :

((ما منْ مسلمٍ يغرسُ غرساً ، أو يزرعُ زرعاً ، فيأكلُ منهُ إنسانٌ ، أو طيرٌ ، أو بهيمةٌ إلاَّ كانتْ لهُ صدقة ))

[البخاري عن أنس ]

 
إضافة إلى أنَّك تعمل ، إضافةً إلى أنّك تكسبُ ، حينما توفّر حاجات المسلمين الغذائيّة ، وهي الحاجات الأولى ، حينما توفّر هذه الحاجات للمسلمين إضافةً إلى أنّك تربحُ بها إنَّها تسجّل لك صدقةً .
 لذلك قال بعض العارفين : إذا أردْت أن تعرف مقامك فانْظُر فيما استعملك ، أي أيّها الأخ الكريم سؤال خطير ، لا ينبغي أن يبْرح ذهْنَكَ : كيف ألقى الله ؟ بأيّ عملٍ ألقى الله تعالى ؟ الأعمال الصالحة كثيرةٌ جدًّا ، وقلتُ لكم كثيرًا : الأُبوّة المِثاليّة عملٌ صالحٌ تلقى الله به، البنوّة المثالية عملٌ صالح تلقى الله به ، والحِرْفة المشروعة في الأصل ، وفي التعامل بها ، وفي ابتِغاء وَجه الله بها ، وفي ابتغاء نفع المسلمين بها عملٌ صالحٌ تلقى الله به ، الإمام مسلمٌ في صحيحه أخبرني عمرو بن دينار؛ أنه سمع جابر بن عبد الله يقول :

(( دخل النبي صلى الله عليه وسلم على أم معبد ، فقال يا أم معبد ! من غرس هذا النخل ؟ أمسلم أم كافر ؟ فقالت : بل مسلم ، قال : فلا يغرس المسلم غرساً ، فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا طير ، إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة ))

[مسلم عن عمرو بن دينار]

 من منكم يصدّق أنّ بعض أشجار النخيل تُعمِّر ستّة آلاف عام ، هذا الذي زرع هذه الشّجرة ، وأكل الناس منها ، إلى ستَّة آلاف عام كلّ هذا العمل في صحيفته ، هكذا علَّمنا النبي عليه الصلاة والسلام ، وقد يسأل سائلٌ : لماذا كان هذا الموضوع في هذا الأسبوع ؟ بعضهم قد يربط بين هذا الموضوع وبين عيد الشّجرة ، هذا ممكن :

((...لا يغرس المسلم غرساً ، فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا طير ، إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة ))

[مسلم عن عمرو بن دينار]

 
يا أيها الأخوة الأكارم ؛ أعظمُ الأعمال في الدّنيا ما كان له أجرٌ وأُجْرة ، هناك من يعملُ في التعليم ، يعلّم الأطفال القرآن الكريم ، فلهُ من الناس أجرة ، وله من عند الله أَجْرٌ، الأعمال التي فيها عطاءٌ مزدوج ، هذه أعمال احرصوا عليها ، والإمام البخاري في صحيحه عن أنس رضي الله عنه يروي حديثًا تعرفونه جميعًا ، قال :

(( إن قامت الساعة - قامت الساعة ، وانتهى كلّ شيء ، ولم يبق أحدٌ - وفي يد أحدكم فسيلة ، فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليغرسها ))

[البخاري عن أنس ]

 هكذا جاء تَوجيه النبي عليه الصلاة والسلام ، هذا الحديث له منطوق ، وله مفهوم ، منطوقهُ معروفٌ عندكم ، لكنّ مفهوم هذا الحديث أنّ على الإنسان أن يعمل ، عليه أن يكون عضوًا نافعًا في المجتمع ، عليه أن يقدِّمَ شيئًا ، لأنّ قيمة الإنسان ما يُحسِن ، كيف يبدو دينك للناس ؟ من خلال عملك ، ومن خلال صنْعتك ، ومن خلال إنتاجِك ، ومن خلال استقامتك ، ومن خلال صدْقك ، ومن خلال أمانتك ، كيف تدخلُ الجنّة ؟ قال تعالى :

﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة النحل : 32]

 فأنت من خلال العمل يبْدو إسلامك ، ويبدو إيمانك ، ومن أدْراك أنّ الذي يعمل وفْق شرْع الله عز وجل إنَّما هو داعِيَةٌ ، وهو لا يدري ، تدعو إلى الله ، هكذا المسلم ، هكذا في صنْعَتِهِ مخلصًا ، وفي صَنْعتِهِ متْقِنًا ، هكذا في صَنْعَتِهِ صادقًا ، هكذا في تعاملِه مع الناس أمينًا ، وقد قال عليه الصلاة والسلام :

(( الأمانة غنىً ))

[الجامع الصغير عن أنس ]

 المعنى الماديّ ، إذا كنتَ أمينًا وثِقَ الناس فيك .

 

قيمة المرء ما يحسِنُهُ :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ أثرٌ رابعٌ : الإمام السيوطي عن ابن جرير عن عمارة ابن خزيمة بن ثابت : سمعت عمر بن الخطاب يقول لأبي :

(( يمنعك أن تغرس أرضك ؟ فقال له أبي : أنا شيخ كبير أموت غداً ، فقال له عمر : أعزم عليك لتغرسها ، فلقد رأيت عمر بن الخطاب يغرسها بيده مع أبي ))

[السيوطي عن ابن جرير عن عمارة بن خزيمة بن ثابت]

((إن روح القدس نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستكمل أجلها ، وتستوعب رزقها ، فاتقوا الله ، وأجملوا في الطلب ، ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله ؛ فإن الله تعالى لا ينال ما عنده إلا بطاعته ))

[ ابن ماجه وأبو نعيم والحاكم وابن حبان وأخرجه الطبراني عن أبي أمامة الباهلي ]

 
ليس من شأن المسلم أن يكون كسولاً ، ليس من شأن المسلم أن يكون كلّاً على الآخرين ، ليس من شأن المسلم أن يعمل عملاً غير متقن ، ليس من شأن المسلم أن يكون أنانيًّا ، إذا توافرَت حاجاته فعلى الدنيا السّلام ، إذا توافرَت حاجته فلْيمت الناس من بعده ، ليس من شأن المسلم هذا ، والله ما آمن ، والله ما آمن ، والله ما آمن ، من بات شبعان وجارهُ إلى جانبه جوعان وهو يعلم ، سيّدنا عمر وهو خليفة المسلمين قام وغرسَ هذه الأرض بيدِه مع أبيه، ليس هذا غريبًا ، سيّدنا الصّديق ، وما أدراكم ما سيّدنا الصّديق ، خليفة رسول الله ، وسيّد الخَلْق، سيّد المؤمنين بعد رسول الله ، ما طلعَتْ شمسٌ على رجل بعد نبيّ أفضلَ من أبي بكر ، لو وُزن إيمان الخلق مع إيمان أبي بكر لرجَحَ ، كان يحْلبُ شياهًا لجِيرانٍ له مساكين ، فلمّا صار خليفة المسلمين دخل الحزن على هؤلاء الجيران لأنّ هذه الخِدمة التي كان يقدّمها لهم ستنقطعُ عنهم ، طرق الباب في صبيحة اليوم الذي صار هذا الخليفة العظيم خليفة المسلمين ، طرق باب هؤلاء الجيران ، فقالَت صاحبة البيت ، وكان زوجها قد تُوُفّي : يا بنيّتي افْتحي الباب، انْطلَقَت هذه الفتاة لِتَفْتح الباب ، فعادتْ إلى أُمّها ، وقالتْ : يا أُمّاه جاء حالِبُ الشاة ! الذي يحلبُ لنا الشِّياه ، هو نفسهُ جاء ، وهو خليفة المسلمين !
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ قيمة المرء ما يحسِنُهُ ، بينما في آخر الزمان ، قيمة المرء متاعهُ ، يستمدّ قيمته من مساحة بيته ، من موقع بيته ، مِن نوع فرْش بيته ، من نوع مركبته ، من دخله ، من ثيابه ، من نوع ثيابه ، إذا تخلَّف الناس اسْتمَدُّوا قيمتهم من متاعهم ، فإذا تقدَّم المجتمع ، اسْتمدَّ الرجل قيمته مِمَّا يحسن ، ماذا يقدّم للناس ؟ لماذا حرَّم الله الربا ؟ لأنّ المرابي لا يفعلُ شيئًا ، المال عنده يلدُ المال ، وفي الإسلام لا يجوز أن يلد المالُ المالَ لا يلِدُ المال إلا مِن عملٍ منتج تقدّمه للمجتمع .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ وقد روى الإمام البخاري رحمه الله تعالى عن نافع بن عاصم ، قال : سمع عبد الله بن عمر قال لابن أخٍ له خرج من الوهطة - أي من بستانٍ - أيَعْمَلُ عمَّالك ؟ - ابن عمر رأى رجلاً خرج من بستان وهو صاحب البستان - قال : أيَعْملُ عمَّالك ؟ قال : لا أدري ، قال : أما لو كنت ثقفيًا - من بني ثقيف - لعَمِلْتُ ما يعملُ عمّالك ، ثمّ التفتَ إلينا وقال : إنّ الرجل إذا عمل مع عمّاله في داره كان عاملاً من عمّال الله عز وجل .
 كأنّ هذه الأحاديث تدفعُ إلى قيمة العمل ، وكلّكم يعلم أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام حينما أمْسكَ بيَدِ عبد الله بن مسعود ورآها خشِنَة ، أمسكها وقال : " هذه اليد يحبّها الله عز وجل ".
 وعن عبد الله بن سلام أنَّه قال : إذا سمِعْتَ بالدَّجال قد خرج ، وأنت على غرْسَةٍ فاغرسها ، أخْذًا عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم .

 

للكون وظيفتان خطيرتان ؛ إرشاديّة و نفعيّة :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ ماذا يقول الله عز وجل في سورة الأنعام في الآية التاسعة والتسعين ؟ دقّقوا في هذه الكلمات ، قال تعالى :

﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُتَرَاكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾

[ سورة الأنعام : 99]

 ظاهرة النبات ، هذه الظاهرة لها نفْعٌ عميم ، ولها إرشاد كبير ، ويجب أن تعلموا علم اليقين أنّ الكون له وظيفتان خطيرتان ؛ سماؤُه ، ومجرّاتهُ ، وأرضُه ، وجبالهُ ، وأنهارهُ ، ووِدْيانُهُ ، وأسماكُه ، وأطيارهُ ، وحيواناتهُ ، ونباتُه ، كلّ شيءٍ في الكون له وظيفتان خطيرتان ، الوظيفة الأولى وظيفةٌ إرشاديّة إلى الله عز وجل ، فهذا الكون مَظْهرٌ لأسماء الله الحُسنى ، ووظيفةٌ أخرى نفعيَّة ننتفِعُ به ، فربّنا سبحانه وتعالى يُشير في قوله تعالى نباتَ كلّ شيءٍ ، طعامنا من النبات ، والقوتُ من النبات ، من القمح والشعير والذرة ، وكلّ أنواع المحاصيل ، والخضراوات نبات ، والأشجار المثمرة نبات ، والدواء من النبات ، والكِساءُ من النبات ، وإمتاعُ العَين بهذه الأزهار ذات البهْجة من النبات ، والأصْبِغة من النبات ، والألوان من النبات ، وهذا اللّيف الذي ننظّف به أجسامنا من النبات ، وهذا السّواك الذي ننظّف به أسناننا من النبات ، وأحصى بعض العلماء أنّ عشرين ألْف صِناعةٍ تقوم على النبات من حيثُ الأنواع ، لا من حيث الأعداد ، لذلك صدق النبي عليه الصلاة والسلام حينما يقول :

(( إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة ، فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليغرسها ))

[البخاري عن أنس ]

فوائد الأشجار :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ قال بعضهم : إذا أردْت أن تُدَمِّرَ أرضًا فاقْطَع أشجارها ، وقال بعض العلماء : إنّ الأشجار تصْنَعُ الصحّة ، وهي في حقيقتها رئة الأرض ، الإنسان له رئة ، ورئة الأرض الأشجار ، من المعلومات التي يعرفها جميع الناس أنّ الأشجار تمتصّ ثاني أكسيد الكربون ، مشكلات الأرض الآن ، هذا التحوُّل في الأجواء ، ارتفاع الحرارة على مستوى الأرض كلّها ، انْحِباس الأمطار ، بِسَبب ازْدياد نسبة غاز الكربون في الجوّ، بل إنّ خلْخَلَة طبقة الأوزون في الجوّ من أسبابها ارتفاع نسبِ غاز ثاني أكسيد الكربون .
 
إنّ هذه الشّجرة التي صمّمها الله عز وجل تمْتصّ هذا الغاز السامّ ، هو غِذاءٌ لها ، تمتصّ ثاني أكسيد الكربون ، لِتُحَوِّله إلى كتلةٍ حيَوِيّة ليس أقلّها الغذاء ، هذه الأشجار ماذا تطرحُ ؟ تطرح الغاز الذي نحن في أشدّ الحاجة إليه ، لماذا إذا سِرت بين الأشجار تشْعرُ بِنَشاطٍ عجيب وراحةٍ نفسيّة ؟ لأنّ هذه الأشجار تطرحُ لك الأكسجين ، هؤلاء الذين يضعون كمَّامات أكسجين لماذا يرتاحون بها ؟ لأنّه الغاز المناسب للإنسان ، ما هذا الصُّنْع المتقن ؟ الأشجار إضافةً إلى جمالها ، وإلى موادها ، وإلى منافعها تمتصّ غاز الفحم ، وتعطي الأكسجين .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ ثبَتَ في العِلْم أنَّ الأشجار تنقّي الجو من التلوُّث والغبار ، وتحمي التربة من الانجراف ، وتزيدُ في خصوبة التربة ، وتزيد الأشجار من تخزين المياه الجَوفيّة ، ورفْع نسب الرطوبة في الأرض ، أما بعض التفصيلات فشيءٌ لا يُصدّق ، بحْثٌ عِلْمي اسْتغرقَ إجراؤُه خمْسة وعشرين عامًا ، شجرةٌ واحدة عمرها خمسون عامًا تقدّم خمسين طنًا من الأكسجين ، وتنقّي الهواء من التلوُّث ، تحمي التربة من الانجراف ، تزيد مخزون رطوبة الأرض ، تحمي الطيور ، وتطعمها ، تقدّم البروتين النباتي ما قيمته قريبًا من عشْرة ملايين ليرة ، شجرة واحدة ، لو أردْنا أن نقوم بِوَظائفها بِطَريقةٍ صِناعيّة لاستغرق هذا العمل وقْتًا مديدًا ، ونفقات باهظة .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ بعض علماء النفس يقول : إنَّ الشّجرة سببٌ في صِحَّة الإنسان النفسيّة ، لما تُشيعُهُ من جوّ مُريح .
 يا أخوة الإيمان ، الجوّ المشحون بالجراثيم ، والميكروبات ، والغبار ، إذا سارَت هذه الرّياح المشحونة بالجراثيم والأوْبِئة والميكروبات والغبار في غابةٍ ، فإنّه في وقْت قياسي لا يزيدُ عن خمس دقائق يُنقَّى هذا الجوّ من كلّ الجراثيم والميكروبات عن طريق الأشجار .
 قال بعض العلماء : إنّ هكتارًا من أشجار الصّنوبر يلتقطُ من ثلاثين إلى خمسة وثلاثين طنًّا من الغبار ، لولا هذه الأشجار لكان هذا الغبار في طريقه إلى أُلوف البشر ، وإلى رئات البشر ، هكتارٌ واحد من أشجار الصنوبر يلتقط في العام الواحد ما يزيد عن خمسة وثلاثين طنًّا من الغبار .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ لو قُلِعَتْ الأشجار ، وتصحَّر المكان كانت الحياة فوقهُ لا تُطاق ، إنّ نِسَب الأمراض ، وانتشار الأمراض ، والتلوُّث العام من أسبابه قطع الأشجار ، فهذا الذي يقطع الأشجار ، قبل أن يقطع الأشجار يجبُ أن يعلم أنَّه يُخالف أمْر النبي عليه الصلاة والسلام ، ويُخالفُ منطوق القرآن الكريم .

النهي عن قطع الأشجار :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ حقيقة أخرى مذهلة ، الإنسان يحتاج إلى ستّمئة وثمانين غرامًا من الأكسجين كلّ يومٍ ، عشرون لترًا من البنزين الذي تستهلكُه السيارة ، يستهلك سبعين كيلو غرام من الأكسجين ، أي كلّ سيارة تستهلكُ حاجة مئة إنسانٍ من الأكسجين ، مئة ضعف، هذه المركبات تستهلك حاجة مئة إنسان بينما الشّجرة تُعطيه حاجتهُ من الأكسجين .
 
أيها الأخوة الأكارم ؛ حقيقة أخرى مذهلة أنّ أرْضًا منحدِرة في عام واحد يُجرفُ منها ما يزيد عن ثمانين طنًّا في كلّ هكتار في العام الواحد بِسَبب نُزول الأمطار ، نزول الأمطار على أرضٍ منحدرة يجرفُ منها ثمانين طنًّا ، أما إذا كانت هذه الأرض مزروعةً بأيّة زراعة فيُجْرف منها عشرون طنًّا ، أما إذا كانت مزروعةً بالأشجار ، فيُجرفُ منها أربعةٌ في الألف من الطنّ الواحد ، هذه الحقائق استغرق إجراؤُها سنوات طويلة .
 فيا أيها الأخوة المؤمنون ؛ حينما قال النبي عليه الصلاة والسلام :

(( إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة ، فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليغرسها ))

[البخاري عن أنس ]

 أما قطْع الأشجار فهو منْهيّ عنه في السنّة المطهّرة .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطّى غيرنا إلينا فلْنَتَّخِذ حذرنا، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتْبعَ نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

مذبحة الأغنام :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ قلتُ من قبل : إنّ الناس رجلان ؛ موصول بالله ، منضبطٌ بِشَرعِهِ ، محسنٌ إلى خلقه ، هذا الصِّنف الأوّل ، ومقطوع عن الله ، متفلِّتٌ من منهجه، مُسيءٌ إلى خلقه ، موصول ومقطوع ، منضبطٌ ومتفلّت ، محسنٌ ومُسيء ، فَمِن علامة المؤمن أنّ في قلبه رحمة ، من علامة المؤمن أنّ أساس حياته الإحسان ، أساس حياته العطاء ، أساس حياته الخير ، أساس حياته السّلام ، ومن علامات المقطوع عن الله عز وجل أنّه يحبّ ذاتهُ ، ولو كان هذا الحبّ على حِساب شَقاء الناس كلّهم .
 
قرأْتُ خبرًا في جريدةٍ عربيّة قبل أُسبوع أو أكثر مِن أنّ بلادًا بعيدةً عنَّا هي أستراليا تمَّ إعدامُ عشرين مليون رأس غنم ، ودُفِنَتْ في مقابر جماعيّة لماذا ؟ حِفاظًا على سِعر الغنَم من أن ينخفِض !!! اُنْظر إلى المؤمن كيف يحبّ الخير ، لو أنّ هذه الأغنام قدّمَت لِدَولةٍ تُعاني من المجاعة ، وما أكثر الدُّوَل الآن التي يُعاني شعبها من المجاعة ، أليس هذا هو الموقف الإنساني ؟ ماذا قال الله عز وجل :

﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾

[ سورة الحديد : 27]

 والمقصود هنا عيسى عليه وعلى نبيّنا أفضل الصلاة والتسليم ، فأين هي هذه الرحمة وهذه الرأفة في قلوب هؤلاء ؟
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ كلّ هذه الأحاديث عن قيمة الشّجرة ، وعن أمْر النبي بِزِراعة الشّجرة ، وعن العِنايَة بها ، وكيف أنّ النبي عليه الصلاة والسلام وعدَ غارس الشجرة بالصّدقة إلى يوم القيامة نظير أنّه قدَّم شيئًا للناس ، واستفادوا منه ، ما بالُ هؤلاء الآخرين ؟ ما بالهم يقتلون أغنامهم والناس في أمسّ الحاجة إلى هذه الأغنام من أجل الحفاظ على سِعرها !!! أرأيتُم أن الإنسان إذا أعرض عن الله عز وجل كيف يصبحُ إنسانًا يدمِّرُ الحياة من أجل ذاته ؟

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَنا فيمن تولَيت ، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، ولا تهلكنا بالسنين ، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .