الخطبة : 0212 - رمضان3 - شهر الإنفاق - القمح.

1988-04-29

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، ما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكلي إلا على الله . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيّته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر . وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عينٌ بنظر أو سمعت أذنٌ بخبر . اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريته ومَن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الإنفاق في سبيل الله :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ الإنفاق في سبيل الله بالمعنى الواسع أن تنفق مما آتاك الله؛ أن تنفق من مالك ، وأن تنفق من وقتك ، وأن تنفق من خبرتك ، وأن تنفق من علمك ، وأن تنفق من جاهك ، فربنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾

[ سورة البقرة :1-3]

 فالله سبحانه وتعالى خالقنا ، ومربينا ، ومسيرنا ، يأمرنا بالإنفاق ، والأمر الإلهي يقتضي الوجوب ، لا تعرف معنى الأمر إلا إذا عرفت مَعنى الآمر ، مَن هو الآمر ؟ قد ينصاع الإنسان لإنسانٍ مثله إذا رجا خيره أو خاف بطشه ، فكيف لو عرفت أن الآمر هو الله سبحانه وتعالى ؟ أمرك كله بيده . .

﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾

[ سورة هود : 123 ]

 إذا عرفت الآمر معرفةً صحيحة بادرت إلى تنفيذ أمره ، الله سبحانه وتعالى خالقنا ، ومربينا ، ومسيرنا ، ومَن إليه مصيرنا ، يأمرنا فيقول :

﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ﴾

[ سورة إبراهيم :31]

 أمرٌ إلهي ، وفي آيةٍ أخرى يقول الله سبحانه وتعالى :

﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾

[ سورة البقرة : 195 ]

 بعض العلماء عقَّب على هذه الآية فقال : أي إن لم تنفقوا في سبيل الله ، عندئذٍ تلقون بأيديكم إلى التهلكة . تهلكون أنفسكم لأنكم تذهبون إلى الله وليس لكم عمل صالحٌ ترقون به ، ترجعون إلى الله يوم القيامة وليس لكم عملٌ تسعدون به ، ليس لكم عملٌ يصلح للعرض على الله ، إذاً :

﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾

[ سورة البقرة : 195 ]

 من إعجاز القرآن الكريم أن آياته تفهم على وجوهٍ شتّى ، إما أن الله سبحانه وتعالى يريد من هذه الآية أي لا تنفق كل مالك فتلقي بيديك إلى التهلكة ، أو لا تمتنع عن الإنفاق فتلقي بيديك إلى التهلكة . .

﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾

[ سورة البقرة : 195 ]

 وفي آيةٍ ثالثة يقول الله سبحانه وتعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم﴾

[ سورة البقرة : 254 ]

 و . .

﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾

[ سورة البقرة : 267]

 و . .

﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾

[ سورة آل عمران : 92 ]

 لن تنالوا البر ، طريق البر الإنفاق ، كما قلت قبل قليل : أن تنفق المال ، وأن تنفق العلم ، وأن تنفق الخبرة ، وأن تنفق الوقت ، وأن تنفق الجاه ، وأن تنفق كل شيءٍ حباك الله به .

 

الله سبحانه وتعالى يأمرنا بالإنفاق ويدعونا إليه :

 ويقول الله سبحانه وتعالى :

﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾

[ سورة محمد : 38]

 المؤمن يُدعى للإنفاق ؛ إما أن يستجيب وإما أن يبخل .
 والله سبحانه وتعالى يقول :

﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾

[ سورة البقرة : 245 ]

 وله أجرٌ كريم . كأن الله سبحانه وتعالى حينما يدعونا إلى أن ننفق في سبيله يعد هذا الإنفاق قرضاً له ، وسوف يردُّ هذا القرض أضعافاً مضاعفة . فما موقفك أيها الأخ الكريم إذا كان خالق السموات والأرض يدعوك أن تقرضه قرضاً حسناً ليضاعفه لك أضعافاً كثيرة ؟
 وفي آية أخرى يقول الله سبحانه وتعالى :

﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

[ سورة الحديد : 10 ]

 هذا الذي تجمعه ، وهذا الذي تخزِّنه ، وهذا الذي تمتنع عن إنفاقه ليس لك في النهاية . .

﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض﴾

[ سورة الحديد : 10 ]

 إذاً الله سبحانه وتعالى يأمرنا بالإنفاق ، ويدعونا إليه ، والله خالقنا ، ومربينا ، ومسيرنا ، لكن الإنفاق الذي ليس فيه إخلاصٌ ليس مقبولاً عند الله سبحانه وتعالى . .

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنّاً وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾

[ سورة البقرة : 262]

 إذا أتبعت الذي أنفقته المَنَّ والأذى بطل ثواب إنفاقك ، لا تمتنَّ على الذي أعطيته ربما هو الذي يمتنَّ عليك ، الذي قبل منك ، وأعطاك فرصةً كي تتقرَّب إلى الله سبحانه وتعالى.

 

ما يضاعف أجر الإنفاق :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ جزاء الإنفاق في الدنيا والآخرة ، يقول الله سبحانه وتعالى:

﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾

[ سورة البقرة : 272 ]

 لو أن عندك صندوقاً حديدياً ووضعت فيه مبلغاً من المال ، إلى أين ذهب هذا المال ؟ هو لك ، لكن الصندوق الذي تضع فيه هذا المال يحافظ عليه من دون أن يزداد المال، لكنك إذا أودعت عند الله مالك فإنه يضاعفه لك أضعافاً كثيرة ، يأتي المؤمن يوم القيامة ليجد لقمةً أنفقها في سبيل الله كجبل أُحُد ، والله سبحانه وتعالى يقول :

﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾

[ سورة البقرة : 261]

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ مما يضاعف أجر الإنفاق أن يكون الإنفاق في الضَرَّاء ، ومما يضاعف أجر الإنفاق أن يكون الإنفاق سراً ، ومما يضاعف أجر الإنفاق أن يكون في ساعة العسرة ، ربنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْح﴾

[ سورة الحديد : 10 ]

 في ساعات العسرة ، في ساعات الشدة ، هذا الذي ينفق ماله له عند الله أجرٌ كبير، و . .

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾

[ سورة آل عمران : 134]

 في الرخاء والشدة ، في إقبال الدنيا وإدبارها . .

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلَانِيَة﴾

[ سورة البقرة : 274 ]

(( صدقة السر تطفئ غضب الرب ))

[ الجامع الصغير بسند صحيح ]

أية نفقةٍ ينفقها الإنسان في سبيل الله يخلفها الله عليه أضعافاً كثيرة :

 ولكن قد يسأل سائل : لماذا يمتنع بعض الناس عن الإنفاق ؟ الجواب واضح : إنهم يمتنعون عن الإنفاق لأنهم يعتقدون أنهم إذا أنفقوا من مالهم فإن مالهم سوف ينقص ، ولكنهم لو آمنوا بالله عزَّ وجل حق الإيمان ، وآمنوا بكتابه ، وعرفوا أن الله سبحانه وتعالى صادقٌ في كلامه ، وأنه . .

﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّه﴾

[ سورة التوبة : 111 ]

 لو قرؤوا هذه الآيات الثلاث ، وعرفوا أن هذه الآيات قطعية الثبوت ، قطعية الدلالة ، وأنها كلام رب العالمين ، وأن الله سبحانه وتعالى ليس جهة في الكون أصدق من الله سبحانه وتعالى ، يقول الله عزَّ وجل :

﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾

[ سورة سبأ : 29 ]

 شيء نكرة ، لو أنفقت من وقتك لبارك الله لك في وقتك ، لو أنفقت من جاهك لرفع الله لك جاهك ، لو أنفقت من علمك لزادك علماً ، لو أنفقت من مالك لزادك مالاً..

﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْء﴾

  شيء ، جاءت نكرة ، والنكرة هنا تعني الشمول ، و من تعني استغراق كل شيء ، أي أية نفقةٍ صغرت أو كبرت ، جلَّت أو عظمت ، في السرَّاء أو في الضرَّاء ، في الضيق أو في اليسر ، في إقبال الدنيا أو في إدبارها ، مادية أو معنوية . .

﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾

[ سورة سبأ : 39 ]

 هذه الآية لو عرفنا أنها كلام رب العالمين ، وأن الله سبحانه وتعالى في قرآنه الكريم كلامه قطعي الثبوت ، قطعي الدلالة .
 آيةٌ ثانية :

﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾

[ سورة البقرة : 272]

 يوفَّ إليكم . .

﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾

[ سورة الأنفال : 60 ]

 في آياتٍ ثلاثة من آيات القرآن الكريم ، هذه الآيات تؤكِّد تأكيداً قاطعاً لا مجال للظن فيه أن أية نفقةٍ تنفقها في سبيل الله لابدَّ من أن يخلفها عليك أضعافاً كثيرة ، فهذا الذي يمتنع عن الإنفاق في سبيل الله إما أنه لم يقرأ القرآن ، وإما أنه لا يعرف الواحد الديَّان ، هذه أو تلك ، إما أنه لم يقرأ ، وإما أنه لا يعرف الله سبحانه وتعالى .

 

معرفة الله تعالى كل من ينفق في سبيله :

 شيءٌ آخر : أنت إذا أنفقت في سبيل الله لا تحتاج أن تُعْلِم الله بذلك ، لا تحتاج أن ترفع له كتاباً بذلك ، لا تحتاج أن تبرز له الإيصال ، لا تحتاج أن تعلمه بذلك ، الله سبحانه وتعالى في أربع آياتٍ من قرآنه الكريم يؤكِّد لنا أن أية نفقةٍ تنفقها في سبيله يعلمها . .

﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾

[ سورة البقرة : 270]

﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾

[ سورة البقرة : 273]

﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾

[ سورة آل عمران : 92]

﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾

[ سورة التوبة : 121]

 التعامل مع الله سهلٌ جداً ، إن أية نفقةٍ تنفقها ؛ علمتها أو لم تعلمها ، سجلتها أو لم تسجلها ، أعلمت الله بها أم كتمتها ، أنفقتها علانيةً أو سراً ، أنفقتها أمام الناس أو وحدك ، أنفقتها في الليل أو في النهار ، في ضوءٍ كاشف أو في ظلمةٍ دامسة إن الله يعلمها ، وكفاك فخراً أن يعلم الله ما تنفق ، فكيف إذا قرأت آياتٍ في كتاب الله يبيِّن الله فيها أنه هو الذي يأخذ منك الصدقة ، هو نفسه . .

﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾

[ سورة التوبة : 104 ]

 يا داود مرضت فلم تعدني ، قال : كيف أعودك وأنت رب العالمين ؟! قال : مرض عبدي فلان فلم تعده ، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده ؟! استطعمتك فلم تطعمني، قال : كيف أطعمك وأنت رب العالمين ؟! قال أما علمت أن عبدي فلانٌ قد استطعمك وأنك لو استطعمته لوجدتني عنده . . وهكذا " .
 والله سبحانه وتعالى يَعُدُّ هذه الصدقة - كما قلت قبل قليل - قرضاً له ، هو الذي يأخذها ، وهو الذي يثيب عليها .

 

أهداف الإنفاق :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ ربنا سبحانه وتعالى في آيات القرآن الكريم يبيِّن لنا أهداف الإنفاق ، يقول الله سبحانه وتعالى :

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾

[ سورة التوبة : 103 ]

 تطهرهم ، الله سبحانه وتعالى هكذا يقول : إذا أنفقت من مالك طهر الله قلبك ، كيف ؟ إذا أنفقت أقبلت ، وإذا أقبلت جاء نور الله فطهر كل الأدران ، ومحا كل السيئات ، وأزال كل العيوب ، ومحا كل النقائص ، إذاً أنت بالزكاة تزكو ، وبالإنفاق تطهر . .

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾

[ سورة التوبة : 103 ]

﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِل﴾

[ سورة البقرة : 261 ]

 إذاً الله سبحانه وتعالى يكافئ في الدنيا قبل الآخرة ، وهناك المؤمنون الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله . .

﴿وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِم﴾

[ سورة البقرة : 265]

 أي الإنسان له مكانة عند الله ، قد تكون هذه المكانة مهزوزة ، قد تكون هذه المكانة ليست مكينة ، إنفاق المال يثبِّت مكانتك عند الله ، أحياناً الإنسان يحتل مكانة ثابتة عند إنسان ، فإذا أنفقت من مالك تحتل عند الله مكانةً ثابتة لا تزعزعها الأهوال .

((إن الله راضٍ عن عثمان ، اللهمَّ إني راضٍ عن عثمان فارضَ عنه))

 متى ؟ يوم أنفق من ماله وجهَّز جيش العسرة .

((ما ضرَّ عثمان ما عمل بعد اليوم ))

[ الترمذيعن عبد الرحمن بن سمرة ]

((اللهمَّ إني راضٍ عن عثمان فارضَ عنه ))

 ماذا فعل عثمان ؟ أنفق من ماله ، فالذي ينفق ماله يثبِّت نفسه عند الله سبحانه وتعالى .

 

إنفاق المال على الزوجة والأولاد سبب قوامة الرجل :

 ولا تنسوا أيها الأخوة أن إنفاق المال على الزوجة وعلى الأولاد سبب قوامة الرجل..

﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِم﴾

[ سورة النساء : 34 ]

 ربما كان إنفاق المال سبب قوامة الرجل على زوجته ، فإذا امتنع عن إنفاق المال ، أو بخل ، أو سمح لها أن تنفق عليه هي ، ضعفت مكانته ، وفقد قوامته ، فلذلك يقول عليه الصلاة والسلام :

((ليس منا من وسَّع الله عليه ثم قتَّر على عياله ))

[ من الجامع الصغير عن جبير بن مطعوم ]

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ من أمثل حالات الإنفاق أن الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾

[ سورة الفرقان : 67]

﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً﴾

[ سورة الإسراء : 29]

 الاعتدال في الإنفاق ، لا إسراف ولا تقتير .

 

حصر إنفاق الزكاة في ثمانية أبواب :

 وأما زكاة المال فلها وجوه حصرية ، الله سبحانه وتعالى حصر إنفاق الزكاة في ثمانية أبواب لا يجوز أن تتعدَّاها ، لكن صدقة النفل لها وجوهٌ أخرى ، أي مشروعٍ ، أو أي عملٍ، أو أي بناء مسجدٍ ، أو أي عملٍ طيِّبٍ مُغَطَّى من قِبَل صدقة النفل ، أما الزكاة فيجب أن تذهب إلى آدميٍ على وجه التمليك ، فالله سبحانه وتعالى يقول :

﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾

[ سورة الفرقان: 67]

 إذا اجتمع الفقراء والمساكين افترقا ، وإذا افترقا اجتمعا ، إذا قلنا : فقراء أي فقراء ومساكين ، وإذا قلنا : مساكين أي فقراء ومساكين ، أما إذا قلنا : فقراء ومساكين ، فالفقراء هم الذين لا يجدون حاجتهم ، أما المساكين فهم الذي لا يملكون شيئاً ، ليس الفقير مَن ترده اللقمة واللقمتان إنما الفقير الذي لا يجد حاجته .
 شيءٌ آخر :

﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾

  هؤلاء الذين يقومون بأعمالٍ من قِبَل الأمير ، ويضيعون من أجل هذه الأعمال كل أوقاتهم ، كيف يعيشون ؟ لابدَّ من أن يأخذوا جزءاً من أموال الزكاة التي هم يعملون على جبايتها وتوزيعها .
 شيءٌ آخر :

﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُم﴾

[ سورة التوبة: 60]

 هم الذين يرجى بالإنفاق عليهم أن يسلموا ، أو يؤمنوا . وقد عطَّل بعض المجتهدين هذا السهم لأن الله سبحانه وتعالى نصر الإسلام وأعزَّه ، كان هذا قبل أن يقوى الإسلام .

﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾

 بعتق الرقبة . .

﴿وَالْغَارِمِينَ﴾

  أصحاب الديون . .

﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾

 في تجهيز الجيوش لإعلاء كلمة الله . هذا إنفاقٌ في سبيل الله وهناك إنفاقٌ في سبيل الشيطان . .

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُون﴾

[ سورة الأنفال : 36 ]

﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾

 أي نار . .

﴿أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾

[ سورة آل عمران : 117]

﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاءَ قَرِيناً﴾

[ سورة النساء : 38]

الإنفاق في سبيل الشيطان :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ الإنفاق في سبيل الشيطان من لوازم الكفار ، ينفقون المال بَطَراً ، ينفقون المال رئاء الناس ، ينفقون المال ليعظموا في عين الناس ، يمنعونه مَن يستحقه ويعطونه مَن لا يستحقه ، هذه صفات أهل الكفر والضلال .
 من الأسباب التي تبطل ثواب الإنفاق قوله تعالى :

﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾

[ سورة التوبة : 53]

 المقيم على معاصي الله ، المقيم على المعصية يتوهم أنه إذا أنفق المال نجا من عذاب الله ، لا ، إن الله يريد استقامتك قبل أن يريد مالك ، إن الله يريد قلبك قبل أن يريد مالك ، هذا الذي يتوهَّم أنه بإنفاقه في سبيل الله وإقامته على المعاصي ، هذه بتلك ، هذه المعادلة ليست عند الله صحيحة ، لن يتعادل هذا بهذا . . " إن لكل حسنةٍ ثواباً وإن لكل سيئةٍ عقاباً" . .

﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ * وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾

[ سورة التوبة : 53-54]

 هذا الذي ينفق وهو كاره خوفاً من الفضيحة ، خوفاً من أن يقال عنه بخيل ، بلا إخلاص ، بلا توجه إلى الله عزَّ وجل ، هذا مما يمنع ثواب الإنفاق . أيضاً إذا أنفقت شيئاً خبيثاً لا تحبه ، أكلةً لا تحبها ، أنفقتها ، قال تعالى :

﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾

[ سورة البقرة : 267 ]

 نهى العلماء عن أن تعطي طعاماً تعافُه نفسك ، إذا كان هذا الطعام تعافه نفسك فلا أجر فيه إطلاقاً ، يجب أن تعطي من أطيب ما كسبت ، يجب أن تعطي الطعام الطيب . . المؤمن كالنحلة لا يأكل إلا طيباً ولا يطعم إلا طيباً .

 

المسارعة إلى الإنفاق :

 والله سبحانه وتعالى يأمرنا أن نسارع بالإنفاق ، لأن الإنسان لا يدري متى أجله ، قال تعالى :

﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾

[ سورة آل عمران : 133]

﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾

[ سورة المنافقون : 10-11]

 درهمٌ تنفقه في حياتك خيرٌ من مئة ألف درهم ينفق بعد مماتك :

(( اغتنم خمساً قبل خمس ؛ غناك قبل فقرك ، صحتك قبل سقمك ، حياتك قبل موتك ، فراغك قبل شغلك ))

[ من الجامع الصغير عن عمرو بن ميمون]

الكنز هو أي مالٍ لا تؤدَّى زكاته :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ أما الذين يمتنعون عن الإنفاق في سبيل الله فإليكم ما أعدَّ الله لهم . .

﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾

[ سورة التوبة : 34 ]

 أي مالٍ لا تؤدَّى زكاته فهو كنز قلَّ أو كثر ، وأي مالٍ تؤدى زكاته ليس بكنز قل أو كثر . .

﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾

[ سورة التوبة : 34 -35]

 أحياناً يحتجُّ الإنسان حينما لا ينفق بأنه ليس مكلفاً بالخلق ، الخلق لهم رب هو الذي يتكفَّلهم ، هذه دعوى المنافقين ، ربنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾

[ سورة يس : 47]

 هذه دعوى أهل النفاق والفجور .

﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾

[ سورة النساء : 39 ]

 ماذا عليهم ؟!! وكأن الله سبحانه وتعالى يحضُّهم على الإنفاق في سبيل الله .
 بل إن من علامات الإيمان الصادق أن يحزن الإنسان إذا لم يُتَح له أن ينفق . .

﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾

[ سورة التوبة : 92]

 من علامة الإيمان الحزن الشديد إذا لم يتمكن المؤمن من أن ينفق المال في سبيل الله .

 

الصدقة تمنع البلاء وتزيد في الرزق وتسترضي الرب :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ النبي عليه الصلاة والسلام كان جواداً ، وكان أجود ما يكون في رمضان ، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يقرأ القرآن ، ولكنه كان يقرأه في رمضان أكثر من أي وقتٍ آخر ، فَسِمَتان من سمات الصيام الجود وكثرة قراءة القرآن .
 فيا أيها الأخوة المؤمنون ؛ أنفقوا من أموالكم ، هذا كلام الله ، هذا كلام خالق السموات والأرض، هذا الكلام يقيني ، هذا الكلام من أعلى درجة من درجات المصداقية ، هذا الكلام إذا طبَّقته لمست نتائجه ، أية نفقةٍ تنفقها الله يعلم ، وأية نفقةٍ تنفقها الله يخلفها ، وصدقة السر تطفئ غضب الرب ، وبادروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطَّاها ، ويقول النبي الكريم :

(( استنزلوا الرزق بالصدقة ))

[ من الجامع الصغير عن أبي هريرة ]

 فالصدقة تمنع البلاء ، وتقي مصارع السوء ، وتزيد في الرزق ، وتسترضي الرب .
 يا أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن مَلَكَ الموت قد تخطّانا إلى غيرنا وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيس مَن دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز مَن أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

القمح :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ تنفيذاً لقوله تعالى :

﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾

[ سورة عبس :24]

 ويأتي في رأس قائمة الطعام ، القمح ، هذا المحصول الذي خلقه الله سبحانه وتعالى ينبت في كل الفصول ، وفي كل المرتفعات ، في السهول ، وفي الجبال ، وفي البوادي ، وفي الأغوار ، وفي المناطق الحارة ، والمناطق الباردة ، جعله الله سبحانه وتعالى ينمو في كل الظروف لأنه غذاءٌ أساسي .
يقول العلماء عن هذه القمحة : إن لها غلافاً خارجياً لا يزيد وزنه إلى وزنها عن تسعةٍ في المئة ، غلاف خارجي . وهو ما يسميه العوام : النخالة ، وهناك طبقةٌ رقيقةٌ ، تحت الغلاف الخارجي ، لا يزيد وزنها إلى وزن القمحة عن ثلاثةٍ بالمئة ، وهناك الرُشيم جنين القمحة، الذي ينبت إذا جاءته الرطوبة ، والهواء ، والشمس ، لا يزيد وزن هذا الجنين عن أربعةٍ بالمئة ، وبعدها يأتي لبُّ القمح ، وهو مادةٌ من النشاء .
 الذي يلفت النظر أن الرشيم يعدُّ أغنى أجزاء القمحة بالفيتامينات ، يليه في الأهمية قشر القمح ، أي النخالة ، ففي هذا القشر ، فيتامين ب 1 ، وفيتامين ب 2 ، وفيتامين ب 3 ، وفيتامين ب ، وفي هذه القشرة فوسفور ، وهو غذاءٌ للدماغ والأعصاب ، وفي هذه القشرة حديد ، يهب الدم القوة ، والحيوية ، والأوكسجين ، وفي هذه القشرة الكالسيوم ، والكالسيوم مادةٌ أساسية لبناء العظام ، وقوة الأسنان ، وفي هذه القشرة السيليكون ، وهو الذي يقوِّي الشعر ، ويزيده قوةً ولمعاناً ، وفي هذه القشرة اليود ، وهو الذي يعدِّل عمل الغدة الدرقية ، ويضفي على آكله السكينة والهدوء ، وفي هذه القشرة البوتاسيوم ، والصوديوم ، والمغنزيوم ، وهذه كلها تدخل في تكوين الأنسجة ، وفي بنية العصارات الهاضمة ، هذه المواد موجودة كلها في قشر القمح الذي ننزعه ونطعمه للدواب ، وهذه من مفارقات الحياة ، إن هذا الخبز الأبيض اللذيذ ليس هو إلا غراءٌ جيدٌ للمعدة .
 تقدم في المطاعم في بعض الدول ، مع الوجبات هذه القشور محمَّصةً ، مدعَّمةً بالسكر ، كي يأكلها الإنسان ، فيعوِّض ما فاته من الخبز الأبيض النقي ، كلُّ هذه المعادن ، وكل هذه الفيتامينات موجودةٌ في قشر القمح ، ولذلك كان أجدادنا يأكلون القمح مع قشره ، ولو أن له منظراً أسمر اللون ، خشن القِوام ، لكن فيه فائدةً لا تقدَّر بثمن ، إن معظم الأمراض التي يعاني منها أهل العصر هي بسبب خطأٍ كبيرٍ في التغذية . وحينما خلق الله سبحانه وتعالى القمح ، خلقه غذاءً مثالياً كاملاً ؛ فيتامين ، فوسفور ، حديد ، كالسيوم ، سيليكون ، يود ، بوتاسيوم ، صوديوم ، مغنزيوم ، كل هذه في القشرة . إذا غُليت هذه القشور بالماء الساخن ، كانت مهدئةً للسعال ، والزكام ، وإذا شرب هذا المغلي ، كانت قابضاً للأمعاء ، وإذا شربت أيضاً كان دواءً لتقرحات المعدة ، وللزحار ، وإذا شرب كان غذاءً للجلد ، ووقايةً له من أمراض الجلد ، وفي رأسها الأكزيما .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ كلُّ هذا الخير من قشر القمح ، لذلك هناك مَن يشتري قشر القمح ، وينظفه ، ويأكله مع الخبز ، ليتلافى النقص الحاصل في الخبز الأبيض الخالي من قشر القمح ، هذه بعض الحقائق التي هي في العالم الآن من المسلمات .
 فلذلك جزءٌ من الدين أن يعرف الإنسان ماذا يأكل ؟ وكيف ينبغي أن يأكل ؟ لأن صحتك ليست ملكك وحدك ، إنها ملك أسرتك أولاً ، وملك مجتمعك ، وملك المؤمنين جميعاً ، بل ملك المسلمين ، وإن رأس مالك في الدنيا هذه الصحة ، إنك بالصحَّة تعبد الله ، وبالصحة تدعو إلى الله ، وبالصحة تحقق وجودك على الأرض وتؤدي رسالتك .
 فلذلك يجب أن يعلم الإنسان أن أكثر أمراض العصر إنما هي أخطاءٌ فاحشة من سوء التغذية ، أو من تغيير التصميم الإلهي للغذاء الذي صممه الله لنا .

 

الدعاء :

 اللهمَّ اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَّنا فيمن توليت ، وبارِك اللهمَّ لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرَّ ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك .
 اللهمَّ أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا .
 اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهوّن به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا. اللهم استر عيوبنا ، واغفر ذنوبنا ، واقبل توبتنا ، وفكَّ أسرنا ، وأحسن خلاصنا ، وبلغنا مما يرضيك آمالنا ، واختم بالصالحات أعمالنا . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ارزقنا حجاً مبرورا ، وسعياً مشكوراً ، وذنباً مغفورا . اللهم اكتب الصحة والسلامة للحجاج والمسافرين ، والمقيمين والمرابطين ، في برّك و بحرك من أمة محمدٍ أجمعين. اللهمَّ بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعزَّ المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .