ومضات إيمانية لرمضان 1425 - الدرس : 30 - حلاوة الإيمان

2004-10-30

حلاوة الإيمان :


الحمد لله رب العالمين ، والصـلاة والسـلام على سـيدنا محمد الصـادق الوعد الأمين .
أيها الإخوة الكرام ؛ مما يغمر قلب المؤمن شعور بحلاوة الإيمان وهذا الشعور من لوازم الإيمان ، وقد ورد في الحديث الصحيح في مواضع عدة من أبرزها :
عَنْ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

(( ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا ، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا ، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا ))

[ مسلم ، أحمد ، الترمذي ]

فالإيمان طعم ، والقلب يذوقه كما يذوق الفم طعم الطعام والشراب .
لأوضح ذلك هناك حقائق يدركها العقل ، وهناك مشاعر تغمر القلب ، هذه المشاعر التي تغمر القلب هي حلاوة الإيمان ، والذي يشد الإنسان إلى الدين ، ويجعله يضحي بالغالي والرخيص ، والنفس والنفيس ، هي حلاوة الإيمان ، تماماً لو أنك تملك خارطة لقصر ، القصر منيف كبير فخم ، له إطلالات ، وأبهاء واسعة ، وغرف كبيرة ، لكن هذا القصر عبارة عن خطوط مبنية على ورق على هندسة ، وضع هذه الخطط مهندسون كبار ، لكن الذي يملك هذه الخارطة ليس عنده كوخ يسكنه ، لكن معه خارطة قصر ، أما حلاوة الإيمان فأن يمتلك هذا القصر ، وأن يسكنه ، وفرق كبير جداً بين من يمتلك خارطة لقصر
وأن يسكن ذلك القصر ، الذي يلفت النظر أن الصحابة الكرام في أمد قصير رفرفت راياتهم في أطراف الدنيا ، وفي أمد قصير فعلوا ما يسمى المعجزات ، وأنهم انتقلوا من رعي الغنم إلى قيادة الأمم .
وتجد المظاهر الإسلامية الآن صارخة ، بل هي أشد وضوحاً من أي وقت مضى ، ومع ذلك المليار والثلاثمئة مليون مسلم ليس لهم وزن في العالم ، مع أنهم يشكلون تقريباً ثلث سكان الدنيا .
الحقيقة أن قضية حلاوة الإيمان مشاعر تجعل الإنسان بطلاً ، تجعل الإنسان أسطورة ، والذي فعله الصحابة الكرام يكاد لا يصدق ، سيدنا الصديق يتلقى من سيدنا خالد طلب نجدة في معركة من المعارك كان المسلمون ثلاثين ألفاً ، والكفار ثلاثمئة ألف ، طلب منه المدد ، بالعقل البشري هل من المعقول أن يرسل سيدنا الصديق واحدًا مددًا ؟ طلب خمسين ألفاً ، فأرسل له الصديق القعقاع بن عمرو ، فلما وصل قال له : أين المدد ؟ قال له : أنا المدد ، قال له : أنت ؟ معه كتاب ، قرأ الكتاب ، يقول سيدنا الصديق : والله يا خالد ، والذي أنزل القرآن على قلب محمد ، إن جيشاً فيه القعقاع لا يهزم ، واحد بألف ، واحد بمليون ، واحد بملايين ، فكان الواحد من أصحاب رسول الله بألف ، والألف من أمة شاردة متفلتةً لا تساوي أفًّا ، واحد بألف ، وألف كأف .

ثمن حلاوة الإيمان :

الحقيقة حلاوة الإيمان لها ثمن باهظ ، وحلاوة الإيمان لها نتائج باهرة ، وكل شيء ثمنه باهظ نتائجه باهرة .
هذا الحديث أصل في هذا الدرس ...
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ ، أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا ، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ ))

[ متفق عليه ]

الآن أذكر ثمن حلاوة الإيمان ...
البند الأول :

(( أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا ))


طبعاً لو سألت مليار مسلم : ألا تحب الله ورسوله أكثر من أي شيء آخر ؟ لا يتردد واحد من مليار أن يقول : طبعاً أنا أحب الله ورسوله أكثر من أي شيء آخر ، لكن هذا كلام ، قال شراح الحديث : أن يكون الله في قرآنه والرسول في سنته أحب إلى المؤمن مما سواهما عند التعارض ، فحينما تتعارض مصلحتك التي تتوهمها قريبة مع النص الشرعي ومع سنة رسول الله تضع مصلحتك تحت قدمك ، وتتبع نهج رسول الله ، هذا أول ثمن من حلاوة الإيمان ، فكما أن الله سبحانه وتعالى يذيقنا طعم الطعام والشراب ، أنت حينما تأكل تشعر بطعم ، والطعام أنواعه متفاوتة ، هناك طعام نفيس جداً ، فكما أنك تذوق طعم الطعام والشراب فكذلك حلاوة الإيمان يذوقها قلبك تماماً ، فإذا غمر شيء القلب حصلت دهشة ، وتفوق ، فأول ثمن حينما تؤثر طاعة الله على ما تتوهم من مصالح معجلة الآن دفعت بند من بنود حلاوة الإيمان .

(( أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا ))

أضرب بعض الأمثلة ...
أنت تذهب إلى بلد بعيد للدراسة ، تجد أنك لو اشتريت بيتاً بالتقسيط الربوي هذا البيت ثمنه دين عليك ، تؤدي أقساطه ، لأن عليك ديناً تتوقف الضرائب في الأعم الأغلب ، وهذا القسط من ثمن البيت ، وبعد حين البيت تمتلكه ، شيء مريح جداً ، تمتلك بيتًا ، وتدفع ثمنه تقسيطاً ، لكن طبعاً الفائدة عالية جداً ، ثم إنك لا تقلق من صاحب البيت ، فلا يأمرك أن تغادر البيت ، كل مصلحتك بقرض ربوي .
يأتي أخ آخر عنده أن القرض الربوي حرام ، يستأجر بيتًا ، وفي كل لحظة مهدد بأن يخرج من البيت ، وإذا جاءه أولاد كثر أخرج من البيت لبعض أنظمة الإيجار هناك ، ولأنه ليس عليه دين فعليه ضرائب .
فكل المتاعب وكل الأعباء من أن تستأجر بيتاً ، وكل الراحة النفسية والتسهيلات والتوفير والكسب بقرض ربوي ، شاءت حكمة الله ذلك .

الحرام سهل جداً ، والحلال صعب .
لو أن الأمر على عكس ذلك لأقبل الناس على الحلال لا حباً بالله ، ولا طلباً لمرضاته ، ولا سعياً إلى جنة الله عز وجل ، بل لأنه أسهل ، لكن شاءت حكمة الله أن يكون الحلال صعباً ، والحرام سهلاً .
يأتي إنسان يستأجر بيتًا ، وهو مهدد من الخروج من البيت ، وعليه ضرائب كثيرة ، وليس له في هذه البلاد بيت يملكه ، هذا دفع حلاوة الإيمان .
إذا قال لك الإنسان : أنا أسعد الناس في الأرض فصدقه ، لأنه دفع بندً من بنود ثمن حلاوة الإيمان ، هذا البند الأول .
البند الثاني :

(( وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ ))

الإنسان بحسب طبعه يحب الأقوياء والأغنياء ، الأقوياء يدعمونه ، والأغنياء يغدقون عليه من أموالهم ، لكن لو أن له قريبًا مؤمنًا صالحًا مستقيمًا ، لكنه فقير ، هذا منسي ، فلذلك حينما يبني المؤمن علاقاته على أساس الإيمان يوالي المؤمنين ، ولو كانوا ضعافاً وفقراء ، ويتبرأ من العصاة والمشركين ، ولو كانوا أقوياء وأغنياء ، أيضاً هذا دفع البند الثاني من حلاوة الإيمان .

حلاوة الإيمان شيء مدهش أيها الإخوة !!!...
حلاوة الإيمان تجعلك بطلاً .
حلاوة الإيمان تجعل التبر عندك كالتراب .
حلاوة الإيمان تعطي للحياة معنى .
دقق ، بيت فيه جميع الأجهزة الكهربائية ، من ثلاجة ، إلى مكيف ، إلى سخان ، إلى مسجلة ، أي جهاز كهربائي تتصوره موجود في هذا البيت ، لكن ليس فيه كهرباء ، كل هذه الأجهزة كتل معدنية لا معنى لها ، بل هي عبء ، تحجز مكانًا ، نحن في حاجة إليه ، أما إذا سرت الكهرباء في هذا البيت أصبح لكل جهاز معنى ، وأي معنى ، الثلاجة حفظت لك الطعام ، والمكيف قدم لك الهواء البارد ، وكل شيء أعطاك أعلى ما عنده لما سرت الكهرباء ، فهذه حلاوة الإيمان تسري ، فتجد للزواج طعمة ، وترى معظم الأزواج علاقته مع زوجته سيئة ، كل واحد سئم الآخر ، شيء غريب ، تكاد تكون معظم بيوتات المسلمين هكذا ، لأن حلاوة الإيمان ما سرت ، الزواج ليس له معنى ، الابن عبء ، يغدو الابن غيظاً لوالديه ، ومن علامات آخر الزمان أن يكون المطر قيظاً ، والولد غيظاً ، ويفيض اللئام فيضاً ، ويغيض الكرام غيضاً .
البند الثاني أن تبني علاقاتك على الولاء والبراء ، توالي مؤمناً ضعيفاً فقيراً ، تحبه ، وتزوره ، وترحب به ، وقد تمتنع عن إقامة علاقة حميمة مع إنسان متفلت بنيتَ علاقاتك على الولاء والبراء ، تحب المؤمنين ، وقد يكون لهم أخطاء كثيرة ، وقد ينالك منهم بعض الأذى ، وتبقى على الولاء لهم ، المؤمن الصادق يوالي المؤمنين ، ولو جاءه منهم متاعب ، ويتبرأ من الكفار والمشركين ، ولو أغدقوا عليه كل المراتب ، البند الثاني هكذا .

(( وأن يحب الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّه ))

لذلك أقول : تلبية دعوة الأغنياء من الدنيا ، لكن تلبية دعوة الفقراء من أعمال الآخرة .
أحيانا يدعوك إنسان من طرف المدينة ، المواصلات عسيرة ، والطرقات مزدحمة ، والطعام خشن ، والضيافة متواضعة ، فأنت تعتذر بأسلوب لطيف ، وقد تأتيك دعوة من إنسان كبير ، أو غني ، بيته بأرقى أحياء دمشق ، طعام فيه تفنن بألوانه ، فتلبي الدعوة من دون تردد ، وغاب عنك أنك تتبع حظ نفسك ، لذلك الولاء والبراء أيضاً ثمن باهظ لحلاوة الإيمان .
البند الثالث :

(( وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ ))

من علامات ضعف الإيمان أيها الإخوة أن الإنسان يعبد الله على حرف ، إن أصابه خير اطمأن به ، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ، مادامت الأمور تأتي كما يريد فهو مؤمن ، أما حينما تنشأ متاعب من الإيمان يتبرأ من الإيمان ، ويعود إلى ما كان عليه ، فأنت حينما تحب الله ورسوله ، بمعنى أنك تتبع الحكم الشرعي في القرآن والسنة ، حينما يتعارض مع مصلحتك ، وحينما توالي المؤمنين ، وتتبرأ من الكفار والمشركين ، وحينما تكون في الأعماق ، قال تعالى :

﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

[ سورة الأنعام الآية : 162]

حينما لا تتأثر لا بإقبال الدنيا ، ولا بإدبارها ، تعطي كل الذي تعطيه في المنشط وفي المكره ، في الفقر وفي الغنى ، في الصحة وفي المرض ، في الإقامة وفي السفر ، قبل الزواج وبعد الزواج ، قال تعالى :

﴿ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ ﴾

[ سورة النور الآية : 37]

﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ﴾

[ سورة الأحزاب الآية : 23]

هذه أثمان حلاوة الإيمان ، والإنسان إذا ذاق حلاوة الإيمان صدقوا أيها الإخوة ، ولعل المثل يبدو لكم غريباً ، بين حقائق الإيمان وحلاوة الإيمان كما بين أن تنطق بلسانك مليون دولار ، وبين أن تملكها ، والفرق كبير جداً ، وكل إنسان قد يكون أفقر الفقراء قادر على أن يقول : مليار دولار ، لكن بالمقياس المادي لو تملكتها أين تسكن ؟ بأرقى بيت ، وتركب أغلى مركبة ، وقد تقتني طائرة خاصة ، وقد تقتني يختاً في البحر ، مليار دولار ، فبين أن تنطق بها وبين أن تملكها بون شاسع .
العالم الإسلامي الآن ينطق بحقائق الإيمان ، لكن لأنه ما دفع ثمن حلاوة الإيمان ما ذاق حلاوة الإيمان ، يبحث عن فتاوى ضعيفة ، يبحث عن تفلت يبحث .. كل قضية صعبة يقول : هذه من عموم البلوى ، الرشوة أصبحت من عموم البلوى ، الاختلاط عموم بلوى ، كل المعاصي والآثام مغطاة بكلمة عموم بلوى ، فلذلك هناك حجاب عن الله عز وجل هذه الحقيقة المؤلمة .
يقول سيدنا عمر : لو أن الدنيا من أولها إلى آخرها أوتيها رجل ، ثم جاءه الموت لكان بمنزلة من رأى في منامه ما يسره ، ثم استيقظ ، فإذا ليس في يديه شيء .
قال نعيم : الدنيا بحذافيرها في جنب نعيم الآخرة أقل من ذرة في جنب جبال الدنيا ، ما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما يأخذ المخيط إذا غمس في مياه البحر .

أيها الإخوة ؛ أنت حينما تذوق حلاوة الإيمان تغدو إنساناً آخر ، إن لم تنعكس كل المقاييس فلم تذق حلاوة الإيمان ، ما معنى أن تنعكس كل المقاييس ؟ الإنسان يعد نفسه ذكياً إذا ، جمع الأموال ، أما المؤمن الذي ذاق حلاوة الإيمان يعد حاله ذكياً إذا أنفق ما بيده ، بنى حياته على العطاء ، والأول بنى حياته على الأخذ ، إن لم تنعكس المقاييس مئة وثمانين درجة لم تذق حلاوة الإيمان ، يصير همك الأول العطاء ، وليس الأخذ ، تسعد بما تعطي لا بما تأخذ ، انعكاس المقاييس أحد دلائل حلاوة الإيمان ، حلاوة الإيمان ثمنها بين أيديكم جميعاً ، لكن تحتاج إلى إرادة قوية ، وتحتاج إلى إدراك عميق ، وتحتاج إلى متابعة ومثابرة ، والله عز وجل يعطي عطاءً مدهشاً حينما تدفع ثمن حلاوة الإيمان .
آخر فكرة ، الذي يشدك إلى الدين ليس لأن الدين قدم لك تفسيراً رائعاً للكون والحياة والإنسان ، والذي يشدك إلى الدين ليس الفكر الديني ، ولكن حلاوة الإيمان ، تعيش حياة ما كنت تحلم بها ، لكن ثمنها باهظ ، ادفع الثمن .
إنسان دخل إلى أضخم محل سجاد ، قال له : أريد سجادة من الدرجة الأولى ، أول واحدة ، أريد أثقل ، أريد أثقل ، بعد أن أشغله عشر ساعات ، أريد أثقل ، فأراه سجادة ثمنها ثمانمئة ألف ، فدفع فيها خمس ليرات سورية ، هل يخرج هذا الشخص من المحل سالمًا ؟
يريد الجنة بركعتين ، بلا وضوء ، وبليرتين لفقير ، هكذا وضع المسلمين ، يريد الجنة بأبخس الأثمان ، وطلب الجنة من دون أن تدفع ثمنها ذنب من الذنوب ، ألا إن سلعة الله غالية ، ألا إن سلعة الله غالية ، ألا إن سلعة الله غالية .