الأسماء الحسنى - الدرس : 01 - اسم الله العزيز

2005-10-08

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 أيها الإخوة الكرام، أسماء الله الحسنى تحتل أكبر مساحة من العقيدة الإسلامية، فلا يكفي أن تؤمن بأن الله خلق السماوات والأرض، لا بد من أن تؤمن بأسمائه الحسنى وصفاته الفضلى، لذلك قال تعالى:

﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾

[ سورة الأعراف: الآية 180]

 أي تعرفوا إلى أسمائه، وادعوه بأسمائه، وللآية معان كثيرة، وفي دروس قادمة إن شاء الله نقف عند معانيها.
 على كلٍّ، الاسم الذي نحن في أمسّ الحاجة إليه اسم ( العزيز ) لماذا ؟ لأن الإنسان أيها الإخوة الكرام بحاجة إلى الطعام والشراب، هذا جانب، وبحاجة إلى زوجة، وهذا جانب آخر، ولكن هو بحاجة إلى تأكيد الذات إلى  التكريم إلى أن يكون محترماً، إلى أن يكون عزيزاً، إلى أن يكون متفوقاً، هذه حاجة أساسية في الإنسان، محتاج إلى التكريم، محتاج إلى التفوق، محتاج إلى تأكيد الذات، والحقيقة الدقيقة أن الإنسان إذا استقام على أمر الله، وطبق منهج الله تتحقق حاجاته الثلاث، ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناةً نظيفة تسري خلالها، الله عز وجل قال:

 

﴿ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ ﴾

 

[ سورة الأعراف: الآية 19]

 كم نوعًا من الشراب مسموح ومباح إلا الخمر ؟ كم نوعًا من اللحم إلا الخنزير ؟ فعدد المباحات يفوق بآلاف المرات عدد المحرمات، إذاً أودع الله فينا رغبة في أن نأكل، وكل الطعام عدا شيء قليل منه محرم علينا، ومادام الله عز وجل قد أودع فينا شهوة إلى المرأة جعل لهذه الشهوة قناة نظيفة، هي الزواج.
الآن، و رغبتك في التكريم والتفوق، وأن تكون محترماً في المجتمع هذا يتحقق في أعلى درجة إذا كنت مع الله:

 

اجعل لـربك كل  عزك يستقر و يـثبت
فإذا اعتززت بمن  يموت فإن عزك ميت

 من شاء الرفعة فليكن مع الله، من شاء العزة فليكن مع الله، من أراد أن يكون متألقاً فليطع الله:

 

 

﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾

 

[ سورة الأحزاب: الآية 71]

 من أراد أن يكون في منعة ممن حوله فليكن مع الله، نحن في أمسّ الحاجة إلى هذا الاسم.
 أولاً: هذا الاسم أيها الإخوة الكرام، له معان كثيرة، من أبرز معانيه أن العزيز هو الذي لا مثيل له، ليس كمثله شيء، لا يشبهه شيء، لا يدانيه شيء، هذا المعنى الأول.
 باللغة العربية عزّ يعز أي صار نادراً، تقول: معدن عزيز، حجر عزيز كريم، اختصاص عزيز نادر، الشيء الذي لا مثيل له نسميه عزيزاً، قد نسمي الأشياء عزيزة إذا ندر وجودها، و لكن الله عز وجل و لله المثل الأعلى لا مثيل له، هذا هو المعنى الأول عزّ يعز.
 المعنى الثاني: ( العزيز ) هو الذي لا يغلب، فإذا كنا نحن المسلمين مع العزيز لن نغلب:

 

﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾

 

[ سورة الصافات: الآية 173]

 ونحن في كل صلواتنا، بل في دعاء القنوت نقول: سبحانك، إنه لا يذل من واليت، و لا يعز من عاديت، تكون مع الله، و تكون ذليلاً، هذا مستحيل، و ألف ألف مستحيل، فالغالب الذي لا يغلب هو العزيز، ومن كان مع العزيز كان عزيزاً، لذلك كل الأعراض الذي يعاني منها المسلمون هي في الحقيقة أعراض لمرض واحد، هو الإعراض عن الله عز وجل.
 قد تسألني: ما سبب ما نحن عليه من ضعف واستكانة ؟ ليس أمرنا بيدنا، وليست كلمتنا هي العليا، و للطرف الآخر علينا ألف سبيل وسبيل ؟ أقول لكم: لأن أمر الله هان علينا فهنّا على الله، ولو كنا معه لكان معنا، و لو  طبقنا منهجه لرفعنا، و أعزنا، و جعل كلمتنا العليا.
 إذاً المعنى الثاني لاسم ( العزيز ): هو الغالب الذي لا يغلب.
 الآن من واقع حياتنا العامة، الدولة التي مع أقوى دولة عزيزة الجانب، الدولة التي تصطلح مع أقوى دولة في الأرض عزيزة الجانب على صغرها، و على ضعفها، لأن مكانتها مستمدة من الدولة الكبرى التي تدعمها،  هذا من واقع الحياة، فإذا كنت مع الله كان الله معك.
 بالمناسبة أيها الإخوة الكرام، من أجمل ما في قوله تعالى:

﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

﴿ مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

﴿ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾

 ، هذه المعية الخاصة، معية التأييد، معية النصر، معية الحفظ، معية التوفيق، ولكن معية الله لها ثمن، لذلك ندعو، ونقول: اللهم انصرنا على أنفسنا حتى نستحق أن تنصرنا على أعدائنا، هذا المعنى الثاني، لذلك:

﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾

 في حياتك، في تجارتك، في تدريسك، في تعليمك، في حرفتك، إذا كنت مع الله كنت متفوقاً، وكنت عزيزاً.
 المعنى الثالث: ( العزيز ) هو الشديد، كل من كان مع الله كان رفيع القدر، كان متفوقاً أيضاً في مكانته التي بين الناس.
 ومن المعاني الأخرى لاسم ( العزيز )، كيف تقول مثلاً: عذاب أليم، أي مؤلم، أحياناً يأتي وزن فعيل على بمعنى اسم الفاعل، فالعزيز هو المعز، اقرؤوا قوله تعالى:

 

﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾

 

[ سورة الشرح ]

 هذه الآية فيما يبدو لرسول الله، لكن العلماء قالوا: كل آية مختصة برسول الله للمؤمن منها نصيب بقدر استقامته وإيمانه، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام في أعلى مكانة في الأرض، وأصحابه الكرام الذين كانوا مع الله، وكانوا مع رسوله في أعلى مكانة، والذين عارضوا الحق في مزابل التاريخ، إن أردت أن تكون عزيزاً مرهوب الجانب قوياً لا يستطيع أحد أن يصل إليك ولا أن ينال منك فكن مع الله.

 

إذا كنت في كل حال معي  فعن حمل زادي أنا في غنى
***

 

كن مع الله تر الله مـعـك  واترك الكل وحاذر طمعـك
وإذا أعطاك من يمنعــه  ثم من يعطي إذا ما منعـك
***

أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنـا  فإنا منحنا بالضر من أحبنــا
ولذ بحمانا واحتمِ بجنابـــنا  لنحميك مما فيه أشرار خلقنـا
وعن ذكرنا لا يشغلنك شاغـل  وأخلص لنا تلقى المسرة و الهنا
وسلم إلينا الأمر في كل ما يكن  فما القرب والإبعاد إلا بأمرنـا

 المعنى الأول: هو الذي لا مثيل له.
 والمعنى الثاني: هو الغالب الذي لا يغلب.
 والمعنى الثالث: ( العزيز ) هو القوي، ولا قوي في الكون إلا الله، وكل الأقوياء يستمدون قوتهم من الله، إما استدراجاً أو دعماً، الكافر أحياناً يكون قوياً، لكن قوته من الله عز وجل، الله يمتحنه به، والمؤمن يكون قوياً، وقد قال عليه الصلاة والسلام:

(( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ ))

[مسلم عن أبي هريرة]

 أما التعريف الدقيق الدقيق لاسم ( العزيز ) قبل أن نطبق هذا التعريف على الذات الإلهية، الشيء الذي يقلّ وجوده، وتشتدّ الحاجة إليه، ويصعب الوصول إليه هذا يسمى عزيزاً، هناك معادن عزيزة، واختصاصات نادرة  عزيزة، وحالات نادرة، فكل شيء يندر وجوده، وتشتد الحاجة إليه، ويصعب الوصول إليه عزيز، هناك معادن ثمينة يندر وجودها، لكن لا تشتد الحاجة إليها، وهناك أشياء تشتد الحاجة إليها كالهواء، وليست نادرة، ليست  عزيزة، لا بد من أن يكون الشيء يندر وجوده، وتشتد الحاجة إليه، ويصعب الوصول إليه، أما لو اقتربنا من الذات الإلهية كي نفهم معنى ( العزيز ) من خلال هذا التعريف، الشيء يندر وجوده إلى أن يكون فرضاً هو الله،

﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ ﴾

 والشيء الذي تشتد الحاجة إليه إلى أن يحتاجه كل شيء في كل شيء فهو الله، أنت محتاج له في حياتك، في إمدادك، هو الحي القيوم، هو مصدر حياة المخلوقات، لأنك تتحرك، وتأكل، وتشرب، وتنام، وتبصر، وتسمع،  وتنطق، وتذكر، هناك ذاكرة، هذا كله إمداد من الله، فأنت في أمسّ الحاجة إلى الله، يحتاجه لا كل إنسان، ولا كل حيوان، ولا كل نبات، بل كل شيء، حتى الجماد، الجماد في حركة دائمة، فالله عز وجل واحد أحد، فرد  صمد، يحتاجه كل شيء في كل شيء، ويصعب الوصول إليه، يستحيل أن تحيط به، لكنك تصل إليه، ففرق كبير بين أن تصل إليه، وبين أن تحيط به، تركب مركبة، تنطلق بها إلى البحر، هذه المركبة تصل بها إلى البحر، لكنك لن تستطيع أن تخوض البحر بهذه المركبة، فالعقول تصل إليه، ولا تحيط به.
 التعريف الدقيق الدقيق لاسم ( العزيز ): هو الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي يحتاجه كل شيء في كل شيء، ويستحيل الإحاطة به، قال تعالى:

 

﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 255]

 الآن نحن كمؤمنين ما علاقتنا مع ( العزيز ) ؟ إذا كنت تعبد الله عز وجل، وهو العزيز فينبغي أن تشتق منه العزة، كيف ؟ إياك وما يعتذر منه، لو كنت في أدنى مرتبة اجتماعية ترفع رأسك، ليس عاراً أن يكون عملك  متواضعاً، أو دخلك محدوداً، أو يعاني الإنسان بعض الأمراض، لكن العار أن يكذب، فإذا كشف كذبه صغر، العار أن يغش المسلمين، فإذا كشف أنه غاش يصغر، لو أن إنساناً لاحت حوله تهمة، وهذه التهمة تزلزل  وجوده، وتحطم كبرياءه، والله يموت مئات المرات كل يوم دون أن يمسه أحد، أنت لك كرامة، حينما تتهم بالغش، تتهم بالكذب، تتهم بالاحتيال، ولك مكانة اجتماعية، والتهم تحوم حولك، تشعر معنى ( العزيز )، لذلك لا تفعل فعلاً تحتاج أن تعتذر منه، إياك وما يعتذر منه، والذي يعرف قيمة العزة لا يعصي الله.
 أقول لكم كلمة ما أدري كيف سنتعامل معها، قال تعالى:

 

﴿ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُبِيناً ﴾

 

[ سورة النساء: الآية 144]

 إله الكون، خالق السماوات والأرض، إنك إن استقمت على أمره، ووقفت عند حدودك فلا يعذبك، قال تعالى:

 

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾

 

[ سورة النساء: الآية 147]

 أنت في مأمن، وأنت في عزة،

(( هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوهُ ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ ))

[متفق عليه عن معاذ]

 أنشأ الله لك حقاً عليه من أجل أن تكون عزيزاً، محترماً مكرماً، مرهوب الجانب، ممتنعاً عن أن ينالك أحد بسوء، كن مع القوي فأنت قوي، مع العزيز فأنت العزيز، مع من بيده كل شيء، فكل شيء في خدمتك، إذا أكرمك الله يلهم أعداءك أن يخدموك، وإذا تخلى الله عنك يسمح لأقرب الناس منك أن ينال منك.
 أقول لكم هذه الكلمة: افتقر إلى الله يتولّك الله، ولا تعتد بشيء سواه من علم، أو نسب، أو مرتبة، أو منصب، أو مال، أو اختصاص، فيتخلى الله عنك، أنت بين التولي والتخلي، بافتقارك إلى الله يتولاك الله، ويعلي قدرك، عبد من العبيد قال:

 

﴿ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾

 

[ سورة يوسف: الآية 23]

 صار عزيز مصر، فسبحان من جعل العبيد ملوكاً بطاعته ! وسبحان من جعل الملوك عبيداً بمعصيته ! حاجتك إلى التكريم كحاجتك إلى الطعام والشراب، وكحاجتك إلى الهواء، وكحاجتك إلى زوجة، فإذا كنت مع الله كان الله معك، والإنسان إذا رفع الله قدره بين الناس، وعطر الناس مجالسهم بذكره، هذا عطاء كبير، أما إذا كان حقيراً، كان قذراً، كان تافهاً، في أي مكان يتحدث الناس عنه بالسوء، فإذا أردت أن تكون عزيزاً فكن مع العزيز، ونحن في أمسّ الحاجة إلى هذا الاسم، تكون عزيزاً إذا طبقت منهجه، وتكون عزيزاً إذا أقبلت عليه، وتكون عزيزاً إذا تبرأت من حولك وقوتك، والتجأت إلى قوة الله عز وجل.