حياة المسلم - مدارج السالكين2 – الحلقة : 11 - الإسلام بين الحلول والواقع.

2018-12-04

مقدمة :

 الحمد لله رب العالمين، يا ربنا صلّ وسلم، أنعم وأكرم على نبينا ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، حياكم الله مستمعينا الأكارم وأهلاً ومرحباً بكم في هذا البرنامج، وفي هذه الرحلة الإيمانية والعلمية مع فضيلة العلّامة الدكتور والداعية الإسلامي محمد راتب النابلسي، مرحباً بكم أستاذنا وشيخنا.
الدكتور راتب :
 بارك الله بكم، ونفع بكم، وأعلى قدركم.
المذيع:
 أهلاً وسهلاً بكم يا دكتور، مرحباً بكم يا دكتور، اليوم نطرح عنواناً: "الإسلام بين النصوص والواقع" دكتور هذه القضية أصبحت قضية جدلية حقيقية لدى كثير من الناس، يقرأ نصوصاً من الكتاب ومن السنة، لكنه يجد واقعاً إسلامياً مختلفاً عنها، فما الذي يحصل حتى تكون الفكرة واضحة لدى كثير من الناس؟ نبدأ هذه الحلقة دكتورنا الكريم بقول الله سبحانه وتعالى:

﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً ﴾

[ سورة المائدة : 3]

 فهذا هو الدين الذي ارتضاه الله تبارك وتعالى لنا، وأيضاً قول الله عز وجل:

﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ﴾

[ سورة آل عمران: 19]

 هذا الإسلام الذي جاء يريح الناس في حياتهم يرون اختلافاً بين الواقع والنصوص، البداية لديكم.

فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا في رحمتك في عبادك الصالحين.
 
أخي الكريم بارك الله بكم، ونفع بكم، وأعلى قدركم.
 النصوص عديدة، لكن إذا قلت: القرآن الكريم كلام خالق الأكوان، كلام الخبير، كلام العليم، كلام الرحمن الرحيم، كلام الحكيم، فإذا قلت قرآناً موضوع آخر، أقوال البشر لها حساب ولها تقييم، فيها ما صح، وفيها لم يصح، فإذا قلت: كلام خالق الأكوان، فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، الكمال القرآني مطلق، لأن الذات الإلهية مطلقة، كلام البشر فيه أخذ ورد، فيه خطأ وصواب، فيه واسع وضيق، وفيه واضح وغير واضح، لك أن تصف كلام البشر ما شئت، لكن فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه، حكمة ما بعدها حكمة، إيجاز ما بعده إيجاز، تفصيل أحياناً ما بعده تفصيل، هذا كلام الله، وكلما زدته فكراً زادك معنى.
المذيع:
 إذاً شيخنا الكريم فضل كلام الله تبارك وتعالى على كلام خلقه كفضل الله على خلقه.
الدكتور راتب :
 المسافة بين كلام خالق الأكوان وبين كلام الإنسان كالمسافة بين الخالق والمخلوق، ولكن تؤخذ ألفاظه من حفاظه، مخارج الحروف، الإدغام، المدود من حفاظه، وتؤخذ معانيه ممن يعانيه.
المذيع:
 ما معنى هذا دكتور؟

أصل الدين معرفة الله :

الدكتور راتب :
 أي الإنسان حينما يتصل بالله له تجربة، هذه التجربة مع الله إذا قرأ القرآن فهمه فهماً آخر.
 مثلاً: لو أن امرأة عاقراً قرأت قصة العاقر التي كتبها أحد الأدباء في لبنان، أنا أقول: تبكي مئة مرة بالقصة، لأن هذه القصة تتجاوب معها، يوجد تجاوب عاطفي، تعبير عن مشكلة تعانيها، أما التي عندها أحد عشر ولداً فلا تدمع لها دمعة.
 فالموضوع موضوع خبرات، الذي له مع الله خبرة، عرف الله، عرف جانباً من عظمته، من رحمته، من أسمائه الحسنى، من صفاته العلا، إذا قرأ كلامه ذاب محبةً لله، فالموضوع تجربة شخصية، فالشخص البعيد عن الدين، القرآن عنده كلام لا يتأثر به إطلاقاً، بقدر التجربة الشخصية، بقدر السير إلى الله، بقدر المعرفة.
 عفواً، لو شخص بالضبط ركب طائرة وطار فوق عمان، هو جاء من مصر مثلاً إلى العراق، طار فوق عمان، يقول للناس: لقد رأيت عمان، رآها من الطائرة، أما الذي وصل إلى المطار، وأخذ فندقاً، وعاش فيها أربعة أيام غير الذي رآها من الطائرة، والذي ولد فيها، وعاش فيها معرفة عميقة جداً.
فمعرفة الله عز وجل لا تنتهي، الله لا نهائي، معرفته لا نهائية، هناك مؤمن يحدثك ساعات عن الله عز وجل، من دون تحضير، عن رحمته، عن حلمه، عن حكمته، عن محبته، عن عظمته، عن الكون، فلذلك الموضوع موضوع معرفة.
 لذلك قالوا: أصل الدين معرفة الله، ذلك أنك إذا عرفته ثم عرفت أمره تفانيت في طاعته، أما إذا عرفت أمره ولم تعرفه فتتفنن في معصيته، أضع يدي الآن على مشكلة المسلمين الأولى، الأمر معروف، بأي مكان بالعالم الإسلامي يوجد مدارس، ابتدائية، ومتوسطة، وثانوية، وجامعات، درسوا الناس أركان الوضوء، وأركان الصلاة، والفرائض، والممنوعات، والمحرمات، والأمر، والنهي، والسنة، إلخ... فهذا الذي وصل إلى الله، وتفاعل معه، وأقبل عليه، ذاق حلاوة القرب منه، ذاق التيسير، ذاق المحبة، ذاق اللطف، هذا إنسان آخر.
 تؤخذ ألفاظه من حفاظه، يوجد نص لغوي، فيه مدود، فيه غنة، وإقلاب، وإخفاء، ومعنى فرعي، ومعنى شمولي، ومعنى سياقي، ومعنى لحاقي، ومعنى سباقي، هذا علوم عادية، أما إذا أردت أن تتعامل مع الله فاقرأ القرآن بعد أن تعرفه، لذلك الصحابة قالوا: "أوتينا الإيمان قبل القرآن".
المذيع:
 ما معنى هذا دكتور؟
الدكتور راتب :
 أي عرف الله، الآن يقرأ كلام الله في ضوء معرفته لله: " أوتينا الإيمان قبل القرآن".
المذيع:
 أي هذه المفاهيم التي يدعو لها القرآن كانوا يتعايشونها، ثم أنزلت عليهم.
الدكتور راتب :
 عاشوها، بين أن تسمع فكرة و ليس لك علاقة بها إطلاقاً، وبين أن تعيشها.
المذيع:
 في هذا تحديداً شيخنا حلقتنا لليوم، الناس تستمع إلى النصوص الشرعية من كتاب الله، من أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، من أقوال العلماء كحضرتكم، لكنهم يجدون واقعاً مختلفاً دكتور، لماذا هذا الاختلاف شيخنا بين النصوص والواقع؟

 

الاختلاف بين النصوص والواقع :

الدكتور راتب :
 إدراك معنى آية سهل، أي إنسان يفتح أي كتاب، يفتح الانترنيت، تأتي المعاني متتابعة، أما أن تعيش هذه الآية:

﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾

[ سورة البقرة : 83]

 شخص له أم خدمها خدمة تفوق حدّ الخيال مدة عشر سنوات، فإذا قرأ الآية يبكي فوراً، عنده خبرة، تجربة، آية تعبر عن حاله مع الله، عن طاعته لله، عن بره بأمه، عن وفائه لها.
المذيع:
 لكن حتى غير المسلم دكتور والبعيد عن ربنا الأصل إذا قرأ النصوص الشرعية أن يلين قلبه لها، وهو لا يمتلك أي خبرة مسبقة لأنه غير مسلم، لكن اليوم دكتور يجدون شيئاً مختلفاً، أضرب لفضيلتك مثالاً حتى تتضح الفكرة أكثر، نقرأ في كتابه تعالى:

﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾

[ سورة محمد : 7]

 اليوم يجد كثير من الناس أن المسلمين الذين نصروا الله ووحدوه سبحانه وتعالى لا ينتصرون، يسحقون، يجدون اختلافاً في فهمهم للنصوص الشرعية، وللواقع الذين يعيشونه، ما الذي يجري؟
الدكتور راتب :
 
الجواب دقيق جداً: الحقيقة لا تكفي آية واحدة، يجب أن تقرأ آيات النصر بأكملها:

﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾

[ سورة محمد :7]

 فعل شرط وجواب شرط، متى نستحق نصر الله؟ إذا نصرناه، كيف ننصره؟ ننصر دينه، نطبقه، أي القرآن أولاً يقرأ قراءة صحيحة، هذه أول درجة، الله ماذا قال؟

﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ ﴾

[ سورة البقرة :121]

 ما حق تلاوته؟ أول حق للتلاوة، أول واجب لك تجاهه أن تقرأه بلغة صحيحة، لذلك قال سيدنا عمر: "تعلموا العربية فإنها من الدين".

﴿ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ﴾

[ سورة الشعراء :195]

﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾

[ سورة فاطر :28]

 فإذا الواحد ضعيف باللغة يتوهم أن الله يخشى عباده، إذاً تؤخذ ألفاظه من حفاظه، يحتاج فهماً باللغة العربية.
المذيع:
 هذا الاختلاف دكتور بين النصوص والواقع كما كنا نقول في الآية:

﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾

 لماذا يقرأ المسلم نصاً ويجد واقعاً مختلفاً له؟
الدكتور راتب :
 الله أمرنا قال:

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة النحل : 43]

 أمر إلهي، إذا أنت بالخبرة المتواضعة، والفهم القاصر، والأفق الضيق، قرأت آية وجدت الواقع لا يطابقها

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾

.
 مثلاً: نحن عندنا جهاد النفس والهوى، رجعنا من الجهاد الأصغر - القتالي - إلى الجهاد الأكبر جهاد النفس والهوى، لذلك البطولة أن تنتصر على نفسك، من هم الأنبياء؟ هم كالبشر، لولا أنهم بشر، تجري عليهم كل خصائص البشر لما كانوا سادة البشر، فالمؤمن انتصر على بشريته، أي عنده شهوات الله أودعها فيه، الشهوة هذه ممكن أن تمارسها بمئة وثمانين درجة، المرأة، ممكن أن تمارس شهوة المرأة بمئة وثمانين درجة، جاء الشرع العظيم قال لك: المرأة أم، أخت، بنت، وهناك شروط بالعلاقة معهم، ويوجد زوجة، شروط ثانية، فأنت عندك منهج الخالق، تعليمات الصانع.
 الذي عنده سيارة غالية جداً، وتألق ضوء أحمر في لوحة البيانات، البطولة أن يفهم لماذا تألق، إن فهمه ضوءاً تزيينياً احترق المحرك، ودفع مبالغ فلكية، إن فهمه ضوءاً تحذيرياً أوقف المركبة، أضاف الزيت.
 فأنت أعقد آلة بالكون بلا مبالغة، أعقد آلة بالكون، والتعقيد تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز، ولهذه الآلة صانع عظيم، ولهذا الصانع العظيم تعليمات التشغيل والصيانة، فانطلاقاً من حرصنا اللامحدود، واللامتناهي على سلامتنا، وعلى سعادتنا، وعلى استمرارنا ينبغي أن نتبع تعليمات الصانع، شرع الله، افعل ولا تفعل، هذا الدين أساسه، أنت آلة معقدة جداً، لك صانع عظيم، له تعليمات، هذا الدين.
المذيع:
 اليوم دكتور مجموعة من الناس يفعلون ما أمروا في الدين، لكن لا يروا النتائج التي وعدوا بها، الخلل الأول كما تفضلت قد يكون هنالك فهم قاصر وخاطئ، وعلى الإنسان أن يسأل أهل العلم ليصل له، لابد أن هنالك أسباباً أخرى.
 شيخنا الكريم كلنا يقرأ في كتاب الله تبارك وتعالى عن فضل الصدقة، ويستمع إلى أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام عن فضلها، ويستمع أيضاً إلى نداء العلماء للتوجه إلى هذه الفضيلة الاجتماعية، لكن الواقع شيخنا الحبيب أن بعض الذين يتصدقون لا تفتح عليهم، لا يأتيهم العوض، قد يتصدق، و بعد فترة قد يصاب بشيء، بحادث سير، أو يفصل من عمله، يصبح لديه شيخنا شيء من عدم الوضوح في فهم الأمور، أنا تصدقت في الأصل أن يوسع عليّ في دخلي، أن يزداد راتبي، الذي حصل أنه تولدت لديه مشكلة، أو حادث، أو فُصل من العمل، كيف يفهم المسلم هذه الأحوال دكتور؟

 

الربط الحتمي بين المصيبة و السبب :

الدكتور راتب :
 قال تعالى:

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ ﴾

[ سورة الشورى: 30]

 هذه من لاستغراق أفراد النوع، كل أنواع المصائب من آدم ليوم القيامة، من الجسم للنفس، للروح، للاجتماع.

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ ﴾

 الإله يقول:

﴿ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾

[ سورة الشورى : 30]

 هذا ربط، ربط حتمي بين المصيبة وبين السبب، لأنه يوجد آية تقول:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾

[ سورة النساء : 147 ]

 
أي مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن تأتي مصيبة بلا سبب، بلا معنى، ما الدليل؟

﴿ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾

[ سورة التغابن : 11 ]

 إلى حكمتها، هل وجدت أباً في الحياة يضرب ابنه ولا يتكلم ولا كلمة، بابا لماذا ضربتني؟ يقول له: لأنك مقصر في الرياضيات،

﴿ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾

 إلى حكمتها، فالأصل ما من مصيبة إلا ولها حكمة بالغة، عرفها من عرفها، وجهلها من جهلها، ولكن الله عز وجل لحكمة أحياناً يعتم على حكمة المصيبة، ليمتحن عبده، إذا كان العبد يتعامل مع الله تعالى تعاملاً تجارياً فقط لا يقبل مصيبة بلا سبب، أما أنت لأن هذه المصيبة من عند الحكيم، الخبير، العليم، الرحيم، فقد تكتشف حكمتها، وقد لا تكتشف، لكن إذا قبلتها تعبداً لابد من أن يكشف الله لك حكمتها.
المذيع:
 شيخنا حتى نتأكد من الفهم الصحيح، إذاً القاعدة من يتصدق ربنا سبحانه وتعالى يخلفه كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الحكيم:

﴿ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾

[ سورة البقرة : 272 ]

 وبالتالي كلما أنفقنا كان لنا العوض من الله تبارك وتعالى.

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾

[ سورة البقرة : 245 ]

 إذاً ربنا يضاعف، ويعوض الخير، لكن قد تأتي حكمة الله في أن تتقدم أنت بالصدقة، وربنا يبتليك لحكمة إلهية.
الدكتور راتب :
 مثلاً: أنت أنفقت على إنسان، وكلما جلست بمجلس تتكلم بما فعلت، أنت فضحته، هذا عمل صالح رافقه شيء من الخطأ.
المذيع:
 لم يرافقه خطأ، ممكن ربنا سبحانه وتعالى لحكمة إلهية يكون تفسير الأمور عكس ما هي؟

 

الدنيا دار ابتلاء لا دار جزاء :

الدكتور راتب :
 نحن في دار ابتلاء، لا في دار جزاء، لكن الله جلّ جلاله لحكمة بالغة بالغة يكافئ بعض المحسنين تشجيعاً للباقين، ويعاقب بعض المسيئين ردعاً للباقين، ولكن الحساب الختامي والجزاء الصحيح يوم القيامة، أقوى دليل على ذلك:

﴿ وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ ﴾

 أي يا محمد:

﴿ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ ﴾

[ سورة يونس : 46]

 قد لا يتاح للنبي الكريم وهو سيد الخلق وحبيب الحق أن يرى نتائج الظالمين، فالله أحياناً يبين لك حكمة هذا الشيء، وأحياناً لا يبين لك، فأنت عبد، ليس عبد المنفعة، عبد التعليل، عبد الله عز وجل.
المذيع:
 إذاً يكافئ البعض تشجيعاً للآخرين.
الدكتور راتب :
 ويعاقب البعض ردعاً، أما:

﴿ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾

[ سورة آل عمران : 185]

 نحن في دار ابتلاء لا دار جزاء، جزاء استثنائي.
المذيع:
 الله يكرمكم ويحفظكم دكتور، واضح تماماً، لننتقل إلى مجموعة من مشاركات مستمعينا.
 محمد، تفضل أخي الكريم باتصال جديد، أهلاً وسهلاً.

 

أسئلة و أجوبة :

المستمع:
 السلام عليكم.
المذيع:
 عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أهلا وسهلاً أخي محمد.
المستمع:
 يعطيك العافية شيخ، أول شيء أنا أريد أن أقول: إني أحبّ الشيخ كثيراً.
الدكتور راتب :
 والحب متبادل.
المستمع:
 بارك الله بك شيخنا الفاضل، ويشهد الله عليّ عند أسمع صوتك على الراديو نفسياً أرتاح، أنا أشتغل على تكسي وأنا قد وقفت يميناً و أتكلم معك الآن، وبقيت أنتظر حتى أتكلم معك، الله يبارك فيك.
 شيخ أنا أريد أن أتكلم لك عن مشكلتي، وأنا لست مسروراً، فقلت إن شاء الله على يد رب العالمين، ويدك ستحل مشكلتي.
 شيخ أنا لا أصلي، ليس من باب أنني لا أعترف بها، لا، لكن من باب التكاسل، ألتزم فيها مرات، أصلي أربعة أيام أو خمسة، ثم أقطع ثم أتركها، أنا أسمع للشيخ دروساً على إذاعة القرآن الكريم، وإذاعتكم، أتابعه كثيراً.
المذيع:
 الفكرة واضح يا محمد، نستأذنكم سيدنا ونأخذ المتصلين حتى لا نطيل عليهم ثم نجيب الوقت الكامل لفضيلتكم، شكراً يا محمد ربي يفتح عليك إن شاء الله،.
 اتصال جديد مع أبي محمد تفضل.
المستمع:
 السلام عليكم.
المذيع:
 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
المستمع:
 تحياتي لك ولفضيلة الشيخ، وأتشرف أني أتكلم معكم مقدم البرنامج الفاضل وفضيلة الشيخ العلّامة، وأنا اتصالي لأشكركم، لأنكم تستضيفون رجالاً علماء، و إذاعتكم إذاعة محترمة، وأقسم بالله العظيم أن إذاعتكم أفضل إذاعة بالنسبة لي.
المذيع:
 الله يحفظك، هذا من طيب أصلك، وأنت الخير والبركة، أكرمك الله.
المستمع:
 شيخ علّامة فاضل مثل هذا الشيخ، و أنتم تحضرون أناساً فاضلين، أشكركم، أعانكم الله على عمل الخير إن شاء الله، ومنها للأعلى إن شاء الله.
المذيع:
 الله يكرمك، وشكراً لكلماتك، وهذا من طيب أصلك، شكراً لك.
 معنا باتصال جديد، تفضل .
المستمع:
 السلام عليكم.
المذيع:
 عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أهلاً وسهلاً.
المستمع:
 أنا أمسي بالخير على الشيخ الرائع جداً والغالي على قلبي الشيخ نديم، والدكتور العلّامة حبيب القلب الدكتور محمد راتب النابلسي، أحبه في الله، وبرنامجه رائع جداً.
عندي سؤالان لا يوجد غيرهم.
 السؤال الأول: ما معنى قوله تعالى:

﴿ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ﴾

[ سورة هود : 7]

 السؤال الثاني: ما أهمية إخفاء الصدقات؟ ولكم جزيل الشكر والاحترام.
المذيع:
 شكراً لك دكتور معن، لمشاركتك، ولاتصالك، شكراً جزيلاً لك.
أبو هاشم تفضل.
 المستمع:
 السلام عليكم.
المذيع:
 عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً وسهلاً.
المستمع:
 نريد أن نتكلم مع الدكتور محمد راتب.
المذيع:
 يستمع إليك الدكتور وأنت معنا على الهواء، تفضل أخي.
المستمع:
 الله يبارك فيك، شكراً لكم، أحب أن أبادر بالحب والمحبة للدكتور محمد، دكتور محمد الظاهر أنك مريض، سلامتك إن شاء الله، نريد أن تشرفنا بزيارة خاصة إلى البيت.
المذيع:
 أبو هاشم سامحني الدرس العام على الإذاعة نتمنى الأسئلة أن يستفيد منها الجميع كل التقدير والتوقير، شكراً لك أبو هاشم ولاتصالك معنا.
 معنا اتصل جديد من محمد، تفضل أخي أبو محمد؟
المستمع:
 السلام عليكم.
المذيع:
 وعليكم من الله السلام والإكرام.
المستمع:
 الله يعطيك العافية يا دكتور.
الدكتور راتب :
 الله يعافيك يا أخي.
المستمع:
 والله يا دكتور لست مصدقاً أنني أتكلم مع الدكتور محمد راتب النابلسي.
الدكتور راتب :
 وأنا لست مصدقاً أيضاً.
المستمع:
 والله يا دكتور على يدك العالم كله قد هدي إلى الدين، لكن يوجد جملة صغيرة أنت دائماً تقولها، الذي لا يتحرك شعوره وهو يصلي يكون عنده مشكلة، هذه العبارة أنا لا أفهمها يا دكتور.
المذيع:
 سنوضحها لك، أشكرك كل الشكر، شيخنا الجليل نعود إلى الأسئلة بترتيبها السؤال الأول كان من أخينا محمد، ويقول لك دكتور نصيحة منك كي يواظب على الصلاة، فهو يصلي ويترك من باب التكاسل، وليس جحوداً بها.

حاجة كل إنسان إلى حاضنة إيمانية و إلى مجتمع مؤمن :

الدكتور راتب :
 أولاً الله عز وجل قال:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة : 119]

 
أول أمر، والأمر الثاني:

﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ﴾

[ سورة الكهف : 28]

 أي أنت أيها المؤمن بحاجة إلى حاضنة إيمانية، إلى صديق مؤمن، إلى سهرة مع مؤمنين، إلى نزهة مع مؤمنين، هذه اسمها حاضنة إيمانية، أنت مع المؤمنين يوجد سهولة بالدين، الكل صلوا العشاء، الكل صلوا المغرب، لا يوجد كلمة غلط، لا يوجد غيبة، لا يوجد نميمة، لا يوجد كلام بذيء، لا يوجد مشاهدة أفلام لا ترضي الله عز وجل.

﴿ اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة : 119]

﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

[ سورة الكهف : 28]

 لذلك ورد في الحديث:

((لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنا))

[أَخرجه أبو داود والترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه]

 عندنا علاقات عمل، هذه ليس لها علاقة بالموضوع، قد يكون المدير العام ملحداً، حالة نادرة، علاقتك بالدوام، وأداء عملك فقط، أما العلاقات الحميمة فينبغي أن تكون مع المؤمنين الصادقين الربانيين، هذه العلاقة تتنامى، علاقتك بالله تشتد، تمتد، تتسع، تحتاج إلى حاضنة إيمانية، وإلى مجتمع مؤمن.
المذيع:
 شيخنا، أخونا محمد سائق تاكسي، بعض سائقي التاكسي عندما يؤذن ويدخل وقت الصلاة يكون عنده طلب فلا يستطيع أن يصلي ما هي نصائحكم في قضية الوقت دكتور؟

أحبّ الأعمال إلى الله الصلاة على وقتها :

الدكتور راتب :
 لا يوجد مانع، عندما توصل الطلب مضى ربع ساعة على الوقت، لا يوجد مشكلة أبداً، صلّ في أي جامع.
المذيع:
 لو أخذ طلباً ثانياً وثالثاً...إلخ
الدكتور راتب :
 عندك ظهر وعصر، مسموح أن تتساهل لنصف المسافة بينهما، نصف الوقت بينهما، النصف الثاني يصبح مكروهاً، إذا كان بين الظهر و العصر أربع ساعات، معك ساعتين.
المذيع:
 وكلما أسرع في الصلاة كان أفضل له، دائماً تشير دكتور إلى هذه الخاصة.
الدكتور راتب :

(( أحب الأعمال إلى الله الصلاة على وقتها))

 ترتاح.
المذيع:
 إذاً أول ما يسمع الأذان يصلي تصبح إن شاء الله الأمور أفضل.
 دكتور معن طرح سؤاله الأول ما تفسير قول الله تبارك وتعالى:

﴿ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ﴾

الماء قوام حياة الإنسان :

الدكتور راتب :
 هذه الآية من الآيات الدقيقة، أي الله جعل الماء قوام كل شيء.


﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴾

[ سورة الأنبياء : 30]

 العرش هنا النظام، هذا النظام نظام مائي، جسم الإنسان سبعون بالمئة منه ماء، لا يوجد شيء يمكن أن تتعامل معه إلا وفيه ماء، هذا النظام مبني على الماء

﴿ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ﴾

 بعض المعاني لها أي الماء قوام حياة الإنسان.
المذيع:
 هل هناك أكثر من معنى؟
الدكتور راتب :
 نعم أحد المعاني.
المذيع:
 السؤال الثاني دكتور كان عن صدقة السر والعلن، ماذا تنصحونه فضيلتكم بموضوع صدقة السر والعلن.

 

صدقة السّر و العلن :

الدكتور راتب :

﴿ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ ﴾

[ سورة البقرة : 271]

 أنت قاعد بجلسة فيها تبرع لبناء جامع، يأتي أحد الأغنياء ويقول: أنا عليّ مئة ألف دينار، يوجد غني أمامه لا يقول: أنا عليّ عشرة آلاف، لا يستطيع، الثاني غني مثله، إذا كان الموضوع لشأن عام، بناء مدرسة شرعية، إغاثة الفقراء، إطعام الجياع، تعليم الأبناء، إذا مشروع عام فإبداء الصدقة مهم جداً، يصير هناك تنافس، ما الدليل؟

﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾

[ سورة المطففين : 26]

 أما أنت تصدقت على إنسان، مستور الحال، ومعاشه محدود، أين ما قعدت أعطيته أمس، فأنت بهذا فضحته.

﴿ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ ﴾

[ سورة البقرة : 271]

 فإذا الصدقة موجهة لإنسان الأولى أن تخفيها، أما موجهة لمشروع خيري فتشجع الآخرين.
المذيع:
 الله يفتح عليكم يا دكتور.
 شيخنا الكريم، حتى نعود إلى بقية أسئلة مستمعينا كنا نتحدث عن الإسلام بين النصوص وبين الواقع، وذكرتم شيخنا عدة نقاط، النقطة الأولى قد يكون سوء فهم الإنسان وأذكر فضيلتكم كنتم قد شرحتم قول الله تبارك وتعالى:

﴿ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ﴾

[ سورة النور : 26]

 كثير منا يقول: إن أي إنسان طيب يجب أن تعطيه إنسانة طيبة مثله، بينما الفهم ليس كذلك.

 

الخلل بين الواقع و النصوص نتيجة سوء فهم الإنسان :

الدكتور راتب :
 الصيغة ليست إخبارية، إنشائية، أي احرصوا أن يكون الطيبون للطيبات.
المذيع:
 لكن يمكن أن يكون الإنسان طيباً ويبتليه ربنا بإنسانه غير طيبة، إذاً الخلل الأول بين الواقع والنصوص قد يكون سوء فهمنا نحن في هذه القضية.
الدكتور راتب :
 والله قال:

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة النحل : 43]

المذيع:
 جميل، القضية الثانية دكتور كما ذكرتم أن ربنا يكافئ بعض المحسنين في الدنيا وليس الجميع، لأنها دار ابتلاء، أما الجزاء الكامل والعادل فهو يوم القيامة.

 

وعود الله جميعها محققة في الدنيا أو في الآخرة :

الدكتور راتب :
 يكافئ بعضهم تشجيعاً للآخرين، ويعاقب بعضهم ردعاً للآخرين، أما الحساب الختامي والكامل:

﴿ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾

[ سورة آل عمران : 185]

المذيع:
 أي وعود الله تبارك وتعالى جميعها محققة، لكن ربنا يسمح لبعضها في الدنيا ألا يتحقق حتى لا يكون إيمان الإنسان بها يقيناً، ويكون هناك يقين بداخل قلبه.
الدكتور راتب :
 لحكمة بالغة.
المذيع:
 النقطة الثالثة دكتور: أن الوعود تتحقق بالدنيا، مثلاً حديث النبي عليه الصلاة والسلام:

((صنائع المعروف تقي مصارع السوء))

[رواه الطبراني عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه]

 هذا الأصل، وإذا حدث غير ذلك فالإنسان يؤمن بحكمة الله الخفية عنه.

 

زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعود المؤمنين :

الدكتور راتب :
 أكاد أقول: زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعود المؤمنين.

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾

[ سورة النور : 55]

المذيع:
 الله يفتح عليكم يا دكتور، نعود إلى مشاركات مستمعينا.
 فاطمة أختي تفضلي.
المستمعة:
 السلام عليكم.
المذيع:
 عليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
المستمعة:
 نشكر حضرتكم طبعاً على الحلقات الجميلة، بداية دكتور محمد راتب النابلسي حضرتك أنا أسمع دائماً لك، وأسمع حلقاتك باستمرار، في حلقة من الحلقات قلت: هل يمكّن المؤمن قبل أن يبتلى؟ فكانت إجابتك بالرد في الحلقة، لا يمكّن المؤمن حتى يبتلى، فهنا أستاذي سيدنا أيوب، والأنبياء كلهم ابتلوا، يا ترى هل يوجد عندهم أخطاء؟ هذه نقطة.

 

الابتلاء سبب لمعرفة الإنسان الصالح من الطالح :

الدكتور راتب :
 قبل:

﴿ إِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾

[ سورة المؤمنين : 30]

 علة وجودنا في الدنيا الوحيدة الابتلاء، آية ثانية:

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾

[ سورة الملك :2]

 لام للتعليل.
 المستمعة:
 والصابرين؟
الدكتور راتب :
 الصابرين، معه شيك مفتوح.

﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾

[ سورة الزمر :10]

 كل عمل صالح له أجر محدد، إلا الصبر معه شيك مفتوح موقع للقبض، وأنت ضع المبلغ

﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾

المذيع:
 شكراً لك أخت فاطمة، لمشاركتك معنا.
 دكتور كان معنا سؤال من أخينا أبو محمد قبل الفاصل، كيف يشعر الإنسان بلذة الصلاة؟

 

من لم يحكم علاقته بالله تتعطل عنده ثمار الإيمان :

الدكتور راتب :
 هذه الكهرباء بالأستوديو، ما دامت الكهرباء بشريط متصل إذاً يوجد إضاءة، تكبير صوت، شاشات تعمل، كل الأجهزة تعمل بالكهرباء، عندما تنقطع الكهرباء كله تعطل، فلذلك ما لم نحكم علاقتنا بالله تتعطل في الظاهر ومبدئياً ثمار الإيمان.
المذيع:
 يمكن للإنسان أن يصلي دكتور ولا يشعر بخشوع فيها، السبب؟
الدكتور راتب :
 
يكون ليس له عمل صالح.

﴿ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾

[ سورة فاطر :10]

 والعمل الصالح سمي صالحاً لأنه يصلح للعرض على الله، ومتى يصلح؟ إذا كان خالصاً وصواباً، خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السنة، لكن ليس شرطاً بكل صلاة أن يبكي الإنسان.

((إن لربكم في أيام دهركم نفحات فتعرضوا لها))

[رواه الطبراني عن محمد بن مسلمة رضي الله عنه ]

 أنا أقول: يجب أن تصلي صلاةً كما أمر النبي الكريم، بكيت أن لم تبكِ أديت الذي عليك، عندئذٍ اطلب من الله الذي لك.
المذيع:
 شيخنا الكريم، في آخر دقائق معنا إذا أذنتم لي بلملمة الأفكار حتى توضح الفكرة بشكل كامل.
 الآن: الأصل أن الواقع يتطابق مع النصوص الشرعية بشكل كامل.

 

تلخيص لما سبق :

الدكتور راتب :
 الدليل:

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾

[ سورة الروم : 30]

 الآمر هو الله، والواقع من خلق الله، وكلاهما مرتبطان بجهة واحدة.

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾

 أي أمر أمرك الله به برمجك وفطرك على محبته، وأي أمر الله نهاك عنه برمجك وفطرك على كراهيته.
المذيع:
 إذاً هذا الأصل أن يتطابق الواقع مع النصوص الشرعية، إلا أن هنالك فرقاً بين الإسلام دين ربنا كتشريع، وبين المسلمين كأفراد، فممكن أن يأمر ربنا بشيء، والمسلمون يقومون بشيء آخر، وهنا يكون الفرق بموقع المؤمن لتقصير المسلمين وليس بسبب خلل بالتشريع، هذا أولاً شيخنا.
 القضية الثانية، تفضلتم دكتورنا اسألوا أهل الذكر، قد يفهم الإنسان بعض القضايا فهماً وفق معلوماته أو رغباته، ويختلف عن الواقع، مثال ذلك الآية:

﴿ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾

 ليست إنشاء وإنما دعوة أن يسعى الطيب للطيبة.
 النقطة الثالثة دكتور ذكرتم أن الآخرة هي دار الجزاء، وتحقيق الوعود الكاملة، بينما الدنيا يكافئ الله البعض تشجيعاً للآخرين، لكن لا يشترط لكل محسن في الدنيا أن يكافأ.
 النقطة الرابعة سيدنا الكريم ذكرتم أن قد يكون للإنسان عدم إخلاص في النية، أو معاص، يحجبه الله عنا تبارك وتعالى فلا يتحقق به الوعد، وذكرتم مثال الصلاة، الأصل في الإنسان إذا صلى أن يرتاح:

﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾

[ سورة الرعد : 28]

 لكن إن كان على معصية حجبته عن الله فلم يشعر بالصلاة.
الدكتور راتب :
 صارت أرحنا منها، النبي قال:

((أرِحْنا بها))

[أخرجه أبو داود عن سالم بن أبي الجعد رحمه الله]

 فصار هناك حالة ثانية مرضية، أرحنا منها.
المذيع:
 جميل، هذه النقطة الرابعة شيخنا الكريم.
 النقطة الخامسة ذكرتم أن ربنا له حكمة خفية قد تخفى عن الإنسان، قد يكون صالحاً، وقد يسير في أعمال الله الصالحة، ويبتلى بعكس ذلك، الابتلاء صعب، لماذا عليه أن يرضى بيقين خفي وهذا شأن الله تعالى؟

 

العبودية أعلى مقام يبلغه الإنسان :

الدكتور راتب :
 لأنك عبد لله، والنبي عليه الصلاة والسلام في أعلى درجة بلغها إنسان على الإطلاق، ماذا قال الله عز وجل:

﴿ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ﴾

[ سورة النجم : 10]

 فالعبودية أعلى مقام يبلغه إنسان.
المذيع:
 النقطة السادسة والأخيرة دكتور، أن لله وعوداً فردية، ووعوداً جماعية، الذي يقيم شرع الله في نفسه، وفي بيته، وعمله.

 

لله وعود فردية و وعود جماعية :

الدكتور راتب :
 يقطف ثمار هذه الطاعة الفردية وحده.
المذيع:
 أما الأمة فككل.
الدكتور راتب :
 يجب أن تطبقها جميعاً.

﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة النور :31]

المذيع:
 بهذا يستطيع الإنسان أن يفهم لماذا هنالك بعض الفروقات بين النصوص الشرعية وبين الواقع الذي نعيشه.
 أكرمكم الله، إذا كان بإمكاننا أن نختم الحلقة بالدعاء.

 

الدعاء :

الدكتور راتب :
 اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشناـ وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتكـ وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك، اجعل جمعنا هذا جمعاً مباركاً مرحوماً، واجعل تفرقنا من بعده معصوماً، احفظ أهل هذه البلاد، احفظ لهم إيمانهم، وأولادهم، وأهلهم، وصحتهم، ومالهم، واجعل هذا البلد آمناً مستقراً وسالماً من كل مكروه.

خاتمة و توديع :

المذيع:
 الحمد لله، بارك بكم فضيلة الداعية الإسلامية الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي على هذه الكلمات الطيبة.
 سبحانك لله وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.