محاضرات و جامع التقوى – الحلقة 163 : قال تعالى : ﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلا ﴾.

2015-06-05

الدنيا مؤقتة و زائلة :

 أيها الأخوة الكرام؛ من الآيات التي قرأت في هذه الصلاة المباركة إن شاء الله، قال تعالى:

﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ﴾

[ سورة الإسراء: 21 ]

 أي لو نظرنا في الدنيا تاجر كبير رأس ماله بالمليارات، عنده مكاتب، عنده أماكن للصيف، عنده بيوت، ونظرنا إلى تاجر آخر بائع متجول، عنده عربة، يرفع صوته طوال اليوم ليبيع قطعة أو قطعتين، لعله يربح ما يكفي طعامه وشرابه، أو لا يكفي، هناك مسافة كبيرة جداً بين تاجر كبير، رئيس غرفة تجارة، مستورد كبير، أموال بكميات كبيرة جداً، صفقات، كل صفقة أرباحها بالملايين، مكاتب، بيوت، أماكن جميلة، سفر سنوي إلى أوربا، وبين بائع متجول، والله فرق كبير جداً، معلم في قرية، المعاش لا يكفي خمسة أيام، وينام بمكان، ويذهب كل يوم إلى مكان عمله، وأستاذ جامعة ذو كرسي معاشه فلكي، وعنده ثمانية طلاب بالماجستير، ويملك سيارتين أو ثلاث، هذا معلم وهذا معلم، وهذا تاجر وهذا تاجر، جندي بالخطوط الأمامية بحفرة، ممتلئة ماء بالشتاء، ورئيس أركان، مكاتب وتكييف وتدفئة، لو ذهبت لهذا الطريق لرأيت معنى قوله تعالى:

﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾

[ سورة الإسراء: 21 ]

 إنسان يتمتع بصحة جيدة لعمر مديد، وإنسان معه علل وأمراض، وعنده شلل أحياناً وفشل كلوي، كل يومين غسيل كلية، مسافة كبيرة جداً بين الصحة والمرض، بين القوة والضعف، بين الغنى والفقر، بين الوجاهة والإهمال، هذه الدنيا أمامكم، قال تعالى:

﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾

[ سورة الإسراء: 21 ]

 الآن ترى شخصاً بخيمة، وأنت تسكن في بيت من البيتون، يوجد تزيينات في البيت، غرف ضيوف، غرف نوم، غرف طعام، لك أقارب، سهرات، لقاءات، قال تعالى:

﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾

[ سورة الإسراء: 21 ]

 الوضع في الدنيا أولاً مؤقت.

الموت ينهي كل شيء :

 يأتي الموت ينهي كل شيء، ينهي قوة القوي، أقوى إنسان، أضعف إنسان، الموت يساوي بينهما، ينهي غنى الغني، وفقر الفقير، أحدهم ترك أموالاً طائلة سألوا ابنه بعد ثلاثة أيام التقى به صديق والده في الطريق، قال له: أين ذاهب من باب المودة؟ قال له: ذاهب أسكر على روح أبي. ترك له أموالاً طائلة، لكن ما علمه، فكل معاصي الابن في صحيفة الأب لأنه ترك أموالاً طائلة وابناً جاهلاً، قال تعالى:

﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾

[ سورة الإسراء: 21 ]

 أيها الأخوة الكرام؛ من أبلغ الآيات انظر بعينك، فكر، شاهد مراتب الدنيا، بالتجارة مراتب، بالوظائف مراتب، بالصحة مراتب، بالتدريس مراتب، بالثروات الطائلة مراتب، قال تعالى:

﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾

[ سورة الإسراء: 21 ]

 لكن الموت ماذا يفعل؟ الموت ينهي قوة القوي، وضعف الضعيف، ينهي غنى الغني، ينهي فقر الفقير، ينهي وسامة الوسيم، ينهي دمامة الدميم، ينهي كل شيء، ينهي أي عطاء؟! تصور رئيس أمريكا، أكبر دولة في العالم، وإنسان مقهور جالس في غوانتانامو في أمريكا نفسها، في السجن يرتدي ثياباً برتقالية، وسلسلة في رجله، هذا مقيم في أمريكا والثاني رئيس أمريكا، قال تعالى:

﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾

[ سورة الإسراء: 21 ]

مراتب الدنيا مؤقتة و بالموت يستوي كل شيء :

 تتمة الآية:

﴿ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ﴾

[ سورة الإسراء: 21 ]

 مراتب الدنيا مؤقتة لا تعني شيئاً، لو فرضنا أن فقيراً امتحن بالفقر فنجح، صبر، استقام، وتعفف، وغنياً امتحن بالغنى فلم ينجح، أمضى وقته في الملاهي، والحانات، والسهرات الحمراء، والموائد الخضراء، معه أموال طائلة، امتحن إنسان بالفقر فنجح، صبر واستقام وتعفف، وامتحن إنسان بالغنى فرسب، استعلى على الناس بماله، الغنى مؤقت، والفقر مؤقت، مات الاثنان، يموت الغني، والفقير يموت، الفقير الذي نجح بامتحان الفقر في جنة عرضها السموات والأرض إلى أبد الآبدين، والغني الذي رسب في الامتحان في جهنم وبئس المصير، ما هو الذكاء والعطاء؟ مرة خطر في بالي مثل: إنسان يركب دراجة، يمشي في طريق مستو، وصل إلى طريقين، صعود وهبوط، وهو يركب دراجة عادية ليست نارية، طبعاً راكب الدراجة النزول مريح له، والطريق معبد، أشجار على الطرفين، والطريق الصاعد لا يوجد به شيء، تراب، وأكمات، وحفر، وحر، وعرق، وجهد، بكل المقاييس الطريق الهابط أريح وأجمل وأمتع، وبكل المقاييس الطريق الصاعد متعب، يأتي الحديث يقول لك:

(( أَلا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ، ثَلاثًا، أَلا إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ ))

[ أحمد عن ابن عبَّاس ]

 عمل النار سهل جداً، كل ما شئت، اجلس مع من شئت، تمتع بما شئت، استعل كما شئت، أطلق لشهواتك العنان ولا تعبأ بأحد:

(( أَلا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ ... ))

[ أحمد عن ابن عبَّاس ]

 مكان مرتفع وبلوغه يحتاج إلى جهد:

(( ... أَلا إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ ))

[ أحمد عن ابن عبَّاس ]

 نحن جميعاً ممتحنون، نحن وصلنا إلى مفترق الطرق، قبل الثامنة عشرة الطريق مستو، لم يكن فيه تكليف، دخلت بالثامنة عشرة صرت مكلفاً، أمام طريقين طريق مغر، الدنيا، المال، اللذائذ، النساء، الملاهي، دور السينما، السهرات الماجنة المختلطة، الولائم، السفر، السياحة، يقول لك: السياحة الجنسية، لا يوجد سياحة ليست جنسية، إلا في حالات نادرة، إنسان مؤمن مستقيم، يأخذ أهله إلى مكان جميل لا يوجد مانع، أما عندما تبنى منشآت سياحية، عندما أنشؤوا في ألمانيا دورة أولمبية، هناك رقم بيوت الدعارة بالمئات، هذا من لوازم المشروع، عندما تفكر دولة عربية أن تحضر لعندها الأولمبياد، لا يعرف الإنسان ما هي الشروط مع هذه، شروط يمكن أن تنقض كل عرى الدين، من أجل أن تقول: أنا عندي دورة أولمبية، قال تعالى:

﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ﴾

[ سورة الإسراء: 21 ]

 مرتبة الدنيا مؤقتة، كل مكانتك، كل استمتاعاتك، كل لذائذك، كل السهرات الحمراء والموائد الخضراء منوطة بدقات قلبك، عندما يتوقف القلب، فقدت كل شيء، أطلعوني البارحة على مقطع بالفيديو إنسانة تغني وقعت ميتة، أربع حالات تصويرها نادر جداً شخصيات مهمة موت مفاجئ، خثرة بالدماغ، فكل عطاء ينتهي بالموت لا يسمى عطاءً بالنسبة إلى كرم الله عز وجل، إله يعطيك مالاً، بالموت يذهب المال، الموت ينهي كل شيء، يستوي القوي والضعيف، والمريض والصحيح، والوسيم والدميم بالموت، قال تعالى:

﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ﴾

[ سورة الإسراء: 21 ]

العمل للآخرة نهاية العقل والتوفيق والتفوق :

 الآن البطولة أن تحتل مركزاً مرموقاً في الدنيا لسنوات عدة، وبعدها سوف تحاسب عن كل كلمة قلتها، وعن كل درهم أخذته، وعن كل لقاء جلست فيه، وعن كل قرار اتخذته، أم أن تسعى إلى جنة:

(( فيها ما لا عين، رأتْ ولا أذن سمعتْ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

 أيها الأخوة الكرام؛ العمل للآخرة نهاية العقل والتوفيق والتفوق، الإنسان عندما يسعى إلى الدنيا فقط عنده مغامرة ومقامرة كبيرة، كل هذه الدنيا مربوطة بدقات قلبه، توقف القلب توقف كل شيء، من يضمن أن يعيش لبعد ساعة؟ الله عز وجل جعل الموت فجائياً، بكامل صحته لا يشكو من شيء، وهذه الحالات موجودة وكثيرة والآن تزداد، الموت المفاجئ، كان الموت المفاجئ يصيب إنسان فوق الستين، الآن إنسان بالثامنة والثلاثين موت مفاجئ، احتشاء قلب بالخامسة والثلاثين، أمراض القلب الوبيلة كانت من فوق الستين، مع اشتداد الأمور وصعوبة الحياة والهموم، أنا أقول: أجدادنا ما سرّ سعادتهم؟ عندهم جهد عضلي صعب، لا يوجد سيارة، لا يوجد مصعد كهربائي، يوجد جهد عضلي، وعندهم راحة نفسية، وضع الناس الآن فيه كسل عضلي، لا يوجد جهد إطلاقاً، كلنا نأكل ثلاث وجبات أو وجبتين لا يوجد حركة، لا يوجد رياضة، لا يوجد بذل جهد، وهناك كسل عضلي، مع رفاه وطعام كثير، هذه أمراض القلب أساسها كسل عضلي مع شدة نفسية.
 مرة صديقان أحدهما طبيب قلب متفوق في الشام، والثاني صديقه الحميم، أحبوا أن يأكلوا، كانوا في المدينة، وهناك لحم على العجين، هذا طبيب القلب وضع قطع لحم على العجين وثلاث قطع من الدهن، صديقه الذي ليس طبيباً قال له: ما هذا؟ أنت طبيب قلب، قال له: آكل قطع الدهن الثلاث ولا أصاب بشدة نفسية، والشدة النفسية من لوازم العصر، مطالب كثيرة، الدخل محدود، الظروف معقدة، أي إذا الله عز وجل أكرمنا أن عشنا بسلام هذه نعمة كبيرة جداً، أما الحياة فمعقدة جداً، أحياناً يكون الإنسان بظروف صعبة جداً يريد أن يصل إلى مرتبة يضحي بدينه.

خيارات القوي في العمل الصالح لا تعد ولا تحصى :

 أنا ماذا أقول دائماً؟

(( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف ))

[ مسلم عن أبي هريرة]

 ما تفسيرها؟ لأن خيارات القوي في العمل الصالح لا تعد ولا تحصى، إذا كان في منصب رفيع بجرة قلم يحق حقاً، ويبطل باطلاً. وإن كان بمال وفير، بمالك تزوج شاباً مؤمناً، تعمل مشروعاً خيرياً، تعمل جمعية خيرية، تمد المال لمن يستحقه، وإن كنت بمنصب أو بمال أو بعلم، تعلم لذلك:

(( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف ))

[ مسلم عن أبي هريرة]

 أنا الآن استنباط شخصي، إذا كان طريق القوة سالكاً وفق منهج الله يجب أن تكون قوياً، لا تقبل أن تكون بالمؤخرة، لا تقبل أن تكون رقماً تافهاً ليس له معنى، اجعل نفسك رقماً صعباً، اترك بصمات في الحياة، قال تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾

[ سورة الطور: 21 ]

 كل أعمال ذريتك بصحيفتك، إذا كنت قوياً، القوي خيارات العمل الصالح أمامه لا تعد ولا تحصى، فإذا كان طريق القوة سالكاً وفق منهج الله يجب أن تكون قوياً، أما إذا كان طريق القوة على حساب المبادئ والقيم فالضعف وسام شرف لك، ممكن أن تكون بمنصب رفيع، أو بمال وفير، أو بمكانة علمية عالية جداً، والطريق سالك وفق منهج الله، أنا أقول يجب، الشرح: لأن علة وجودك في الدنيا العمل الصالح، والقوي خياراته في العمل الصالح لا تعد ولا تحصى، أما إذا كان طريق القوة أن تضحي بالمبادئ والقيم، أعرف شخصاً في بلد فيه قمع، الصيام يعد تهمة كبيرة لا يصوم حتى يضمن سلامة هذا المنصب، يقول لي موظف عنده: بعد عشرين أو ثلاثين سنة أحبّ أن يصوم رمضان، صام ثم دخل إلى الوزير، قال له الوزير: هل أنت صائم؟ قال له: لا يا سيدي، قال: هاتوا له قهوة، خاف أن يقول: أنا صائم، إذا الإنسان ابتعد عن الله عز وجل يصير عنده مليون إله، كل إنسان قوي إله عنده.

أفضل شيء بحياة المؤمن أن له إلهاً واحداً :

 المؤمن أحد أسباب سعادته أن عنده إلهاً واحداً، يرضي هذا الإله العظيم:

(( من التمس رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى الناس عنه، ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط الناس عليه ))

[الترمذي والإمام أحمد عن عائشة أم المؤمنين ]

 أفضل شيء بحياة المؤمن أن له إلهاً واحداً، مرجعاً واحداً، آمراً واحداً، منهجاً واحداً، نحن أحياناً نأتي بعدسة، نضع تحتها ورقة بالمحرق، نحركها حتى تصير دائرة منيرة كثيراً على الورقة خلال نصف دقيقة تحترق الورقة، ضع ورقة في الشمس مئة ساعة لا تحترق، لماذا هنا احترقت؟ هنا الأشعة تجمعت في مكان واحد، تشكلت قوة، هذه لها معنى كبير، نحن عندما نتعاون نجتمع، مثل العدسة، قوانا اجتمعت وتنسقت بهدف واحد، وضع المسلمين كأفراد نحن متفوقون جداً، كنت مرة في أمريكا أعلى بناء بشيكاغو من مئة وعشرين طابقاً، المسلمون كأفراد متفوقون جداً، أما ككيان لا يوجد كيان إسلامي إطلاقاً، هذه مشكلة كبيرة جداً، الكيان يجمع المسلمين، قال تعالى:

﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ﴾

[ سورة الإسراء: 21 ]

العبثية تتناقض مع وجود الله :

 المنصب أو التفضيل الدنيوي مؤقت ومنوط بضربات القلب، أو بسيولة الدم، كل إمكاناتك، ومكانتك، وسلطتك، وهيمنتك على ضربات القلب، توقف القلب انتهى كل شيء، كل إمكاناتك على سيولة الدم، تجمد الدم بمكان انتهى كل شيء، معقول إنسان يغامر ويقامر مادامت تنتهي حياته بخطأ بسيط؟ الحقيقة سبحان الله الإنسان عندما يفقد الحياة يفقد بيته، يفقد أهله، يفقد منصبه، يفقد المال، يبقى جثة هامدة بنعش إلى القبر، هذا شيء ينتظرنا جميعاً، إذا الإنسان مات وهو مؤمن له عند الله شيء مهم جداً، لكن إنسان يقامر، يعيش لشهواته، للذاته، لا يقبض الدين إطلاقاً، ولا يرى إلا الدنيا، ثم يأتي الموت، سألت طبيب قلب في أمريكا عندما دخلت إلى عيادته وجدت أضابير من الحائط للحائط، رف فخم جداً، قلت له: ما هذا؟ قال: هذه أضابير كل المرضى الذين ماتوا عندي، قلت له: لماذا تحتفظ بهم؟ قال: إجباري نحفظ الإضبارة خمس سنوات، قد يقيم أبناء أحد المتوفين دعوى على الطبيب كيف عالجته، أنت عدم معالجتك الجيدة له سبب موته، يقيم دعوى ويربحها أحياناً، و يأخذ سبعين مليوناً، فالطبيب يمتلئ قلبه خوفاً من دعوى من أولاد الموتى، فأنا فكرت كم هو خائف من المسؤولية؟ وإذا الله عز وجل سألك: لم فعلت هذا؟ لم طلقت هذه الزوجة؟ عندها بيت تزوجتها، قال لها: إذا لم تكتبي لي البيت في الطابو سأطلقك، فقدمت له البيت، ثم طلقها، هذا الإله الذي خلقك ألا يحاسبك؟ والله يوجد آية أقسم بالله أحس أنها وصلت إلى أعماق اعماقي:

﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ﴾

[ سورة القيامة: 36]

 هكذا تأكل أموال الناس وتضحك عليهم؟ أنت قوي تغتصب كل شيء، تفعل ما تشاء بلا حساب؟ قال تعالى:

﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ﴾

[ سورة القيامة: 36]

﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون: 115]

 مستحيل أن يكون هناك عبثية، العبثية تتناقض مع وجود الله، هل تصدق جامعة مساحتها تقدر بأربعين دونماً، والمنشلآت كلفت مئات المليارات، قاعات تدريس، مدرجات، مخابر، حدائق، والطالب فيها يدرس مجاناً، ولا يوجد فحص؟ عندما ينتهي العام تأخذ الدكتوراه، هذه في الأرض ليس موجودة إطلاقاً، تظن في الأرض شيئاً من دون امتحان؟ قال تعالى:

﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾

[ سورة المؤمنون : 30]

 أنت ممتحن بمالك، ممتحن بصحتك، ممتحن بزواجك، ممتحن بأولادك، ممتحن مع أولادك، ممتحن مع موظفينك، قال تعالى:

﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ﴾

[ سورة الإسراء: 21 ]

أزمة أهل النار أزمة علم فقط :

 البطولة والذكاء والعقل والتفوق أن تسعى للآخرة، والآخرة لا تتناقض مع الدنيا، الله ما كلفك فوق طاقتك، تأكل وتشرب وتتزوج وتنجب أولاداً وتعمل سهرة وتسافر لا يوجد مانع، لكن عليك أن تمشي بشكل صحيح، تمشي على المنهج، تمشي وفق منهج الله عز وجل افعل ولا تفعل، لماذا العلم ضروري؟ العلم ضروري جداً لأن أزمة أهل النار، سؤال ما الذي أدخل هؤلاء جهنم؟

﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾

[ سورة الملك : 10]

 أزمة علم فقط، كل إنسان يحب ذاته، يحب سلامة وجوده، وكمال وجوده، واستمرار وجوده، مادامت هذه أشياء ثابتة الله عز وجل أعطانا عقلاً، وأعطانا منهجاً، الإنسان عندما يفكر قبل فوات الأوان سوف أموت، في البرمجة اللغوية العصبية يقول لك: ابدأ من النهاية، أحد مبادئ البرمجة: ابدأ من النهاية، النهاية موت، ابدأ من الموت، أنا سوف أغادر، دخلت إلى بيت فخم سوف أغادر، مثوى مؤقت، وأنا أحياناً أتأثر بكلمة بالنعوات يكتب عليها على الجدران: وسيشيع إلى مثواه الأخير، كلمة مثواه الأخير، ماذا يعني مثواه؟ الذي يسكن به في البيت؟ هذا المثوى المؤقت، وإن كان فخماً وكبيراً وسيشيع إلى مثواه الأخير، نسأل الله أن يلهمنا الصواب.
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.