محاضرات و جامع التقوى – الحلقة 147 : الزَّمَن مِن خَلْق الله والله عزَّ وجل مُحيط بالخَلْق.

2015-04-22

السرعة المطلقة في الكون هي سرعة الضوء :

 أيها الأخوة الكرام؛ موضوع علمي دقيق جداً لكن آثاره كبيرة، هذا الموضوع هو أن كل شيء مادي له أبعادٌ ثلاثة، له طول وله عرض وله ارتفاع، أي شيء مادي له أبعاد ثلاثة طول وعرض وارتفاع، هذه الطاولة طول وعرض وارتفاع، إلا أن هذا الشيء إذا تحرك له بعد رابع، هذا البعد الرابع هو الزمن، ولأن الإنسان كائن متحرك له أبعاد أربعة، الطول بعد، والعرض بعد، والارتفاع بعد، وأما البعد الرابع فهو الزمن، وما من تعريف جامع مانع قاطع للإنسان كتعريف الإمام الجليل الحسن البصري: الإنسان هو بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه.
 الآن اكتشف أنشتاين - وهو من كبار علماء الفيزياء - أن السرعة المطلقة في الكون هي سرعة الضوء، أي أسرع شيء في الكون سرعة الضوء، ثلاثمئة ألف كيلو متر في الثانية، والحقيقة أن هذا الرقم تؤكده أشياء كثيرة، لكن قبل أن نصل إلى هذا الرقم نقول: أي جسم سار بسرعة الضوء أصبح ضوءاً، عندئذ يتوقف الزمن، كيف؟ هذا اللقاء الطيب يصدر منه أمواج ضوئية، لو فرضنا لا يوجد سقف، والدرس بصحن الجامع، يوجد أمواج ضوئية تتجه إلى الفضاء الخارجي، إذا أتيح لإنسان - افتراض علمي مستحيل تحقيقه- أن يسير مع هذه الموجات فهذا المجلس يراه إلى أبد الآبدين، إذا سار الإنسان بسرعة الضوء توقف الزمن، فإذا سبق الضوء تراجع الزمن، أيضاً افتراض علمي لو إنسان تمكن أن يسبق الضوء، وانطلق من هذا المسجد رأى قبل إنشاء هذا المسجد أن هذه الأرض هي أرض بستان مثلاً، ولو إنسان سبق الضوء يرى الرومان، فإذا سبق الضوء تراجع الزمن، إذا سار مع الضوء توقف الزمن، إذا قصر عن الضوء تراخى الزمن، يصير اليوم في الفضاء الخارجي يقابله مئتي عام في الأرض، هذه أشياء من مسلمات علم الضوء، الآن الآية تقول:

﴿ وَإِنَّ يَومًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدّونَ ﴾

[سورة الحج: ٤٧]

 آية في القرآن الكريم، من يظن من يصدق أن أحدث نظرية بالفيزياء التي جاء بها أنشتاين والذي بيّن بها سرعة الضوء المطلقة أن هذه النظرية مضمرة مخبأة في آية واحدة إنها سرعة الضوء، الآية تقول:

﴿ وَإِنَّ يَومًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدّونَ ﴾

[سورة الحج: ٤٧]

 نبدأ والأشياء رياضيات، هذه الأرض كرة، والكرة لها مركز، والقمر كوكب مضيء عاكس وله مركز، لو وصلنا بخط بين مركز الأرض ومركز القمر، هذا الخط من أين نأتي بطوله؟ سهل جداً، نصف قطر الأرض مع نصف قطر القمر مع المسافة بينهما، هذا الخط نصف قطر الدائرة التي هي مسار القمر حول الأرض، ضرب اثنين القطر، ابنك الصغير في المتوسط معه آلة حاسبة، ضرب ثلاثة فاصلة أربعة عشر البي (π) نحصل على المحيط، هذا المحيط كم يقطع القمر في رحلته حول الأرض في شهر، دورة كل شهر، ضرب اثني عشر في السنة، ضرب ألف ألف سنة، القضية سهلة جداً مع آلة حاسبة.
 نحن عندنا بالفيزياء قانون لو قسمنا المسافة على الزمن، الناتج هو السرعة، لو أخذنا ما يقطعه القمر في رحلته حول الأرض في ألف عام تقسيم ألف، سرعة الضوء في السنة تقسيم ثلاثمئة وخمسة وستين، السرعة باليوم تقسيم أربع وعشرين، في الساعة تقسيم ستين، في الدقيقة تقسيم ستين، سرعة الضوء في الثانية هي سرعة الضوء التي كشفها أنشتاين، ، قال تعالى:

﴿ وَإِنَّ يَومًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدّونَ ﴾

[سورة الحج: ٤٧]

 أي ما يقطعه القمر في رحلته حول الأرض في ألف عام يقطعه الضوء في يوم واحد، هذه النظرية العملاقة التي غيرت مجرى الفيزياء والتي اكتشف أن أي شيء إن سار مع الضوء صار ضوءاً، فإن سبق الضوء تراجع الزمن، وإن قصر عن الضوء تراخى الزمن، مدرجة هذه بآية واحدة، هذا الموضوع أصله ثمانون صفحة، ألقي في مؤتمر الإعجاز العلمي السادس في موسكو، قرآن كريم، آية واحدة أربع كلمات أو خمس تشير إلى أحدث نظرية في الفيزياء، السرعة المطلقة في الكون، قال تعالى:

﴿ وَإِنَّ يَومًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدّونَ ﴾

[سورة الحج: ٤٧]

الموت ينهي كل شيء :

 لذلك الله عز وجل عندما يرسل نبياً هذا النبي إنسان، من بني البشر، ولو لم يكن إنساناً ما كان معه حجة، أنت نبي نحن بشر، لولا أن النبي بشر تجري عليه كل خصائص البشر لما كان سيد البشر، النبي يجوع ويخاف، قال تعالى:

﴿ فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ ﴾

[سورة القصص: 21]

 سيدنا موسى، لولا أن النبي بشر تجري عليه كل خصائص البشر لما كان سيد البشر، لذلك النبي الكريم انتصر على بشريته، ولا تقول: هذا نبي، النبي ما يعانيه نعانيه، لكنه انتصر.
 الآن النقطة الدقيقة أن الإنسان بضعة أيام، أدق تعريف للإمام الجليل الحسن البصري: الإنسان هو بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه.
 فأنت وقت، ولأنك وقت أخطر شيء بالإنسان أنه يموت، الموت ينهي الإنسان، الموت ينهي قوة القوي وضعف الضعيف، وغنى الغني وفقر الفقير، ووسامة الوسيم ودمامة الدميم، وينهي كل الصفات، وجمال الجميل، أي صفة بالإنسان تنتهي بالموت، الحقيقة أن الموت ينهي كل شيء، كان طويلاً، كان قصيراً، كان ذكياً، كان أحمق، كان غنياً، كان فقيراً، يوجد كتاب اسمه: قصص العرب، أربعة أجزاء، قرأته كله، نتيجته أو مغزاه مذهل أن الأقوياء ماتوا سابقاً، والضعفاء ماتوا، والأذكياء ماتوا، والأغبياء ماتوا، والحكام ماتوا، والمحكومين ماتوا، وكل شيء يموت، كل مخلوق يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت:

والليل مهما طال فلا بد من طلوع الفجر  والعمر مهما طال فلا بد من نزول القبر
***

الزمن أثمن شيء يملكه الإنسان :

 الآن سنقول: مادمت أنت إنساناً، والإنسان هو في الحقيقة زمن، أي أنت زمن، أو رأس مالك هو الزمن، أو أثمن شيء تملكه هو الزمن، هذا الزمن ينفق شئت أم أبيت، ننام ونستيقظ للعمل، نعود إلى البيت نتغدى الظهر، ننام ساعتين، عندنا سهرة، نرجع وننام ونستيقظ هكذا حتى تطبع النعوة، هل هناك إنسان لا يموت؟ فنحن زمن، ولأن الإنسان زمن، أخطر شيء في الزمن إنفاق الزمن، الآن الزمن ينفق استهلاكاً أو ينفق استثماراً، هنا الدرس بدأ، الاستهلاك مثل الناس أكلنا وشربنا وشاهدنا الجزيرة تابعنا أخبارها كلها، وأخذنا موقفاً، وسهرنا سهرة ثانية تكلمنا عما شاهدنا في الأخبار، وتداولنا قصص البلد و ما يجري في العالم، نتقدم بالسن، أول شيء الإنسان شاب مثل الحصان، قوي، ثم صار معه أوسيد أوريك، شحوم ثلاثية، صار عنده ضعف بالبصر يحتاج إلى نظارة، عنده أعراض مرضية، بالأربعين كمال الصحة ثم تتراجع الصحة شيئاً فشيئاً، هناك خط بياني ثم أكثر الناس عنده عشرة أدوية كل يوم، دواء للضغط، ودواء كولسترول، ودواء للشحوم الثلاثية، ودواء ثم تأتي النعوة عظم الله أجركم، هل يستطيع إنسان أن يهرب من هذا الترتيب؟ هو شاب كبر تزوج أنجب أولاداً زوجهم تقدم بالسن صار جداً وجدة، ثم صار عنده آلام بالظهر، آلام هنا.

العاقل من يعد لساعة الموت عدتها :

 سبحانك يا رب هناك حكمة أنا أشاهدها بالغة جداً، ما سمح الله للدنيا أن تمد الإنسان بسعادة مستمرة، السبب؟ أنت في البدايات صحة طيبة، شاب يطحن الحجر لكن لا يوجد مال، واللذة تحتاج إلى وقت وصحة ومال، في البدايات وقت وصحة لكن لا يوجد مال، دخل الجامعة تخرج أخذ دكتوراه، تعين بوظيفة، جمع مالاً، أنفق إنفاقاً مدروساً تماماً عنده فائض جمعه اشترى بيتاً، الآن فرش البيت ثم تزوج، ثم منح بعثة صار له دخل إضافي وسع بيته، ثم غير أثاث البيت، يتطور يصعد درجة درجة حتى يصل لمكان معين، ولدخل معين، ولمكانة معينة، أمضى سبعين سنة يكون ملك الموت أبو العز جاهز شرف، متى يأتي ملك الموت؟ بعد بلوغ القمة، لذلك يقال: إنسان يخاف أن يموت كثيراً- القصة رمزية- جاءه ملك الموت قال له: لا تخف - هو طبيب - إذا شاهدتني أقف على رأس المريض إياك أن تعالجه، هذا سوف يموت انسحب بانتظام، ليس اختصاصي، لا أعرف سامحوني، لا يوجد وقت عندي، وإن شاهدتني عن قدميه صف له أي دواء سوف يشفى، قبل الطعام بساعة، هذه على الريق، هذه بعد الطعام، أعطه ما تريد سوف يشفى، هذا فهم عليه، اشتغل طبيباً، هذا عند رأسه سامحوني هذا ليس اختصاصي، عند رجليه يعطيهم تعقيدات غير طبيعية فيشفى، تألق تألقاً كبيراً، صار الطبيب الأول، وإذا ابنة الملك تمرض، هو الطبيب الأول، طبعاً استدعوه رأى ملك الموت عند قدميها، الملك ماذا قال؟ الذي يشفيها أزوجه إياها، كان مواطناً عادياً صار ولي العهد، شاهد ملك الموت عند قدميها فأعطاها الدواء فشفيت، يوم التتويج سوف يتوج هذا الصهر ملك البلاد، جاء ملك الموت قال له: الآن، قال له: الآن؟ قال له: من قبل كان أهون.
 وهذا شيء ملاحظ، حتى يستقر، حتى يضبط بيته، يغير أثاث البيت، يغير الديكور، جبصين جديد، حتى يصل إلى أعلى درجة من التألق والرفاه والأناقة، شرف، أنا أسميه أبو العز، يخرج بهذا الكفن إلى القبر، وازن بين بيت عبارة عن أربعمئة وخمسين متراً، الأرض رخام، الأثاث بنصف المبلغ، الأناقة، المطابخ، غرف الضيوف، غرف الطعام، المدخل فيه سيارتان أو ثلاث، من هذا الوضع إلى قبر، والله شيء صعب جداً، أنا أقول: بطولتك وذكاؤك وعلمك وتوفيقك أن تعد لهذه الساعة التي لا بد منها.
 عبدي رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت. أنت عندما تشتغل لآخرتك و تمشي بشكل صحيح مع المنهج، لا يوجد مال حرام، لا يوجد سهرة حرام، يقول لك: نحن أهل، وإذا نحن أهل؟ أهل تشاهد زوجة أخوك بأبهى زينة؟ أهل تشاهد قريباتك غير المحارم بأبهى زينة وتضحكون وتلعبون وتتأمل محاسن النساء بتفاصيل دقيقة وأنت مرتاح؟ وعندنا كل خميس سهرة مثلاً، هكذا الناس؟! ما المشكلة أخواننا، خذ ألف مسلم، الذين يشربون الخمر ويزنون عددهم قليل، لكن هذه الصغائر إذا تراكمت أصبحت حجاباً، العبرة صار الإنسان محجوباً بهذه الصغائر، إما أن يحجب بكبيرة أو بصغائر مصر عليها، النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(( لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار))

[ الحارث عن أبي هريرة وعبد الله بن عباس ]

 الأمر خطير، والأمر مصيري، والأمر سعادة أو شقاء، وجنة أو نار، والأمر أبد، ليس قضية زمن، ما الأبد؟ مليار سنة؟ أكثر، مليار مليار مليار؟ أكثر، واحد في الأرض وأصفار للشمس؟ أكثر، تصور رقماً طوله مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر، وكل ميلمتر صفر هذا أمام الأبد صفر، فأنت مخلوق للأبد، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن ندرك هذه الحقيقة.

الإنسان خاسر إن لم ينفق وقته استثماراً :

 قال تعالى:

﴿ وَالْعَصْرِ﴾

[ سورة العصر : 1 ]

 أقسم الله بمطلق الزمن، وجاء جواب القسم أنك خاسر، إله لماذا يا ربي أنا خاسر؟ الجواب: لأن مضي الزمن يستهلكك، سؤال محرج وأنا معكم إذا إنسان جاوز الأربعين هل بقي له بقدر ما مضى؟ أغلب الظن لا، معترك المنايا بين الستين والسبعين، إن جاوز الأربعين معنى الذي بقي له أقل مما مضى، فمن يعيش خمساً وتسعين أو مئة وعشر قلة جداً، ثلاثة بالمئة فقط، أما معظم الناس فبين الستين والسبعين، معترك المنايا بين الستين والسبعين، فإذا جاوز الإنسان الأربعين اقترب من الموت، صار فوق السيتن أصبح قريباً جداً من الموت، فجأة توفي عجيب لا يشكو من شيء، انتهى أجله.
 أيها الأخوة الكرام؛ الذكاء والبطولة والفهم والحكمة والعلم والتوفيق أن تعد لهذه الساعة التي لا بد منها، لي قريب توفي طبعاً هو أخي، أنا أعلمه صالحاً ولا أزكي على الله أحداً لكن وضعوه في القبر فتحوا عن وجهه، لفتوا وجهه نحو القبلة، ووضعوا البلاطة، وأهالوا التراب وانتهى، أين بيته؟ أين دخله؟ أين مكانته؟ أين وظيفته؟ كله انتهى، أنت عند الموت انتهى كل شيء، فكل الذكاء تسميها شطارة، تسميها ذكاء، تسميها توفيقاً، تسميها عقلاً، كل هذه الكلمات أن تعمل لهذه الساعة التي لا بد منها.
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.