محاضرات وندوات مصورة - الأردن- مختلفة - محاضرة في مدينة عمان، مركز أم أذينة القرآني، العشاء الخيري الأول: خيركم ، أهمية العمل الصالح والبدء من النهاية.

2015-02-23

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارض عنهم يا رب العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

الموت موعظة كبيرة :

 أيها الأخوة الكرام؛ قبل سنتين تقريباً دعيت إلى مكانين في عمان، المكان الأول فيما قيل لي أفقر مكان في عمان، والمكان الثاني أغلى مكان، ففي المكان الأول قلت للإخوة الكرام: دخل على النبي الكريم رجل من فقراء الصحابة فقال له: أهلاً بمن خبرني جبريل بقدومه، فهذا الرجل صعق، قال: أو مثلي؟ قال له: نعم يا أخي، أنت خامل في الأرض علم في السماء، هذا قلته في أفقر مكان بعمان، بعد ساعة كنت في أغلى مكان بعمان، قلت لهم: إن أسعار البيوت في الشام خمسة ملايين أو عشرة، ولي قريب بيته ثمنه حوالي مئة وثمانين مليوناً، غناه غير معقول، يمكن الأثاث بعشرات الملايين، فهذا الرجل الغني توفي، والوفاة بأيام مطيرة، فتحوا القبر ووجدوا مياهاً سوداء، أي هنالك بعض المياه المالحة انصرفت إلى هذا القبر، فسألوا ابنه، وابنه كان صديقي، قال: ادفنوه، ما الذي يمكن أن نفعله؟ أنا هذا الحدث لا يغيب عن بالي أبداً، فالبطولة في النهاية، في الخاتمة.
 الآن أنت في الدنيا، في زمن محدد، لا بد من أن يمضي، كل مخلوق يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت.

والليل مهما طال فلا بد من طلوع الفجر  والعمر مهما طال فلا بد من نزول القبر
***
كل ابــن أنثى وإن طالت سلامــته  يـــوماً على آلة حدبـــاء محمول
فإذا حمــــلت إلى القبـــــور جنـــــازة  فاعلم بأنــــك بعدهــــــــــــا محمول
***

 هذا الإنسان الغني جداً وأنا في التعزية أنظر إلى هذه الثريات، أسأل: من اختار هذه الثريات؟ من اختار هذا البلاط؟ من صمم هذا الجبصين؟ من اشترى هذه الأدوات؟ المرحوم! أين هو الآن؟ في القبر! والله يا إخواننا الموت موعظة كبيرة، والإنسان بضعة أيام، ما قرأت تعريفاً جامعاً مانعاً للإنسان كهذا التعريف، هو بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه،

بطولة الإنسان أن يعد للساعة التي لابد منها :

 لذلك حينما يصل الإنسان إلى القبر ينادى أن عبدي رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم بيق لك إلا أنا وأنا الحي الذي لا يموت.
 هل يستطيع أي أحد أن يقول: أنا لا أموت؟! هل يستطيع أن يندفن بقصر؟ لا، بقبر! قد ينتقل من بيت كالقصر إلى قبر، فهذا المصير تعلمنا ببعض البرامج العصبية - البرمجة العصبية اللغوية- هنالك مبدأ أعجبني فيها: ابدأ من النهاية، النهاية هي الموت، هذا البيت خرجت منه، أي الشخص يدخل إلى بيته قائماً ثلاثاً وسبعبن سنة، هنالك مرة سوف يخرج أفقياً، هل هذا صحيح؟ مرة واحدة يخرج ولا يعود، في حياته عندما يسهر يقولون: تأخر فلان أسألوا لماذا تأخر؟ عندما يدفنونه لا يقولون: لماذا تأخر؟ انتهى، حتى ألبسته حتى لا يتذكرونه يتبرعون بها كلها، هو الذي اشترى البيت، وهو الذي اشترى الأثاث، خلال أسبوعين أو ثلاثة ينسى ويعيش أهله حياتهم المرفهة، واحتفالاتهم، ولقاءاتهم، وسفرياتهم.
 فلذلك الإنسان عندما يولد كل ما حوله يضحك وهو يبكي وحده، فإذا وافته المنية كل ما حوله يبكي، فالبطولة أن تضحك وحدك، قال تعالى:

﴿ قيلَ ادخُلِ الجَنَّةَ قالَ يا لَيتَ قَومي يَعلَمونَ ﴾

[سورة يس: ٢٦]

 والله يا إخوان دعك من التقوى و الصلاح، الذكاء والعقل والفهم والتفوق والنجاح والفلاح أن تعد لهذه الساعة التي لابد منها، الإعداد لها بالعمل الصالح.

بطولة الإنسان أن يؤمن قبل فوات الأوان :

 أكاد أقول وأنا أعني ما أقول: إذا شخص أرسله والده إلى جامعة في فرنسا، باريس مدينة كبيرة عملاقة، مترامية الأطراف، فيها مسارح ودور سينما، فيها حدائق، وفيها أبينة فخمة جداً، وفيها كل شيء، نقول لهذا الطالب: علة وجودك في هذه المدينة العملاقة شيء واحد وهو الدراسة، وأنا أقول لكم قياساً على هذا المثل، ينبغي أن نكتشف قبل فوات الأوان، لماذا قلت قبل فوات الأوان؟ لأن أكفر كفار الأرض الذي قال كما ذكر الله في القرآن الكريم:

﴿ فَقالَ أَنا رَبُّكُمُ الأَعلى ﴾

[سورة النازعات: ٢٤]

 والذي قال:

﴿ ما عَلِمتُ لَكُم مِن إِلهٍ غَيري ﴾

[سورة القصص: ٣٨]

 حينما أدركه الغرق قال:

﴿ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذي آمَنَت بِهِ بَنو إِسرائيلَ ﴾

[سورة يونس: ٩٠]

 فالإيمان حاصل لأن الله عز وجل يقول:

﴿ فَكَشَفنا عَنكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ اليَومَ حَديدٌ ﴾

[سورة ق: ٢٢]

 فالبطولة أن تؤمن قبل فوات الأوان، لأنه إذا آمنت بعد فوات الأوان يقول الله في كتابه العزيز:

﴿ يَومَ يَأتي بَعضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفسًا إيمانُها لَم تَكُن آمَنَت مِن قَبلُ أَو كَسَبَت في إيمانِها خَيرًا ﴾

[سورة الأنعام: ١٥٨]

 طالب لم يدرس، قدم ورقة بيضاء، نال علامة الصفر بجدارة، رجع إلى البيت وفتح الكتاب ففهم الموضوع، متى فهم الموضوع؟ بعد فوات الأوان.
 فجميع الحقائق التي جاء بها الأنبياء سوف نؤمن بها جميعاً، أي إنسان ولو كان ملحداً، لكن يؤمن بها بعد فوات الأوان، مادام القلب ينبض فاستغل الفرصة.
 بلغني أن هنالك أرضاً بشمال جدة يملكها إنسان فقير جداً، الأرض كانت بعيدة جداً عن جدة، فلما توسعت تسعين كيلو متراً اقتربت من أرضه، جاء مكتب عقاري خبيث جداً اشتراها بربع قيمتها، وضحكوا على صاحبها، صاحبها بعد حين أدرك الحقيقة أنه باعها بربع قيمتها، هؤلاء الشركاء الثلاثة، أول شريك وقع من أعلى البناء – بناء مؤلف من اثني عشر طابقاً - البناء رأيته بعيني كبير جداً، وقع من أعلى طابق ونزل ميتاً، هذا أول شريك، الثاني دهس، الثالث انتبه، ربط الحادثين مع أخذ الأرض بربع ثمنها، فقام بالبحث عن البدوي ستة أشهر حتى عثر عليه، وأعطاه ثلاثة أضعاف الثمن، قال له هذا البدوي باللغة البدوية: أراك قد أدركت نفسك.
 ونحن ممكن أن ندرك أنفسنا، مادام القلب ينبض ممكن أن ندرك أنفسنا، يمكن أن تصل إلى ما تريد قبل فوات الأوان، والصلحة بلمحة، والتوبة سهلة.

الاستعداد للموت بالاستقامة و العمل الصالح :

 فيا أيها الأخوة؛ هنالك حالة مرضية اسمها، الغرق بالجزئيات، ليس هنالك أي واحد منا لا يملك جدول أعمال كل يوم عنده حوالي عشرين أو ثلاثين بنداً، أنجز سبعة البقية يرحلهم لليوم التالي، لكن لم يدخل الموت في حسابه، كأنه لن يموت، والإنسان يموت بثانية.
 في الشام كان هنالك إمام جامع صلى الظهر بالناس، في العصر صلى الناس عليه، ممكن أن ينخطف الإنسان بثانية.
 فلذلك أيها الأخوة مادام هناك موت يأتي بغتة، والقبر صندوق العمل، يجب أن تستعد لهذا الموت، تستعد له بالاستقامة، الدخل حلال حلال، هنالك شيء ليس حلالاً يجب أن نتركه:

((وما ترك عبد شيء لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه))

[ الجامع الصغير عن ابن عمر ]

 والله أكاد أقول لكم: إن زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، أي مستحيل وألف مستحيل أن تدع شيئاً لله ثم لا تعوض عن هذا الشيء أضعافاً مضاعفة، أي كل واحد منا يعامل من حوله، له زوجة، وله أولاد، وله أصحاب، وله كنائن، وله رئيس بالدائرة، وله مدير عام في الشركة مثلاً، تعاملت مع هؤلاء؟ حاولت أن تتعامل مع الله مباشرة بعمل صالح تبتغي به وجه الله؟ بترك شيء لا يرضي الله بينك وبينه؟ حاولت أن تصلي قيام الليل ولا تحدث به أحداً؟ فالإنسان عندما يحاول أن يتعامل مع الله عز وجل، فيما بينه وبين الله، يجب أن يرى النتائج مذهلة، سأقول لكم كلمة دقيقة: والله الذي لا إله إلا هو إن لم تقل ليس على وجه الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني فلديك مشكلة، التعامل مع من؟ مع الخالق الذي بيده كل شيء، الأقوياء بيده، والأغنياء بيده، والمال بيده، والرزق بيده، والصحة بيده، علاقتك مع زوجتك تكون جيدة جدا إذا كنت معه قال تعالى:

﴿ وَأَصلَحنا لَهُ زَوجَهُ ﴾

[سورة الأنبياء: ٩٠]

 فأنا أقول: إذا الشخص بدأ بالتعرف على الله مباشرة يتعامل معه تعاملاً صادقاً ومخلصاً، ينبغي أن يرى نتائج مذهلة، إذا رجع العبد إلى الله نادى مناد في السموات والأرض أن هنئوا فلاناً إنه اصطلح مع الله، أي ليس هنالك من هو أسعد من إنسان اصطلح مع الله، كأنه يعيش في جنة، بأي وضع، بأي بيت، بأية مساحة، بأي سيارة، بأي موديل، هنالك مارسيدس180، وهنالك ستمئة، إن كنت تملك هذه أو هذه هنالك قبر، وسوف تدع كل شيء.

على الإنسان أن يقتطع من وقته وقتاً لمعرفة سرّ وجوده و غاية وجوده :

 فيا أيها الأخوة؛ تقتطع من وقتك الثمين وقتاً لمعرفة سرّ وجودك، وغاية وجودك، وما الذي ينبغي أن تفعله، لابد من أن تتزود بذلك، أي الله عز وجل أودع فيك قوة إدراكية هذه لابد من أن تلبى بالعلم، لا بد من أن تقرأ القرآن، تفهم القرآن، تقرأ السنة وتفهم السنة، يكون لك مجموعة مؤمنة.

(( لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنا ، ولا يأكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيّ ))

[أبو داود والترمذي عن أبي سعيد الخدري ]

 يجب أن يكون لك حاصنة اجتماعية، بيئة، قال الله تعالى:

﴿ يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكونوا مَعَ الصّادِقينَ ﴾

[سورة التوبة: ١١٩]

 فلو أنك صاحبت الأجانب والبعدين عن الله لن تستطيع الاستقامة:

﴿ اتَّقُوا اللَّهَ وَكونوا مَعَ الصّادِقينَ ﴾

[سورة التوبة: ١١٩]

العمل الصالح علة وجود الإنسان في الدنيا :

 هذا الموضوع أخواننا الكرام خطير، موضوع مصيري متعلق بسعادتك الأبدية، ومستقبلك في الحياة الدنيا، فلا بد من طلب الحقيقة، أما أنه يوجد لدينا أدوار أسبوعية، ويوجد لدينا سهرات، وسياحة، ولقاءات، ولكن ليس مستعداً أن يحضر درس علم في الأسبوع ساعة، لا يوجد وقت، هذه الكلمة مريحة جداً عندما يأتي الوقت المناسب، ولم يكن عنده المؤهلات المناسبة لدخول الجنة فسيندم، إن العار ليلزم المرء يوم القيامة حتى يقول: يا رب لإرسالك بي إلى النار أهون عليّ مما ألقى، وإنه ليعلم مافيها من شدة العذاب.
 الآن الناس كلها متشابهة لكن هنالك لحظة:

﴿ وَامتازُوا اليَومَ أَيُّهَا المُجرِمونَ ﴾

[سورة يس: ٥٩]

 علة وجودنا في الدنيا العمل الصالح، فلذلك أخواننا الكرام يلخص هذا الذي قلته، علة وجودنا في الدنيا العمل الصالح، الدليل الإنسان قبيل وفاته يقول:

﴿ رَبِّ ارجِعونِ * لَعَلّي أَعمَلُ صالِحًا ﴾

[سورة المؤمنون: ٩٩-١٠٠]

 ويقول:

﴿ يا لَيتَني قَدَّمتُ لِحَياتي ﴾

[سورة الفجر: ٢٤]

 فالعمل الصالح علة وجودنا في الدنيا، ونحن هذا اللقاء من أجل هذا العمل الصالح، والحقيقة هذه الجمعيات الخيرية إن لم تدعم تنتهي، وتغلق أبوابها، فمن ساهم بدعمها والله أكاد أقول: لا يوجد إنسان يساهم بماله في إنعاش جمعية خيرية منضبطة شرعاً وقانوناً إلا الله عز وجل يكتب له حسنة بكل نشاطات هذه الجمعية.
 اللهم احفظ إيماننا جميعاً وأهلنا وأولادنا وصحتنا ومالنا، وأدعو لكم الدعاء السادس واستقرار بلادكم، فهنيئا لكم على هذا الاستقرار، وحافظوا عليه، هنالك نعم لا نعرفها إلا إذا فقدناها .