حياة المسلم 1- إذاعة حياة إف إم- الحلقة : 006 - الإخلاص والرياء

2015-06-09

مقدمة :

المذيع:
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، وأتمّ الصلاة وخير التسليم على سيدنا محمد الصادق الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم صلّ وسلم وبارك على محمد دائماً وأبداً ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
سلام من إذاعة حياة fm ، إليكم مستمعينا الأكارم أينما كنتم في مجلس العلم والإيمان هذا بحلقة جديدة من برنامجكم مع الدكتور محمد راتب النابلسي ، نرحب بكم ونرحب بفضيلة العلّامة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أهلاً ومرحباً بكم شيخنا و أستاذنا .
الدكتور راتب :
بارك الله بكم ونفع بكم .
المذيع:
يقول ربنا في الآية :

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا ﴾

[ سورة الكهف: 110 ]

النبي صلى الله عليه وسلم يقول :

(( أنا أغْنى الشُّركاء عن الشِّركِ ، مَنْ عَمِل عَمَلاً أشرك فيه مَعي غيري تركتهُ وشِرْكَهُ ))

[مسلم عن أبي هريرة ]

حديثنا لهذه الحلقة تحت عنوان : "بين الإخلاص وبين الرياء" ، نبدأ مع فضيلتكم في حديثنا عن المفهوم الأول ؛ عن الإخلاص وعن الشرك وعن الرياء ...

 

الإخلاص عبادة القلب :

الدكتور راتب :
بسم الله الرحمن الرحيم , الحمد لله رب العالمين , والصلاة والسلام على سيدنا محمد, وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين , وعلى صحابته الغر الميامين , أمناء دعوته , وقادة ألويته ، وارض عنا وعنهم يا رب العالمين , اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم , ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
الأصل في هذا الموضوع قوله تعالى :

﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ ﴾

[ سورة البينة : 5 ]


فالعبادة حركات وسكنات وكلمات تقوم بها الأعضاء الظاهرة ، الصلاة وقوف ، وركوع ، وسجود ، وتلاوة الفاتحة ، وسورة ، حركات وسكنات وكلمات يؤديها العبد امتثالاً لأمر الله ، يعبد الله ، غض البصر حركة مادية ، تحري الحلال ، الإنفاق على الأقربين ، كل الأوامر الإلهية تحتاج إلى حركة ، إلى مال ، إلى إطلاق بصر في آيات الكون ، غض بصر عن محاسن المرأة ، هناك منهج تفصيلي يبدأ من أخص خصوصيات الإنسان وينتهي بالعلاقات الدولية ، إلا أن الإخلاص عبادة القلب ، قال تعالى :

﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ ﴾

[ سورة البينة : 5 ]

لذلك حينما قال الله عز وجل في الآية الدعائيّة :

﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ ﴾

[ سورة النمل : 19]

متى يكون العمل الصالح صالحاً ؟ العلماء قالوا : إذا كان خالصاً وصواباً ، خالصاً ما ابتغي به وجه الله ، وصواباً ما وافق السنة ، وكلا الشرطين الأول شرط لازم غير كاف والشرط الثاني شرط لازم غير كاف .
للتوضيح قد تملك جرة غاز ورأس غاز ، الجرة مفتقرة إلى رأس الغاز ، ورأس الغاز مفتقر للجرة ، لا يكفي أن تمتلك واحدة ، كذلك العمل الصالح ، للتقريب العمل الصالح يحتاج إلى أن يكون صواباً مثلاً يانصيب خيري ، الظاهر اختلف ، لا بد من أن يكون خالصاً وصواباً، خالصاً ما ابتغي به وجه الله ، وصواباً ما وافق السنة .
لكن لو فرضنا الرياء بعكسه ، قد تعمل عملاً في الظاهر وأنت في حقيقتك الداخلية لا تعمله ، في الحقيقة وأنت أنهيت التقديم وجدت ثلاث كلمات ، حينما يستوي العمل في السر والعلانية هذا مؤشر للإخلاص ، صلواتك في البيت وحدك متقنة كصلاتك في المسجد ؟ إن الذي يعتني بصلاته أمام الناس ، ويغمض عينيه ، ويدّعي الخشوع ، وقد لا يصلي في بيته ، تفاوت العمل بين أن تكون أمام الناس وبين أن تكون وحدك ، هنا التفاوت عليه إشكال .

الابتسامة في العمل ، المصافحة ، التواضع ، وفي البيت قسوة بالغة ، أي بالمكان العام شحرور وفي البيت دبور ، النبي صلى الله عليه وسلم قال عن ذلك :

((خيرُكُم خيرُكُم لأهْلِهِ ...))

[الترمذي عن عائشة أم المؤمنين]

أخلاقك الحقيقية أين تكون ؟ في البيت ، علمك ، رحمتك ، تواضعك ، لطفك في البيت ، الأخلاق الحقيقية التي تلقى الله بها هي الأخلاق في البيت ، في البيت لا أحد يحاسبك، أو إن كان الأب قاسياً جداً لا يجرؤ أحد أن يحاسبه ، الأخلاق الحقيقية في البيت والحديث واضح جداً .

((خيرُكُم خيرُكُم لأهْلِهِ ، وأنا خيرُكُم لأهْلِي))

[الترمذي عن عائشة أم المؤمنين]

عندما يكون هناك تفاوت كبير بين السلوك أمام الناس وبين السلوك في البيت ، فهذا أحد أبواب الشرك والنفاق .
المذيع:
دكتور حتى نوضح المفاهيم ، المصطلح الأول ؛ الإخلاص أن تبتغي وجه الله فيما تقول .
الدكتور راتب :
العمل متى يقبل عند الله ؟ إذا كان خالصاً وصواباً .
المذيع:
معنى كلمة خالصاً أن تبتغي به وجه الله وحده ، تحدثنا الآن عن الشرك أو الرياء؟

 

الرّياء :

الدكتور راتب :
الرياء أن تعمل عملاً تبتغي به رضا الناس
الحياة النّفسية أعقد من أن تقسم تقسيماً حاداً ، يوجد تداخل أحياناً ، مثلاً أنت أحياناً تقوم بعمل إسلامي كبير ، والناس يعلمون هذا العمل فيثنون عليك ، أنت تفرح ، لا يوجد مانع ، لا أستطيع أن أفصل فصلاً قطعياً ، ممكن أن يكون هناك عمل أنت ابتغيت به وجه الله ، لكن الناس عندما علموا بهذا العمل الكبير، إن كان بإنفاق المال ، أو الدعوة إلى الله ، يثنون عليك ، الثناء مريح للإنسان ، لا أدقق لدرجة أن يدخل الإنسان في الوسوسة ، الوسوسة خطيرة جداً .
المذيع:
لتوضيح الرياء أنت تقصد بشكل متعمد ليس وجه الله ، تريد وجه الناس ، الشرك ما هو ؟

تعريف الشّرك :

الدكتور راتب :
الشرك موضوع آخر يحتاج بالحقيقة إلى جلسة خاصة واسعة جداً
الشرك حينما يكون العمل له أهداف غير إرضاء الله عز وجل ، هذا نوع من الشرك ، عندنا شرك أكبر ، هذا لا تجده في العالم الإسلامي ، أن نعبد بوذا في آسيا ، وله صنم كبير جداً ، هذا الشرك الأكبر غير موجود ، لأنه حينما جاءنا النبي بهذه الرسالة انتهى الشرك الأكبر ، عندنا إله واحد ، ونبي واحد ، لكن الشرك الخفي أخطر ما في حياة الإنسان ، أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الخفي، أما إني لست أقول إنكم تعبدون صنماً ولا حجراً ، ولكن شهوة خفية ، وأعمالاً لغير الله . فالإنسان عندما يؤثر شهوته على طاعة الله هذا يعد شركاً خفياً ، وأخطر شيء الشرك الخفي ، لأن الشرك أخفى من دبيب النملة السمراء ، على الصخرة الصماء ، في الليلة الظلماء .
وأدناه أن تحب على جور ، أو أن تبغض على عدل ، صديقك ماله حرام ، كريم مع أصدقائه ، يحبونه حباً جماً و هم يعرفون أن ماله حرام ، هذا شرك خفي .

ضرورة الإصغاء إلى الناقد و شكره من الأعماق :

حالة ثانية ؛ إنسان مؤمن غلط غلطة ، جاء إنسان مؤمن إيماناً أكثر منه نصحه قال له : هذه غلط ، ما تحمل ، أدنى أنواع الشرك أن تحب على جور ، وهناك حالة ثانية مشابهة وأن تبغض على عدل ، بغضت إنساناً نصحك ، أي جئت بحديث ضعيف بل موضوع بكل أدب بعد الخطبة قال لك : هذا الحديث ثبت أنه موضوع ، يجب أن تشكره من أعماقك ، سيدي أنا أقول لك كلمة : بطولة الإنسان أن يقبل النقد ، وأي إنسان يرفض النقد ينتهي ، أنا والله كنت أجمع كبار أخواني الدعاة بجلسة في الشام ، حينما كنت في الشام هذا اللقاء كل شهر أو شهرين ، مطلوب منهم أن يتحدثوا عن الأخطاء في الدعوة ، المدح ممنوع ، الذي يمدحك لا يرفعك ، من يقدم لك خدمة ؟ من ينتقدك ، كلما كان الهدف لله عز وجل والهدف نجاح الدعوة تصغي إلى الناقد .

أنا أقول كلمة : الذي لا يصغي إلى الناقد لا ينجح في عمله ، عود نفسك كقائد ، كمدير عام ، كوزير ، كرئيس مؤسسة ، كشيخ جامع ، كداعية أن تقبل النقد ، بل حضهم على النقد ، النقد يعلو بك ، النقد يبعدك عن الأخطاء ، أنا أرجو أن يكون الإنسان موضوعياً ، عندي مقولة خطيرة " ما من أحد أكبر من أن ينقد إلا النبي الكريم لأنه معصوم ، وما من أحد أصغر من أن ينقد ، أنا بالتدريس قضيت ثلاثاً وثلاثين سنة ، كل سنة أوزع على الطلاب أوراقاً بيضاء لا يوجد بها أسماء أسألهم : من له مأخذ على دروسي ؟ أسمع ، أنتبه ، أحاول أن أتلافاها ، هذا العمل مفيد جداً ، لماذا كتب ؟ لأنه لا يوجد اسم ، لا يوجد محاسبة ، هل لك مأخذ على دروسي بالتدريس ؟ هل هناك وظيفة طويلة تحتاج إلى جهد عضلي أم فكري ؟ أنت اكتب ملاحظات سلبية على دروسي . تأتيني الأوراق و ألاحظ بها أشياء قد لا أكون منتبهاً لها، يكون هذا الطالب فضّل عليّ ، وأنت مدير جامعة ، مدير مؤسسة ، بكل مكان أقول لهم : إذا أحد أحبّ أن يقدم نصيحة يكتبها على الآلة الكاتبة حتى لا أعرف من هو ، إذا الأستاذ يعيش مع طلابه يعرف خطهم ، عندما ينقدك ينبهك لشيء أنت غير منتبه إليه .

أتمنى على كل إنسان له منصب قيادي ، بدءاً من وزير ونازل ومروراً بالدعاة إلى الله ، الداعية قائد ، أنا كان لي اقتراح وأعده الآن من أوجه الاقتراحات ، هذا الشيخ يدير خمسة آلاف شخص ، يوجد اختصاص بالعالم الغربي هو إدارة الأعمال ، اختصاص قائم بذاته ، هناك ليسانس في إدارة أعمال ، ودكتوراه ، أنت تدير خمسة آلاف شخص ، هناك قواعد مهمة جداً بالإدارة ، رؤوس و أتباع و معاونون ، شيء مكتوب و مقروء و مسموع ، أنا من طموحي أن أدخل بعد كلية الشريعة إدارة أعمال ، هذا الشيخ إن كان خطيباً ، مدرساً ، عنده أشخاص كثر ، عنده أشخاص بالآلاف لا يعرف أن يديرهم ، إذا الإنسان لم يكن عنده معلومات يغريه القوي ، هذا له منصب يعتني به زيادة ، ويهمل الآخر ، قد يغريه الغني لذلك :

(( من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه ))

[ البيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود]

أنا أعدلها من جلس إلى غني أو قوي فتضعضع له ذهب ثلثا دينه ، لا تتضعضع لأحد، أنت عبد لله عز وجل ، لك كرامتك ، ولك عزك ، والنص الثاني يكمله :

((ابتغوا الحوائج بعزة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير))

[ورد في الأثر ]

لك من دون أن تبذل ماء وجهك ، اطلب مرة واحدة ، لا يوجد استجابة دعه ، حتى أنا باللغة الدارجة أقول كلمة : الذي يعطيك وجهه أعطه روحك ، والذي يعطيك كتفه أعطه ظهرك .
المذيع:
دكتور في بداية الحديث قلت : إن الإنسان يجب أن يكون عمله مخلصاً لله ويمدح من الناس ، كيف يفترض أن يكون حال المسلم المخلص لله مع مدح الناس ومع ذم الناس ؟

 

حال المسلم المخلص لله مع مدح و ذمّ الناس :

الدكتور راتب :
مثلاً لو أن المؤمن صلى قيام الليل وتأثر بالصلاة وبكى وما حدث أي أحد إطلاقاً قطع على الشيطان وسوسته ، من أجل أن تتأكد أنك مخلص اعمل عملاً واصمت كلياً .
المذيع:
لكن نفسك تحدثك أنه عليك أن تعجب بهذا العمل .
الدكتور راتب :
لا يوجد مشكلة هذه حالة صحية ، إذا إنسان فحص نفسه وكان كل التحليل جيداً فسيفرح بشكل إجباري .
المذيع:
لا يتنافى مع الإخلاص ، مادام لم يتكلم ، هناك إنسان لا يحب العمل الصالح ؟ الله أودع في كيان الإنسان محبته للعمل الصالح ، أحياناً في العالم الغربي بيل كيت دفع ثلث ماله لماذا ؟ فطرة ، أكبر غني بالعالم ، معه تسعون ملياراً ، دفع الثلث لفقراء إفريقيا ، أنا كنت بإيطاليا التقيت بإنسان محسن من موريتانيا يملك ستمئة مليون دولار ، ماذا يفعل الإفريقي المسلم هناك ؟ يرسل ابنه ليتسول ويرجع بدولار ، فأعطى هذا المحسن كل أب عشرة دولارات ليرسل ابنه ليتعلم ، رجل مليء مادياً عمل معاهد هذا الطفل بدا أن يتسول ويحضر دولاراً باليوم، أخذناه وعلمناه وجعلناه داعية ، وأعطينا الأب عشرة دولارات في اليوم ، هناك أعمال صالحة لا تصدق ، الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق ، الآن أقول لك : يوجد مليون عمل صالح بكل عصر وبكل مكان .
المذيع:
مدح الناس وذم الناس كيف يستويان في قلب الداعية ؟

 

مؤشرات الإخلاص :

الدكتور راتب :
حينما لا يتغير عملك بالمدح أو الذم ، هذا أحد مؤشرات الإخلاص ، إنسان ذمك هذا يفرط في ماله ، ما تأثرت ، أنت حينما يستوي المدح والذم عندك هذا مؤشر على إخلاصك.
المذيع:

كنا في مجلس دكتور وذكرت مسألة معينة - أنا أنصح الناس بما يرضي الله - إنسان استغاب إنساناً ، فقلت : الغيبة حرام ، بعض الناس سرهم ما صنعت فأثنوا عليّ ، وبعض الناس اعتبروا أني منافق أريد أن أدعي المشيخة فذموني .
الدكتور راتب :
إنسان دعوته إلى طعام فشكرك وقال : عمّر الله بيتك ، هذا وضع طبيعي ، هو لم يؤلهك ، ما قال كلمة خاطئة ، قال : جزاك الله الخير ، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله ، أنا أتمنى على الأخوة المستمعين ما من عمل يقدم لك إلا واشكر صاحبه ولو ببطاقة ، ولو باتصال هاتف ، هكذا الغرب ، الغرب بعيد عن الله كثيراً لكن عندهم التقليد الاجتماعي لو قدم لك إنسان شيئاً بسيط اًجداً يريد رسالة شكر ، في الهاتف رسالة شكر هاتفية ، أشكر لك قدومك ، أشكر لك معاونتك .
المذيع:
هذا يديم المعروف .
الدكتور راتب :

نعم ، أعتمد على هذه الطريقة وأراها أجمل ما في الغرب ، لا يمكن أن تأتيك خدمة من إنسان ولو كلمة إلا مقابلها شكر ، يتصل بي هاتفياً ، أعمل له رسالة ، هذا ينمي المعروف بين الناس .
المذيع:
هذا لا يتعارض مع الإخلاص ؟
الدكتور راتب :
أبداً أبداً بالعكس هذا من لوازم الإخلاص .
المذيع:
أما يتحول الإخلاص إلى رياء أني سأتوقف عن العمل إن لم يشكرني هذا .
الدكتور راتب :
حينما ألغي العمل لعدم الشكر ، هذا العمل هدفه السمعة .
المذيع:

الإخلاص عمل نبتغي به وجه الله ، لكن فطرتنا تفرح بمدح الناس .
الدكتور راتب :
لو كان هناك نقد ، النقد لا يؤثر بك إطلاقاً ، تدفع المال بتفريط ، أنا عندي جواب دائماً : من عرف نفسه ما ضرته مقالة الناس به . اعمل لوجه واحد يكفك الوجوه كلها ، عفواً موظف بدائرة فيها مدير عام ، فوقه يوجد وزير ، ، تحته معاون مدير ، وهناك رؤساء أقسام ، إذا أراد أن يرضي الكل فهذا شيء صعب جداً ، هناك أوامر متناقضة وأهواء ، أنت اعمل لوجه واحد :

(( من التمس رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى الناس عنه ، ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط الناس عليه ))

[الترمذي والإمام أحمد عن عائشة أم المؤمنين ]

اعمل لوجه واحد ، الدين كله ، التجارة كم نوع ؟ يمكن مليون نوع ولا أبالغ ، كم مستوى ؟ يبيع على عربة ، هذا تاجر ، يشتري بضاعة ويبيعها هذا أقل أنواع التجارة ، وهناك رؤساء غرف تجارة يتكلمون بالمليارات ، مثل بيل كيت ، أنت عندما يستوي عندك المديح والذم فأنت في أحد شروط الإخلاص ، استواء المديح والذم .
المذيع:
دكتور ليختبر الإنسان عمله إذا كان ضمن دائرة الإخلاص أم لا ، هل هناك مؤشرات تركز عليها ؟

 

شروط صحة الإخلاص :

الدكتور راتب :
الشرط الأول : حينما يستوي العمل في أدائه وفي إتقانه ، وأنت أمام الناس وهناك حالة ثانية مشابهة وأنت وحدك في البيت ، إذا استوى العمل من دون مراقبة ، من دون مجتمع، أو أمام الناس ، أحياناً إنسان يستطيع غض بصره عن المرأة المتبرجة لأن معه أشخاصاً ، أو معه أصدقاءه ، أو معه أخوة ، لو كان وحده يملأ عينيه من محاسن هذه المرأة ، إذاً غض البصر اختلف بين أن يكون وحده وبين أن يكون في جماعة ، أن يستوي العمل في أدائه وفي كماله وفي إخلاصه ، أن تؤديه وحدك في بيتك أو أن تؤديه أمام الناس .

عندنا عبادة اسمها الصيام ، هي عبادة الإخلاص ، من يكشف لو أنت كنت في البيت وحدك وتناولت كأس ماء بارد من الثلاجة والحر لا يحتمل ؟ لا يوجد قوة في الأرض تكشفك ، انظر إلى الشرع ما أدقه ، الله عمل لنا عبادة الإخلاص ، أنت في البيت وحدك والبراد فيه قارورات ماء بارد ، والحرارة تقدر بخمس وأربعين ، و العطش لا يحتمل ، لا تقدر أن تضع في فمك نقطة ماء ، الصيام بالأصل عبادة الإخلاص .
الشرط الأول أن يستوي العمل وحدك أو في مجموع .
الثاني لا يتأثر هذا العمل بالمديح إيجاباً ، لو كنت أمام الناس تعمله بإتقان بالغ أما لوحدك فكيفما كان .
المذيع:
لا يغرك مديح الناس .
الدكتور راتب :
أو أنت عملت عملاً ذمك الناس عليه ، من عرف نفسه ما ضرته مقالة الناس به .
المذيع:
ثلاثة شروط ؛ أن يستوي عملك بالسر والعلن ، وألا تتأثر إيجابياً بالمديح ولا سلباً بالذم .
الدكتور راتب :
والله أنا أرى أن كلمة الحق ينبغي أن تلقى بصرف النظر بقبولها عند الناس أو عدم قبولها ، تبتغي بهذا العمل وجه الله ، فالمدح بارك الله هذا من نبله ، من أصالة أخلاقه .
المذيع:
دكتور مع الوقت يقولون : محمد ما شاء الله عالم أو واع فيخاف على نفسه ؟
الدكتور راتب :
لا ، هذا شيء طبيعي ، إذا أنت ارتديت ثياباً جميلة و قال لك أحدهم : والله جميلة، أنت اخترت ثياباً ألوانها راقية وقياسها ممتاز ، الجيد جيد ، إذا أثنى على ثيابك ، أنت لا تشعر أنك ارتكبت عملاً خاطئاً ، دخل إلى البيت وجده مرتباً نظيفاً ، قال : ما شاء الله ! بيت مريح ، لا يوجد مشكلة أبداً .
المذيع:
يبقى على الأمر بالمعروف ؟

على المؤمن ألا يصغي لوسوسة الشيطان :

الدكتور راتب :
هناك حد أدنى للمؤمن من عدم الإصغاء لوسوسة الشيطان ، انظر يا سيدي بدأنا بموضوع خطير جداً
هذا الشيطان تارك الإنسان ما دام الإنسان يعصي الله ، يأكل مالاً حراماً، يسهر سهرة مختلطة ، يكذب ، ينافق ، متى يبدأ الشيطان عمله ؟ ماذا قال الله عز وجل ؟

﴿ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾

[ سورة الأعراف : 16]

عندما يتوب الإنسان ، أنت الآن تصلي أمام الناس رياء ، عندما يبدأ الإنسان يمشي بالحق ، يضبط كلامه ، يضبط صلواته ، يضبط بيته ، يضبط دخله ، يضبط إنفاقه ، عندما مشى بشكل صحيح قلب مئة وثمانين درجة ، بقبضه ، بإنفاقه ، في بيته ، بعلاقاته ، بسهراته ، فلما مشى مع الحق ، هناك مادح له ، وهناك ذام له ، المؤمنون يمدحونه ، والمنافقون يذمونه ، لا تعبأ لا بمن يمدح ولا بمن يذم ، قال تعالى :

﴿ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ﴾

[ سورة الأنعام : 91]

أشدّ أنواع الرياء هو ترك العمل الصالح خوف الرياء :


يوجد ملاحظتان خطيرتان ، ترك العمل الصالح خوف الرياء هو أشدّ أنواع الرياء ، حتى لا يمدحني الناس يدخل على نفسي أن هذا رياء ، لا ، أبداً مستحيل ، ترك العمل الصالح خوف الرياء هو أشد أنواع الرياء .
المذيع:
العمل لأجل الناس رياء ، وترك العمل الصالح خوف الرياء هو أشدّ أنواع الرياء، عندنا ثلاثون ثانية نختمها بالدعاء .

 

 

 

 

الدعاء :

الدكتور راتب :
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير ، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين ، اجعل هذا البلد سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين ، واحقن دماء المسلمين في الشام وفي كل مكان ، انصرهم على اعدائهم يا رحمن يا رحيم ، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم ، واغفر لمن مات في سبيلك في فريضة الحج يا رب العالمين ، ارحمهم وتقبل عملهم ، وألهم أهلهم الصبر والسلوان يا أرحم الراحمين، وفي كل مكان آخر في بلاد المسلمين ، والحمد لله رب العالمين .

 

 

 

 

خاتمة و توديع :

المذيع:
جزاكم الله خيراً فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .
إلى هنا نصل إلى الختام مستمعينا الكرام ، سبحانك اللهم وبحمدك ، نشهد أنك لا إله إلا أنت ، نستغفرك ونتوب إليك ، والسلام عليكم .