المحاضرة 55 : طرابلس ، العلم محراب الإيمان .

2014-04-11

مقدمة :

 أيها الأخوة الأحبة والأخوات الكريمات ؛ جمعية الاتحاد الإسلامي وعدتكم أهل طرابلس فوفت ، و داعيتنا الرباني المحبوب لقلوب المؤمنين فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي وعدنا فوفى ، وعدنا في شهر حزيران الماضي عندما استضفناه في بيروت أن نستضيفه مرة ثانية لأهل طرابلس فوفى جزاه الله خيراً ، نرحب جميعاً أهل لبنان و أهل طرابلس بهذه الاستضافة الكريمة لداعيتنا فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي ، نسأل الله تعالى أن نستمر حتى يبقى التواصل بين فضيلة داعيتنا وبين جمهوره المحب له بإذن الله .

رعى الله الأحـــبة حيث حلوا  لهم في القلب مرتحل وحلُّ
خيول الشوق مسرجة إليهم  تبارت حيثما هلوا و حلوا
* * *

 فمرحباً وأهلاً وسهلاً بداعيتنا الرباني الدكتور محمد راتب النابلسي بين أهله ومحبيه، وأرحب ثانية بكل الحضور الكريم ، هذا الحشد الكبير كما كان أمس في بيروت حيث زحف حوالي أربعة آلاف من أهل بيروت إلى محاضرة فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي ، نرحب بكم والله من أعماق القلب أنتم أهل طرابلس وأهل عكار وأهل الشمال .

لا فضل لي إن رحت أعلن فضلهم  بقصائدي إن الضحى لا يكتم
أحبابنا ما أجـــمل الدنيــــــــا بكـــــــــــم  لا تقبح الدنيا وفيهـــــــا أنتــــم
* * *

 أهلاً وسهلاً بالأخوة ، لنمضي هذه الساعة المباركة الطيبة مع فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي ، لماذا استضفناه ؟ للتقارب والتطابق والتجانس والود والأخوة في نفس الخط الدعوي ، نحن أيها الأخوة ؛ يا معشر المسلمين في العالم نستهدف في ديننا هوية هذا الدين ، ولذلك عنوان محاضرة بيروت : "الإسلام نظام حياة "، واليوم عنوان المحاضرة : "العلم محراب الإيمان" ، يعنينا أن نؤكد على هوية الإسلام ، و على المحافظة على هذا الدين كما يريده الله رب العالمين ، وإن الله عز وجل حملنا أعظم مسؤولية على لسان النبي عندما قال النبي صلى الله عليه وسلم :" ليحمل هذا العلم من كل خلف - أي كل جيل - عدوله ، ينفون عنه تحريف الغالين - الغلاة المتطرفون المتشددون المتوحشون ، الذين لا يمتون إلى الإسلام بصلة - ينفون عنه تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين ".
 فما هو هذا الإسلام الذي أنزله الله عز وجل ؟ الذي نحمله وندعو إليه ونعبر عن خطنا الإسلامي من خلاله ؟ هذه المعالم الأربعة التي أريد فقط أن أذكر عناوينها ، حتى نعاهد الله جميعاً على التمسك بالإسلام الذي أنزله ، لأن الدين عند الله الإسلام ، ولكن يريدون أن يشيعوا في عقول الجيل أن هناك أنواعاً من الإسلام ، إسلام منزوع الدسم ، إسلام كول ، إسلام الطائفية البغيضة ، إسلام الانتقائية :

﴿ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ﴾

[ سورة البقرة: 85]

 وهناك إسلام جديد يسوق له إسلام ما يطلبه المستمعون ، لذلك أيها الأخوة ما هي معالم هذا الدين الذي أنزله الله عز وجل ؟ أولاً : أساس هذه المعالم إسلام التلقي عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، ثانياً : إسلام نظام للحياة شامل وليس على حسب ما يريدونه ، إسلام يحصرونه بالطقوس والشعائر ، الإسلام شعائر وشرائع :

﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا ﴾

[ سورة الجاثية: 18]

 هذه كلمة الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وسلم ، المعلم الثالث : إسلام رسالة أخلاقية رائعة للبشرية .

(( إن أكمل الناس إيماناً أحسنهم خلقاً ))

[البزار عن أنس بن مالك ]

 والمعلم الرابع الذي يحملنا مسؤولية والذي يلفت أنظارنا إلى أي مستوى من الإعداد يجب أن نستعد له هو أن الإسلام مشروع حضاري عالمي للبشرية ، لا خلاص للبشرية و للحضارة المعذبة الحالية إلا بالإسلام ، لذلك أخواننا أحد من كانوا على غير الإسلام مفكر كبير مراد هوغمان كان مدير قسم المعلوماتية في النتو ، أعلن إسلامه وكتب كتابه الرائع : الإسلام هم البديل .
 فهلموا إلى هذا الدين الذي أنزله الله ، ولنحافظ على هوية هذا الدين كما حددها الله عز وجل في القرآن والسنة ، ولنتعرف الآن على صورة مشرقة من هذا الإسلام في محاضرة فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .

الإنسان هو المخلوق الأول والمكرم والمكلف عند الله :

 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه الطيّبين الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وُحول الشهوات إلى جنّات القربات .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ أيها الأخوة الأحباب ؛ من مسلمات الحياة الإنسانية أن أي حب وأي تقدير يقابله من قبل الآخر حب وتقدير ، والله إنني لأحبكم ، وأحب هذا البلد الطيب، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن تكونوا جميعاً بأعلى عليين .
 أخوتي الكرام ؛ بادئ ذي بدء يقول الله عز وجل :

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾

[ سورة الليل : 1-4]

 الأنبياء ملكوا القلوب ، والأقوياء ملكوا الرقاب ، وشتان بين أن تملك رقبة الإنسان وبين أن تملك قلبه ، الأقوياء عاش الناس لهم ، والأنبياء عاشوا للناس ، الأقوياء يمدحون في حضرتهم ، والأنبياء يمدحون في غيبتهم ، الناس جميعاً من دون استثناء تبع لقوي أو نبي ، والسؤال الدقيق : ما الذي يسعدك أن تعطي أم أن تأخذ ؟ إذا كان الذي يسعدك أن تعطي إنك من أتباع الأنبياء ، أما إذا كان الذي يسعدك أن تأخذ فأنت من أتباع الأقوياء .
 على كل هناك من يعطي ويأخذ ، ونرجو أن نكون منهم ، أخوتنا الكرام قضية الإنسان قضية خطيرة لأنه المخلوق الأول عند الله ، لأن الله عز وجل في عالم الأزل حينما عرض الأمانة على السموات والأرض والجبال ، أبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان، فلما قبل الإنسان حمل الأمانة كان عند الله المخلوق الأول ، والمكرم ، والمكلف ، فلأنك إنسان فقط أنت عند الله المخلوق الأول والمكرم والمكلف ، الأول رتبة لا ابتداءً زمنياً ، والمكرم :

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾

[ سورة الإسراء: 70 ]

 أما المكلف فعلة وجودك في الدنيا أن تعبده :

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات: 56 ]

 للتقريب شاب وجد نفسه في باريس سأل : إلى أين أذهب ؟ نسأله نحن : لماذا جئت إلى هنا ؟ إن جئت طالب علم فاذهب إلى الجامعة إلى السوربون ، وإن جئت سائحاً فاذهب إلى برج إيفل ، وإن جئت تاجراً فاذهب إلى المؤسسات والأسواق ، إذاً الإنسان كائن متحرك ، ما الذي يحركه ؟ الحاجة إلى الطعام والشراب حفاظاً على وجوده كفرد ، وما الذي يحركه ؟ الحاجة إلى الطرف الآخر حفاظاً على بقاء النوع ، وما الذي يحركه ؟ التفوق حفاظاً على بقاء الذكر ، فأنت في أصل فطرتك وفي أعماق كيانك تبحث عن سلامتك ، وعن سعادتك، وعن استمرارك ، وأنت عقل يدرك ، وقلب يحب ، وجسم يتحرك ، غذاء العقل العلم، وغذاء القلب الحب ، وغذاء الجسم الطعام والشراب ، إن عذيت عقلك بالعلم وقلبك بالحب وجسمك بالطعام والشراب تفوقت ، وإن اكتفيت بواحدة تطرفت ، والفرق كبير بين التفوق وبين التطرف .

مقومات التكليف :

 الإنسان هو المخلوق الأول رتبة لأنه في عالم الأزل قبِل حمل الأمانة ، فلما قبِل حمل الأمانة الآن أعطاه الله مقومات التكليف ، أعطاه الكون وهو الثابت الأول الذي يشف عن وجود الله ، وعن كماله ، وعن وحدانيته ، أعطاه العقل ، هذا العقل من عطاء الله عز وجل ، ولكن العقل علاقته بالنقل علاقة دقيقة ، مهمة العقل أن يتحقق من صحة النقل ، ومهمة العقل أن ينفذ هذا النقل ، التحقق من صحته وأن ينفذه ويفهمه ، هذه مهمة العقل ، أما إذا جعلنا العقل حكماً على النقل فقد وقعنا في التطرف الاعتزالي ، العقل مهمته التأكد من صحة النقل ثم فهم النقل وتطبيقه إلى هنا تنتهي مهمة العقل .
 لذلك العقل أعظم جهاز أكرمنا الله به ، له مبادئ ثلاثة ؛ مبدأ السببية ، مبدأ الغائية ، مبدأ عدم التناقض ، فالعقل لا يفهم شيئاً بلا سبب ، والله مسبب الأسباب ، والعقل لا يقبل التناقض ، والعقل لا يفهم شيئاً بلا غاية ، هذه مبادئ العقل ، وهي مطبقة في الكون ، هذا التوافق الرائع بين مبادئ العقل وخصائص الكون هو الذي جعل للعقل في الكتاب الكريم ألف آية :

﴿ أَفَلَا يَعْقِلُونَ ﴾

[ سورة يس: 68]

السعادة والنجاح لمن عرف سرّ وجوده وغاية وجوده :

 لذلك الله عز وجل قال :

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾

[ سورة الليل : 1-4]

 سبع مليارات ومئتا مليون ، سبع مليارات ومئتا مليون توجه ، لكن الله أدخل هذه التوجهات لسبع مليارات ومئتي مليون بحقلين اثنين قال تعالى :

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

[ سورة الليل: 5-6]

 صدق أنه مخلوق للجنة ، وحينما نفهم أن الإنسان خلق للدنيا فقط يقفز أمامنا مليون سؤل لا جواب له ، نحن مخلوقون للجنة ، وجاء الله بنا إلى الدنيا من أجل أن ندفع ثمن الجنة ، فلذلك السعادة والنجاح والتوفيق بمن عرف سرّ وجوده ، وغاية وجوده .

المفهوم الحديث للنجاح لا بد من أن يكون شمولياً :

 وهناك ملاحظة دقيقة جانبية كنا نظن من قبل أن هناك نجاحاً قد يكون بجمع المال، أو أن هناك نجاحاً قد يكون بتسلم منصب رفيع ، أو أن هناك نجاحاً يتعلق بالمكانة الاجتماعية ، المفهوم الحديث للنجاح لا بد من أن يكون شمولياً ، أن تنجح مع الله ، وأن تنجح مع أسرتك ، وأن تنجح مع أقاربك ، وفي عملك ، وفي كسب رزقك ، لا يسمى النجاح نجاحاً إلا إذا كان شمولياً ، فإذا كان شمولياً كان الفلاح ، ما الفلاح ؟ أن يحقق الإنسان الهدف من وجوده، إذاً هو مفلح ، فقد ينجح نجاحات جزئية ، لذلك قالوا : ما كل ذكي بعاقل . قد تحمل دكتوراه بالفيزياء النووية وأنت أذكى الأذكياء ، ولا تعد عند الله بعاقل لأنك ما عرفت سرّ وجودك، ولا غاية وجودك ، لذلك الإنسان لا يتوازن ، ولا تستقر نفسه ، ولا يسلم ، ولا يسعد ، إلا إذا عرف سرّ وجوده ، فهذا الشاب في باريس ينبغي أن يعرف ان أباه أرسله ليتعلم ، لذلك وضوح الهدف يقدم لك مئات الجزئيات لخدمة هذا الهدف ، فمادام هذا الطالب يعرف تماماً لماذا أرسله أبوه إلى باريس ، الآن ينتسب للجامعة ، يختار بيتاً قريباً من الجامعة ، يوفر الوقت والجهد والمال ، يصاحب صديقاً يتقن الفرنسية ، يشتري مجلة متعلقة باختصاصه ، معرفة الهدف تدعو إلى أن تنشأ أمامك مئات الجزئيات ، والمؤمن حينما يكون هدفه الله ينشأ أمامه آلاف الجزئيات ، لكن على سبيل موضوع الشباب ، من هو الشاب ؟ يا ترى بين الثمانية عشرة والأربعين ، أم بين الأربعين والستين ؟ شيء يحير ، الحقيقة الدقيقة أن الإنسان إذا كان هدفه أكبر منه فهو شاب ولو في التاسعة والتسعين ، إذا اختار هدفاً مادياً محدوداً يسعد به قبل الوصول إليه ، إذا وصل إليه انتهت سعادته ، لذلك الناجحون في الحياة راقب نفسياتهم بعد النجاح ، الدنيا لم يسمح الله لها أن تمد الإنسان بسعادة مستمرة .

اللذة و السعادة :

 في الدنيا شيئان ؛ لذة وسعادة ، اللذة طابعها حسي ، لا بد من أن تأكل طعاماً طيباً ، تسكن في بيت فخم ومريح ، لا بد من أن تتمتع بما لذّ وطاب ، وما كان جميلاً ، اللذة طابعها حسي ، ومعنى حسي تحتاج إلى مال وصحة ووقت ، ولحكمة بالغة بالغة دائماً هناك شرط ناقص ، في البدايات صحة طيبة والوقت موجود لكن لا يوجد مال ، اخترت عملاً ، تجارة، وظيفة ، صار معك مال وتتمتع بالصحة لكنك لا تملك وقتاً ، مشغول بأداء هذا العمل ، تجاوزت الستين سلمت المعمل لأولادك ، عندك وقت ومال لكن لا يوجد صحة ، أسيد أوريك على شحوم ثلاثية على انحناء بالظهر على التهاب مفاصل ، الله عز وجل ما سمح للدنيا أن تمد الإنسان بسعادة مستمرة بل متناقضة ، ولحكمة بالغة بالغة جعل الأعراض السلبية لصحتنا بعد الخمسين رسائل لطيفة من الله أن يا عبدي قرب اللقاء بيننا هل أنت مستعد له ؟ السلبيات في الصحة بعد سن معينة رسائل من الله لطيفة ناعمة أن يا عبدي قد اقترب اللقاء هل أنت مستعد له ؟

الزمن أثمن شيء يملكه الإنسان :

 لذلك أنا ما رأيت في حياتي تعريفاً جامعاً مانعاً للإنسان كتعريف الإمام الجليل الحسن البصري : الإنسان بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منك . أنت زمن ولأنك زمن يعد الزمن رأس مالك ، ولأنك زمن يعد الوقت أثمن شيء تملكه ، ولأنك زمن يعد الوقت أنت ، إذاً لأن الإنسان زمن بضعة أيام أقسم الله له بمطلق الزمن ، قال تعالى :

﴿و العصر ﴾

[ سورة العصر: 1]

 جواب القسم :

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾

[ سورة العصر: 2 ]

 خسارة ، لماذا يا رب الخسارة ؟ قال : لأن مضي الزمن يستهلكك فقط ، قبل أن نقول : صالح ، غير صالح ، قوي ، ضعيف ، مضي الزمن وحده يستهلكك ، إذاً أنت زمن ، البطولة الآن هذا الزمن الذي هو أنت ، هذا الزمن الذي هو رأس مالك ، هذا الزمن الذي لا تملك غيره ، لأنك بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منك ، هذا الزمن دقق إما أن ينفق استهلاكاً كشأن العالم اليوم ، معنى الاستهلاك نأكل ونشرب ونسهر ونسمر وننام ونستيقظ نذهب إلى العمل ثم نعود إلى البيت ، إلى أن يحين الحين ، لأنك زمن هذا سيمضي ، وهذا الإنفاق الاستهلاكي لأهل الأرض كلها ، سافرت إلى أمريكا وجدت ملاحظتين اثنين الناس همهم الأول والأخير الرفاه ، يعيش لحظته ، وهمه الرفاه .

تطبيق الدين بشكل صحيح :

 لذلك أخواننا الكرام ؛ نحن في هذا الشرق الأوسط عندنا سلبيات كثيرة و إيجابيات كثيرة ، أنا أذكر أن رجلاً في الشام أراد أن يبني مسجداً ، كلف احد أخواننا الكرام لاختيار أرض لبناء مسجد ، وجدوا أرضاً مناسبة جداً ، مربعة وأحد أضلاعها نحو القبلة ، هذه أرض مثالية ، بحثوا عن صاحبها ورثها من شهر ، مستخدم في مدرسة ، ساكن في بيت أجرة ، وعنده ثمانية أولاد ، ودخله لا يكفيه عشرة أيام ، تملك هذه الأرض ثمنها خمسة ملايين ، تفاوضوا معه على أربعة ملايين ، أعطاه أحد أخوتي الكرام شيكاً بمليونين ، قال له صاحب الأرض : أين البقية ؟ قال له : عند التنازل ، قال : ما التنازل ؟ أجابه : هذه ستغدو جامعاً ، ثم قال له : تذهب إلى الأوقاف وتكتب تنازلاً عن هذه الأرض وعندئذ أعطيك الدفعة الثانية ، هذه سوف تكون مسجداً، قال له : مسجد ؟ قال : نعم ، أمسك بالشيك ومزقه ، قال : والله أنا أستحي من الله أن أبيع أرضاً لتكون مسجداً ، أنا أولى منك أن أقدمها لله عز وجل ، مستخدم ، عنده ثمانية أولاد ، دخله لا يكفيه عشرة أيام ، يتملك أرضاً ثمنها أربعة ملايين ، يقدمها مسجداً ، وإذا ذهبتم إلى الشام إن شاء الله بعد حين قبل وصولكم إلى الميدان هناك أطول مئذنة في دمشق ، هي هذا المسجد ، صاحب هذا المسجد قدمها لله ، هذا حادث وقع في الشام .
 لو انتقلنا إلى لندن ، يبدو أن إماماً سكن في لندن مع أصدقائه ، وعمله في مانشيستر، يركب مركبة عامة ، فمرة صعد المركبة ، وأعطى السائق ورقة نقدية كبيرة ، خمسة جنيهات ، ردّ له السائق التتمة ، عدّها ، فإذا هي تزيد عشرين بنساً على ما يستحق ، دخل في صراع مع نفسه ، إنها شركة عملاقة ، ودخلها فلكي ، ولكن أنت إمام مسجد لا يصح هذا ، هذا الصراع انتهى إلى أن الجانب الخير انتصر ، مدّ يده إلى جيبه و أعطى السائق العشرين بنساً ، فابتسم السائق وقال له : ألست إمام هذا المسجد ؟ قال : بلى ، قال : والله حدثت نفسي قبل يومين أن أزورك في المسجد لأتعبد الله عندك ، ولكنني أردت أن أمتحنك قبل أن آتي إليك ، وقع هذا الإمام مغشياً عليه ، وهذه القصة رواها لي تلميذي كان هناك ، وقع مغشياً عليه ، فلما صحا من غفوته قال : يا رب كدت أبيع الإسلام كله بعشرين بنساً .
 كم مسلم يبيع دينه بيمين كاذبة ؟ بتصريح كاذب ؟ لذلك :

(( ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ ))

[أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس]

 فإذا كانت أمة النبي اليوم تزيد عن المليار والسبعمئة مليون وليست كلمتهم هي العليا ، وليس أمرهم بيدهم ، وللطرف الآخر عليهم ألف سبيل وسبيل ، وهذا القرآن بين أيديكم :

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 بربكم الحقيقة المُرّة أفضل ألف مَرّة من الوهم المريح ، الذي معه شيك مزور بمليون دولار الأولى أن يعلمه مزوراً قبل أن يقدمه للمصرف أم ينبغي أن يتجاهل ؟ إن تجاهل وقدمه يذهب إلى السجن ، فإذا الإنسان عنده شيء غير صحيح ليعرفه في الوقت المناسب .
 لذلك أيها الأخوة ؛ نحن في أمس الحاجة إلى أن نفهم هذا الدين فهماً صحيحاً .

أزمة أهل النار أزمة علم فقط :

 الأزمة أزمة ماذا ؟ دققوا بالقرآن ما هي أزمة أهل النار ؟

﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾

[ سورة الملك: 10]

 أزمة علم فقط ، لماذا ؟ لأنه ما من واحد منكم وأنا معكم إلا وهو حريص على سلامته وسعادته واستمراره ، لا يوجد واحد منا إلا له عقل يدرك ، وقلب يحب ، ولا يوجد واحد منا إلا وهو يبحث عن مستقبل أطفاله ، هذه خصائص الإنسان ، فالبطولة أن تعرف القوانين ، ألقيت دروساً في جامع في الشام سميت عنوان الدروس : "قوانين القرآن" ، هناك قوانين أي مثلاً:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

[ سورة آل عمران: 159 ]

 أي يا محمد بسبب رحمة استقرت في قلبك من خلال اتصالك بنا كنت ليناً معهم ، فلما كنت ليناً معهم أحبوك و التفوا حولك ، ولو كنت منقطعاً عنا لامتلأ القلب قسوة ، ولانعكست القسوة غلظة ، فانفضوا من حولك ، سميت هذه الآية قانون الالتفاف والانفضاض ، يحتاجها الأب ، والأم ، والمعلم ، والمدرس ، والأستاذ ، وأستاذ الجامعة ، والحاكم ، والإداري ، وأي منصب قيادي :

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾

[ سورة آل عمران: 159 ]

 لو كنت منقطعاً عنا لامتلأ القلب قسوة ، ولانعكست القسوة غلظة ، عندئذ ينشق الناس من حولك ، ينفضوا من حولك .

زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين :

 أخواننا الكرام ؛ أنتم حينما تقرؤون القرآن ألا تشعرون أن في هذا القرآن قوانين ؟ زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين :

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

[ سورة النحل: 97 ]

 زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين ، بأي زمان ، بأي مكان، بأي ظرف ، بأي نظام ، هذه القوانين فوق بني البشر ، فوق الظروف كلها ، فإذا وعدك الله بالحياة الطيبة لا بد أن تصل إليها ، بالمقابل :

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى* قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً* قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ﴾

[ سورة طه : 124-126]

 أخواننا الكرام ؛ موضوع الدين حياة أو موت ، سعادة أو شقاء ، توفيق أو تعسير ، والله النتائج التي تترتب على طاعتك لله لا تعد ولا تحصى ، ورد في الأحاديث :

((اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا ))

[ رواه ابن ماجه وأحمد والدارمي عَنْ ثَوْبَانَ]

 لن تحصوا الخيرات باستقامتكم ، بسعادتك البيتية ، في عملك ، مع جيرانك ، مع أهلك ، مع أقربائك ، مع زملائك في العمل ، أساسها الصلة بالله عز وجل .
أخواننا الكرام ؛ إذاً :

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى *فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

[ سورة الليل: 1-6]

 صدَّق أنه مخلوق للجنة ، وبناءً على هذا التصديق اتقى أن يعصي الله ، وبعد ذلك بنى حياته على العطاء ، الطرف الآخر :

﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى*وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾

[ سورة الليل: 8-9 ]

 كذب أنه مخلوق للجنة ، آمن بالدنيا ، استغنى عن طاعة الله ، بنى حياته على الأخذ ، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا ، والأنبياء أعطوا ولم يأخذوا ، إذا كان الذي يسعدك أن تعطي إنك من أتباع الأنبياء ورب الكعبة .

البحث عن الحقيقة و العمل للجنة :

 الآن السورة الثانية الدقيقة جداً ، أقسم الله لك بمطلق الزمن أنك خاسر ، تتلافى الخسارة بأربعة أشياء ، سماها الإمام الشافعي أركان النجاة :

﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة العصر:3]

 أي بحثت عن الحقيقة ، تأخذ الابتدائية والمتوسطة والثانوية أو التوجيهي ، ثم الليسانس بالآداب أو بكلوريوس في العلوم ، دبلوم تربية ، دبلوم عامة ، ودبلوم خاصة ، وماجستير ، ودكتوراه ، تقريباً خمس عشرة سنة ، وتشتغل ليلاً نهاراً ، ولا تنام طول الليل حتى يضاف على اسمك دال فقط ، وتريد جنة عرضها السموات والأرض بلا ثمن ؟ لذلك قالوا : طلب الجنة من دون عمل ذنب من الذنوب .
 عندنا بالشام محل لبيع السجاد ، أرقى محل ، لو دخل إنسان للمحل وقال لصاحبه: أرني هذه السجادة ؟ ثم قال له : أريد أغلى فأراه الثانية ، ثم الثالثة و لم يعجبه شيء ، قال له عندي فوق على السقيفة أفضل ، أخذه فشاهد الإيراني والتبريزي ، ثمنها ملايين ، أعجبته واحدة، قال له : ما ثمنها ؟ فأجابه : ثلاثة ملايين ، قال له : هل تأخذ ثمنها خمس ليرات ؟ هل يخرج هذا الإنسان من المحل سالماً ؟ لا نغير ولا نبدل احتفالاتنا ، واختلاطنا ، وعدم الدقة في كسب اموالنا ، وسهراتنا ، ومزاحنا ، لا يوجد انضباط ونريد الجنة ، هذه سذاجة ، منتهى السذاجة أن تطلب نتائج باهرة بمقدمات سخيفة ، لذلك نحن في الدنيا ندفع الثمن ، هل هناك إنسان ينام يستيقظ معه بكالوريا ؟ ليس معقولاً ، يستيقظ معه ليسانس ؟ يقول لك : ما نمت الليل سنوات طويلة من أجل الدنيا كيف الآخرة ؟

الدين قضية مصيرية :

 أخواننا الكرام ؛ البطولة أن تعمل للآخرة ، لأن الدنيا فانية ، هناك حكمة بالغة أتمنى أن أقولها لكم - قصة رمزية - إنسان من شدة فقره - إنسان جاهل بعيد عن الدين - قرر الانتحار ، جاءه عزرائيل قال له : لا تنتحر ، أنا أدلك على عمل تربح كثيراً منه ، قال له: ما العمل ؟ قال : اعمل طبيباً - مع الاستئذان من الأطباء الكرام - إذا زرت مريضاً وجدتني أمام رأسه لا تعالجه لأنه سيموت ، انسحب بانتظام ، وقل : هذا ليس اختصاصي واخرج ، وإن كنت عند رجليه صف له ما تريد فإنه سيشفى ، هذا طبق التعليمات يجده عند رأسه ، يقول : لا علاقة لي ، ليس اختصاصي ، وصار طبيباً مشهوراً ، ابنة الملك مرضت ، فجيء به ، وجد عزرائيل عند قدميها معنى هذا أنها ستشفى ، وصف لها دواء فشفيت ، قال الملك : من يشفي ابنتي سأزوجه إياها ، صار ولي العهد ، يوم الولاية جاءه ملك الموت وقال له : تفضل ، قال له : الآن ؟ من الأول كان أهون .
 ما معنى هذا ؟ أي يأخذ شهادات ، يتعين ، له دخل ، وبيت ، بدّل سيارته ، وسع بيته ، حسن أثاث البيت ، أقام علاقات جديدة ، خطه البياني صاعد ، ينتهي أجله ، هذا الخط الصاعد للصفر ، بثانية واحدة كل مكتسباتنا ، وكل مكانتنا ، وكل هيمنتنا ، منوطة بضربات القلب ، توقف القلب لم تعد تملك شيئاً ، معقول !! هذه مغامرة كبيرة ؟ إذا الإنسان ترك الآخرة كل ممتلكاته وكل مكانته وكل سلطته منوطة على دقات قلبه أو على سيولة الدم ، ما الجلطة ؟ تجمد الدم بأحد شرايين الدماغ ، هناك مغامرة كبيرة ، إذا الإنسان ألغى الآخرة من حساباته ، كل مكتسباته تنتهي بثانية واحدة ، لذلك الدين قضية مصيرية .

الله الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل القرآن :

 لذلك أخواننا الكرام ؛ الأنبياء والسابقون عليهم جميعاً صلوات الله جاؤوا أقوامهم ومعهم معجزات حسية ، معنى معجزة حسية أنها خرق لنواميس الكون ، لكن هذه المعجزة الحسية كتألق عود الثقاب يتألق وينطفئ ويصبح هذا العود المنطفئ خبراً يصدقه من يصدقه ، ويكذبه من يكذبه ، هذا وضع الأنبياء السابقين ، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين بعثته خاتمة البعثات ، كتابه خاتم الكتب ، فلا بد من أن تكون المعجزة علمية لا حسية لأنها تستمر ، بعض الأمثلة : عندما صعد رائد الفضاء إلى القمر ، صاح بأعلى صوته : لقد أصبحنا عمياً لا نرى شيئاً ، ما الذي حصل ؟ يبدو أنهم تجاوزوا طبقة الهواء ، طبقة الهواء التي تبلغ خمسة وستين ألف كم ، فلما تجاوزوا طبقة الهواء انعدم انتثار الضوء ، صار هناك ظلام دامس ، هذه الحادثة شهدناها قبل عشرين عاماً في المركبة أبولو 8، صاح بأعلى صوته : لقد أصبحنا عمياً لا نرى شيئاً ، نفتح القرآن :

﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾

[ سورة الحجر: 14-15]

 هذا يؤكد أن الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل هذا القرآن ، الإنسان اكتشف أشعة الليزر ممكن أن نقيس بعد القمر بالميلمتر بالليزر ، والآن مع كل مهندس جهاز ليزر ، تعمل ثمانية عشر متراً وسبعين سنتمتراً ، بعد اكتشاف أشعة الليزر تبين أن غور فلسطين أعمق نقطة في الأرض ، وأن معركة الفرس والروم تمت في غور فلسطين ، والله حينما قال :

﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ ﴾

[ سورة الروم: 2-4]

 في القرآن ألف وثلاثمئة آية كونية تتحدث عن الإنسان ، لأنه لا يوجد نبي جاء إلى الدنيا وإلا معه معجزة حسية والحسية كتألق عود الثقاب ، كتألق عود الثقاب يتألق وينطفئ، ويصبح هذا العود المنطفئ خبراً ، النبي صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين ، بعثته خاتمة البعثات ، كتابه خاتم الكتب ، فلا بد من الاستمرار ، لذلك كلما تقدم العلم اكتشف حقيقة، بعد مئة عام من تطوير علم الأجنة تبين أن جنس المولود - ذكر أو أنثى - لا علاقة للبويضة به إطلاقاً ، وإنما الذي يحدده الحوين المنوي ، افتح القرآن :

﴿ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى* مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى ﴾

[ سورة النجم : 45-46]

 من هذا النوع هناك ألف وثلاثمئة آية ، عندنا دليل مقنع ، و دليل قاطع ، القوانين فيها متغيرات ونتيجة ، نتيجة يشك بها ثلاثون بالمئة ، ثلاثون بالمئة وهماً ، خمسون بالمئة شكاً، سبعون ظناً ، تسعون غلبة ظن ، القطع مئة بالمئة ، أنا أتمنى ألا تقبل في الدين إلا علاقات قطعية ، هذا دين ، إن هذا العلم دين ، فانظروا عمن تأخذون دينكم ، فهذا الرائد قال : لقد أصبحنا عمياً ، معنى ذلك أنهم تجاوزوا طبقة الهواء ، إذاً القرآن الكريم من ألف وأربعمئة عام جاء بحقائق نكشفها نحن الآن .

توافق العلم مع الدين إنجاز كبير لأن الأصل وحي السماء :

 الشيء الدقيق أن هناك خطأ يقع به بعض المسلمين ، حينما يتوافق الدين مع العلم فهذا إنجاز كبير ، ليس الأصل هو العلم ، الأصل هو وحي السماء ، مثلاً إذا أيقظنا إنساناً من قبره ميتاً منذ خمسين سنة ، أطلعناه على قرص فيه خمسة عشر ألف عنوان ، كتاب الرازي يتألف من أربعين جزءاً ، سيدي واحد اسمه الموسوعة الشاملة فيه خمسة عشر ألف عنوان ، إذا قلنا لهذا الميت الذي أيقظناه من قبره لا يصدق ، لأن عقله مرتبط بواقعه ، واقعه ما كان فيه كومبيوتر ، الآن الكومبيوتر رفع الدقة من واحد لمليون ، نزل الجهد من مليون لواحد ، تطور من بسكليت إلى روز رايز ، نزل سعره من روز رايز لبسكليت ، وأنا أرى الآن أن الذي لا يتقنه يعد أمياً ، رؤية شخصية ، بعض الدول العربية بدأت تدخل إتقان الحاسوب في قبول الوظائف .
 على كلّ هذا الحاسوب قدم خدمات كبيرة جداً ، لكن مرة أنشؤوا برنامجاً للزواج ، يأتي طالب الزواج يسأل ألف سؤال ، أسئلة دقيقة جداً ، تحب البيت ؟ تحب النزهة ؟ تحب المسرحية ؟ في أوربا ، يجيب ، من الإجابات تظهر له خارطة ، خارطة سمات ، كيف تفكر ، كيف تحاكم مبادئك ، قيمك ، أحضروا إنساناً آخر أخذوا خارطته و وضعوا الخارطتين عاموديتين مع بعضهما ، هذا يحب المطالعة وهذا يحب المطالعة ، وضعوا خطاً ، هذا يوم العطلة في البيت مع أولاده وزوجته وضعوا خطاً ، هذه الخطوط العرضية كلما كثرت بين شخصيتين كان الحب بينهما ، هذا قانون الحب ، إذا كان هناك توافق ثمانية و ستين من مئة نقطة بين الشخصيتين فهذا جيد ، التوافق سبعون كان الحب أكثر ، لذلك هذا الجهاز استخدموه في الزواج ، يأتي إنسان يأخذ رقماً سرياً ، يسأل مئة سؤال يغيب شهراً ، يدخل الرقم السري يخبرونه عن أقرب إنسانة له ، عندهم مئتا فتاة ، لكن له أخطاء طفيفة أحياناً يعطيه اسم رجل وليس امرأة .
أخواننا الكرام ؛

﴿ تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة الجاثية : 6]

 أي القناة النظيفة الوحيدة لمعرفة الله آيات الله ، الآيات أنواع كونية وتكوينية وقرآنية،

﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾

 الكونية ، التكوينية أفعاله ، باخرة عملاقة التيتانيك عام ألف وتسعمئة واثني عشر ، طبعت لها مطبوعة صغيرة ، في هذه المطبوعة : إنَّ القدر لا يستطيع إغراق هذه السفينة ، في أول رحلة من رحلاتها غرقت ، وكان فيها أغنياء أوربا الذهب الذي اكتشف قبل فترة قصيرة بالمليارات ، لذلك فعل الله هو النافذ ، هذا هو التوحيد ، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد ، كل شيء وقع أراده الله ، وكل شيء أراده الله وقع ، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة ، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق .

الدين سعادة و نجاح :

 أخوتي الكرام ؛ هذا الدين سعادة ، هذا الدين نجاح ، تفوق ، نجاح أسري ، سرور ، نجاح بالعمل ، بالدراسة ، إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ ويا رب ماذا وجد من فقدك ؟ وماذا فقد من وجدك ؟

(( إني والإنس والجن في نبأ عظيم ، أخلق ويعبد غيري ، وأرزق ويشكر سواي، خيري إلى العباد نازل ، وشرهم إليّ صاعد ، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم ، ويتبغضون إليّ بالمعاصي وهم أفقر شيء إليّ ، من أقبل علي منهم تلقيته من بعيد ، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب ، أهل ذكر أهل مودتي ، أهل شكري أهل زيادتي ، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي ، إن تابوا فأنا حبيبهم ، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب ، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد ، والسيئة بمثلها وأعفو ، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها))

[البيهقي والحاكم عن معاذ، والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرداء ]

(( ليس كل مصلٍّ يصلي ، إنما أتقبل صلاة ممن تواضع لعظمتي ، وكف شهواته عن محارمي ، ولم يصر على معصيتي ، وأطعم الجائع ، وكسا العريان ، ورحم المصاب ، وآوى الغريب كل ذلك لي ، وعزتي وجلالي إن نور وجهه لأضوأ عندي من نور الشمس على أن أجعل الجهالة له حلماً ، والظلمة نوراً يدعوني فألبيه ، ويسألني فأعطيه ، ويقسم علي فأبره ، أكلؤه بقربي ، وأستحفظه ملائكتي ، مثله عندي كمثل الفردوس لا يمس ثمرها ولا يتغير حالها ))

[ أخرجه الديلمي عن حارثة بن وهب ]

 أخوتي الكرام ؛ حفظ الله جميعاً لكم إيمانكم ، وأهلكم ، وأولادكم ، وصحتكم ، ومالكم، أما أغلى دعوة فاستقرار بلادكم .