(13) : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ج1- علة خيرية هذه الأمة الأمر بالمعروف .

2014-09-13

مقدمة :

المذيع:
 أعزائي المشاهدين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، مرحباً بكم إلى حلقة جديدة من :"عطر السنة" نستنشق في هذه الحلقة من فم أستاذنا الكريم الدكتور محمد راتب النابلسي ، حديثنا أعزائي المشاهدين عن : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حديث حذيفة بن اليمان قال النبي صلى الله عليه وسلم :

(( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَرِ ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ ، ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ ))

[ الترمذي عن حذيفة بن اليمان]

 أستاذنا الكريم أرحب بكم مرة أخرى ، في ظلال هذا الحديث النبي صلى الله عليه وسلم :

(( ... لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ...))

[ الترمذي عن حذيفة بن اليمان]

 يشدد على الأمر بالمعروف .

الأمر بالمعروف و النّهي عن المنكر :

الدكتور راتب :
 هذا الحديث الشريف يذكرني بقوله تعالى :

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾

[ سورة آل عمران: 110 ]

 العلماء قالوا : كنتم تعني أصبحتم بالذات ، أي أصبحتم بهذه البعثة خير أمة أخرجت للناس ، هذه الخيرية لها علة ، قال تعالى :

﴿ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾

[ سورة آل عمران: 110 ]

 الذي يلفت النظر لمَ سمي المعروف معروفاً ؟ لأن الفطر السليمة تعرفه ابتداء ، ولمَ سمي المنكر منكراً ؟ لأن الفطر السليمة تنكره ابتداء من دون تعليل ، مثلاً إنسان يسكن في جزيرة مع أمه ، الباخرة غرقت فالتجأ مع أمه إلى هذه الجزيرة ، وصاد أرنباً وشواه وأكله وحده يشعر بانقباض شديد لأنه خالف الفطرة ، خالف المنهج ، والذي أراه وأرجو أن أكون على صواب أن كل شيء أمرك الله به برمجك على محبته :

﴿ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ﴾

[ سورة الحجرات: 7]

 وكل شيء نهاك عنه برمجك على كراهيته ، فلذلك لولا هذا التطابق التام بين منهج الله وبين فطرة الإنسان ما كان هناك شيء اسمه كآبة في الأرض .
المذيع:
 أستاذنا هناك حديث يؤكد هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم :

(( ...البر حسن الخلق ، والإثم ما حاك في صدرك ، وكرهت أن يطلع عليه الناس))

[ مسلم عن النواس]

توافق العمل الذكي مع العمل الإيماني في النتائج واختلافهما في البواعث :

الدكتور راتب :
 إذاً المعروف تعرفه الفطر السليمة ابتداء ، والمنكر تنكره الفطر السليمة ابتداء ، فذلك :

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾

[ سورة آل عمران: 110 ]

 ديننا دين الفطرة تماماً ، لكن هناك ذكاء وهناك تقوى ، لو عينّا مدير شركة أو مؤسسة إنساناً متخصصاً بأعلى اختصاص بإدارة الأعمال ، وسجلنا كل حركاته وسكناته ، ولو اخترنا إنساناً مؤمناً وسجلنا كل حركاته وسكناته ، نفاجأ أن النتائج متشابهة ، لكن البواعث مختلفة ، العمل الذكي يتوافق مع العمل العبادي في النتائج ويختلف عنه في الدوافع ، فدافع الذي يتقن عمله من أجل أن يبقى في هذا المنصب ، من أجل أن يربح أرباحاً طائلة من هذا المنصب ، هذا دافع ، والمؤمن يفعل شيئاً آخر ، يفعل كما فعل الأول ولكن بدافع طاعة الله عز وجل ، فالمؤمن يربح الدنيا والآخرة ، لذلك ما أحسن عبد من مسلم أو غير مسلم إلا وقع أجره على الله في الدنيا أو في الآخرة ، العمل الطيب عند الله محفوظ ، ولكن بين أن تأخذ جزاءك في الدنيا وبين أن تأخذ جزاءك في الدنيا والآخرة معاً ؟! فلذلك العمل الذكي يتوافق مع العمل الإيماني في النتائج والاختلاف في البواعث .
المذيع:
 نعود إلى نص الحديث أستاذنا ، قال النبي صلى الله عليه وسلم :

(( ... لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَرِ ... ))

[ الترمذي عن حذيفة بن اليمان]

 هما وجهان لعملة واحدة ، مع أن هناك معروفاً هو الدعوة إلى الله وهناك منكراً .

الانتماء إلى مجموع المؤمنين و الاهتمام بهم :

الدكتور راتب :

(( كيف بكم إذا لمْ تأمروا بالمعروفِ ولم تَنْهَوْا عن المنكر ...))

 الصحابة كأنهم صعقوا ...

(( ...قالوا : أو كائن ذلك يا رسول الله؟ قال : وأشدّ منه سيكون ، قالوا : وما أشدّ منه ؟ قال : كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف ؟ قالوا : أو كائن ذلك يا رسول الله ؟ قال : وأشدّ منه سيكون ، قالوا : وما أشدّ منه ؟ قال: كيف بكم إذا أصبح المعروف منكراً ، والمنكر معروفاً ؟))

[ ابن أبي الدنيا وأبو يعلى الموصلي في مسنده عن أبي أمامة]

 وهذه أخطر مرحلة تمر بها الأمة ، أنا أسميها : تبدل القيم ، فهذا الشاعر الذي هجا الزبرقان :

دع المكارم لا ترحل لبغيتها  و اقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
***

 هذا عدّ أهجا بيت قالته العرب ، ودخل صاحب هذا البيت السجن في عهد عمر ، فإذا كان هذا البيت من الشعر هدف كل إنسان الآن ، هذه مشكلة كبيرة جداً ، ما دام دخله كبيراً، زوجته أمامه ، أولاده أمامه ، بناته أمامه ، مركبته فارهة ، يقول لك : من بعدي الطوفان، هذه حالة خطيرة جداً في حياة الأمة ، حينما تكون الأهداف فردية فقط ، لذلك أقول : حينما تحمل همّ الأمة ، حينما تهتم بالشأن العام ، ترقى عند الله ، فإذا اكتفيت بهمومك الشخصية وتحمل همّ دخلك فقط ، وأولادك ، ولا تعنى بالشأن العام إطلاقاً ، فهذه وصمة عار بحق الإنسان ، فمن لم يهتم بالشأن العام ، بشأن أمته ، مصيرها ، قضاياها الكبيرة ، بشأن كيف تقاوم أعداءها ، لن ينتمي إلى مجموع المؤمنين ، والدليل :

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾

[ سورة الحجرات: 10 ]

 أي وما لم يكن انتماؤك إلى مجموع المؤمنين فلست مؤمناً .
المذيع:
 أستاذنا هذا الحديث يؤسس إلى مسألة المسؤولية عن الأمة ، وليس الأنانية ، لكن هناك الكثير من المتدينين يعتقدون أن النجاة فقط في شخصه و لشخصه ، يعتقد ويظن وربما عنده اعتقادات جازمة جداً أن عليك بخاصة نفسك ، ولا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم .
الدكتور راتب :
 الجواب :

﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ﴾

[ سورة الأنفال: 25 ]

 أنا حينما أرى إحدى قريباتي بثياب متفلتة تماماً ، وأثني عليها ، وعلى جمالها ، وعلى أناقتها ، بعد حين سوف أضطر أن أساير ابنتي في تقليد ابنة عمتها ، أو خالتها ، فحينما لا أهتم بالشأن العام يأتي الخطر إلى بيتي :

﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ﴾

[ سورة الأنفال: 25 ]

المذيع:
 الآية الثانية في القرآن الكريم :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ﴾

[ سورة المائدة: 105 ]

 كيف نفهم هذا التوجيه ؟

تطبيق منهج الله و الاستقامة على أمره في كل الأحوال :

الدكتور راتب :
 أنا أفهم هذه الآية كما يلي : عليكم أنفسكم أي فكروا ، اعتنوا بأنفسكم ، بإيمانكم ، بدينكم ، بطاعتكم لله ، أما إذا قال لي من يريد أن يتفلت من منهج الله : الأمة كلها كذلك ، فهذا المبرر لا يكفي كي تدع منهج الله عز وجل ، عليكم أنفسكم بطاعة الله ، والاستقامة على أمره ، والعمل الصالح له ، والعمل للدار الآخرة ، أما إذا رأيت معظم الناس قد تفلتوا فهذا ينبغي ألا يكون مبرراً لكم لعدم تطبيق منهج الله .
المذيع:
 أستاذنا المعاصي في الحياة الاجتماعية والحياة إجمالاً كثيرة جداً ، ما الذي نستطيع أن نغيره فيها ؟

ديننا دين جماعي وفردي معاً :

الدكتور راتب :
 الحقيقة أن هذا الدين من عظمته أنه دين فردي وجماعي معاً ، فإذا طبقته الأمة قطفت ثماره يانعة ، أما إذا طبقه الفرد فوحده سيقطف كل ثماره الفردية ، لذلك المؤمن يقطف ثمار الدين الفردية قطعاً :

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾

[ سورة الأنعام: 132]

 فأنا أرى أن الإنسان حينما لا يستطيع أن يبدل منهج البشر أو منهج أمته بأكملها بإمكانه أن يطبق الجانب الشخصي ، ديننا دين جماعي ودين فردي تطبقه الأمة تنتصر ، يطبقه الفرد وحده يقطف كل ثماره الفردية ، فالثمرة موجودة دائماً .
المذيع:
 ولذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أقل مراتبه المحافظة على الأنوية الحية التي سوف تنتج خلايا حية ، ثم هذا الجسم المريض سيصبح جسماً معافى إن شاء الله .

الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر عطاء كبير جداً :

الدكتور راتب :

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾

[ سورة الطور: 21 ]

 فالإنسان حينما يعمل عملاً صالحاً هذا ربما قلده به أناس آخرون أعمالهم في صحيفته ، هناك قضية أن كل أمر بالمعروف ونهي عن المنكر يكسب الأجر من أمر ومن نهى كما لو فعل هذا الأمر و النهي ، هذا عطاء كبير جداً .

خاتمة و توديع :

المذيع:
 بارك الله بكم أستاذنا ، الحقيقة الوقت يمشي بسرعة لم يبق من الوقت إلا أن نشكرك أشدّ الشكر ، أستاذنا الكريم وأنتم أعزائي المشاهدين أشكركم على حسن المتابعة ، ألقاكم في حلقة قادمة ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .