الدرس ( 23 ) : الحديث الشريف ( إنَّ المُقْسِطِينَ عند الله على مَنَابِرَ من نُورٍ.....)

2014-07-21

 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد ، وعلى آل بيته الطيّبين الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين ، أمناء دعوته ، وقادة ألوِيَتِه ، وارضَ عنّا وعنهم يا ربّ العالمين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم ، إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وُحول الشهوات إلى جنّات القربات.

الأرض في الدنيا يرثها من يحسن إدارتها :

 أيها الأخوة الكرام ، قبل ان أبدأ الموضوع المقرر تعليق سريع على آية تليت بالصلاة :

﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ﴾

[ سورة الأنبياء: 105]

 الذي يلفت النظر أن المفسرين فسروا كلمة

﴿الصَّالِحُونَ﴾

 لا بالصلاح الديني ولكن بالصلاح في إدارة الأرض ، وكأن الأرض في الدنيا يرثها من يحسن إدارتها ، الدنيا لا الآخرة ، الدنيا تصلح بالكفر والعدل - كلام ابن تيمية- ولا تصلح بالإيمان والظلم :

﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ﴾

[ سورة الأنبياء: 105]

 فالعبد الذي يصلح لإدارة الأرض الإدارة المادية هو الذي يتولاها ، فلذلك حينما يحسن إدارة الأرض يستخلفه الله ، الآية الدقيقة جداً :

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 هذا قانون ، الإشارة إلى هذا القانون :

﴿ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾

[ سورة النور: 55 ]

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 وأنا أنطلق دائماً من أن الحقيقة المُرّة أفضل ألف مَرّة من الوهم المريح ، نحن لسنا مستخلفين في الأرض هذه حقيقة مرة :

﴿ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 والدين الإسلامي ليس ممكناً في الأرض لكنه يواجه حرباً عالمية ثالثة كانت قبل حين تحت الطاولة والآن فوق الطاولة جهاراً نهاراً ، أي انتخابات تفرز إنساناً إسلامياً تلغى ، في الجزائر ، في مصر هكذا ، إذاً الدنيا تصلح بالكفر والعدل ولا تصلح بالإيمان والظلم ، هذا شأن الدنيا ، الآخرة لها نظام آخر .

الحق واحد و الباطل متعدد :

 أيها الأخوة الكرام ، أنطلق في موضوع اليوم من أن عمر الإنسان قصير ، سنوات، ولأن عمره قصير لا يستطيع أن يستوعب الباطل ، أولاً : ارسم بين نقطتين خطاً هذا الخط مستقيم لو أردت أن ترسم خطاً مستقيماً آخر بين هاتين النقطتين يأتي الثاني فوق الأول تماماً والثالث فوق الثاني ، لو رسمت مليون خط مستقيم بين نقطتين كل هذه الخطوط تأتي فوق بعضها بعضاً لأن الحق لا يتعدد ، لذلك الحرب بين حقين لا تكون ، لأن الحق لا يتعدد، و الحرب بين حق وباطل لا تطول لأن الله مع الحق ، و الحرب بين باطلين لا تنتهي ، فإذا كانت الحرب بين فئتين لا تنتهي معنى ذلك أن كلا الطرفين ليس على الحق ، الحرب بين حقين لا تكون ، و بين حق وباطل لا تطول ، وبين باطلين لا تنتهي ، الحقيقة العمر قصير ، ومعنى قصير أن عمر الإنسان لا يستطيع أن يستوعب الباطل ، فإذا رمزنا إلى الحق بخط مسقيم بين نقطتين ، لو أجرينا محاولات لا تنتهي لحق آخر لا يوجد حق آخر لأن الحق واحد ، لكن ممكن أن نرسم مليون خط منحن ومنكسر بين نقطتين ، فالباطل متعدد ، فالآية الكريمة ملمح دقيق :

﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾

[ سورة الأنعام: 153 ]

 الحق واحد ، و الباطل متعدد ، هناك مليون باطل ، كل إنسان يفكر تفكيراً بخلاف منهج الله فتفكيره باطل ، والانحراف أنواع ، فلذلك الحرب بين حقين لا تكون ، و بين حق وباطل لا تطول ، وبين باطلين لا تنتهي .

على الإنسان اصطفاء الشيء النافع لأن العمر قصير :

 ما دام العمر قصيراً فلا بد من أن أختار في هذا العمر القصير الموضوع الغير متعدد وهو الحق ، العمر يكفي لاستيعاب الحق ، وكل ما سوى هذا الحق باطل ، الحق واحد، فالبطولة لا أن أجهد في استيعاب الباطل ، أنا أقول لكم : ولا مليون سنة الآن تكفي لاستيعاب الباطل ، هناك مليون باطل ، باطل عقدي ، باطل سلوكي ، باطل اجتماعي ، باطل نفسي ، بالمناسبة الحق ورد في القرآن مئات المرات ، الحق الشيء الثابت والهادف ، أحياناً ننشئ جامعة ، بناؤها جيد جداً من الحجر ، لأن هذه الجامعة ممكن أن تدوم خمسمئة عام ، هناك جامعات في أوربا عمرها خمسمئة عام لكن إنشاء السيرك من قماش عمره يقدر بأسبوعين أو ثلاثة ما من داع للبناء ، السيرك بناء مؤقت فالباطل كالسيرك والحق كالجامعة :

﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ﴾

[ سورة الأنبياء: 105]

 لإدارتها ، فلذلك ما دام العمر محدوداً فيجب أن أختار مثال الذي ينزل بالمظلة يمكن أن يجهل شكل المظلة ، يا ترى هل شكلها دائري ؟ بيضوي ؟ مربع ؟ مستطيل ؟ يمكن أن يجهل نوع القماش ، خيوط صناعية أم طبيعية ، يا ترى ما نوع القماش ؟ خيط طبيعي أم صناعي ؟ ما لونها ؟ لا يعلم ، كم عدد الحبال ؟ عشر معلومات لا يعلمها إطلاقاً ، لكنه إذا جهل شيئاً واحداً ينزل ميتاً ، طريقة فتحها ، هذا ما سماه العلماء ما ينبغي أن يُعلم بالضرورة .
 بحياتنا مليون مليون معلومة أنا بحاجة إلى معلومة تصل بي إلى الجنة ، فأنا يجب أن أصطفي ، بالمناسبة ما كل كتاب يقرأ ، ما كل قصة تقرأ ، أنا عمري محدود ينبغي ان أختار الشيء النافع .
 مثل آخر : مكتبة من الأرض إلى السقف أربعة جدران وأنا عندي بعد أسبوعين امتحان بمادة صعبة جداً ، ولهذه المادة الصعبة كتاب مقرر ، وهذا الكتاب أحد كتب هذه المكتبة ، فأنا بطولتي لا أن أختار قصة من هذه المكتبة وأقرأها ، يجب أن أختار الكتاب المقرر .
 لا بد من أن تصطفي ما تقرأ ، ما تشاهد ، لا بد من أن تصطفي الصديق الذي تنتفع به ، لا تصاحب إلا من ينهض بك إلى الله حاله ، ويدلك على الله مقاله ، صاحب إنساناً تنتفع بعلمه أو بأخلاقه ، العمر قصير ، والأمد دقيق ، والمهمة كبيرة جداً ، فهذا الإنسان حينما يعلم قيمة الوقت يفلح .

الربح في الدنيا أن أهتم بكل شيء ينفعني :

 عندنا علم اسمه إدارة الوقت ، الوقت يدار إدارة ذكية ننتفع بكل ثانية ، وإدارة غبية، فهذا الوقت ينفق استهلاكاً ، أو ينفق استثماراً :

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾

[ سورة العصر: 1-2]

 جواب القسم خاسر لأن مضي الزمن يستهلكه ، لكنه ينجو من هذه الخسارة :

﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة العصر:3]

 هذا الكلام لكل واحد من الأخوة الحاضرين وأنا معكم : أي عمل أفعله ، أي نشاط أمارسه ، أي موضوع أهتم به ، يجب أن يكون ضمن الخطة التي أرادها الله عز وجل ، فلا بد من أن أكون رابحاً في الدنيا ، الربح في الدنيا أن أهتم بموضوع ينفعني ، أن أهتم بالكتاب المقرر ، إنه القرآن الكريم ، هذا الكتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، القرآن كون ناطق ، والنبي قرآن يمشي ، والكون قرآن صامت ، هذا الكتاب منهجنا ، هذا الكتاب طريقنا ، هذا الكتاب من عند الخالق ، فيه تعليمات التشغيل والصيانة ، كل واحد منكم لو اشترى آلة بالغة التعقيد غالية الثمن عظيمة النفع ، مثلاً الآن هناك أجهزة لتحليل الدم تأخذ نقطة دم من المريض توضع في الجهاز بضغطة على الزر يعطيك اثني عشر تحليلاً بثانية ، إذا كان عندك مئتا مريض باليوم ، وكل مريض ألف ، وكل ألف كبسة زر ، هذا الجهاز مهم جداً ، لو أن الشركة أرسلت لك هذا الجهاز ولم ترسل تعليمات التشغيل فهناك مشكلة كبيرة إن شغلته من دون تعليمات أفسدته ، وإن خفت عليه جمدت ثمنه ، أليست هذه التعليمات أهم من الجهاز ؟ دقق في قوله تعالى :

﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

[سورة الرحمن: 1-3]

 أيعقل أن يعلم الإنسان القرآن قبل أن يخلق ؟ مستحيل ، العلماء قالوا : هذا ترتيب رتبي لا ترتيب زمني ، أي لا معنى لوجود الإنسان من دون منهج يسير عليه ، هذا المنهج من عند الصانع ، والجهة الوحيدة التي ينبغي أن تتبع تعليماتها هي الجهة الصانعة الوحيدة :

﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

[ سورة فاطر : 14 ]

من حرص على سلامته و سعادته اتبع تعليمات الصانع :

 سامحومني بهذه الكلمة انطلاقاً من أنانية الإنسان ، من حبه لذاته ، من حرصه على سلامته وسعادته ، ينبغي أن يتبع تعليمات الصانع ، ليس موضوع أنا عبدت الله ، أنا استقمت ، أنا عملت ، أنت أغلى آلة في الأرض ، أعقد آلة في الكون ، تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز، ولهذه الآلة صانع عظيم ، ولهذا الصانع العظيم تعليمات التشغيل والصيانة ، فانطلاقاً وأكرر مرة ثانية من أنانيتك ، من حبك لذاتك ، من حبك لسلامتك ولسعادتك ، ينبغي أن تتبع تعليمات الصانع ، بربكم إنسان يمشي بفلاة وجد لوحة كتب عليها : حقل ألغام ممنوع التجاوز ، هل تعد هذه اللوحة حداً لحرية هذا الإنسان أم ضماناً لسلامته ؟ في اللحظة التي تتيقن فيها أن هذا الشرع ضمان لسلامتك ، ضمان لسعادتك ، ضمان لاستقرارك ، ضمان للتوفيق ، ضمان للنجاح ، يا أخوان النجاح مسعد جداً ، وهذه الدنيا كما قال الله عز وجل :

﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾

[ سورة الرحمن: 46]

 بعض علماء التفسير قالوا : جنة في الدنيا وجنة في الآخرة . أقول لكل أخ كريم : إذا طبقت منهج الله إن لم تقل : أنا أسعد إنسان على وجه الأرض إلا أن يكون أحد هؤلاء البشر أتقى مني ففي إيمانك خلل ، أنا أسعد إنسان ، الدنيا جنة ، رائعة في طاعة الله ، شاب ضبط نفسه قبل الزواج ، الله رزقه زوجة صالحة ، كنت مرة في تركيا وأوصلني أخ كريم إلى المطار ، الذي أوصلني سائق السيارة صديقه لا يتكلم العربية قلت له : اسأل صديقك هل هو متزوج ؟ سأله قال : لست متزوجاً ، قلت له : قل لصديقك : الشيخ يدعو لك بزوجة صالحة تسرك إن نظرت إليها ، وتحفظك إن غبت عنها ، وتطيعك إن أمرتها ، فقال له : أتمنى أن أوصله إلى الشام لا إلى المطار .
 إذا إنسان وفق بزواجه أنا أتكلم مع الشباب :

(( إِنَّ الدُّنْيَا كُلَّهَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ ))

[النسائي عن عمرو بن العاص ]

 فإذا غض الإنسان بصره ، و ضبط نفسه - أنا أخاطب الشباب - أكبر مكافأة له زوجة صالحة ، يسعد بها وتسعد به .

بطولة الإنسان أن يبحث عن الحقيقة في وقت مبكر :

 فيا أيها الأخوة الكرام ، نحن نتمنى أن هذا العمر المحدود أن نشغله بالشيء النافع بعد الموت ، أنا أمشي بطريق ، أنا أستهلك الزمن إنفاقاً استهلاكياً كشأن معظم الناس ، نأكل ونشرب ونسمر ليلاً وننام ، و نفعل ذلك أيضاً في اليوم الثاني إلى أن نفاجأ بعرض صحي طارئ ينتهي بالموت ، ماذا يوجد في المطارات ؟ بوابات خروج ، وكل واحد منا له بوابة خروج يخرج منها ، فالبطولة أن نعيش هذا الحدث الخطير ، النقلة من فوق الأرض إلى تحت الأرض، النقلة إلى الدار الآخرة ، هذه تحتاج إلى إعداد ، والإعداد ضمن إمكانيتك :

﴿ لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا ﴾

[ سورة البقرة: 286 ]

 ما من شهوة - والكلام للشباب - أودعها الله فيك ، إلا جعل لها قناة نظيفة تسري خلالها ، ما من شهوة أودعها الله بالإنسان إلا جعل لها قناة نظيفة تسري خلالها ، فالبطولة أن تبحث عن الحقيقة في وقت مبكر ، أي ما من شيء أحب إلى الله تعالى من شاب نشأ في طاعة الله .
 أول حياتك أنت الآن تخطط لحياتك قد يكون زواجك إسلامياً ، فيه سعادة ، فيه طهر ، فيه راحة نفسية ، تخطط لعمل ينفع الناس ، هناك أعمال تؤذي الناس لا تنفعهم ، وهناك أعمال تنفعهم ، وأنا أقول لك كلمتين أيها الشاب : ألصق شيء بحياتك زوجتك وحرفتك ، فإذا أحسنت اختيار الزوجة والحرفة نجحت في الدنيا ، والنجاح في الدنيا ضمن منهج الله أحد أسباب النجاح في الآخرة .