قوانين القرآن الكريم - الدرس : 05 - قانون الالتفاف والانفضاض

2007-09-24

 

 

 

  الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
مقدمة:
 أيها الإخوة، مع درس جديد من دروس سنن الله في خلقه، وقانون اليوم قانون الالتفاف والانفضاض، وما أهمية هذا القانون ؟.

1 – الإنسان مخلوق للجنة:

 الإنسان أيها الإخوة حينما يؤمن إيماناً يقينياً بحسب القرآن الكريم أنه مخلوق للجنة، وأن في الجنة:

(( مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة ]


 وأن هذه الحياة الدنيا حياة دنيا، زائلة، لا قيمة لها، فعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ ))

 

[ رواه الترمذي ]


 وأن هذه الدنيا ممر، وليست مقرا، وأنها دار تكليف لا دار تشريف، وأنها دار عمل لا دار أمل، وأن هذه الدنيا مزرعة الآخرة، وأن هذه الدنيا فيها جنة هي جنة القرب.
حينما يؤمن الإنسان أنه مخلوق للجنة، وأن أكبر فوز يفوزه هو إذا:

 

 

﴿ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ ﴾

 

( سورة آل عمران الآية: 185 )


 وأن أكبر خسارة يتحملها إذا خسر الدار الآخرة.

 

﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾

( سورة الزمر الآية: 15 )

 

2 – لابد للإنسان من الإحسان إلى الخَلق:

 إذا آمن أنه مخلوق للجنة، وهو الآن في الدنيا، ما هو أفضل عمل على الإطلاق ؟ أن يعمل عملاً يؤهله لدخول الجنة، هذا العمل متعلق مع البشر، إذا كان صادقاً أميناً، مخلصاً، عدلاً، رحيماً، وقافاً عند حدود الله، هؤلاء البشر مهمتك الأولى أن تدلهم على الله، فلابد من أن يلتفتوا حولك.

قانون الالتفاف والانفضاض:

1 – أهمية قانون الالتفاف والانفضاض:

 هنا جاءت أهمية هذا القانون، الدعاة، المربون، أولياء الأمور، أيّ إنسان له منصب قيادي، أو عمل دعوي، بدءاً من الأب، وانتهاءً بأمير المؤمنين.
لذلك ما هو قانون أن يلتف الناس حولك ؟ وأن يحبوك، وأن يصغوا إليك، وأن يهتموا بكلامك ؟ وأن يطيعوا أمرك، يجب أن يلتفوا حولك، كيف يلتفون حولك ؟ الجواب في هذه الآية، أما إذا انفضوا من حولك فهل تستطيع أن تقدم لهم خدمة، أو أن تهديهم إلى سواء السبيل، أو أن تأخذ بيدهم إلى الله، أو أن يصدقوك.
لذلك الأب، الأم، المعلم، المؤمن، إي إنسان يحتاج لهذا القانون كي يتخذه سبباً للالتفاف الناس حولك.

2 – أعظمُ عملٍ هدايةُ الناس إلى الله:

 مثلاً النبي عليه الصلاة والسلام يقول: يا علي:

(( فَوَ اللَّهِ لَأَنْ يُهْدَى بِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ ))

[ متفق عليه عن سهل بن سعد]

 أعظم عمل على الإطلاق أن تأخذ بيد إنسان إلى الله، والله شكور.

 

(( خير له مما طلعت عليه الشمس ))

 

[ أخرجه الطبراني عن أبي رافع ]

 

(( خير لك من الدنيا وما فيها ))

 

[ تخريج أحاديث الإحياء للعراقي ]


 إذاً: أنا أخاطب من آمن بالله الإيمان الذي حمله على طاعته، ومن آمن باليوم الآخر الإيمان الذي متعه أن يؤذي مخلوقاً، أنه مخلوق للجنة، وأن ثمن الجنة يدفع في الدنيا، وأن أعظم ثمن، وأربح عمل أن تكون سبباً في هداية الخلق، وأن الخلق لا يهتدوا بك إلا إذا التفوا حولك، كيف يلتفون حولك ؟ هذا قانون الالتفاف، ولماذا ينفضون عنك، هذا قانون الانفضاض.

 

3 – البطولة أن تدخل الكلمة قلب السامع:

 

 فلذلك أيها الإخوة، البطولة لا أن تقول كلمة الحق، أن تدخل هذه الكلمة إلى قلب من يسمعك، البطولة لا أن تلقي كلاماً، أن تحدث تأثيراً، البطولة لا أن تعرض عضلاتك علينا، ولكن البطولة أن تأخذ بأيدينا إلى الله.
فلذلك أي إنسان بلغ درجة اليقين أنه مخلوق للجنة، وأن ثمن الجنة يدفع في الدنيا، وأن أعظم عمل في الدنيا أن تكون سبباً في هداية الآخرين، إنه قانون الالتفاف، وقانون الانفضاض.
أحياناً يشكي الزوج أن زوجته ليست معه، وأن أولاده ليسوا معه، أحياناً يشكو المعلم أن طلابه لا يلتفتون إليه، أحياناً يشكو المربي أن من حوله ليسوا كما ينبغي أن يكونوا، كل هذه المشكلات، وتلك الإيجابيات مذكورة في قانون الالتفاف والانفضاض.

أصلُ قانون الالتفاف والانفضاض في القرآن الكريم:

فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِك

 هذا القانون أيها الإخوة، يقول الله عز وجل يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام:

 

﴿ فَبِمَا رَحْمَة ﴾

( سورة آل عمران الآية: 159 )


الباء هنا باء السببية:

﴿ فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ﴾

( سورة النساء الآية: 160 )

هذه باء السبب.

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 159 )


 أي بسبب رحمة استقرت بقلبك يا محمد ﴿ لِنتَ لَهُمْ ﴾، من أين جاءته هذه الرحمة ؟ من اتصاله بالله.

حقائق قانون الالتفاف والانفضاض:

1 – مكارم الأخلاق مخزونة عند الله:

 

 الآن الحقيقة الأولى أن مكارم الأخلاق مخزونة عند الله تعالى، فإذا أحب الله عبداً منحه خلقاً حسناً، الأخلاق الأصيلة التي لا تتأثر لا بإقبال الدنيا، ولا بإدبارها، ولا بثناء الناس ولا بذمهم.
الأخلاق الأصيلة التي تقبل بها على الله، التي تعد قربة إلى الله.
الأخلاق الأصيلة تتأتى إليك من اتصالك بالله، ومستحيل أن تتصل بالرحيم وتكون قاسي القلب، مستحيل أن تتصل بالعدل وتكون ظالماً، مستحيل أن تتصل باللطيف، وتكون فظاً غليظاً، مستحيل.
لذلك علامة إيمان المؤمن، وعلامة إحكام صلته بالله أن يشتق الكمال من الله ، قال تعالى:

﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾

( سورة الأعراف الآية: 180 )


 يعني اتصلوا به، واشتقوا من كمال كمالاً ليكون هذا الكمال اتصالاً به ودعوتكم له.

 

﴿ فَبِمَا ﴾

 الباء باء السبب، أي: بسبب رحمة استقرت في قلبك يا محمد ، بسبب اتصالك بنا، اتصلت، في القلب في رحمة، ترحم أهلك، ترحم أباك، ترحم أمك ، ترحم زوجتك، ترحم أولادك، ترحم المريض إن كنت طبيباً، ترحم هذا الموكل إن كنت محامياً، ترحم صاحب هذه الأرض إن كنت مهندساً.

 

 

(( إن كنتم ترجون رحمتي فارحموا خلقي ))

 

 

[ رواه الديلمي عن أبي بكر ]

أيها الإخوة الكرام،

 

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ ﴾

2 – الرحمة تنعكس لينًا:

 القلب الرحيم ينعكس ليناً في المعاملة، والمؤمن الرحيم لطيف مؤنس، يألف ويؤلف، تحب من حولك، ترعى مصالحهم، تهتم بمشاعرهم، تحترمهم، توقرهم، لا تستعلي عليهم، لا تتطاول عليهم.

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ ﴾

هذا اللين انعكاس الرحمة، بالقلب في رحمة، بالسلوك في لين.
 عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى ))

[ البخاري ]

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ ﴾

3 – القلب القاسي ينعكس معاملة قاسية:

 بالمقابل ما سبب انفضاض الناس عنك ؟ تحمل شهادة عليا، طليق اللسان، المتكلم، معك الحجة والتحليل، ما معك أحد

﴿ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 159 )


 أي: لو كنت منقطعاً عنا، فإذا انقطع الإنسان عن الله عز وجل امتلأ قلبه قسوة، وهذه القسوة تترجم غلظة وفظاظة.

 

 

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِك فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 159 )

 هل تحب أن يلتف ابنك حولك ؟ كن ليناً معه، كن رحيماً به، كن منصفاً في عملك.
هل تحب أن تميل زوجتك إليك، وتطيعك، وتنفذ أمرك، وما تخونك، وما تفرط في مالك، وتكون طوع إرادتك ؟ كن لطيفاً معها.

 

4 – الرحمة ضرورية في قلب الإنسان:

بسبب رحمة استقرت بقلبك يا محمد،

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ ﴾

 أما إذا رأيت الناس قد نفروا عنك في قسوة، في غلظة، في فظاظة، فإن القسوة في القلب تترجم إلى غلظة وإلى فظاظة.
عن أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:

 

(( خَدَمْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ لِي: أُفٍّ، وَلَا لِمَ صَنَعْتَ ؟ وَلَا أَلَّا صَنَعْتَ ؟ ))

 

 

[ متفق عليه ]

 كان النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليناً، وكان يقول:

 

 

(( أكرموا النساء، فوالله ما أكرمهن إلا كريم، ولا أهانهن إلا لئيم ))

 

 

[ ابن عساكر عن علي بسند فيه مقال كبير ]


كان يسمي النساء المؤنسات الغاليات.
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ:

 

 

(( جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: تُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ، فَمَا نُقَبِّلُهُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوَ أَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ ؟ ))

 

[ متفق عليه ]


 يا إخواننا الكرام، مقياس دقيق دقيق، هل ترحم من حولك ؟ هل تشعر بدافع قوي إلى أن ترحم من حولك ؟ علامة إيمانك ورب الكعبة، أما القلب القاسي:

﴿ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ ﴾

( سورة الزمر الآية: 22 )


كل يدعي وصلاً بليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا
 هل في قلبك رحمة ؟ هل في قلبك رحمة لهرة ؟ هل في قلبك رحمة لنملة تصعد على المغسلة، وفتحت الماء وأغرقتها ؟ ما شاء الله، هناك إنسان يسمح لها أن تنقذ نفسها، والله رحمتك لنملة لا يضيع عند الله أجرها، ووالله إن المؤمن لا يستطيع أن يدوس نملة عن قصد.

 

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ ﴾


 المؤمن رحيم، المؤمن قلبه رحيم، المؤمن لطيف، المؤمن لين، المؤمن يحب من حوله.

 

 

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾

 لو كنت منقطعاً عنا لامتلأ قلبك قسوة، ولانعكست القسوة غلظة وفظاظة، عندئذٍ ينفض الناس عنك، هذا الكلام يحتاجه الأب، يحتاجه المعلم، يحتاجه المربي، يحتاجه الشيخ، يحتاجه الداعية، يحتاجه مدير المؤسسة، حتى تتحرك الفعاليات في المؤسسة براحة، وبنفس رضية، وبرغبة بالخدمة.
 كنت في بلد بعيد جداً، وهو متفوق في صناعة السيارات، زرت أحد المعامل، وأنبأني كبير المهندسين أن هذا البلد هو الأول في العالم في صناعة السيارات، ثم فوجئ أن على الطرقات كل عشر سيارات ثماني سيارات صنعت في اليابان، فقد غزيت هذه البلاد المتفوقة في صناعة السيارات في عقر دارها، كل عشر سيارات في أمريكا ثمانية من صنع اليابان، يقول لي هذا المهندس: أرسلوا خبراء إلى تلك البلاد، ليدرسوا أين التفوق، فوجئوا أنهم ليسوا متفوقين كالبلد الذي جاؤوا منها إطلاقاً، أين التفوق ؟ هكذا قال لي بالتعبير الأجنبي: سيسولوجي، أي اجتماعي، مدير المعمل يأكل مع العمال، يطمئنهم ، يرعى مصالحهم، يهتم بهم، المعمل لا يمكن أن يسرح عماله، هذا عامل ثابت، لا يسرح ، هذا الود الشديد بين مدير المعمل والعمال جعل هؤلاء العمال يتقنون عملهم إتقاناً بالغاً، وإتقان العمل انعكس رواجا لهذه السيارة، وانعكس مبيعات عالية جداً، بالحرف الواحد قال لي: سبب التفوق ليس تقنياً، ولكنه اجتماعي.
 أحيانا يستشير أب ابنه، فيرفع معنوياته، في الأعم الأغلب يصعب من تثق به أن يخونك، فهناك أب يمنح الثقة لابنه، وهناك أخ يمنح الثقة لأخيه، وهناك معلم يمنح الثقة لطلابه، ما دام هناك ثقة متبادلة، ما دام هناك رحمة، ما دام هناك لطف، ما دام هناك لين، ما الذي يمنع إذا كنت مدير مؤسسة كبيرا، وعندك مستخدم حاجب، أن تسأله: كيف الصحة يا بني ؟ هل أنت مرتاح ؟ هل أهلك بخير ؟ والله لا ينسى هذا شهرا، من كلمة واحدة.
أنا أذكر مرة أخا من إخواننا اشترى بيتا ببعض المدن خارج دمشق، قال لي: كلما آتي بحاجة للبيت يفتح جارنا من تحت فيعنني فيها، شيء جميل، يأتي لي بإبريق شاي، قال له: أنت من عرفك بي ؟ قال له: في الجامع، قال له: هل تحب أن أقول لك قصتي مع هذا الجامع ؟ قال له: تفضل، قال له: أنا لي ابن خال، ألح علي في حضور الدروس بشكل غير معقول، إلى أن أضجرني، فمرة أردت أن أستجيب له لأرتاح منه، جاء إلى الدرس، هو فقير جداً، ودخْله محدود جداً، جاء مرة واحدة ليتخلص من ابن خالته، وأحيانا كلمة تقرب إنسانا منك، وتجد هناك إنسانا أخذ لنفسه الكهنوت، والهيمنة، والسيطرة .
النبي كان يجلس مع الخادم، يمشي في الطريق استوقفته امرأة ضعيفة، فقيرة فوقف معها طويلاً يكلمها في حاجتها، معه عدي بن حاتم، ملِك، قال: والله ما هذا بأمر ملِك، هذا نبي، وليس ملِكا.
 لما دخل عليه سيدنا عمر رآه ينام على حصير، وقد أثر في خده الشريف، فبكى عمر، فقال له: يا عمر ماذا يبكيك ؟ قال له: رسول الله ينام على الحصير، وكسرى ملك الفرس ينام على الحرير ؟! قال يا عمر ـ دققوا ـ إنما هي نبوة، وليست ملكاً.
تتواضع، تلين مع الناس فيحبونك، ويلتفون حولك، ساعتئذٍ يصغون إليك، ساعتئذٍ ينتبهون إلى كلامك، ساعتئذٍ يستجيبون لك.

 

 

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ ﴾

 والله حدثني أخ، كان في بلد نفطي، والمدير قاسٍ جداً، إذا كان قرع الجرس لا يستطيع المدرس أن يشرب كأس ماء، فوراً إلى الدرس، قال لي: صببت كأس شاي، وهممت أن أشربه فقُرع الجرس، أمامه خادم يسمونه فراشا هناك، قال لي: أعطيته إياه، هذا الفرّاش ثاني يوم قال له: أنا هنا لي سنتين، ما أحد سلم علي، لماذا قدمت لي هذا الكأس من الشاي ؟ ماذا يقول له ؟ أنا لا أستطيع أن أشربه، لا، قال له: أنت واحد منا، فأحببت أن أضيفك، قال له: شكراً، أنا معي ماجستير، الفرّاش، قال لي: معقول ؟ ما صدّقه، ما عنده عمل في بلده، وما أتيح له إلا عمل فرّاش في بلدنا، قال لي: والله ما صدقته، دعيته إلى بيتي، أتيت له بموسوعة باللغة الإنكليزية، قال لي: قرأها كالبلبل، هو غير مسلم، قال لي: خلال سبع جلسات أسلم، وأسلم معه اثنا عشر رجلا، وصاروا يقيمون درسا أسبوعيا في البيت، هذا كان ثمنه كأس شاي.

 

 

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ ﴾

 ألا تحب أن تهدي من حولك، ألا تحب أن يكون الناس محبين لك ؟ لذلك:

 

 

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ ﴾


 اتصل بالله يمتلئ القلب رحمة، الرحمة تنعكس لينا، عندئذٍ يلتف الناس حولك، ولو لم تكن متصلاً بالله لامتلأ القلب قسوة، ومع هذه القسوة غلظة وفظاظة، فينفض الناس من حولك.
 أنت كأب يا ترى يكون العيد إذا دخلت إلى البيت، أم أما إذا خرجت منه ؟ هناك أب يكون العيد بخروجه من البيت، لأنه قاسٍ في البيت، كلامه قاس، فيه سبٌّ، يقول لابنه: أنت غبي، وأنت حمار، وأنت لا تفهم، وهناك أب يدخل إلى البيت فيكون العيد، يسأل عن أحوال أبنائه، كيف دروسك ؟ كيف مدرستك ؟ طمئني عنك، ما سمعت اليوم في دروسك ؟ هذا درس لنا كلنا، للأب، وللأم، وللمعلم، وللداعية.

 

 

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِك فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ ﴾

 

قانون الالتفاف الانفضاض يحتاجه كل إنسان:

 أيها الإخوة الكرام، هذا الموضوع يحتاجه كل إنسان:
ألا تحب أن تعمل عملاً صالحاً ؟
ألا تحب أن يهتدي الناس بك ؟
ألا تحب أن تكون هادياً مهدياً ؟
ألا تحب أن تكون داعية إلى الله ؟
أنت بحاجة إلى اتصال بالله، هذا الاتصال يجعل قلبك رحيماً، هذه الرحمة تنعكس ليناً، هذا اللين يجذب الناس إليك، ويلتفون حولك.

تعليق مهم:

هذا الخطاب للنبي، فما بالكُ بمَن هو دونه:

 تعليق الأخير: النبي ـ دققوا، نبي، ورسول، وسيد الأنبياء والمرسلين، وسيد الخلق، وحبيب الحق، وسيد ولد آدم، ويوحى إليه، ومعه القرآن، ومعه المعجزات، وكان جميل الصورة، وكان فصيح اللسان، وكان رحيماً، قال له: أنت يا محمد مع كل هذه الخصائص:

﴿ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِك ﴾

 يأتي الآن داعية ليس بنبي، ولا رسول، ولا يوحى إليه، ولا معه قرآن، ولا معه معجزة، ولا فصيح اللسان، وليس جميل الصورة، ومع ذلك هو غليظ.
هذا الكلام دقيق:

 

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِك فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ ﴾

بالبر يستعبد الحر.

 

 

(( بعثت بمداراة الناس ))

 

[ أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن جابر ]

المداراة، والحلم، واللطف، والذوق.
 هناك رجلان سوريان في لندن، لهم صديق بريطاني، كلما اقترب منهم يتكلمون بالإنكليزي، فلفت نظره ذلك، ما حصل ؟ قالا له، نبينا عليه الصلاة والسلام نهانا أن يتناجى اثنان دون ثالث، فإن هذا يحزنه، النبي حضاري، وأسلم، تأثرَ تأثرا بالغا، كلما اقترب منهم يتكلمون بالإنكليزي، إن كانوا وحدهم يتكلمون بالعربية، ما فهم ما السر حتى فهم توجيه النبي.

(( إذَا كُنْتُمْ ثَلاثَة فَلا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الآخَرِ حتَّى تَخْتَلِطُوا بالنَّاسِ مِنْ أجْلِ أنَّ ذلكَ يُحْزنُهُ ))

[ رواه البخاري ومسلم عن ابن مسعود رضي اللّه عنه ]


خاتمة:
 أيها الإخوة، كأب، كأم، والله هناك آباء الله هم من الذكاء والحكمة واللطف، إذ هو في الأسرة كقطعة من الجنة، البيت جنة، بطولتك إذا دخلت إلى البيت صار في البيت عيد، والعياذ بالله الرجل الثاني إذا خرج من البيت صار العيد، وإذا مرض هذا الأب، وكان قاسيا، وجاء الطبيب، وقال لهم: حالة عَرضية، كيف عرضية ؟! لا يريدونها عرضية، يريدونها القاضية، فبطولتك هذه الآية كأب، كأم، كمعلم، كمربٍّ، كمدير معمل، كمدير مؤسسة، كمدير مدرسة، أي منصب قيادي، بدءاً من الأب.