موضوعات إسلامية عامة - الدرس : 06 - الميزان في الشرع - منهج التلقي.

1998-12-23

منهج التلقي أخطر شيء في الدين :

 أيها الأخوة الكرام؛ الخطأُ في الميزانِ لا يُصحح بينما الخطأُ في الوزنِ لا يتكرّر، فأخطر شيء في الدين ألا يملكَ الإنسان الميزانَ الصحيح، هذا الميزان هوَ منهج التلقي، في الدين مقولاتٌ لا تُعدُ ولا تُحصى، مقولاتٌ كثيرةٌ جداً، وأنتَ أمام رُكام من هذه المقولات، في ألفِ وخمسمئة عام تقوّلَ المتقوّلِون، وتكلّمَ المتكلِّمون، وأدلى العلماء برأيِهم، أنتَ أمام زخم من المعلومات في الدين بحجم فلكي، فأنتَ كمُسلم أمام هذهِ المعلومات وتِلكَ المقولات ماذا تفعل؟ ماذا تأخُذ وماذا ترفُض؟ يجب أن تأخُذَ الذي تأخُذهُ بدليل، وأن ترفُضَ الذي ترفُضُهُ بدليل، إذا تمّت تربية المُسلم على هذا المنهج من الصعبِ جداً أن يُضلل، من الصعبِ جداً أن يعيشَ في الوهم، من الصعبِ جداً أن يُخطئ، العِبرة لا في المعلومات، العِبرة لا في المقولات، العِبرة في المنهج، في الميزان الذي تزينُ بِهِ كُل هذهِ المقولات، فكُل إنسان إذا أمسكَ بهذا الميزان سَعِدَ في الدُنيا والآخرة.
السؤال الآن ما هو الميزان؟ خطباء وعلماء وكُتُب ومقولات ومؤتمرات وتطرُفات وانحرافات وتُرّهات وأباطيل وحقائق.. كيفَ أُميّز بين كُلَّ هذهِ المقولات؟

 

المسلم أمام ثلاثة نصوص لا رابِع لها :

 أول شيء أيها الأخوة؛ المسلم أمام ثلاثة نصوص لا رابِعَ لها: النص الأول هو القرآن الكريم، القرآن الكريم هو قطعيُّ الثبوت، بعضُ آياتِهِ قطعيُّ الدلالة، وبعضُ آياتِهِ ظنيُّ الدلالة، الآياتُ ظنيّةُ الدلالة قليلةٌ جداً، إذا ما قُمنا بموازنتِها بالآيات قطعيّةُ الدلالة، الأمر والنهي، الفرض والحرام، والواجب والمندوب، والمُباح والمكروه، هذهِ كُلُها أوامر واضحة الدلالة لا تحتاج إلى مُفسّر إطلاقاً، فالإنسان عندما يملِك المنهج يملِك الوزن، النصّ الأول القرآن الكريم أنتَ أمام خِيار واحد أن تفهمَ مُراد الله منهُ، ولا تستطيع لا أن تُضيف ولا أن تحذف، أي خِيارُكَ مع النص الأول أن تفهَمَ مُرادَ الله مِنهُ.
 أمّا النص الثاني فهو كلامُ رسول اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم، الآن دققوا الحديث الشريف قطعيُّ الثبوت وظنيّ الثبوت، أي هناك متواتر، وهناك صحيح، وهناك حسن، وهناك ضعيف، وهناك موضوع، فالأحاديث ليست في مستوى واحد، بعضُها قطعيةُ الثبوت، وبعضُها ظنيُّ الثبوت، والشيء نفسُهُ في القرآن، الأحاديث بعضُها قطعيةُ الدلالة، وبعضُها ظنيّةُ الدلالة، في القرآن كُلّهُ قطعيُّ الثبوت، بعضُ آياتِهِ ظنيّةُ الدلالة وبعضُ آياتِهِ قطعيّةُ الدلالة ، أمّا في الحديث فبعضُ الأحاديث قطعيّةُ الثبوتـ وبعضُها ظنيّةُ الثبوت لم تثبُت عن رسول الله، وبعضُها قطعيّةُ الدلالة وبعضُها ظنيّةُ الدلالة.. هذا النص الثاني.. أنتَ مع النص الثاني يوجد عندك مهمتان، مع النص الأول القرآن الكريم لكَ مُهمة واحدة هي أن تفهَمَ ماذا أرادَ اللهُ بهذا النص، هذهِ مهِمَتُكَ، لكن مع النص الثاني مُهِمَتُكَ أن تتحققَ من صِحة الحديث أولاً ثُمَّ أن تفهمَ مُرادَ النبيُ مِنهُ ثانياً.
 النص الثالث أيُّ نصٍ آخر غيرِ نصِّ النبي والقرآن.. أيُّ نص آخر.. لو أنتَ أمام مليار عالِم، وكُل عالِم لَهُ ألف مؤلف، كُلُّ هذهِ النصوص في بند واحد - كلامُ غيرِ النبي - كلامُ اللهِ قطعيُّ الثبوت، ظنيُّ الدلالةِ وقطعيُها، كلامُ رسولِهِ ظنيُّ الثبوت وقطعيُّ الثبوت، ظنيُّ الدلالة وقطعي الدلالة، والنص الثالث كُل نص لغير النبي عليه الصلاة والسلام، لكَ معهُ ثلاث مُهِمات؛ المهمة الأولى أن تتحققَ من صِحة النص كالحديث، والثانية أن تفهمَ مُرادَ قائِلِهِ، أمّا الثالثة فأن تقيسَهُ بالكتاب والسُنّة، فإن وافَقَهُ فاقبله، وإن لم يوافِقهُ فاركله بقدمِك وانتهى الأمر،
 هذا هو منهجُ البحث الإسلامي، يوجد نص أبحثُ عن معناهُ فقط، ونص أتأكدُ من صِحتهِ وأبحثُ عن معناه، ونص أتأكدُ من صِحتهِ وأبحثُ عن معناه ثُمَّ أقيسُهُ بالنص الأول والثاني فإن وافقهما قبلتهُ، وإن لم يوافِقهما رفضته، يُلحقُ بهذا المنهج قاعدة ذهبية: إن كُنتَ ناقلاً فالصحة، مدعيّاً فالدليل .
 أي مُمكن أن تقرأ كتاباً دون أن تعرف من هوَ المؤلف وما هوَ الموضوع؟ تقول: أخي في الكتاب الفُلاني حديث، الحديث قد يكون غير صحيح:

(( إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ ))

[ مسلم، كتاب المقدمة عَنْ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ]

 ابن عمر دينك دينك، إنه لحمك ودمك، خُذ عن الذين استقاموا، ولا تأخُذ عن للذين مالوا.
 الخطأُ في الميزانِ لا يُصحح، أمّا الخطأ في الوزن فلا يتكرّر، لذلك المُبتدع لا تُقبل لَهُ توبة لأنّهُ يتوهّم أنهُ على حق، أمّا المُتّبع فلو أخطأ توبتُهُ سريعة، يتوبُ إلى اللهِ مباشرةً، فأنا أتمنّى على كُل أخ مؤمن أن يكونَ عِندَهُ ميزان، سَمَعَ قصة، أو قرأ كتاباً، أو سمَعَ شريطاً أن يعرف كيفَ يقبل وكيفَ يرفُض، لِمَ يقبل؟ ولِمَ يرفُض؟ يجب أن تقبل بالدليل وأن ترفُض بالدليل، بهذهِ الطريقة تُغلِقُ على الشياطين المداخل إليك.
 أمّا والله أيها الأخوة وأنا أتكلم لا من فراغ بل من واقع تجلس مع إنسان كُل أحاديثه الشريفة موضوعة ليسَ لها أصل، يبني عليها أوهاماً، فمِثل هذا الإنسان لو اتبع المنهج الصحيح، ذكرت اليوم في لقاء أنّهُ هل من الممكن أن يقرأ الإنسان مجلات طبيّة فيُصبح طبيباً؟.. مستحيل.. هذا العلم البعض أطلقوا عليه اسم " علم نتوشة "، شخص قرأ ثلاث أو أربع مجلات علمية، الطب منهج، الطب سنة علوم، تشريح، فيزيولوجيا، علم أمراض، علم أدوية... منهج متكامل...، فالإنسان إذا كان ضعيف المعرفة بأصول الدين ليسَ لهُ الحق أن يُدلي بدلوِهِ مباشرةً في فروع الدين، والمُشكلة الآن أيها الأخوة أنَّ أكثر هذه المحطات تُقيم ندوات دينيّة تُعالج فيها قضايا خلافية، والمشاهِدون والمستمعون لا يعرفون أصولَ الدين مباشرةً إلى قضاياهُ الخلافية، أي ممكن لإنسان لا يقرأ ولا يكتب يدخل معك في نقاش حولَ أنَّ هذهِ الحالة تحتاج إلى عمل جراحي، أو معالجة دوائية، هوَ لا يقرأ ولا يكتُب، وهذهِ قضية يُعالِجُها أطباء لا يُعالِجُها إنسان لا يقرأ ولا يكتُب، فصارَ هناكَ أُميّة في الدين.

 

منهج التلقي أهم من المعلومات :

 بالمناسبة قد تكون مثقّفاً ثقافة عالية، وتحمل أعلى شهادة، وأنتَ في الدين أُميّ، أنتَ عندما ترى تخطيط قلب لا تفهم منهُ شيئاً، فأنتَ أُمي أمامَ هذا التخطيط، كذلك المُثقّف غير المُطلّع على أمور الدين أُمي في الدين، فالمُشكلة أنَّ كُل اختصاصنا يُحترم إلا الدين كُل إنسان يُدلي برأيه، فتسمع مقولات، وشطحات، وأحاديث موضوعة، وآراء مُضحكة، وأحكاماً شرعية غير صحيحة، " إنَّ هذا العلمَ دين فانظروا عمّن تأخذون دينكم "، " ابن عمر دينك دينك إنه لحمك ودمك، خُذ عن الذين استقاموا ولا تأخُذ عن للذين مالوا ".
 نُحضر مثلاً بسيطاً؛ بائعو الأقمشة عندهم أثواب، على كُل ثوب متراج أي لُصاقة كُتِبَ عليها طول الثوب، ممكن أن تكون اللُصاقة غير صحيحة، ممكن للبائع أن يبيع خمسة أمتار دون أن يُغيّر اللُصاقة، فهذهِ اللُصاقة أصبحت كاذبة، مكتوب ثلاثة و عشرون متراً وهي ثمانية عشر متراً، ففي مصلحة القِماش هناك على كُل ثوب لُصاقة كُتِبَ عليها طول هذا الثوب، يا ترى تسأل أنت هذا الرقم صح أم غلط ماذا أفعل؟ أقول لكَ ببساطة: اشتر متراً وقُم بالقياس - هذا المثل دقيق جداً - فتعرف صِدق اللُصاقة من كذِبِها، أنا الذي أتمناه أن تُمسك بهذا المتر في الدين، أن يكون معك في الدين متر، فكُلما سمعتَ شيئاً تأتي بِهذا المتر وتقوم بالقياس، وتُجري مطابقة، القياس ثمانية عشر ومكتوب على البطاقة خمس عشرة إذاً كذب، القياس ثمانية عشر ومكتوب على اللُصاقة ثمانية عشر إذاً صحيح، إذا استطعت أن تحصل على المتر في الدين طبعاً - المتر سهل أن تشتريه في السوق - أُريد متراً في الدين لتعرف الصح من الغلط، والمقبول من المرفوض، الحُكم الشرعي الصحيح من الحُكم الشرعي المغلوط، فهذا يكون أكبر إنجاز، وأنا أُسميه الآن منهج التلقي.
 منهج التلقي أهم من المعلومات، أي إذا شخص ميزانُهُ غلط، ويزين فيه باليوم ألف مرة.. كُلُهُ غلط..، أمّا إذا ميزانُهُ صحيح قد يتوّهم أن اثنين كيلو بوزن كيلو واحد، يقع في الغلط لكن مرة واحدة، الغلط في السلوك يُتاب منهُ سريعاً، أمّا الغلط في العقيدة فلا يُتاب منه.

 

صفات الفرق الضالة :

 لذلك الفِرق الضالّة لهل أربع صفات؛ صِفة تعتمدُ الأحاديث الضعيفة، وتؤلّهُ الأشخاص، وتُخفف التكاليف، وذاتُ نزعةٍ عدوانية، ولن تجد في التاريخ الإسلامي فِرقة ضالّة إلا وهذهِ صِفاتُها؛ تأليهُ الأشخاص، وتخفيف التكاليف، واعتماد نصوص موضوعة أو ضعيفة، وذات نزعة عدوانية، المؤمن مُتّبع: " اتبع لا تبتدع، اتضع لا ترتفع، الورع لا يتسع "، دقق سيدنا الصدّيق ما طلعت شمسٌ على رجلٍ بعدَ نبيٍّ أفضلَ من أبي بكر، ومع ذلك قال:" أيها الناس أطيعوني ما أطعتُ الله فيكم فإن عصيتُهُ فلا طاعةَ لي عليكم " أي أنا تحت الشرع، وأنتم راقبوني إن كُنت على صواب اتبعوني، وإن كنت على خطأ فلا تقبلوني.. انظر لهذا المنهج.. منهج رائع، المنهج فوق الأشخاص، بالمناسبة كُلّما كُبُرَ الأشخاص صَغرَ المبدأ، وكُلّما كَبُرَ المبدأ صَغُرَ الأشخاص، سيّد الخلق:

﴿ قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾

[سورة الأحقاف: 9]

﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾

[سورة الحاقة: 44-47]

 أرجو الله سبحانه وتعالى على كُل أخ من أخواننا أن يتمرّس في البحث عن هذا المتر الذي هوَ المقياس، ويقيس بهِ أيُّ مقولة.

 

التمسك بالكتاب و السنة :

 واللهِ أيها الأخوة لا أقول مئات بل آلاف الأشخاص يتحدّث بحديث ليسَ لَهُ أصل، وموضوع، وغير صحيح، وهوَ ليس منتبهاً، وقد اعتبره حديثاً، وبنى عليه، وقيّمَ، والحديث ليسَ لَهُ أصل، فنحُنُ نُريد منهجاً، نُحنُ عندنا الكتاب والسُنّة ما إن تمسكنا بِهما فلن نَضِلَّ أبداً بعدهما وهما حبُلُ اللهِ المتين، ما جاءنا عن رسول الله فعلى العين والرأس، وما جاءنا عن سِواه فنحنُ رِجال وهم رِجال.
 دائماً وأبداً نحنُ عندنا في الحياة إنسان واحد نتّبِعُهُ من دون دليل وهو النبي فقط، ما سِوى النبي لا يُتبّع إلا بالدليل، تكلّم فإن كُنتَ ناقلاً فالصِحة، مبتدعاً فالدليل، هذهِ قاعدة ذهبية، أنتَ تنقُل فهل تأكّدتَ من صِحة النص؟ " إنَّ هذا العلمَ دين فانظروا عمّن تأخذون دينكم "، مدّعياً فالدليل، ائت بالدليل وقُل، أمّا لولا الدليل لقالَ من شاء ما شاء، إذا كُل أخ لم يقبل شيئاً إلا بالدليل، ولم يرفُض شيئتً إلا بالدليل أصبح نصف عالِم، أمّا أن أقول كُل ما أسمع، وأقبل كُلّ ما يُقال من دون تفكير أصبح هناك مشكلة، تصوّر مستودعاً فيه كل شيء، مواد متفسِّخة على غير متفسِّخة على مواد غازية على مواد صُلبة على مواد انتهى مفعولها... أصبحت حاوية... أمّا كُل شيء صحيح فأقبلهُ، أمّا المغلوط فأرفضهُ، طبعاً:

﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾

[سورة يونس: 62-63]

(( النَّاسُ عَالِمٌ وَمُتَعَلِّمٌ وَلا خَيْرَ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ ))

[سنن الدارمي، كتاب المقدمة عن أبي الدرداء]

 وكُن عالماً، أو متعلّماً، أو مستمعاً، أو مُحباً، ولا تكُن الخامسة فتهلِك، والعِلمُ لا يُعطيِكَ بعضَهُ إلا إذا أعطيتَهُ كُلّكَ، فإذا أعطيتَهُ بعضَكَ لم يُعطِكَ شيئاً، ويظلُ المرءُ عالِماً ما طَلَبَ العِلم، فإذا ظنَّ أنَهُ قد عَلِم فقد جَهِل، وإذا أردتَ الدنيا فعليكَ بالعِلم، وإذا أردت الآخرة فعليكَ بالعِلم، وإذا أردتهما معاً فعليكَ بالعِلم، وعالِمٌ واحد أشدُّ على الشيطان من ألف عادل، ونحنُ مشكِلتُنا في العُبّاد لا في العُلماء، العالِم قضيتُهُ واضحة جداً، يعرف العقيدة الصحيحة، والمنهج الصحيح، أمّا العابد فيؤخذ بما يقولُهُ الناس، الناسُ عالِمٌ رباني، ومتعلّمٌ على سبيل نجاة، وهمجٌ رعاع أتباعُ كُلِّ ناعق.