حديث + موضوع علمي - الدرس : 02 - الإنفاق - الحمام الزاجل.

1998-12-21

 الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

النبي عليه الصلاة و السلام أجود الناس و أكرمهم :

 أيها الأخوة المؤمنون؛ مع صحيح البخاري الذي يعد أصح كتاب بعد كتاب الله عز وجل، فعن ابن عباس قال:

(( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ ))

[ مسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]

 النبي عليه الصلاة والسلام بلغ قمة الكمال البشري، وهو معصوم بمفرده، وأمته معصومة بمجموعها، فهو أجود الناس، وأكرم الناس، وأحرم الناس، وأعلم الناس، وأشدّ الناس خشية، هو المخلوق الأول الذي حقق المراد من خلق الإنسان، بل قمة الكمال البشري، حتى أن الله عز وجل أقسم بعمره الكريم فقال:

﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾

[ سورة الحجر :72]

 فكان عليه الصلاة والسلام أجود الناس أي أشدّ الناس جوداً، والجود هو الكرم، وهو من الصفات المحمودة.

الجود أحد أكبر السمات وهو مطلق العطاء :

 الآن نقف وقفة دقيقة جداً، يوجد في الإنسان صفات وسمات، الصفات كثيرة أما السمات فقليلة، كل عشر صفات ترجع إلى سمة واحدة، أحد أكبر السمات الجود، وهو مطلق العطاء، فهناك إنسان أعمق ما فيه مبني على العطاء، ويوجد إنسان أعمق ما فيه مبني على الأخذ، أخذ وعطاء، الأقوياء في العالم أخذوا كل شيء ولم يعطوا شيئاً، وهذا ديدن الكافر، يأخذ كل شيء، ويعيش وحده على أنقاض الناس، يبني مجده على أنقاضهم، يبني غناه على فقرهم، يبني حياته على موتهم، يبني أمنه على تخويفهم، كما تفعل هذه الدول الكبرى التي توفر لكلابها حياة لا تحياها الشعوب، وتضحي بالملايين المملينة من الشعوب من أجل رفاه كلابها لا رفاه شعبها، فالكافر بنى حياته على الأخذ، المؤمن حياته أساسها العطاء، أي سمته العطاء، والسمة أعمق من الصفة، السمة هي العطاء، يعطي من وقته، يعطي من جهده، يعطي من علمه، يعطي من خبرته، يعطي من ماله، لذلك رجل قدم إلى النبي كتاباً قال: " يا من جئت الحياة فأعطيت ولم تأخذ، يا من قدست الوجود كله ورعيت قضية الإنسان، يا من زكيت سيادة العقل، ونهنهت غريزة القطيع، لقد كانت الرحمة مهجتك، والعدل شريعتك، والحب فطرتك، والسمو حرفتك، ومشكلات الناس عبادتك".

الإنسان يبني حياته على العطاء أو الأخذ :

 إذاً أنت تابع لنبي أو لقوي، إن كنت تابعاً لنبي فديدنك العطاء، وإن كنت تابعاً لقوي فديدنك الأخذ، تأخذ أموال الناس تبتزها بطريقةٍ أو بأخرى، فالذي بنى حياته على العطاء هو المؤمن، والذي بنى حياته على الأخذ هو غير المؤمن، والنبي عليه الصلاة والسلام في هذه النقطة بالذات كان قمة، كان أجود ما يكون، والدليل اجلس مع مؤمن يستعد أن يعطيك من وقته، ومن جهده، ومن ماله، وينصحك، ويعطيك من خبرته، اجلس مع كافر يريد أن يأخذ منك كل شيء دون أن يعطيك شيئاً، فإن أردت أن تعرف ما إذا كنت من أهل الدنيا أم من أهل الآخرة فانظر ماذا يسرك العطاء أم الأخذ؟ الآن لمجرد أن تؤمن بالآخرة انعكس ميزانك، صار ميزانك العطاء، تظن أنك فالح حينما تعطي، تظن أنك ناجح حينما تعطي، تظن أنك متفوق حينما تعطي، تظن أنك ذكي حينما تعطي، تظن أنك في أعلى درجة حينما تعطي، أما إذا آمنت بالدنيا فقط ترى ذكاءك وتفوقك ونجاحك ومهارتك وشطارتك في الأخذ، فإما أن تأخذ إن كنت من أهل الدنيا، وإما أن تعطي، ولكن الله عز وجل في الحديث القدسي يقول:

(( يَا ابْنَ آدَمَ أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ ))

[ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 أنفق بلالاً ولا تخش من ذي العرش إقلالاً، الصفة الأولى للمتقين قال تعالى:

﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 3]

 فالمؤمن حياته أساسها العطاء، لا يضن بشيء.
 مثل بسيط؛ قبل سنوات عدة يوجد جهات استثمارية في أنحاء القطر أعطت أرباحاً تقدر بسبعين بالمئة أو ثمانين بالمئة، الناس باعوا بيوتهم، فكوا الشركات، سحبوا أموالهم من البنوك، باعوا الذهب، لأن هذا شيء مربح جداً، لأنه يدفع مئة ويأخذ ربحاً في آخر العام سبعين، طبعاً هذا كان مطباً كبيراً، بني على الوهم، عندما أيقنت أن هذا العطاء يقابله أضعاف مضاعفة بذلت، الآن إذا أيقنت بالآخرة يقيناً قطعياً فكل عمل ولو أطعمت لقمةً سوف تجدها يوم القيامة كجبل أحد، حينما تؤمن بالآخرة، بالجنة، وبالأبد تعطي، لا تضن بشيء، بالعكس الذكاء والفلاح والعقل والتفوق والنجاح والشطارة يصبح بالعطاء، فأنت تعرف المؤمن بالآخرة من الكافر بها من موقفه، الذي يعطي مؤمن بالآخرة، ومن قدم ماله أمامه سره اللحاق به، والله عز وجل كريم ما قال: الإنفاق هو المال، إنكم لم تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم، أحياناً تلقي درساً، تعطي خبرة، تعطي مشورة من دون مقابل.
 الإنسان في العالم الغربي لا يوجد شيء من دون مقابل، بقي الهواء عندهم فقط من دون مقابل، كل شيء بثمن، لأنهم بالآخرة هم كافرون، الإنسان إذا كفر بالآخرة إذا دلك على محل أخي ماذا تعطينا؟ لا يمكن أن يدلك على شيء بالمقابل إذا كفر بالآخرة، أما إذا آمن بالآخرة فوضعه عجيب.
 يا رسول الله لمن هذا الوادي؟ - واد من غنم - قال: هو لك؟ قال: أتهزأ بي؟ قال: لا والله هو لك، قال: أشهد أنك رسول الله تعطي عطاء من لا يخشى الفقر.

 

الجود بالنفس أقصى غاية الجود :

 الآن قضية الجود هذه سمة وليس صفة، كلمة سمة تظهر على شكل تعليم، تظهر على شكل إعطاء خبرة، تظهر على شكل تضحية، تظهر على شكل إنفاق مال، تظهر على شكل إعطاء مال، تظهر بشكل أو بآخر، بنى حياته على العطاء، والله عز وجل هو أكرم الأكرمين، أي كلما أعطيت أعطاك، سيدنا ابن عوف قال: يا ربي ماذا أفعل؟ إذا كنت أنفق مئة في الصباح فتأتيني ألفاً في المساء ماذا أفعل؟
 الإنسان إذا بنى حياته على العطاء هو أسعد الناس، بل إنك إن أردت أن تكون أسعد الناس فأسعدهم، إذا أردت أن تسعدهم فاخرج من ذاتك، اخرج من مصالحك، اخرج من بوتقة بيتك، اخرج من تجارتك إلى العطاء، حينما تعطي ترقى، وحينما لا تعطي لا ترقى.
 أيها الأخوة؛ ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الإمام الترمزي:

(( إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ، نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ، كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ، جَوَادٌ يُحِبُّ الْجُودَ، فَنَظِّفُوا أُرَاهُ قَالَ أَفْنِيَتَكُمْ وَلا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ ))

[ الترمزي عن صالح بن أبي حسان]

 الله يحب الكريم، يحب المعطي، يحبك إذا كنت قوياً أن تساعد الضعيف، إذا كنت غنياً أن تنفق وتعطي الفقير، إذا كنت عالماً أن تعلم، ومن حديث أنس:" أنا أجود ولد آدم"، ترك الدنيا وما ترك شيئاً، كل شيء عنده أنفقه، والآن دققوا هذه بشارة لكم جميعاً "...أنا أجود ولد آدم، وأجودهم بعدي رجل علم علماً فنشر علمه، ورجل جاد بنفسه في سبيل الله " أي أجود إنسان بعد رسول الله من علم الناس، أو من جاد بنفسه في سبيل الله، كلكم يعلم أنه يوجد مواقف حاسمة، أن تجود بنفسك هذا قمة العطاء، والجود بالنفس أقصى غاية الجود.

 

الدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم :

 ولكن أتمنى على الأخوة الكرام أن يعلموا أن الدعوة إلى الله فرض عين على كل واحد، ولا يعفى منها أحد، لأن النبي يقول:

((بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ))

[ البخاري عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ]

 أنت سمعت خطبة، سمعت درساً، درس الفجر، درس ما بعد التراويح، ألم يعلق شيء بذهنك؟ جلست مع صديق في مكتب تجاري في سفر، في لقاء، في حفلة، في مولد، في عقد، ألا تتمكن أن تقول كلمة؟ أن تنقل كلمة حق واحدة؟ كل حديثنا في الدنيا: بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، فأنت مكلف بالدعوة إلى الله كفرض عين لكن في حدود ما تعلم، ومع من تعرف فقط، ومن لم يدع إلى الهى ليس متبعاً لرسول الله، ومن لم يتبع رسول الله لا يحب الله بالدليل قال تعالى:

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[ سورة آل عمران: 31 ]

 علامة حبك له اتباعك للنبي، واتباع النبي أن تدعو إلى الله، قال تعالى:

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾

[ سورة يوسف: 108 ]

 " أنا أجود ولد آدم، وأجودهم بعدي رجل علم علماً فنشر علمه، ورجل جاد بنفسه في سبيل الله ".

 

انطلاق الجود والشجاعة من سمة واحدة هي العطاء :

 أيها الأخوة الكرام؛ كان عليه الصلاة والسلام أشجع الناس، وأجود الناس، الجود والشجاعة ينطلقان من سمة واحدة هي العطاء، الذي لم يؤمن بالآخرة جبان، يقول لك: ألف جبان ولا يقولون: رحمه الله، المؤمن بالآخرة شجاع لأنه ينتقل من دار إلى دار أجمل، المؤمن ينتقل من الدنيا إلى الآخرة كمن ينتقل الجنين من ضيق الرحم إلى سعة الدنيا، هذه نقطة دقيقة جداً لمجرد أن تؤمن بالآخرة انعكست الاستراتيجية وهذا مصطلح جديد، يقولون: هؤلاء يبنون خطتهم على الهجوم، هؤلاء على الدفاع، لمجرد أن تؤمن بالآخرة تنعكس اهتماماتك، تبني حياتك على العطاء، تتيقن أنك أنت فالح، وزكي، وعاقل، وناجح، ومتفوق، وشاطر، وعندما تأخذ الذي تجمعه في عمر مديد تخسره في ثانية واحدة، كل ما تملك مبني على نبض القلب، إذا توقف: عظّم الله أجركم، انتهى، انتهت الدنيا، انتهى البيت، انتهت المكانة، انتهى المنصب، انتهت المركبة، أو أن هذا الشريان ضاق كان ميلمتراً وربعاً صار ثلاثة أرباع الميلمتر، متاعب لا تنتهي، أو هذا الدم صار لزجاً، مشكلة كبيرة، أو نمو الخلايا بشكل عشوائي، كل شيء تملكه على ثلاثة أشياء حاسمة، على قطر الشريان التاجي، وعلى سيولة الدم، وعلى نمو الخلايا، أما لو كنت قدمت مالك أمامك فمرحباً بلقاء الله، قال تعالى:

﴿ وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ ﴾

[ سورة آل عمران : 158]

﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾

[ سورة الزخرف : 32]

 فالمؤمن لا يوجد عنده مشكلة، خطه البياني صاعد، الموت نقطة على هذا الخط، ولو جاء الموت ينتقل من نعم في الدنيا إلى نعم في الآخرة.

 

العلاقة بين الجود و بين قراءة القرآن :

 الآن ما العلاقة بين هذا الحديث من صفات النبي؟ لأن السنة النبوية هي أقواله أو أفعاله أو إقراره، ما العلاقة بين كان رسول الله صلى اله عليه وسلم:

((أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ ))

[ مسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]

 القرآن غنىً، إذا أنت قرأت القرآن، ورأيت وعود الله عز وجل بالجنة تصبح كريماً، يوجد علاقة بين أن تكون جواداً وبين أن تقرأ القرآن، القرآن يعد المؤمنين بجنة عرضها السموات والأرض، قال تعالى:

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾

[ سورة القصص: 61]

 فالقرآن يعد المؤمن بالجنة، فإذا قرأت القرآن كنت كريماً، كنت جواداً، وإذا لم تقرأه وعشت في الأخبار، وبمقاييس الناس، وبأسعار العملات، وارتفاع الدولار، ونزول البيوت، هذه المعطيات تجعلك بخيلاً، لا تدين أحداً، أخي أنا أدينك وتأتيني بعد سنة ناقصة بالمئة سبعة عشر نتيجة التضخم النقدي فلا يدين، عندما يعيش بمقاييس البشر، يعيش في الآلة الحاسبة لا يعمل شيئاً، يصبح مادياً، أما إذا قرأ القرآن فيصبح كريماً، ينظر إلى الجنة، قال تعالى:

﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ﴾

[ سورة القصص: 61]

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾

[ سورة النساء: 77 ]

 فحينما تقرأ القرآن تصبح جواداً، لأنك تشاهد صوراً عن الجنة، وما وعدك الله به من نعيم مقيم، هنا الدقة في الحديث أن الصحابي الجليل قال:

((أَجْوَدَ النَّاسِ وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ))

 وسبب هذا الجود حين يلقاه جبريل جملة معترضة.

((حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ ))

 طبعاً الريح المرسلة في عموم خيرها وفي استمرار هبوبها، هكذا معنى الريح المرسلة، والمؤمن خيره عام للكل، أكثر سؤال في رمضان: أدفع الزكاة لابنتي، لابني، يريد هذا المزراب إلى الداخل، ولا يستعد أن يدفع قرشاً إلى الخارج، يريد أن يحل مشاكل أسرته أول شيء، مثلاً ابنه يريد مكيفاً لأن الدنيا حر يا أستاذ، أما المؤمن فخيره عميم، وليس محدوداً بأسرته، ولكنها رحمة عامة، لا ترقى بالرحمة إلا إذا كانت عامة.
 ما سئل النبي عليه الصلاة والسلام فقال: لا، لولا التشهد أشهد أن لاءه كانت نعم، من كرمه وجوده، وسبحان الله الإنسان الجواد كلما أعطى زاده الله غنىً، بالآلة الحاسبة من الصعب أن تفهمها، أما بالتوفيق الإلهي، بالعناية الإلهية تنفق، والله أخ من أخواننا الكرام له قريب توفي، فذهب قبل الدفن أثناء التغسيل فسأل أولاده: أعليه دين؟ قالوا: نعم يوجد عليه دين، فقال لي: أنا توقعت أن يكون المبلغ عشرين ألفاً، في اليوم الثاني قلت: كم الدين؟ قالوا: مئة وثلاثون ألفاً، فقال لي: دفعتهم، والله في هذا المسجد حدثني وصار يبكي، قال لي: يوم السبت بعنا بيعاً وكانت الأسواق كاسدة، والأمور غير جيدة، والله كان نصيبي وحدي بالربح باليوم مئة وثلاثين ألفاً، فأنت تعطي والله يعطي أكثر، وهو أكرم الأكرمين، ولكن الله أحبّ أن يمتحنك.
 فهذا الحديث حديث مهم جداً سوف أعيده لآخر مرة:

(( أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ ))

[ مسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]

 في كل أحواله كان جواداً، ولكن في رمضان كان أكثر جوداً من أي وقت آخر، والسبب أنه حينما يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، إذاً في رمضان يوجد شيئان؛ مدارسة القرآن وإنفاق المال، طبعاً غير الصيام والقيام، أربعة أحاديث، صيام، وقيام، ومدارسة، وجود.

 

* * *

الحمام الزاجل :

 يوجد موضوع دقيق جداً قد يغيب على الأذهان، قال الأمير نور الدين الشهيد هذا الذي ردّ التتار، سجد مرة وقال: يا رب من هو الكلب نور الدين حتى تنصره انصر دينك.
هذا كان أمير الشام وأمير مصر في آن واحد، استخدم في المراسلة الحمام الزاجل.
 الحمام الزاجل شيء لا يصدق، هذا الحمام يزيد عن خمسمئة نوع، وهو حمام الرسائل، يمتاز بحدة الذكاء، والقدرة الفائقة على الطيران، والغريزة القوية، يهتدي إلى هدفه وموطنه، شيء عجيب وقدرة على الطيران، يطير ألف كيلو متر بلا توقف، سرعته من ستين إلى ثمانين كيلو متراً في الساعة، قال تعالى:

﴿ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ ﴾

[ سورة يس : 72]

 مستأنس، أليف، حتى الإنسان يستخدمه، حدة ذكاء، قدرة على الطيران مديدة، وقدرة على معرفة الهدف، يقطع ألف كيلو متر بلا توقف بسرعة واحد كيلو متر في الدقيقة، ويعطي هذا الحمام تسعة أزواج من الزغاليل كل سنة، لا يوجد إنسان اشترى سيارة وجد ثمانية إلى جانبها في اليوم الثاني إلا صنع ربنا عز وجل، تقتني حماماً ويولد فيعطي في العام الواحد تسعة زغاليل، أما موضوع معرفته إلى هدفه فتجد طائرات يوجد عندها إرشادات أرضية مستمرة ورادار،
 شيء مذهل، باخرة يوجد عندها بوصلة، وخرائط، واتصالات لاسلكية، هذا الحمام كيف يصل إلى القاهرة؟ كان يطير من دمشق إلى القاهرة في زمن قصير جداً، بعضهم قال: إن له قوة إبصار عجيبة يفوق الإنسان أضعاف المرات، وبعضهم قال: يدرك بفطرته الاتجاهات في الأرض، وبعضهم قال: علامات الأرض مزروعة في غرائزه، وبعضهم قال: يتحسس خطوط المغناطيس، الحقيقة حتى الآن ليس هناك تفسير علمي مقبول لاهتداء الطير إلى هدفه، الآية تقول:

﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ ﴾

[ سورة الملك: 19]

 أي عزا ذلك إلى ذاته مباشرةً، اهتداء الطير إلى هدفه، يوجد بحث طويل جداً ما تركوا طريقة حتى يكشفوا السبب وما عرفوا، الآن ولد أخذوه إلى أستراليا، وجدوا حركته شمالاً جنوباً، أخذوا طيوراً ولدت حديثاً إلى أستراليا عادت إلى موطنها في بريطانيا ولم تر شيئاً، ما فسر معهم لا بالمغناطيس، ولا بالشمس، ولا بالتضاريس، ولا بأي شيء آخر، قال تعالى:

﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ ﴾

[ سورة الملك: 19]

 هذا الحمام الزاجل له ورق خاص يحمله ويطير به من مكان إلى مكان، وأنواعه عديدة، الله تعالى قال:

﴿ وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ ﴾

[ سورة الرحمن : 10]

 مصممة فيها كل حاجات الإنسان، فالاتصال السريع كان مؤمناً عن طريق الحمام الزاجل من دون جهد بشري جاهز، يوجد ورق البردي ورق جاهز، لو دققت ترى أن الحياة كاملة والإنسان حسنها بالعلم لكنه فسق وفجر وضحى بسعادته من أجل هذا التطور العلمي.