حديث + موضوع علمي - الدرس : 01 - حلاوة الإيمان - غلاف حبة القمح.

1998-12-20

رمضان فرصة ذهبية تُمحى فيها كُلّ الخطايا :

 أبدأ هذا الدرس بحديثين شريفين صحيحين ينبغي أن يكونا ماثلين طَوَالَ رمضان، الأول:

(( مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ))

[البخاري عن أبي هريرة]

(( مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ))

[البخاري عن أبي هريرة]

 فنحنُ أمام فرصةٍ ذهبية أن تُمحى كُلَّ الخطايا التي سلفت قبلَ رمضان، والحديث الثالث:

(( مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ))

[سنن ابن ماجة عَنْ سَمُرَةَ بن جُنْدَبٍ ]

(( مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَهُوَ كَمَنْ قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ ))

[ مسلم عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 إن شاء الله تعالى سأجعل من درس الفجرِ أحاديثَ مُختارة من صحيح البخاري حصراً، ثلاثون حديثاً إن شاء الله من صحيح البخاري تُشرحُ في صلاة الفجر، حديث اليوم:

(( ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ؛ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ))

[كتاب الإيمان عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ]

 أي ثلاثُ خِصالٍ من وُجدنَ فيه وجدَ بِهنَّ حلاوة الإيمان.

 

حلاوة الإيمان :

 أقفُ عندَ حلاوة الإيمان، حقائق الإيمان شيء وحلاوة الإيمان شيء آخر، قد تستمع إلى خُطبةٍ رائعة فتكتسبُ كثيراً من حقائق الإيمان، قد تقرأ كتاباً إسلامياً مفيداً تزداد معلوماتُكَ عن حقائق الإيمان، قد تجلسُ في مجلِسِ علمٍ فتزدادُ ثروتُكَ عن حقائق الإيمان، حقائق الإيمان حقائق موضوعية تُدرك بالفِكر، الإنسان إذا كان يملك فِكراً ناضجاً يقرأ أو يستمع يُخزّن من حقائق الإيمان الشيء الكثير، لكن حقائقُ الإيمان شيء، وحلاوة الإيمان شيء آخر.
 حقائق الإيمان تحتاج إلى إنصات، إلى قراءة، إلى متابعة، إلى حضور مجالس علم، لكنَّ حلاوة الإيمان شيء آخر:

(( ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ ))

 القصد في رمضان أن يذوقَ المسلم حلاوة الإيمان، أن يذوقَ طعمَ القُرب، أن يذوق طعمَ الاتصال بالله، أن يذوقَ حالة القُرب مع الله عزّ وجل، هي حلاوة الإيمان، وبونٌ شاسعٌ جداً بينَ حقائق الإيمان التي تُدركُ بالفِكرِ عن طريق القراءةِ أو السماعِ، وبينَ حلاوة الإيمان التي تُدركُ بالذوقِ من خلال الاتصال بالله تعالى، أشارَ إلى هذا بعض العلماء قال: " في الدنيا جنة من لم يدخُلها لم يدخُل جنة الآخرة إنها جنة القُرب ".
 قال: ماذا يفعلُ أعدائي بي؟ بستاني في صدري، إن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن حبسوني فحبسي خلوة، وإن قتلوني فقتلي شهادة، هذه حلاوة الإيمان:

﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾

[سورة محمد: 6]

 عرّفها لهم في الدنيا، ذاقوا بعضاً منها، ذاقوا نماذِجَ من الجنة، والقضية بشكل مضغوط وواضح بقدرِ استقامتك وعملِكَ الصالح تذوقُ حلاوة الإيمان لا بقدرِ فهمِكَ وذكائِك، لا بقدرِ ثقافتِك، لا بقدرِ معلوماتِك، تذوقُ حلاوة الإيمان بقدرِ انضباطك، بقدرِ مجاهدتِكَ نفسكَ وهواك.
 أيها الأخوة الكِرام؛ مثل يعرفهُ الأطباءُ جميعاً.. الإنسان المريض يجد طعمَ العسلِ مُرّاً، وكُلما صحَّ جِسمُه ذاقَ حلاوة العسل، فأن تذوق حلاوةَ الإيمان فهذهِ إشارةٌ دقيقةٌ إلى صِحةِ إيمانِك، وكُنتُ فيما مضى ضربتُ هذا المثل عن حلاوة الإيمان وحقائق الإيمان؛ معك صورة لسيارة بأحدث منظر لكنَّ حلاوة الإيمان أن تركبَ هذهِ السيارة، أن تكونَ مِلكَكَ، أن تستعمِلَها، أما أن تنظُرَ إلى صورتِها فهذه حقائق الإيمان، حقائق الإيمان أن تمتلِكَ خارِطةً لبيتٍ فخم، أمّا حلاوة الإيمان فأن تسكُنَ هذا البيت، حقائق الإيمان أن تقول: ألف مليون دولار، أمّا حلاوة الإيمان فأن تملِكَ هذا المبلغ، فبينَ أن تتلفظَ بهذا الرقم وبينَ أن تمتلِكَ هذا الرقم مسافةٌ كبيرةٌ جداً، والمسلمون يعدّون عدداً فلكياً، يُمثّلون خُمس سكان الأرض وزيادة، مليار ومئتا مليون، لو ذاقَ اثنا عشر ألف منهم حلاوة الإيمان ما هُزِموا قط:

((عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لأَكْثَمَ بْنِ الْجَوْنِ الْخُزَاعِيِّ: يَا أَكْثَمُ اغْزُ مَعَ غَيْرِ قَوْمِكَ يَحْسُنْ خُلُقُكَ، وَتَكْرُمْ عَلَى رُفَقَائِكَ، يَا أَكْثَمُ خَيْرُ الرُّفَقَاءِ أَرْبَعَةٌ، وَخَيْرُ السَّرَايَا أَرْبَعُ مِائَةٍ، وَخَيْرُ الْجُيُوشِ أَرْبَعَةُ آلافٍ، وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ ))

[ابن ماجة، كتاب الجهاد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

 المُشكلة هُنا أن حقائقُ الإيمان في متناول جميع المسلمين، لكنَّ حلاوةَ الإيمان في الصادقين، في الملتزمين، في المُطبّقين:

﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾

[سورة التوبة: 24]

 هذه الآية تُفسّرُ هذا الحديث، حلاوة الإيمان أن تُؤثِرَ النصَّ الشرعي على مصالِحِك ولا سيما عِندَ التعارُض، حينما تتعارض المصالِحُ، وشاءت حِكمةُ اللهِ أن نكون في الدُنيا مُبتلين:

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾

[سورة المؤمنون: 30]

 لأننا مُبتلَون، ممتحنون فلابُدَّ من تناقضٍ بينَ مصالِحِنا وبينَ النص الشرعي، لولا هذا التناقُض لما كان هُناكَ ابتلاء، لو توافقت رغباتُنا مع الشرع، ليسَ هُناك جنة، ليسَ هُناك ابتلاء، ليسَ هُناك إيمان، أمّا لابُدَّ من التناقُضِ بينَ أوامر الله عزّ وجل وبينَ طبيعة الجسد، فالجسد يتمنى أن يُطلِقَ بصرَهُ في الحرام والأمرُ التكليفيّ أن يَغُضَّ البصر، الجسد يتمنّى أن ينام والأمر التكليفيّ أن يأتي إلى المسجد، الجسد يتمنّى أن يسترسل في الحديث عن عورات الناس والتكليف يأمُرُهُ أن يصمُت، الجسد يتمنى أن يأخُذَ المال والتكليف يأمُرُهُ أن يُنفق....
 إذاً: لابُدَّ من تناقُضٍ بينَ الطبعِ وبينَ التكليف، هذا التناقُض إذا الإنسان انتصر على نفسِهِ فيه ذاقَ حلاوةَ الإيمان، حينما يضعُ شهوتَهُ ومصلحتهُ تحتَ قدمِهِ ويؤثر طاعةَ الله عزّ وجل من سابع المستحيلات، زوالُ الكون أهونُ على الله من ألا يُذيقَه حلاوة الإيمان، والذي يشُدُّكَ إلى الدين حلاوة الإيمان وليست القناعة.

 

الفرق بين الحبّ العقلي و الحبّ الحقيقي :

 الآن: لو أنَّ الإنسان اقتنع بأنَّ الطعام مُفيد هل هذا يكفي؟ هناك جوع، الجوع هو الذي يدفعهُ إلى تناول الطعام، شهوة الطعام تدفعهُ إلى تناول الطعام وليسَ إدراكُهُ المُجرّد أنَّ الطعام مُفيد له، فحلاوة الإيمان شيء آخر، قد تكونُ مسلماً، وقد تأتي إلى بيوت الله، وقد تمتلك ثقافة إسلامية، ونزعة إسلامية، وخلفية إسلامية، وأرضية إسلامية، واتجاهاً إسلامياً، وشعوراً إسلامياً، وأنت مُحافِظ ولكن لن تذوق حلاوة الإيمان إلا إذا أطعتَ الواحد الديّان:

(( ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ؛ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ- القرآن- وَرَسُولُهُ – السنة- أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا))

 العلماء قالوا: إنَّ هذا الحُب عقلي، كيف ؟ الإنسان عندما يكون مريضاً، ويكون الدواء مُرّاً، وحينما يُؤتى بالداء يُحب الدواء، لا لأنه حلوُ المذاق بل عقلُهُ يقول: في هذا الدواء شِفاؤُكَ من الداء، فالإنسان أحياناً يُحب نوعاً من الطعام لكنهُ يكرَهُهُ لأنهُ يؤذي جسده، يُحبُ هذا الطعام لكنَّ هذا الطعام يُؤثّرُ على صحتِهِ فيكرهُهُ كُرهاً عقليّاً.
 لذلك أن تُحِبَ أوامِرَ الله و نواهيَهُ هذا حُب عقلي، أمّا الحُب الحقيقي فمُتعلّق بالشهوة، فالإنسان يُحب ما يشتهيه، ويكره ما يؤذيه، لكن أحياناً قال عليه الصلاة والسلام:

(( ألا يا رُب نفسٍ طاعمةٍ ناعمةٍ في الدنيا، جائعةٍ عاريةٍ يوم القيامة، ألا يا رُب نفسٍ جائعةٍ عاريةٍ في الدنيا، طاعمةٍ ناعمةٍ يوم القيامة))

[ السيوطي عن أبي البحير]

حلاوة الإيمان ثمرة الاستقامة و العمل الصالح :

 هناك شيء آخر هذا الشيء هوَ أنَّ حلاوة الإيمان أظهر اللذائذ الحِسيّة، وكذلِكَ القُربُ من الله أظهر ثمرات الإيمان، قال بعضُهم في قولِهِ تعالى:

﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾

[سورة ابراهيم : 24-25]

 قال: هذه الكلمة الطيبة هي الكلمة المُخلِصة لله عزّ وجل، حينما تنطِقُ بكلمةٍ مخلِصاً بها لوجه الله هي كالشجرة الطيبة أصلُها ثابت، الأصل هو الإيمان، وفرعُها عمل الطاعات، وورقُها القُربات، وثمرُها حلاوة الإيمان، كيفَ أنَّ هذه الشجرة تنتهي بثمرة، وحينما تنضجُ الثمرة تكون حلوة المذاق، فإيمانُكَ واستقامتك وعملُكَ الصالح وقُربُكَ من الله عزّ وجل أورَثَكَ ثمرةَ هذه الشجرة وهي حلاوة الإيمان، لذلك: لا يؤمن أحدُكم حتى يكون هواهُ تبعاً لِما جِئت به، لا تتعجب في أنك ترغب في شيء والشرع قد نهى عنه، هذهِ إرادةُ الله عزّ وجل:

﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ ﴾

[سورة آل عمران: 14]

 هذهِ شهوات حُببِت إلينا، هذه الشهوات بِها نرقى إلى الله، لأنَّ الشهوة سُلّم ترتقي بِها، أو دركات تهوي بِها، فإن سلكتَ فيها القناةَ النظيفةَ المشروعة ارتقيت بِها، والشهوة كالمنشار يتحرّك باتجاهين متعاكسين، حينما تنظر إلى امرأة تَحِلُ لك ترقى إلى اللهِ شاكراً، وحينما تغضُ البصر عن امرأة لا تَحِلُ لك ترقى إلى اللهٍ صابراً، وحينما تأخذُ مالاً سَمَحَ الله لكَ أن تأخذهُ ترقى إلى اللهِ شاكراً، وحينما تتعفّفُ عن مالٍ بينَ يديك خوفاً من اللهِ عزّ وجل ترقى إلى اللهِ صابراً، فالشهوةُ دركاتٌ أو درجات، دركاتٌ نهوي بِها أو درجاتٌ نرقى بِها وهي حياديّة، فإذا ذُقتَ حلاوة الإيمان وضعتَ شهوتكَ التي لا تُرضي الله تحتَ قدميك، عندئذٍ يسمح الله لكَ بما يُسمى حلاوة الإيمان، أن يكونَ الله أي الأمر الإلهي، ورسولُهُ أي السُنّة المُطهّرة أحبَّ إليه مما سِواهُما.

 

محبة الله نوعان :

 قال العلماء: محبة الله نوعان؛ فرضٌ وندبٌ، الفريضة أن تُحِبَ الله محبةً تحمِلُكَ على طاعته، وعلى اجتناب نواهيه، وعلى الصبر على قضائه، فإذا كانت الطاعة قليلة فالمحبة قليلة، إذا اجتنب النواهي فالمحبة قليلة، إذا كان الصبر على قضاء الله ضعيفاً فالمحبة قليلة، زِنّ طاعتكَ واجتناب النواهي وصبرَكَ على قضاء الله بإيمانِك، بمحبتك لله عزّ وجل، وأمّا المحبة المندوبة فهي أن تُحافظَ على النوافل، وأن تتقرّبَ بالقرُبات لله عزّ وجل، ومحبة النبي عليه الصلاة والسلام ألا تُحبَ إلا ما يُحبُهُ النبي، وأن تتبِعَ سُنّتَهُ، وأن تقتفيَ أثرهُ، وأن تتخلّقَ بأخلاِقه،
 على كُل بشكل دقيق جداً: عِندَ التعارُض حينما تُؤثِرُ طاعةَ الله في قُرآنِه، وطاعةَ النبي في سُنّتِه، تذوق حلاوةَ الإيمان، أرجو الله سبحانه وتعالى أن يكون رمضانُ بأكملِهِ مجالاً لأن نذوق حلاوة الإيمان.

الولاء و البراء :

 شيء آخر:

((وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ ))

 هذا الولاء و البراء، الولاء و البراء أحد أركان الدين، أن تُحِب أهلَ الإيمان على ضعفهم وعلى تخلُفِهم أحياناً وعلى خشونة حياتِهم، وأن تكره أهلَ الكُفرِ والفسوقِ والعصيان وهُم في قمّة تألُقِهم ونجاحِهِم وغِناهُم وقُوتِهم، أمّا ضعيف الإيمان إذا ذهب إلى بلد غربي انتهى، يقول لك: عظمة ما بعدها عظمة، أن تُحِبَّ المؤمنين ولو كانوا ضِعافاً، وأن تكره الكُفار ولو كانوا أقوياء، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّه، لذلك:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾

[سورة المائدة: 51]

 من هوي الكفرة حُشِرَ معهم، ولا ينفعهُ عمله شيئاً، ومن أقام مع المُشركين برِئت منه ذِمّةُ الله، هذا الولاء و البراء، المؤمنون أهله وهم مُقصّرون.. اسع إلى إصلاحِهم،.. ضِعاف.. اسع إلى تقويتِهم،.. فقراء.. اسع إلى أن يغتنوا، أمّا أن أتنصّلَ منهم، وأن أنتمي إلى الكُفّار فقد حُرِمتَ حلاوة الإيمان، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّه.
 هناك مقياس آخر أصعب؛ أن تُحِبَ المؤمن ولو فرضاً جاءكَ منهُ ضُرّ، وأن تكرهَ الكافر ولو جاءكَ منهُ خير.. هذه حلاوة الإيمان، أن تُحِبَ المؤمن.. المؤمن ارتكب خطأ لكنه إنسان طاهر، مستقيم، عفيف، شريف، صادق، وليس بذكي كما تتمنى.. أخطأ معك، أن تُحبهُ على خطئه، وأن تكره الكافر الذكي اللّبِق الذي يُعطيك عطاء كبيراً.. هذا الولاء والبراء، موضوع في الدين خطير جداً، حينما تُوالي أهلَ الكُفر.. لا سمحَ الله ولا قدّر.. فأنتَ معهم، وحينما تكرهُ أهلَ الإيمان فلستَ منهُم، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّه.
 لذلك هؤلاء الذين يبقون في بلاد المسلمين ويُعانون ما يُعانون هؤلاء الولاء والبراء عندهم متفوّقٌ جداً، هوَ يكرهُ ما يفعلون، متألم لتقصيرِهم، لِضعفِهم، لتفرُقِهم، لخشونة حياتِهم، لتعقيدات حياتِهم، ولكن هؤلاء مؤمنون هناك ما يجمعُكَ بينهم، هناك قواسم مشتركة كبيرة جداً تجمعُكَ بِهم، وهؤلاء أهل الكُفرِ والضلال أنيقون جداً، لبِقون جداً، بأعلى مستوى، فإكراماً لشهر رمضان المبارك.. قضية الحرب عندهم في رمضان مشكلة كبيرة جداً.. كلام فارغ لا معنى له، كلام لا يقبلهُ طفل أحياناً، قلوبُهم كالحجارة، وحوش كاسرة بمظهر أنيق، هذا الشيء الثاني.
 الشيء الثالث: ألا يكون الإنسان على حرف.. أي ما دامت الأمور تجري كما يتمنى فهو مؤمن، الأمور مُعاكسة فهو كافر:

(( أنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ))

 يا أيها الأخوة الكِرام؛ قضية الإيمان قضية أعماق، أنتَ في الأعماق، هناك إنسان.. شُبُهة.. إذا قالوا: إنهم عرفوا نوع الجنين عن طريق التصوير فانتقض عِنده القرآن الكريم، إذا قالوا: إنَّ هذه الدول الغنية قوية، وهي التي تتحكّم بالعالم، وإن المسلمين ضِعاف، انتهى عنده الدين.. هذا على حرف..

(( أنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ))

 من أجل أن تذوقَ حلاوة الإيمان يجبُ أن تكونَ في الأعماق، ويجبُ أن توالي من يُوالي الله، وأن تُعادي من يُعادي الله، ويجبُ أن تُؤثِرَ النصَّ الشرعي على أهوائِكَ ومصالِحِكَ وكُل ما ينفعُكَ في الدُنيا، عندئذٍ يسمحُ الله لكَ أن تذوقَ حلاوة الإيمان، دقق في أب يُعطي أولادَهُ كُلَّ شيء، لكنَّ قلبَهُ لولدٍ واحد، هوَ الذي يُحبُهُ، هو الذي يُطيعُهُ، أما كأب فهناك رحمة في قلبه، الله يُطعم الكافر ألذَّ الطعام، الكافر يسكن أجمل بيت، يركب أجمل مركبة، يتزوّج أجمل النساء.. أي خُذ الدنيا لكنكَ محجوبٌ عن رحمته.. والمؤمن قد تكون حياتُهُ خشِنة، وقد يُعاني ما يُعاني، ولكنه موصولٌ بالله، كيفَ وقد قال الله عزّ وجل في الحديث القُدسي:

(( يا بنَ آدمَ مَرِضْتُ فلم تَعُدْني، قال: يا رب كَيْفَ أعُودُكَ وأنتَ ربُّ العالمين؟ قال : أمَا علمتَ أنَّ عبدي فلاناً مَرِضَ فلم تَعُدْهُ؟ أما علمتَ أنَّكَ لو عُدْتَهُ لوجَدتني عنده ))

[مسلم عن أبي هريرة]

 أي إذا سَلَبَ الله من عبدٍ بعضَ الصِحة ليُعطيَهُ أضعافاً مضاعفة من القُرب الإلهي، فنحنُ أيها الأخوة مؤمنون بالله عزّ وجل، ونصبرُ على قضائِهِ وقدره، ونسعى في طلب مرضاته.

 

رمضان شهر عتق من النار :

 نحنُ أيها الأخوة؛ في شهرٍ أهمُ شيء فيه العِتقُ من النار، أن يأتي العيد إن شاء الله وقد أُعتِقنا جميعاً من النار.. فرصة ذهبية..، تصوّر أن على شخص خمسة ملايين ليرة ديناً، وبيته محجوز، وعليه دعوى ست سنوات مع وقف التنفيذ، وعليه مصائب، قيل له: افعل هذا الأمر ثلاثين يوماً نُعفِكَ من كُلِّ ما عليك.. ديون وأحكام قضائية.. هكذا الدين، هذا رمضان عِتق من النار:

(( مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ))

[البخاري عن أبي هريرة]

((مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ))

[البخاري عن أبي هريرة]

 على أن يكون رمضان عبادة وليسَ عاداتِ وتقاليد وفولكلوراً ولقاءات وعزائم وولائم، رمضان شهر عِبادة.

***

غلاف حبة القمح :

 أنا آثرت في صلاة الفجر من كُلِّ يوم أن أقِفَ وقفةً سريعةً جداً عِندَ موضوعٍ علمي يزيدنا إيماناً بالله عزّ وجل.. الموضوع اليوم.. حبة القمح.
 قال: فيها وجبة غذاءٍ كاملة، لها غِلاف خارجي، هذا الغِلاف الخارجي وزنُهُ تسعٌ في المئة من وزنِها، فيه قشرة رقيقة آزوتية لا تزيد عن ثلاثة في المئة من وزنِها، وفيها رُشيم.
 الآن: بِغلاف القمح يوجد ستة فيتامينات B1، B2، B6 ، وفيتامينات أخرى، وبهذا الغلاف مادة فوسفورية مُغذيّة للدماغ، ويوجد حديد يهب الدم قوةً وحيوية، وكالسيوم يبني العِظام ويقوّي الأسنان، وسيليكون يُقوّي الشعر، ويزيدُهُ قوةً ولمعاناً، وفيه يود غذاء للغدّة الدرقية، ويُضفي على آكِلِهِ السكينةَ والهدوء، وفيهِ صوديوم، وبوتاسيوم، ومغنزيوم، هذه من أجل الأنسجة والعصارات الهاضمة.. هذه كُلُها نُطعِمُها للحيوانات ونأكُل نحنُ لُبّ القمح - غِراء.. نشاء فقط - كُل هذه الخيرات ستة فيتامينات، وستة معادن في غلاف القشرة، ونأكلُ نحنُ النشاء فقط منها، هذهِ الحضارة الحديثة، وأولُ بِدعةٍ ابتدعها المسلمون بعد وفاة رسول الله نخلُ الدقيق.. هذهِ أول بِدعة.