ومضات من تفسير القرآن الكريم - الدرس : 2 - من سورة آل عمران - الآية 154 ، ظن الجاهلية.

1998-01-02

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين.

الظن بالله ظن السوء يكون بـ :

1 ـ أن الله لا ينصر رسله و لا يتمّ أمره :

 مع الدرس الثاني من دروس التفسير في رمضان، الآية الكريمة في سورة آل عمران:

﴿ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾

[سورة آل عمران: 154 ]

 نفسِّر إن شاء الله تعالى:

﴿ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾

 سأقرأ لكم ما ورد في بعض كتب التفسير حول هذه الآية؛ من ظنَّ أن الله جلَّ جلاله لا ينصر رسله، ولا يتمُّ أمره، ولا يؤيِّد جنده، ولا يعليهم، ولا يظفرهم على أعدائهم، وأنَّه لا ينصر دينه، ولا كتابه، وأنَّه يديل الشرك على التوحيد، والباطل على الحق إدالةً مستقرةً يضمحلُّ معها التوحيد والحق اضمحلالاً لا يقوم بعدها أبداً، فقد ظنَّ بالله ظنَّ السوء.

2 ـ أن ينسب إلى الله ما لا يليق بكماله و جلاله :

 الآن أي إنسان يقول لك: الدين انتهى، المسلمون ضعاف، المسلمون متخلِّفون، أعداؤهم أقوياء جداً، وأذكياء جداً، وبيدهم مقاليد الأمور، ولن تقوم للمسلمين قائمة.. تنطبق عليه هذه الآية:

﴿ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾

 فقد ظن بالله ظنَّ السوء، ونسبه إلى خلاف ما لا يليق بكماله، وجلاله، وصفاته، فإنَّ عزَّته، وحكمته تأبى ذلك، يأبى أن يذلَّ حزبه، ويأبى أن يهزم جنده، وأن تكون النصرة المستقرَّة والظفر الدائم لأعدائه المشركين به، فمن ظنَّ به ذلك فما عرفه، ولا عرف أسماءه، ولا عرف صفاته وكماله.

3 ـ إنكار القضاء و القدر :

 كذلك.. من أنكر أن يكون ذلك بقضائه وقدره، أي أن الله عزَّ وجل مكَّن الأقوياء، يفعلون ما يشاؤون.. الله ليس له علاقة، وهذا فكر منتشر الآن، الله عزَّ وجل خلاّق لكنه ليس فعّالاً، فيوجد أقوياء، ويوجد ضعفاء، فالأقوياء متحكِّمون بمصائر الشعوب، هم بذكائهم، وتقدُّمهم، وأسلحتهم الفتّاكة، وسيطرتهم، وثورة المعلومات عندهم، تملَّكوا العالم، ولن تقوم للإسلام قائمة.. من ظنَّ ذلك فقد ظنَّ بالله ظنَّ السوء، ومن أنكر أن يكون هذا بقضاءٍ من الله وقدر قال:
 فما عرفه، ولا عرف أسماءه، ولا عرف صفاته، وكماله، ولا عرف ربوبيَّته، وملكه، وعظمته.
 أو من أنكر أن يكون الذي قدَّره قدَّره لغير حكمةٍ بالغة.. أحياناً الإنسان يتكلَّم بكلمات كفر وهو لا يدري، يقول لك: الله يطعم الحلاوة لمن ليس له أسنان. أو يقول لك: فلان على فجوره وفسقه وطغيانه وغطرسته قوي، وغني، ومتمكِّن، وفلان على استقامته وورعه فقيرٌ ذليل، معنى هذا الكلام أن الله ليس حكيماً، فهذا الكلام هكذا مؤدّاه.
 ومن أنكر أن يكون الذي قدَّره من غير حكمةٍ بالغة، ولغير غايةٍ محمودةٍ يستحقُّ عليها الحمد، وأن ذلك إنما صدر عن مشيئةٍ مجرَّدة.. أحياناً الإنسان بلا مبالاة يؤذي إنساناً آخر، فلا يراجع إضبارته فيظل سنوات أحياناً في وضع صعب، وأحياناً لا يدرس طلبه ويكون مظلوماً، فهو حينما لم يدرس طلبه أبقاه في عذابٍ شديد، هذه إرادة مجرَّدة عن حكمة.. ومن ظنّ أن قبضة للجنة ولا أبالي، وقبضة للنار ولا أبالي.. هكذا بلا حكمة، وبلا عدل، من ظن بالله ذلك فهو لا يعرفه، ولا يعرف أسماءه، ولا صفاته، ولا كماله، وقد ظنَّ به ظنَّ السوء.

4 ـ أن أفعال الله تصدر عن مشيئة مجردة عن الحكمة :

 إذا ظنَّ أن أفعاله جلَّ جلاله صدرت عن مشيئةٍ مجرّدةٍ عن الحكمة، وغايةٍ مطلوبةٍ هي أحبُّ إليه من فوتها، وإن تلك الأسباب المكروهة المفضية إليها لا يخرج تقديرها عن الحكمة، وإفضائها إلى ما يحب، فقد ظنَّ بالله ظنَّ السوء، وظنَّ الجاهلية.
 فإما أن تؤمن أن هذا الذي يحدث، والذي لا يعجبك بغير قضاءٍ وقدر، أو أن تؤمن أنَّه بقضاء وقدر، ولكنّها مشيئةٌ مجرَّدة عن الحكمة، وعن الخير المطلق.. هذا كلام مخيف، وهذا ما يعتقد به بعض المسلمين.. لذلك الله عزَّ وجل قال:

﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ﴾

[ سورة ص: 27 ]

 وقال المفسِّر: أكثر الناس يظنون بالله غير الحق ظن السوء، ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله، وعرف أسماءه وصفاته، وعرف موجب حمده وحكمته، فمن قنط من رحمته، ويئس من روحه فقد ظنَّ به ظنَّ السوء، ومن جوَّز عليه، قال: ممكن أن يعذِّب أولياءه مع إحسانهم وإخلاصهم، ويسوّي بينهم وبين أعدائهم فقد ظنَّ به ظنَّ السوء. فإذا قال الله عزَّ وجل:

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾

[ سورة الجاثية: 21 ]

 أي أن يكون الذين اجترحوا السيئات كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواءً بسواء هذا لا يتناقض مع عدالته.. لا والله يتناقض مع وجوده.. فإما أن تؤمن أن الله موجود، وأنَّ عدله مطلق، وأن الذي يبدو لك هو ظلمٌ ظاهري، وأنَّ وراء أفعاله حكمة بالغة، وإما أن تؤمن بالبديل وهو العبثية، وقد قال الله عزَّ وجل:

﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون: 115]

﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ﴾

[ سورة القيامة: 36 ]

5 ـ أن الله يترك خلقه سدى معطَّلين من الأمر والنهي :

 ومن ظن.. يقول لك: بين الفترتين شعوب بأكملها ضالة مضلّة يعبدون الأوثان، والنار، والبقر، والجرذان، ويعبدون الموج أحياناً، ويعبدون الشمس، ويعبدون بعض الحيوانات، شعوب ملايين مملينة، والله تركهم بلا دعوة، وبلا رسل، وبلا هدى، وبلا إرشاد، وبلا أمر، وبلا نهي.. قال: ومن ظن أن الله يترك خلقه سدىً معطَّلين من الأمر والنهي، ولا يرسل إليهم رسله، ولا ينزِّل عليهم كتبه، بل يتركهم هملاً كالأنعام فقد ظن به ظن السوء.

6 ـ أن الدنيا هي كل شيء :

 ومن ظن.. لا يوجد غير الدنيا، القوي هو القوي، والغني هو الغني، الغني في جنّة، والفقير في جهنَّم، وهذه الدنيا هي الجنَّة والنار، من عنده مالاً يفعل به ما يشاء، والمحروم محروم، أي أنّه واضع كل اهتمامه في الدنيا، وهناك مسلمون كثيرون لا يرى إلا الدنيا، هو يقر بلسانه بوجود الآخرة لكنه لا يعلِّق عليها أملاً إطلاقاً، ولا يدخلها في حساباته إطلاقاً، الدنيا هي كلُّ شيء.

7 ـ إنكار يوم القيامة أو أن الله يفصل بين خلقه :

 ومن ظنَّ أنَّه لن يجمع عبيده بعد موتهم للثواب والعقاب في دارٍ يجازى فيها المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، ويبيِّن لخلقه حقيقة ما اختلفوا فيه، ويظهر للعالمين كلَّهم صدقه وصدق رسله.. يقول لك: والله إن هذا الشيء يحيِّر، فكل إنسان يظن أنه على حق، فالله لم يحسم الأمر، فالمسلمون يدَّعون أن الجنة لهم، وغير المسلمين يدَّعون أن الجنّة لهم، والعلمانيون يرون أنّهم على حقيقة، وأن موقفهم علمي وموضوعي، والأديان غيبيّات، وخزعبلات، وخرافات، العلماني يظن أنه على حق، والمسلم على حق، وغيره، أفلا يوجد حسم لهذا الموضوع؟ ألا يوجد موقف من الله عزَّ وجل؟ هذا هو الحق..
 قال: ومن ظنَّ أنَّه لن يجمع عبيده بعد موتهم بالثواب والعقاب في دارٍ يجازى فيها المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، ويبيِّن لخلقه حقيقة ما اختلفوا فيه، ويظهر للعالمين كلَّهم صدقه وصدق رسله، وأنّ أعداءه هم الكاذبون، فقد ظنَّ بالله ظن السوء، ظن الجاهلية.
 إذا أنكرت يوم القيامة، وأنكرت أن الله يفصل بين خلقه يوم القيامة، وأنكرت أن المحسن سيجازى، والمسيء سيعاقب، وأن عدل الله مطلق، فأنت لا تعرف الله عزَّ وجل.

8 ـ أن الله يضيع على عبده المؤمن عمله الصالح :

 ومن ظن.. أحياناً تجد شاباً محباً لله مخلصاً، ينفق ماله في سبيل الله، يتهمه المنحرفون بالجنون، أنه ينفق ماله جزافاً، فكل إنسان يظن أن المستقيم، والمنفق لماله، والمجاهد نفسه هواها، تفكيره محدود، ولا يفهم شيئاً، وضيع مستقبله، ولم يعرف مكانته، ولم يهيئ له مستقبلاً مزهراً، متّبعاً للجوامع، والذكر، وإنفاق المال، وللصدقات، فالذي يظن أن الله سبحانه وتعالى يضيِّع على عبده المؤمن عمله الصالح الذي عمله يكون خالصاً لوجهه الكريم على امتثال أمره ويبطله عليه بلا سبب.. يوجد كثير من الكلام يقال هو الكفر بعينه، كمن يقول: إن الله عزَّ وجل يمكن أن تعبده كل عمرك وقبل الموت بأيام يغلط الإنسان غلطة واحدة فيموت على الكفر، فيذهب إلى جهنم.. هل الأمر بهذه البساطة هكذا؟!! كل حياتك في الطاعة، والاستقامة، والعبادة، والله عزَّ وجل عمل لك مطباً، فتكلَّمت كلمة تستحق النار من أجلها إلى الأبد، هكذا بلا سبب؟! من ظنّ أن الله يضيِّع على عبده المؤمن عمله الصالح الذي عمله يكون خالصاً لوجهه الكريم على امتثال أمره ويبطله عليه بلا سببٍ من العبد - هكذا مشيئته، وهكذا ترتيبه، نحن ليس لنا يد - وأنه يعاقبه بما لا صنيع له - أي حينما خلقه خلقه كافراً، وقدَّر عليه المعصية، وسيجعله في جهنَّم إلى أبد الآبدين، لماذا؟ هكذا مشيئته -، والدليل قوله تعالى:

﴿ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ﴾

[ سورة الأنبياء:23 ]

 قال: من فكَّر هذا أو اعتقد هذا فهو لا يعرف الله عزَّ وجل.

9 ـ أنَّه يؤيّد أعداءه الكاذبين عليه بالمعجزات التي يؤيِّد بها أنبياءه ورسله :

 ومن ظن أنه يجوز عليه أن يؤيِّد أعداءه الكاذبين عليه بالمعجزات - يقول لك: تقدم مذهل، تكنولوجيا، أقمار صناعية، فهم يكشفون كل الأرض، يفعلون ما يشاؤون، أمرهم هو النافذ، والشعوب بأيديهم ألعوبة، وهذا الأمر سيستمر إلى ما شاء الله، هكذا، قال: ومن ظن أنَّه يؤيّد أعداءه الكاذبين عليه بالمعجزات التي يؤيِّد بها أنبياءه ورسله، ويجريها على أيديهم ليضلّ عباده، أو يحسن منه كلُّ شيء، حتى تعذيب من أفنى عمره في طاعته فيخلده في الجحيم أسفل سافلين، وينعم على من استنفذ عمره في عداوته، وعداوة رسله وأنبيائه ودينه، فيرفعه إلى أعلى علين.
 أي إذا ممكن لإنسان فاجر عاص أن يؤيده الله عزَّ وجل وينصره ويعطيه المعجزات، والمؤمن يضعه في جهنَّم إلى أبد الآبدين، يجوز عليه ذلك، لماذا؟.. قال: وكلا الأمرين في الحسن عنده سواء، ولا يعرف امتناع أحدهما، ووقوع الآخر إلا بخبرٍ صادق.. كأن يقول: هذا حديث ورد في البخاري إذاً انتهى الأمر، من دون أن نفهمه، أن نفهم أبعاده، أو نفهم مدلوله، أو نفهم ملابساته، نحكم أنه مادام قد ورد انتهى الأمر.. وإلا فالعقل لا يقتضي بقبح أحدهما، وحسن الآخر، فقد ظنَّ به ظن السوء.

10 ـ أن الله ترك الحق و لم يخبر به :

 ومن ظن أنَّه أخبر عن نفسه، وصفاته، وأفعاله، بما ظاهره باطل وتشبيهٌ وتمثيل، وترك الحق لم يخبر به.. كأن تقرأ آيه، فتقول: ليس هذا معناها، تعطيه حديثاً، فيقول: ليس هذا معناه، فأين إذاً المعنى الصحيح؟! كأن الله عزَّ وجل الذي ذكره بالقرآن لا يريده، والذي ذكره النبي لا يريده، يريد شيئاً آخر أخفاه عن خلقه، كما تقول الفرقة الباطنية، كل شيء ظاهري مرفوض، القرآن ظاهر واضح البيان، وواضح للعيان، يرون الحق شيئاً خفياً عن الناس، غير ظاهر، لو جئت بآيةٍ أو حديث، فهو عندهم غير صحيح، والحقيقة شيء آخر..
 قال: ومن ظن أنَّه أخبر عن نفسه، وصفاته، وأفعاله، بما ظاهره باطل وتشبيهٌ وتمثيل، وترك الحق لم يخبر به، وإنما رمز إليه رموزاً بعيدة، وأشار إليه إشاراتٍ ملغزة، لم يصرِّح به، وصرَّح دائماً بالتشبيه، والتمثيل، والباطل، وأراد من خلقه أن يتعبوا أذهانهم، وقِواهم، وأفكارهم..
 الله عزَّ وجل قال: إنه عادل.. فيقول لك: لا، عدله غير عدلنا. ما هذا الكلام؟! يضرب مثلاً أن لوحاً من الخشب، قسمناه قسمين، وضعنا القسم الأول باباً لمرحاض، والقسم الثاني باباً لقصر، فهل لك معه شيء؟ أنت في ملكه، يقول لك العدل على غير ما أراد الله عزَّ وجل.
 فمن ظن هذا فهو لا يعرف الله، وظن به ظن السوء.. وكل إنسان يظن أن المعنى الظاهر من الآية غير مراد، والمعنى الظاهر من الحديث غير مراد، وأن الحق شيء آخر لا نعرفه، شيء يخصُّ به بعض خلقه، ضيَّق الحق وجعله حكراً لفئة قليلة جداً، وترك ظاهر الآيات، فالآية ظاهرة، هذا أيضاً ظن بالله ظن السوء.
 وبالجملة.. من ظن به خلاف ما وصف به نفسه، ووصف به رسله، أو عطَّل حقائق ما وصف به نفسه، ووصف به رسله فقد ظن به ظن السوء، ومن ظن أن أحداً يشفع عنده بدون إذنه، فقد ظن به ظن السوء، ومن ظن أنه يسلِّط على رسوله محمدٍ صلّى الله عليه وسلّم أعداءه تسليطاً مستقراً دائماً في حياته، وفي مماته، فقد ظن به ظن السوء..

حسن الظن بالله ثمن الجنة :

 لذلك هذه الآية آية مخيفة:

﴿ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾

 الكفار والمنافقون يظنون بالله ظن السوء، فحسن ظن الإنسان بالله ثمن الجنة، عليه أن يعرف الله، لذلك قال بعض الأئمة: العوام لأن يرتكبوا الكبائر أهون عند الله من أن يقولوا على الله ما لا يعلمون.
 وهناك آية قد درج الله فيها المعاصي تدريجاً تصاعدياً، فقد تكلَّم عن الفحشاء، والمنكر، والإثم، والعدوان، والشرك، والكفر، وأعلى مستوى من المعاصي: وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون:

﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة الأعراف: 33]

 إن الرجل ليتكلَّم بالكلمة لا يلقي لها بالاً، يهوي بها في جهنَّم سبعين خريفاً. تتكلم كلمة وأنت لست متأكّداً منها، أو تقول: الحديث موضوع، الحديث ضعيف، والآية:

﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴾

[سورة الصافات: 96 ]

 يقول لك الآية وانتهى الأمر، وهذه الآية جاءت في سياق عبادة الأصنام، فالله خلق عابدي الأصنام، وخلق الأصنام نفسها، أما المعترض فيفهمها فهماً آخر هو أن أفعال الإنسان من خلق الله، حتى السيِّئة، وهذا فعل الله قدرّه عليه.
 طبعاً ليس هناك وقتاً للإفاضة في هذه الموضوعات، إلا أن الملخَّص أنه لا بدَّ من أن تعرف الله، لأنك إن لم تعرفه معرفةً صحيحة، وقعت في إثمٍ كبير.