الفقه الإسلامي - الدرس : 2 - الزكاة ومصارفها1

1998-01-03

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين..

المصرف الأول من مصارف الزكاة يكون للفقراء و المساكين :

 أيها الأخوة الكرام... مع الدرس الثاني من دروس الفقه في رمضان، وقد بدأنا في موضوع الزكاة في الدرس الأول، وتحدثت عن أن الزكاة كما ورد في القرآن الكريم تطهير وتزكية، واليوم ننتقل إلى موضوعاتٍ تفصيليةٍ في الزكاة، ولعل من أبرز هذه الموضوعات مصارف الزكاة.
 مصارف الزكاة ثمانية حصرها الله تعالى في قوله:

﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾

[ سورة التوبة:60 ]

 وعن زياد بن الحارث، قال: أتيت الرسول الله صلّى الله عليه وسلّم فبايعته، فأتى رجلٌ فقال: أعطني من الصدقة؟ فقال عليه الصلاة والسلام:

((إن الله لم يرض بحكم نبي، ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو، فجزأها ثمانية أصناف، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك))

[ أبو داود عن زياد بن الحارث]

 العلماء قالوا: المواريث ومصارف الزكاة لم يرض الله أن يحكم بها نبي، وهو المعصوم، بل حكم هو بذاته، وهذا الشيء دقيق جداً.
 أول هذه الأصناف.. الفقراء والمساكين، هم الذين لا يجدون كفايتهم، من يقابلهم؟ الأغنياء المكفيون، الفقراء المساكين والأغنياء المكفيون.
 ما القدر الذي يصبح الإنسان فيه غنياً؟ العلماء قالوا: هو قدر النصاب الزائد عن حاجته الأصلية. ما حاجته الأصلية؟ طعامٌ، وشرابٌ، وملبسٌ، ومسكنٌ، ودابةٌ، وآلة حرفته، أي محل يكسب منه رزقه، حرفة، محل، عيادة، ثمَّ مركب، مسكن، ملبس، مأكل، مشرب، من عنده فائضٌ عن هذه الحاجات الأساسية مقدار النصاب، تقريباً بالعملة السورية من أربعين إلى خمسين ألفاً نصاب الذهب، وسبعة آلاف إلى عشرة آلاف نصاب الفضة.. الذي معه عشرة آلاف زائدة عن حاجاته الأساسية من مأكلٍ، ومشربٍ، ومسكنٍ، ودابةٍ، وآلة حرفةٍ، فعليه الزكاة.. كلُّ من عدم هذا القدر فهو فقير يستحق الزكاة، لقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من حديث معاذ:

(( تؤخذ من أغنيائهم، وترد على فقرائهم))

 أما هل هناك فرقٌ بين الفقراء والمساكين من حيث الحاجة والفاقة؟ جاء في الحديث الشريف أن النبيَّ عليه الصلاة والسلام يقول:

((ليس المسكينُ الذي ترده التمرة والتمرتان، ولا اللقمة واللقمتان، إنما المسكين الذي يتعفَّفُ؛ اقرؤوا إن شئتم - أي قوله-: { لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا }))

[ ابن كثير عن أبي هريرة]

 من قول الله تعالى:

﴿ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾

[سورة البقرة:273 ]

 أي إنسان يقتحم عليك، يسألك، يقول: أعطني، هذا فقير، هذا إنسان ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، أما الذي تحسبه غنياً من التعفف، وهو في أشدِّ الحاجة إلى المال، لا يسأل الناس إلحافاً، فهذا هو المسكين.. يوجد معنى آخر.. قول الله تعالى:

﴿ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾

[سورة الذاريات:19 ]

 من هو المحروم؟ هو المسكين الذي حجزه تعففه عن السؤال، حجزته عزته وكرامته عن أن يسأل، هذا لا يجد حاجته، قد يسكن بيتاً يملكه، هل نقول له: بع البيت؟ أين يسكن؟ بيت اشتراه من عشرين سنة بعشرين ألفاً، الآن ثمن البيت اثنا عشر مليوناً، أخي بع بيتك، لا.. يبقى في بيته، ويأخذ من الزكاة، لأن المسكن أساسي، والمركب أساسي، والمطعم، والمشرب، وآلة الحرفة، هذا كلّه أساسي، فالفقير هو الذي يسأل، هو الذي ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، أما المسكين فهو المتعفف الذي لا يسأل، قد يرتدي ثياباً أنيقة، وله بيت، ولكن يحتاج ابنه إلى عمليةٍ جراحية، دخله محدود، هذا هو المسكين، إنما المسكين الذي يتعفف، اقرؤوا إن شئتم: لا يسألون الناس إلحافا.
وفي لفظٍ آخر:

(( ليس المسكين الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنىً يغنيه، ولا يفطن إليه، فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس ))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

 العلماء قالوا: إذا قال الله عزَّ وجلَّ: للفقراء والمساكين.. إنّ اجتمعا تفرقا، وإن تفرقا اجتمعا، إذا قال: الفقراء، أي الفقراء والمساكين، وإذا قال: المساكين أي الفقراء والمساكين، وإذا قال: فقراء ومساكين، الفقراء باب، والمساكين باب.

مقدار ما يعطى الفقير من الزكاة :

 الآن.. مقدار ما يعطى الفقير من الزكاة.. يجب أن يكتفي، وأن تسدَّ حاجته بالقدر الذي يجعله غنياً، مكتفياً من طعامٍ، وشرابٍ، ومسكنٍ، وزوجةٍ، وآلة حرفةٍ، ومركبٍ، وخادمٍ، هذا هو المقدار الذي ينبغي أن يعطى للفقراء، أي أن تغنيه، أن تنقله من آخذ زكاةٍ إلى دافع زكاةٍ.. أما صف طويل من خمسمئة امرأة، الهوية، والختم، والتوقيع، والبصمة بمئتي ليرة، فماذا يفعل هذا المبلغ؟ يجب أن تغنيه.
 سيدنا عمر يقول: " إذا أعطيتم فأغنوا .." أي في الصدقة.
 أحد العلماء وهو القاضي عبد الوهاب يقول: يعطى من له المسكن، والخادم، والدابة الذي لا غنى له عنها، أي له مسكن، وله خادم، وله دابة، لكن ليس عنده ما يكفيه إذاً يعطى.
 وعن قبيصة بن مخارق الهلالي قال:

((تحملت حمالة – أي ديناً لإصلاح ذات البين- فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله فيها، فقال: أقم حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها. قال: ثم قال: "يا قَبِيصة، إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمَّل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها – أي فتنة أو قتل اقترض و دفع الديات، هذا معنى تحمل حمالة ، هذا يجب له أن يسأل- ثم يمسك ورجلٍ أصابته جائحةٌ اجتاحت ماله، فحلت له المسألة حتى يصيب قِواماً من عيش، أو سداداً، ورجلٍ أصابته فاقة حتى يقول ثلاثةٌ من ذوي الحجى من قومه: لقد أصابت فلاناً فاقةٌ فحلت له المسألة حتى يصيب قِواماً من العيش، أو سدداً من عيش، فما سواهن من المسألة يا قبيصة فسحتٌ يأكلها صاحبها سحتاً))

[مسلم عَنْ قبيصة بن مخارق الهلالي]

 أي إنسان تحمل ديناً كبيراً لحل مشكلة خطيرة في المجتمع، هذا يسأل، ورجل أصابت ماله جائحة فدمرت ماله، هذا يسأل، ورجل لا يجد قوت يومه، ويوجد تحقيق، ثلاثة من أهل الحجى من قومه يقولون: هذا فقير.

من يحق له أن يأخذ من مال الزكاة :

 عن عبيد الله بن عدي قال: أخبرني رجلان أتيا النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وهو يقسم الصدقة، فسألاه منها، فرفع فينا بصره وخفَّضه فرآنا جلدين أي شابين قويين فقال:

(( إن شئتما أعطيتكما، ولا حظ فيها لغني، ولا لقويٍ مكتسب))

[أبو داود عن عبيد الله بن عدي]

 وفي حديثٍ آخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه أبو داود والترمذي:

(( لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرةٍ سوي))

[أبو داود عن عبد الله بن عمرو]

 إلا أن هناك حالات سُئل الإمام الغزالي عن القوي من أهل البيوتات التي لم تجر العادة فيها بالتكسُّب بالبدن، هل له أخذٌ من الزكاة؟ قال: نعم.. أي شخص محترم جداً افتقر فجأةً، بإمكانه أن يعمل عتالاً، بإمكانه أن يعمل حارساً، لكن هذا الإنسان غنيٌ افتقر، فإذا أردنا أن نحمله على أن يعمل عتالاً، أو أن يعمل حارساً، يوجد غضاضة كبيرة، لذلك مثل هذا الغني الذي افتقر حفاظاً على كرامته وعلى مكانته هذا وحده يحقُّ أن يأخذ من مال الزكاة.

حالات نادرة و دقيقة حول الزكاة :

 توجد عندنا حالة دقيقة.. إنسان يملك أربعين ألفاً، أصبح عليه أن يدفع الزكاة، لكن هذا المبلغ يضعه في الاستثمار مثلاً ويأخذ عليه أربعة آلاف في السنة، وزع أربعة آلاف في السنة على عشرة أشهر أي حوالي ثلاثمائة وخمسين ليرة في الشهر، ماذا يفعل معه مثل هذا المبلغ؟
 العلماء قالوا: من ملك نصاباً وهو لا يقوم بكفايته لكثرة عياله، أو لغلاء الأسعار، فهو غنيٌ لأنه يملك النصاب، تجب عليه الزكاة، وفقيرٌ لأن دخل نصابه لا يقوم بكفايته، فيعطى من الزكاة كالفقير.
 هذه حالات نادرة، أن إنساناً يملك النصاب ويستحق الزكاة نأمره أن يدفع الزكاة ونعطيه من الزكاة، ويوجد شيء قريب من هذا زكاة الفطر، تجب على الفقير الذي يملك قوت يومه، الإنسان ماذا يأكل في اليوم؟ يأكل رغيفاً، وقطعة جبن مثلاً، الذي في بيته رغيف واحد وقطعة جبن تجب عليه زكاة الفطر، لماذا؟ ليذيقه الله طعم الإنفاق في العام مرة، لكي يذوق طعم الإنفاق، طعم الإنفاق طيب جداً، حتى الفقير المعدم يجب أن يؤدي زكاة الفطر، وله أن يأخذ زكاة الفطر أيضاً، يعطي ويأخذ، لكن أراد الله أن يذيقه طعم الإنفاق.
 إذاً الذي يملك نصاباً ولا يقوم هذا النصاب بكفايته نأمره أن يدفع الزكاة ثم نعطيه من زكاة المال.
 في درس قادم إن شاء الله نتحدث عن العاملين على الزكاة، وعن المؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب، والغارمين، وابن السبيل، وفي سبيل الله.
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلّى الله على سيدنا محمد النبي الأمّي، وعلى آله وصحبه وسلَّم.