الفقه الإسلامي - الدرس : 1 - الزكاة حكمتها وفرضيتها.

1997-12-31

 الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الزكاة تؤخذ قصراً لأنها فرض :

 أيها الأخوة الكرام؛ مع بداية الدرس الأول من دروس الفقه في رمضان.
 أقرب موضوع لهذا الشهر الكريم موضوع الزكاة، وقبل أن ندخل في هذا الموضوع لابد من كلمة عن علم عظيم وجليل من العلوم الإسلامية هو علم أصول الفقه، وقيل: إن علماء المسلمين أمام علماء الأصول عوام، لأن أعلى علم في هذا الدين العظيم علم تعرف كيف تستنبط الأحكام الشرعية من النصوص الكلية، فالآية التي هي أصل في الزكاة قوله تعالى:

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾

[سورة التوبة :103]

 الذي يلفت النظر في هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى لم يأمر المؤمنين بدفع الزكاة بل أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأخذها، وفرق كبير من أن تؤمر بدفعها وبين أن يأمر النبي بأخذها، إلا أن العلماء يستنبطون بهذه الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما خاطبه الله عز وجل قائلاً: خذ، ليس بوصفه نبي هذه الأمة، بل بوصفه ولي أمر المسلمين، لماذا؟ لأن المال قوام هذه الحياة، والمعاصي درجات، فالإنسان حينما يقصر في صلاته يضر نفسه وحده، حينما يقصر في صيامه يؤذي نفسه وحده، أما حينما يمتنع عن دفع الزكاة فيؤذي مجتمعاً بأكمله، يختل توازن المجتمع، فلذلك ما أمر المسلم أن يدفعها بل أمر النبي صلى الله عليه وسلم على أنه ولي أمر المسلمين بأخذها، إذاً الزكاة تؤخذ قصراً لأنها فرض، هذا معنى قول الله عز وجل: خذ يا محمد.
 المسلم ليس له اختيار في مجتمع مسلم من أن يدفع أو لا يدفع، لابد من أن يدفع.

حقوق الله مبنية على المسامحة وحقوق العباد مبنية على المشاححة :

 أما كلمة من فهذه تفيد التبعيض، ولحروف الجر معان كثيرة، من معاني من التبعيض، كيف نفهم هذا المعنى؟ قال تعالى:

﴿ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ﴾

[سورة ابراهيم :10]

 أي يغفر لكم بعض ذنوبكم التي بينكم وبين الله، كلما وجدت مع كلمة ذنوبكم كلمة من أي هذه المغفرة ليست لكل الذنوب، لأن حقوق العباد مبنية على المشاححة، ولا تسقط إلا بالأداء أو المسامحة، وكل إنسان يذهب إلى الحج، أو يصوم رمضان، ويتوهم أنه سيعود من ذنوبه كلها كما ولدته أمه هو واهم، يعود من ذنوبه التي بينه وبين الله عز وجل، أما التي بينه وبين العباد فلابد من أن تؤدى، أو أن تسامح، لو أن الأمر كذلك كانت القضية سهلة، إنسان يغتصب بيتاً، ويغتصب مالاً حراماً، ويعلق حقوق الناس في رقبته، ويذهب إلى الحج، ويعود كيوم ولدته أمه، هذا شيء مرفوض إطلاقاً .
 عندما جاءت كلمة من فهي تفيد التبعيض، أي الذنب الذي بينك وبين الله فقط هو الذي يغفر لك في الحج، أو في الصيام، وبعد التوبة النصوح، وحقوق العباد لابد من أن تؤدى، النبي صلى الله عليه وسلم مات أحد أصحابه بل استشهد في ساحة المعركة، فلما جاء ليصلي عليه سألهم: أعليه دين؟ قالوا: نعم، قال: صلوا على صاحبكم، شهيد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين"، لأنه من حقوق العباد، فقال أحد أصحابه للنبي صلى الله عليه وسلم: عليّ دينه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أصلي عليه،
 في اليوم التالي سأل ابن مسعود الذي قال: عليّ دينه أأديت الدين؟ قال: لا، سأله في اليوم الثالث: أأديت الدين؟ قال: لا، سأله في اليوم الرابع: أأديت الدين؟ قال: نعم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الآن ابترد جلده .
 معنى ذلك أن جلد هذا المتوفى الشهيد لم يبترد بالضمان بل بالأداء، هذا حكم أيضاً، قلت: عليّ دينه، لا يكفي، إلى أن يؤدى الدين، لأن حقوق العباد مبنية على المشاححة بينما حقوق الله عز وجل مبنية على المسامحة، هذا معنى كلمة من، خذ من أموالهم أي بعض أموالهم، شيء في الإسلام، أخذ المال كله ليس وارداً إطلاقاً، لأن المال قوام الحياة، خذ من أموالهم ومن تفيد التبعيض، فالأمر موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم على أنه ولي أمر المسلمين، ومن تفيد التبعيض، تفيد بعض أموالهم ونسبة قليلة جداً، اثنان ونصف بالمئة.

وجوب الزكاة في كلّ أنواع الأموال :

 أما لماذا جاءت كلمة أموالهم جمعاً؟ أي خذ بعض أموالهم كلها، بمعنى ماله زراعة عليه زكاة، عنده أنعام عليه زكاة، عنده بضاعة عليه زكاة، عنده أموال عليه زكاة، عسل عليه زكاة، عنده مزرعة، بيوت، كل أنواع الأموال تجب فيها الزكاة، كل أنواع الأموال من دون استثناء، لكن مع التفاصيل، إنسان اشترى بيتاً ليسكنه معفى من الزكاة، اشترى بيتاً ليؤجره الزكاة على أجرة البيت، اشترى بيتاً ليبيعه بعد قليل ويربح فيه الزكاة على كامل ثمن البيت .
 بضاعتك بيوت وأراض، بضاعتك زراعة، عسل، مزرعة تفاح، حقل قمح، بضاعة، معمل، كل أنواع الأموال تجب فيها الزكاة، استنباطاً من قول الله عز وجل:

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾

 جمع، أما أموالهم فأيضاً الميم للجمع، مال جمعه أموال، ومع الأموال جاءت ميم الجمع، قال: هذه تفيد أن الزكاة لا يعفى منها ولا مسلم، تجب في أموال كل المسلمين، هذا يعفى، وهذا تطوى ضريبته وله واسطة، زكاة المال تجب في جميع أموال كل المسلمين، هذا معنى:

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾

 أم هنا في الآية فجاءت كلمة صدقة، لم تأت كلمة زكاة، لأن الصدقة هنا تفيد مدلولها، ومدلولها أنها تؤكد صدق إيمان الإنسان.

الصدقة برهان على الصدق في الإيمان :

 الآن عندنا أوامر في الدين تتماشى مع طبيعة الإنسان، مع طبعه، الدنيا صيف، والحر شديد، والأمر الإلهي بالوضوء، والوضوء منعش، هذا الأمر يتماشى مع طبيعة الإنسان، الزواج سنة، والزواج ممتع، من نعم الله على الإنسان، أما طبع الإنسان فأن يأخذ المال، هنا الأمر عكس الطبع أن ينفقه، فالإنسان حينما يخالف طبعه استجابة لأمر الله عز وجل معنى ذلك أنه يؤكد صدق إيمانه، فالإيمان لا يثبت صدقه إلا بما يخالف الطبع، كل أمر إلهي يوافق الطبع لا يؤكد صدق الإيمان، مع أنك مأمور به، لكن الذي يؤكد صدق إيمانك أن تعطي لا أن تأخذ .
 بل إن بعض العلماء يقول: إن أردت أن تعرف ما إن كنت من أهل الدنيا أم من أهل الآخرة ما الذي يسعدك أن تأخذ أم أن تعطي؟ إن كان الذي يسعدك أن تعطي فأنت من أهل الآخرة، وإن كان الذي يسعدك أن تأخذ فأنت من أهل الدنيا، لذلك الصدقة هنا تؤكد صدق إيمان صاحبها، وهناك حديث يؤكد هذا الاستنباط، قال النبي صلى الله عليه وسلم:

((الصدقة برهان()

[ شعب الإيمان عن أبي مالك الأشعري]

 برهان على أنك تحب الله، لأن الله عز وجل قال:

﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ ﴾

[سورة آل عمران : 14]

 فكلنا مفطورون على حب المال، لكن هناك إنساناً ذكياً يخفي هذا الحب، وإنساناً يظهره، أما كل الناس فيحبون المال، ولولا أنهم يحبون المال ما ارتقوا في إنفاق المال، فهذه الشهوة التي أودعها الله في الإنسان لصالح الإنسان:

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ﴾

الزكاة تطهير و نماء :

 الآن:

﴿ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ ﴾

 تطهرهم جمع، من هم؟ دافع الزكاة وقابض الزكاة والمال معهم، دافع الزكاة يطهر من مرض الشح، و قابض الزكاة يطهر من مرض القهر، الفقير حاقد إذا بقي فقيراً، والغني إن لم يعط من ماله فهو شحيح؛ فالشح مرض، والحقد مرض، فإذا أعطى الغني الفقير زكاة ماله برأ الغني من الشح، وشفي الفقير من الحقد، أما هذا المال الذي أديت زكاته فطهر من تعلق حق الغير به، فصار المال مصوناً، محفوظاً، محصناً .

(( حصنوا أموالكم بالزكاة .. ))

[الطبراني عن عبد الله بن مسعود]

 وما تلف مال في بر أو بحر إلا بحبس الزكاة، فالفقير شفي من حقده على الأغنياء، والأغنياء شفوا من مرض الشح والبخل، والمال أصبح طاهراً من تعلق حق الغير به .
 أما خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم، معنى تزكيهم أي أن الزكاة هي النماء، فالذي يدفع الزكاة يشعر بقيمته، ويشعر أنه مسح جراحات المؤمنين، ويشعر أنه مسح الدمعة عن خدود البائسين، ويشعر أن له أهمية في المجتمع، وأنه أصبح شيئاً مهماً فيه، هو مصدر عطاء، مصدر حلّ مشكلات المجتمع، ومصدر حل البؤس الذي في المجتمع، هذا نمو معنوي .
 أنا مرة دعيت إلى افتتاح مسجد في بعض المناطق، والذي بنى المسجد وقف يستقبل المدعوين، ما رأيت شخصاً يشعر باعتزاز وتألق مثل هذا الشخص، العمل الصالح ينمي شخصية الإنسان، يجعلك بالتعبير الشائع ذا أهمية، فالإنسان ينمو بدفع الزكاة، والفقير كان مستكيناً، متطامناً، بائساً، حزيناً، محروماً، فقيراً، فجاءه مال أنعشه، اشترى لأولاده طعاماً، واشترى لأولاده ثياباً، التف أولاده حوله، ازدادت علاقة أهله به، ونمت نفسه، هنا النمو معنوي، نمو نفس الغني معنوي، ونفس الفقير معنوي .
 أما هذا المال الذي دفعه الغني زكاة لماله فبقية المال تنمو، كيف؟
 هذا قانون اقتصادي ويعتبر أحدث قانون، في المجتمع هناك ما يسمى بالقوة الشرائية، عندما دفعنا وضعنا في أيدي الناس كتلة نقدية قدرها ألف مليون فرضاً، زكاتها اثنين ونصف مليون، إذا وضعت بين أيدي الفقراء خمسة وعشرين مليوناً ماذا سيفعلون بها؟ حتماً لن يخزنوها، سيشترون بها، صار رواج، والمال ينمو أيضاً، وهناك نماء آخر للمال لا نعرفه، قال العلماء: باللطف الإلهي، بالعناية الإلهية المباشرة، بلا قانون، أنت تدفع هذا المال، والله سبحانه وتعالى ينمي بقية المال بطريقة لا تعرفها، قد توفق في صفقة، قد توفق في عمل، يأتيك بمال وفير، المال ينمو، ودافع المال ينمو نفسياً واجتماعياً، وقابض المال ينمو، ففي الزكاة تطهير ونماء.

الزكاة تؤخذ عنوة من المسلمين لأنها حلّ لمشكلة الفقير :

 خذ من أموالهم، خذ فيها استنباط، الزكاة تؤخذ عنوة من المسلمين، وسيدنا الصديق عندما منعوا زكاة أموالهم قاتلهم، وقال: " لو منعوني عقال بعير قاتلتهم عليه" الزكاة تؤخذ عنوةً، أما حينما تصبح اختياراً، قال لي بعض الأخوان الكرام: لا يوجد خمسة بالمئة- وهو يعني ما يقول - من مجموع الأغنياء يدفعون زكاة أموالهم، لكن نحن نعيش مع مؤمنين أكثرهم يدفعون، لكن هذا انطباع وليس إحصاء دقيقاً، أنت تعيش مع مؤمنين، وأكثر أصدقائك مؤمنين، فالأغنياء منهم يدفعون الزكاة، أما لو أخذنا مجموع الأغنياء فلا يدفع منهم ولا خمسة بالمئة زكاة أموالهم، ولو دفعوا زكاة أموالهم لحلت مشكلة الفقر، وهذا منهج إلهي .
 الزكاة فيها حل لمشكلة الفقر، لذلك خذ وليست على مزاج المسلم، خذ من أموالهم، من للتبعيض، الأموال جمع، هم الهاء والميم للجمع أيضاً، من جميع المسلمين، ومن كل أنواع الأموال، وبعض الأموال تؤكد صدقهم، وتطهر الغني من الشح، والفقير من الحقد، والمال من تعلق حق الغير به، ثم تنمي نفسية الغني، وأصبح من الله قريباً، ونفسية الفقير شكر الله على هذا المال الذي جاءه، وحلّ مشكلاته، والمال نفسه ينمو بطريقتين؛ بطريقة قانونية حينما ترتفع القوة الشرائية في المجتمع يعود هذا المال للأغنياء بشكل مبيع وشراء وأرباح، أو بالعناية الإلهية المباشرة، هذا نمط من أنماط استنباط الأحكام التفصيلية من الآيات الكلية، وأرجو الله سبحانه وتعالى في درس الفقه الثاني أن نأخذ التفاصيل حول الأنصبة، وحول مصارف الزكاة، ونحن في أشدّ الحاجة إليها في رمضان .