سورة الأنفال - الدرس ( 07 - 50 ) : الإصلاح بين الإنسان وربه..

1996-01-25

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين.

ضرورة إصلاح النفس و تعريفها بربها :

 أيها الأخوة الكرام؛ المؤمن يعتقد وفق الكتاب والسنة أن الإصلاح في الدنيا ممكن لأنه من يعتقد بالجبر فالسيئ سيئ، والصالح صالح، ولا جدوى من إصلاح النفوس، لكن الكتاب والسنة يشيران إلى أن الإصلاح ممكن، والدليل أن أول آية في كتاب الله يقول الله عز وجل:

﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾

[ سورة الأنفال: 1]

 فإذا الشيء منته، والإصلاح غير ممكن، وما كتب في الأزل سيبقى إلى الأبد، ولا سبيل إلى إصلاحه فالكلام لا معنى له.
 لذلك عقيدة الجبر عقيدة فاسدة، الإصلاح ممكن لأن الله يأمرنا، والله سبحانه وتعالى لا يليق به أن يقول شيئاً، ويعني غيره، أن يقول شيئاً بلسان عربي مبين ويعني غيره، فالإنسان المنحرف يستقيم، والمقصر يتفوق، والعاصي يطيع.
 لذلك ورد في الأحاديث الشريفة في الجامع الصغير قول النبي صلى الله عليه وسلم:

((فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم، فإن الله عز وجل يصلح بين المؤمنين يوم القيامة))

[أبو يعلى عن أنس بن مالك]

 كل إنسان له نفس هي ذات بينه، إصلاحها بتعريفها، إصلاحها بطاعتها، إصلاحها بتوبتها، إصلاحها بقربها من الله عز وجل، فالتوبة، والقرب، والاستقامة في متناول اليد، فربنا سبحانه وتعالى يقول:

﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾

[ سورة الأنفال: 1]

 والآية لها معان كثيرة، أصلح علاقتك مع الله أولاً، أصلح علاقتك مع كل الجهات، أصلح أية علاقة بين شخصين.
 ويقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الشريف الصحيح:

((فَأصْلحُوا رِحَالَكُم، وأصلحوا لِبَاسَكُم، حتى تكونوا كأنَّكم شَامَةٌ في النَّاسِ))

[أبو داود عن ابن الحنظلية سهل بن الربيع]

 الإنسان إن رآه رجل لا يعرفه يتفحصه من ثيابه، ثم من منطقه، ثم من معاملته، فإذا أعجبت الناس بثيابك ولم يكن قولك سديداً نسي الناس ثيابك، وصغرت في نظرهم، لأن القول ليس بسديد، وإن كان القول سديداً، ولم تكن المعاملة طيبة نسي الناس كلامك السديد، وصغرت في أعينهم من معاملتك السيئة، هناك ثلاث مراحل، أولاً المنظر، ثم المنطق، ثم المعاملة.
 قال له: هل تعرفه؟ قال له: نعم، قال له: هل سافرت معه؟ قال: لا، قال: هل جاورته؟ قال : لا، قال: هل حاككته بالدرهم والدينار؟ قال: لا، قال: أنت لا تعرفه.

((فَأصْلحُوا رِحَالَكُم، وأصلحوا لِبَاسَكُم، حتى تكونوا كأنَّكم شَامَةٌ في النَّاسِ))

[أبو داود عن ابن الحنظلية سهل بن الربيع]

 لأن المؤمن على ثغرة من ثغر الإسلام، فلا ينبغي أن يؤتى الإسلام من قبله.

المؤمن أموره مضبوطة :

 يقول عليه الصلاة والسلام:

(( أصلحوا دنياكم، واعملوا لآخرتكم كأنكم تموتون غداً))

[أخرجه ابن قتيبة من كلام عمرو بن العاص ولم يرفعه ]

 أصلحوا دنياكم، أحياناً يكون هناك خلل مزعج ضمن البيت، يسبب كل يوم مشكلتين أو ثلاث، فلو أصلحته استرحت وأرحت، أحياناً شيء لا يذكر بتفاهته، باب يزقزق يحتاج نقطة زيت، من فتح الباب وأيقظني؟ ضع نقطة زيت وأرح بالك، أصلح هذا الخلل، أحياناً يسرب صنبور الماء، هذا ماء، والماء ثمين أصلحه، مطلق الإصلاح، اضبط أمورك، الله جعلك خليفته في الأرض، أتقن عملك.

(( أصلحوا دنياكم))

 ليس معنى هذا أن تحب الدنيا، وليس معنى هذا أن تتعلق بها، ولكن ضبط الأمور جيد، ضبط الأمور، التنظيم، التسجيل، المواعيد الصحيحة هذا كله من ضمن الإصلاح.

(( أصلحوا دنياكم، واعملوا لآخرتكم))

 أحياناً القضية يكون هناك خلل في البيت، أحياناً الشرفة مكشوفة، يضع ساتراً، يصبح الشيء مريحاً، القضية سهلة جداً، تحل مشكلة كبيرة، هناك إنسان أصله كسول، أصله إرجائي يسوف، إذا الإنسان ضبط أموره يرتاح، مع ضبط الأمر يكون هناك مجال للتفرغ لله عز وجل.

(( أصلحوا دنياكم، واعملوا لآخرتكم كأنكم تموتون غداً))

 أحياناً الإنسان يهمل مركبته، يوجد أشياء إذا فيها خلل خطيرة على حياة الإنسان، أحياناً الإنسان تنتهي حياته بسبب تافه، المكابح القضية خطيرة، الميزان شيء خطير، المراجعة، تجد الشخص المؤمن أمره مضبوط، وغير المؤمن:

﴿ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾

[ سورة الكهف: 28]

إصلاح الدنيا جزء من الدين :

 الحقيقة الإتقان لا يتجزأ، الذي أتقن صلته بالله يتقن دنياه، الإتقان لا يتجزأ، إذا أتقنت صلاتك تتقن صنعتك، إذا أتقنت صلاتك تتقن بيتك، أتقنت صلاتك تتقن متجرك، يوجد انضباط، تنظيم، تسجيل، كل شيء بحسابه، الصندوق مضبوط، البضاعة مضبوطة، الزبائن معروفون، الموظفون أمورهم واضحة جداً، فإصلاح الدنيا جزء من الدين، لكن أنت حينما تصلح الدنيا تريد أن تكون نموذجاً طيباً لغير المؤمنين، المؤمن مضبوط، شيء مخز أن الكافر المنحرف عقيدياً، المنحرف سلوكياً أموره مضبوطة، والمسلم المستقيم أموره غير مضبوطة.
 الآن يوجد نظرية لا يمكن للإسلام أن ينتشر بالفكر وحده، إلا أن يرى أعداء الإسلام مجتمعاً إسلامياً منضبطاً، يريدون أن يروا ثمار هذا المجتمع المسلم، فأحياناً موقف أخلاقي، موقف انضباطي، موقف فيه تحدّ، هذا الموقف أفضل من مليون محاضرة.
 نحن مرة كنا بالحج وجدنا شخصاً ألمانياً سألنا عنه قال: هذا مسلم على يد شاب سوري سكن عنده بالبيت بألمانيا، صاحب البيت عنده فتاة على جانب من الجمال، لفت نظره أن هذا الشاب لا ينظر إليها ولا نظرة، بدأ يتتبعه، ما ضبطه بنظرة، يمكن هذا الأب لا يوجد عنده مانع ليقيم هذا الشاب علاقة مع ابنته، لكن لفت نظره، جلس للمناقشة، أقنعه بالإسلام، أسلم، غض البصر وحده سبب إسلام هذا الرجل.
 فالإسلام الآن يحتاج إلى مُثل عليا، إنسان المادة تحت قدمه، شهواته تحت قدمه، مبادئه فوق كل شيء.
 بالمناسبة: إذا ما تفوقت في عملك - ودققوا في هذا الكلام- لا يحترم الناس دينك، المقصر أموره مسيبة، لا يوجد إتقان هناك تقصير، يصلي أمام الناس يسخرون من صلاته، كل إنسان مقصر في الدنيا في اختصاصه، في حرفته، في مهنته، لا يتابع اختصاصه، يتهم في دينه، ويجلب لدينه السمعة السيئة، أنت على ثغرة من ثغر الإسلام، فلا يؤتين الإسلام من قبلك.
 إصلاح الدنيا من الدين، إصلاح الدنيا لانتزاع إعجاب غير المؤمنين، ما هذا الإسلام! مثلاً طبيب يأتيه عشرات المرضى لإجراء عملية، لا تحتاج عملية، الهدف مصلحة المريض، لا مصلحة الطبيب، أحياناً محامي يقول لك: هذه القضية لا تحتاج إلى محام، هذه فيها عفو، قدم استدعاء تأخذها، يعجب به، إنسان نزيه، الحقيقة إذا الإنسان لم يكن نزيهاً، لم يكن عفيفاً، لم يكن مستقيماً، لم يكن منضبطاً، لم يكن متقناً لعمله لا يحترم دينه، دائماً صاحب الدين الذي له خلفية دينية، أو له مظهر ديني، أو له انتماء ديني، إذا أساء يسيء إلى دينه أضعاف ما يسيء إلى دنياه.

(( رحم الله امرأ أصلح من لسانه))

[ ورد في الأثر]

 ذكرت هذا في درس سابق، الإنسان أيضاً مكلف، جمال الرجل فصاحته، إذا كان له اهتمام باللغة، أحياناً يتكلم كلمة حق، يشرح آية.
 النقطة الدقيقة: أن الدعوة إلى الله هي فرض عين و فرض كفاية، فرض عين في حدود ما تعلم ومع من تعرف، هذا فرض عين، أنت إذا أردت أن تقرأ آية، أو أن تقرأ حديثاً، ينبغي أن تقرأ الآية والحديث على وجه صحيح، ذلك اتقوا الله وأصلحوا من لسانكم، إذا الإنسان اهتم باللغة اقتنى كتاب لغة بسيط، اقتنى معجماً صغيراً، سأل، تتبع أمور اللغة، تتراكم الأمور معه، بعد حين يقرأ الآية بشكل صحيح، يقرأ الحديث بشكل صحيح، هذا أيضاً من الدين.

من أقام أمر الله فيما يملك كفاه الله ما لا يملك :

 ويقول عليه الصلاة والسلام:

(( من أحسن فيما بينه وبين الله كفاه الله ما بينه وبين الناس))

[الحاكم فى تاريخه عن ابن عمرو]

 وهذه النقطة دقيقة جداً.

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

[ سورة الرعد: 11]

 أنت ضمن حيز تملكه، وأنت على حيز لا تملكه، أنت على حيز تملكه، وهناك حيز لا تملكه، فإذا أقمت أمر الله فيما تملك كفاك الله ما لا تملك، هذا معنى قول الله تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

[ سورة الرعد: 11]

 قال:

(( من أحسن فيما بينه وبين الله كفاه الله ما بينه وبين الناس))

[الحاكم فى تاريخه عن ابن عمرو]

(( ومن أصلح سريرته أصلح الله علانيته))

[الحاكم فى تاريخه عن ابن عمرو]

 اعمل لوجه واحد يكفك الوجوه كلها، أنت انشغل في إصلاح نفسك تجد العلاقات كلها جيدة، الناس كلها يلتفون حولك، كل الناس يثقون بك، فالعبرة أن تصلح النفس البشرية:

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

[ سورة الشعراء:88-89]

المداراة و المداهنة :

(( سيكون بعدي قوم من أمتي يقرؤون القرآن، ويتفقهون في الدين، يأتيهم الشيطان فيقول: لو أتيتم السلطان فأصلح من دنياك ولا يكون ذلك، لا يجتنى من قربهم إلا الخطايا))

[ ورد في الأثر]

 الإنسان يجب أن يكون مثلاً أعلى، وأن يداري لا أن يداهن، بالمداراة ابذل دنياك من أجل دينك، أما إذا بذلت دينك من أجل دنياك فوقعت في المداهنة، أما إذا بذلت دنياك من أجل دينك فكنت متبعاً لتوجيه النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال:

(( بعثت لمداراة الناس))

[ ورد في الأثر]

 أحياناً الإنسان يطمع بالدنيا على حساب دينه، هذا خاب وخسر ووقع في شر عمله.

((الزهد في الدنيا يريح القلب والجسد، والرغبة فيها تكثر الهم والحزن، إن أسعد الناس في الدنيا أرغبهم عنا، وأشقاهم فيها أرغبهم فيها ))

[الطبراني عن أبي هريرة]

 لكن يوجد تعليق لمؤلف الكتاب أن أصحاب رسول الله بعضهم اشتغل بالعبادة وطلب العلم واكتفى بذلك فتفوق، وبعضهم اشتغل بجمع المال، إلا أن أصحاب النبي حينما جمعوا المال ما جمعوه لأنفسهم جمعوه لينفقوه، وكأنهم أنفقوا علماً، الإنسان ممكن أن يجمع المال، أما المؤمن الصادق فيجمعه لينفقه.
 حبذا المال أصون به عرضي، وأتقرب به إلى ربي. يجمعه لينفقه.

((الزهد في الدنيا يريح القلب والجسد، والرغبة فيها تكثر الهم والحزن ))

[الطبراني عن أبي هريرة]

التولي و التخلي :

 ويقول عليه الصلاة و السلام:

((دَعَواتُ المَكْروب: اللَّهُمَّ رحمتَك أرجو، فلا تَكِلْني إلى نفسي طَرْفَةَ عين، وأَصلِح لي شَأني كلَّه))

[أبو داود عن أبي بكرة]

 ذكرت لكم من قبل أن الإنسان في كل يومه بين موقفين، موقف الافتقار إلى الله وموقف الاعتداد بالنفس، مع الافتقار هناك التولي، ومع الاعتداد هناك التخلي.

((فلا تَكِلْني إلى نفسي طَرْفَةَ عين، وأَصلِح لي شَأني كلَّه))

 مع الافتقار يكون التولي.

﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾

[ سورة البقرة: 257]

 إذا إنسان وكل محامياً لامعاً يمشي بالعرض، يقول: أنا فلان محامي عني، فإذا تولى الله أمرك انتهى كل شيء.

﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾

[ سورة البقرة: 257]

 وهناك آية سبحان الله مؤثرة جداً:

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ ﴾

[ سورة محمد: 11]

 يمشي بأهوائه، المؤمن مسدد، المؤمن محفوظ، المؤمن ملهم، يلهمه الله الصواب عن طريق ملك، أحياناً يحفظه، أحياناً يمنعه من شيء فيه خطر عليه، فالمؤمن له ولي، وليه الله:

﴿ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ﴾

[ سورة الأعراف: 196]

 أما الكافر فدابة فلتانة، لا يسمع، ولا يستشير، ولا يأخذ رأي أحد، وشهواته هي تحركه بكل اتجاه.

الكذب من أكبر الكبائر و يستثنى منه ثلاث حالات :

 الحديث الشريف الصحيح:

((أصلح بين الناس ولو تعني الكذب))

[الطبراني في الكبير عن أبي كاهل الأحمسي]

 الحقيقة الكذب من أكبر الكبائر، إلا أن النبي عليه الصلاة والسلام استثناه في ثلاث حالات، لكن لا يجب أن توسع بهم، ثلاث حالات محدودة جداً، في الحرب،
 لأن الحرب خدعة، والكذب على الزوجة لا في كل شيء، في شيء واحد، لو أنها سألتك: أتحبني؟ قالت له السيدة عائشة: كيف حبك لي؟ قال لها: كعقدة الحبل، أصبح هناك شفرة بينهما، تقول له بين حين وآخر: كيف العقدة؟ يقول لها: على حالها.
 أحياناً الإنسان يقول كلمة والله لا أحبك فيخرب بيت حاله، انتهى، فقط في هذا الموضوع، لكن هناك أخوان توسعوا بها، ما ثمن هذه الحاجة؟ ثلاثة آلاف، هي ثمنها ألف، بعد ذلك مشت في الطريق وجدت أن سعرها ألف، انتهى هذا الزوج، الكذب فقط فيما لو سألتك: أتحبني؟ قل لها: نعم، هذا كذب مشروع، ما كل بيت يبنى على الحب، هناك بيوت تبنى على المصلحة، عندك أولاد، والمرأة صالحة وصاحبة دين، وأم أولادك وتخدم، المفروض تقول لها: أنا في هيام بك، لا يوجد مانع، تمتن العلاقة، الكذب هنا مسموح، فقط في هذا المجال المحدود.
 الكذب الثالث في الإصلاح، اثنان في خصومة، والله الأخ يودك، يثني عليك، ما تكلم عنك كلمة، هو تكلم عنك مئة كلمة، فإذا كذبت من أجل أن تلين قلبه، من أجل أن تعطف قلبه عليه، من أجل أن تنتزع الحقد من قلبه لا يوجد مانع، الكذب في الإصلاح بين مؤمني،ن وفي تمتين العلاقة مع الزوجة، وفي الحرب، وما سوى ذلك الكذب من الكبائر.

((يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب))

[الإمام أحمد عن أبي أمامة الباهلي]

 يوجد مؤمن عصبي، على العين والرأس، مؤمن هادئ جداً، بارد على العين والرأس، وهناك مؤمن منغلق، مؤمن منفتح، مؤمن اجتماعي، مؤمن انعزالي، كله لابأس به، كله واصل لله، أما مؤمن يكذب؟ لا يوجد، يخون؟ لا يوجد.

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ﴾

[ سورة يوسف: 52]

 فلذلك الكذب في ثلاث: في الإصلاح، والكذب في تمتين العلاقة الزوجية، لأن هذه ليس لها دليل، إن قلت: والله إني أحبك، لا يوجد دليل إثبات، ولا دليل نقض، لكن العلاقة تمتن، والشيء الثالث في الحرب، ممن أنتم؟ قال له: من ماء، من هذا الرجل-* عن رسول الله أثناء الهجرة-؟ قال له: هو رجل يهديني السبيل، سيدنا الصديق ما كذب لكن يهديني السبيل، فهم السائل أنه دليل طريق، تركهم، لذلك من دعاء النبي: " اللهم أصلح ذات بيننا، وألف بين قلوبنا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، ونجنا من الفواحش ما ظهر منها وما بطن، اللهم بارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا وأزواجنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها، قابلين بها، وأتمها علينا ".

الإصلاح بين المتخاصمين من أجلّ الأعمال على الإطلاق :

 حديث آخر:

((امشِ ميلاً عد مريضاً، امشِ ميلين أصلح بين اثنين))

[ابن أبي الدنيا في كتاب الإخوان عن مكحول مرسلا]

 صدقوني إنسان له أخت على خلاف مع زوجها، تسكن بالمخيم، ولا يوجد عنده سيارة وركب أول باص، وثاني باص، الطريق ساعة ونصف، وهناك ازدحام، وصل، لين قلب أخته، أقنعها بزوجها، أثنى على زوجها، والزوج أيضاً أخذ معه هدية، هذه الأسرة كانت في خصام، كانت في تنافر، فصار ألفة، هذا من أجلّ الأعمال.
 أنت كمؤمن لك أقرباء، لك أخوات، لك أصهار، إن كان هناك مشكلة، أو حزازة، أو خصومة اذهب وتكلم كلاماً طيباً، وضح الأمور، قرب وجهات النظر، انزع الحقد، خذ هدية، قدم واسطة، هذا عمل طيب جداً.

((امشِ ميلاً عد مريضاً، امشِ ميلين أصلح بين اثنين، امشِ ثلاثة أميال زر أخاً في الله))

[ابن أبي الدنيا في كتاب الإخوان عن مكحول مرسلا]

 زيارة لوجه الله لا تبتغي بها حظاً، ولا نفعاً، ولا ثناء، ولا قرباً، أخوك مؤمن زره في سبيل الله.
 أيها الأخوة؛ كل هذه الأحاديث التي فيها أصلح طبعاً مستوحاة من قوله تعالى:

﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الأنفال: 1]

 أي الإصلاح وارد، حتى الزوجة، هناك شخص يائس من إصلاح زوجته، الله قال:

﴿ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ﴾

[ سورة الأنبياء: 90]

 حتى الذي عنده زوجة سيئة لا ييئس من صلاحها، يجوز من حين لآخر أن تصلح هذه الزوجة وترقى.
 فالإنسان ثقته بالله عز وجل، يصبر بنية الإصلاح.