سورة المؤمنون - الدرس ( 24 - 50 ) : الفلاح.

1996-02-02

 الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

الفلاح :

 أيها الأخوة الكرام؛ هناك قيم أو مقاييس منتزعة من حياتنا، فالناس يقيسون بعضهم بعضاً بمقياس المال أحياناً، أو بمقياس القوة، أو بمقياس الوسامة، هناك مقاييس يقيس الناس بها بعضهم بعضاً، من هو المؤمن؟ الذي تطابقت مقاييسه مع مقياس القرآن الكريم، إذا كان هناك بون شاسع بين ما تقيس به الناس وبين ما يقيس الله به الناس فأنت بعيد عن جوهر الإيمان، أما إذا تطابقت المقاييس فقد أفلحت، الله عز وجل يقول:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون: 1 ]

 أهل الدنيا ماذا يرون؟ قد أفلح الأغنياء، قد أفلح الأقوياء، قد أفلح الذين حولهم أناس كثيرون، قد أفلح الذين يستمتعون بمباهج الدنيا، دائماً يوجد سؤال دقيق: انظر حينما تلتقي بإنسان تقيسه بماذا؟ إن كان مقياسك مادياً فأنت بعيد عن هذا المقياس، الله عز وجل يقول:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُون*الَّذِينَ َ ﴾

[ سورة المؤمنون: 1-2 ]

 الذين اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع صفة للمؤمنين:

﴿ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ َ ﴾

[ سورة المؤمنون: 2 ]

 والصفة قد تعني ما كل مؤمن بالله أفلح، المؤمن الخاشع في صلاته، متى يخشع المؤمن في صلاته؟ إذا كان عمله مستقيماً، هذا هو الإيجاز في القرآن الكريم، لا يخشع إلا إذا استقام، ولا يستقيم إلا إذا عرف، يعرف فيستقيم فيخشع، الله عز وجل أخذ النتيجة:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُون*الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون: 1-2 ]

 قال علماء التفسير: الخشوع في الصلاة ليس من فضائلها، بل من فرائضها. أربع آيات حصراً وردت كلمة قد أفلح:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ﴾

[ سورة الأعلى: 14 ]

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ﴾

[ سورة الشمس: 9]

 أي هذه النفس وضعت بين يديك أمانة، فإذا طهرتها من الشوائب وسموت بها إلى الله طهرتها من المعاصي، وحملتها على الأعمال الطيبة، عرفتها بربها، أبعدتها عن الجهل، حملتها عن طاعة الله، أبعدتها عن المعصية، تقربت بها إلى الله عز وجل بالبذل والعطاء، عندئذ تتزكى النفس، الله عز وجل قال:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا *وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾

[ سورة الشمس: 9-10]

 وأي استقامة وأي عمل صالح يفضيان إلى الإقبال على الله، وتزكية النفس، ينضوي هذا تحت هذه الآية:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ﴾

[ سورة الشمس: 9]

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ﴾

[ سورة الأعلى: 14 ]

 أما النبي عليه الصلاة والسلام فيقول:

((قد أفلح من رُزِقَ لبًّاً))

[البيهقي في شعب الإيمان عن قرة بن هبيرة]

 من رزق عقلاً راجحاً أعمله لمعرفة ربه، أو أعمله فيما خلق له، أعظم عطاء على الإطلاق أن يكون لك عقلاً راجحاً تعمله فيما خلق له، قد تعمل عقلك فيما لم تخلق له، قد لا يكون لك عقل راجح، وقد يكون ولا تعمله، أما الفلاح فيأتي من أين؟ أن يكون لك عقل راجح وأن تعمله فيما خلق له، أنت أفلحت، ويقول النبي عليه الصلاة والسلام: " أفلح من هدي إلى الإسلام".
 الإنسان في بداياته يعتنق فكراً غير إسلامي، مذهب وضعي قد يكون على مناقضة الإسلام، الإنسان إذا اهتدى إلى الإسلام دين الله عز وجل، الدين الذي لا يمكن أن تفاجأ في يوم أنه باطل، أما كل مذهب وضعي بعد سنة أو سنتين أو خمس عشرة أو سبعين تفاجأ أنه دين باطل لا أصل له، فلذلك قد أفلح من هدي إلى الإسلام. مسلم حقيقي، عقيدة وعبادة وسلوك:

((قد أفْلَحَ مَنْ أسلم، ورُزِقَ كفافاً، وقَنَّعه الله بما آتاه))

[مسلم والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص]

 مكتف ليس معنى هذا أنه فقير، مكتف ولكن ليس عنده غنىً يطغيه.

من نقل أهدافه إلى الآخرة قنع بكل شيء :

 قلت مرة: هناك فقر الكسل، وهناك فقر القدر، وهناك غنى البطر، وهناك غنى الكفاف، أن تكون مكتفياً أنت أغنى الناس:

((قد أفْلَحَ مَنْ أسلم، ورُزِقَ كفافاً، وقَنَّعه الله بما آتاه))

[مسلم والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص]

 العبرة أن تقنع، قد يكون عيشك كفافاً وأنت تقنع به، والمؤمن إذا نقل أهدافه إلى الآخرة يقنع بكل شيء، أما إذا أسقط الآخرة من حسابه فلا يقنعه في الدنيا شيء، الشعور بالحرمان مستمر، عنده ما يطغيه ويشعر بالحرمان، لذلك قالوا: أنت من خوف الفقر في فقر، ومن خوف المرض في مرض، وتوقع المصيبة مصيبة أكبر منها، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: " قد أفلح من أخلص لبه للإيمان، وجعل قلبه سليماً، ولسانه صادقاً، ونفسه مطمئنة، وخليقته مستقيمة، وأذنه مستمعة، وعينه ناظرة".
 هذه العين تنظر فتعتبر، وهذه الأذن تسمع فتتعظ، وهذه الخليقة منضبطة مع منهج الله، وهذه النفس مطمئنة إلى وعد الله، وهذا اللسان صادق لا يكذب، وهذا القلب سليم لا يحقد، انظر إلى دقة الصفات:" قد أفلح من أخلص لبه للإيمان، وجعل قلبه سليماً، ولسانه صادقاً، ونفسه مطمئنة، وخليقته مستقيمة، وأذنه مستمعة، وعينه ناظرة".
 لولا أن المساكين يكذبون ما أفلح من ردهم، لذلك الله عز وجل يقول:

﴿ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ ﴾

[سورة البقرة: 273]

 يقول النبي عليه الصلاة والسلام:" أفلح من كان سكوته تفكراً، ونظره اعتباراً، أفلح من وجد في صحيفته استغفاراً كثيراً".
 إذا سكت يفكر، وإذا نظر يعتبر، طاقة مستمرة، إن سكت يفكر، إن نطق يذكر، كل طاقاته مسخرة للحق، لما خلق الله عز وجل جنة عدن خلق فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ثم قال لها تكلمي فقالت: " قد أفلح المؤمنون".
 أي قد تكون إنساناً بسيطاً، و يكون دخلك محدوداً، ووظيفتك متواضعة، وبيتك صغيراً، وزوجتك وسطاً، لكن لك عند الله شأن كبير، العبرة بخواتيم الأمور، العبرة بطاعتك لله، العبرة بمعرفتك لله، العبرة بحجم عملك الصالح، الله عز وجل لما خلق جنة عدن خلق فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ثم قال لها تكلمي فقالت: قد أفلح المؤمنون.
 أي يجب إن كنت مؤمناً حقيقياً وملتزماً يدخل على قلبك سرور وثقة بالله وبالمستقبل الشيء الكثير، قد أفلح المؤمنون، يبدو أن النبي عليه الصلاة والسلام سمع رجلاً يمدح أخاه مدحاً مبالغاً فيه فقال: ويحك قطعت ظهر أخيك، والله لو سمعها ما أفلح أبداً، إذا أثنى أحدكم على أخيه فليقل: فلان كذا وكذا ولا أزكي على الله أحداً.
 قل: الله أعلم، دخل النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت أحد الصحابة، الذين توفاهم الله اسمه أبو السائب، فسمع امرأة تقول: هنيئاً لك أبا السائب لقد أكرمك الله، فقال عليه الصلاة والسلام: " ما يدريك أن الله أكرمه؟ قولي: أرجو الله أن يكرمه، وأنا نبي مرسل، لا أدري ما يفعل بي ولا بكم".
 سيدنا الصديق لما ولى سيدنا عمر، قالوا: أتولي علينا رجلاً شديداً؟ قال: أتخوفونني؟ والله إذا سألني ربي لما وليت عليهم عمراً، أقول: يا ربي لقد وليت عليهم أرحمهم، فإن بدّل وغيّر لا علم لي بالغيب.
سيدنا الصديق تحفظ مع سيدنا عمر، هذا أدب مع الله، فإن بدّل وغيّر لا علم لي بالغيب.

تناقض الكذب مع الإيمان :

 بالمناسبة إن الله ليغضب إذا مدح الفاسق، إنسان تارك الصلاة، شارب خمر، تثني على أخلاقه أمام ابنك وأنت أبوه؟ تقول له: إنسان طيب وهو لا يصلي؟ الابن اضطرب، عندما نثني على إنسان فاسق من دون حدود نعمل تحطيماً للقيم، إن الله ليغضب إذا مدح الفاسق، إنسان كلامه محاسب عنه.
عن عمر رضي الله عنه قال: " لا خير فيما دون الصدق من الحديث، من يكذب يفجر، ومن يفجر يهلك، قد أفلح من حفظ من ثلاث من الطمع والهوى والغضب".

(( يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلَالِ كُلِّهَا إِلَّا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ ))

[ أحمد عن أبي أمامة ]

 هناك مؤمن يميل إلى العزلة، وهناك مؤمن منفتح، عشرات الصفات، أما مؤمن يكذب، فالكذب يتناقض مع الإيمان، مؤمن يخون، الخيانة تتناقض مع الإيمان، لذلك قال عمر: " لا خير فيما دون الصدق من الحديث، من يكذب يفجر، ومن يفجر يهلك، قد أفلح من حفظ من ثلاث من الطمع والهوى والغضب".

((إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ ...))

[ أحمد عن أبي هريرة]

 الصلاة لا تكون صحيحة إلا إذا سبقتها استقامة، ولن تستقيم إلا إذا عرفت الله عز وجل، تعرف تستقيم تصلي، لذلك:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُون*الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون: 1-2 ]

((ثم أن حذيفة بن اليمان لما احتضر أتاه ناس من الأعراب قالوا له: يا حذيفة ما نراك إلا مقبوضاً؟ فقال لهم: غب مسرور وحبيب جاء على فاقة لا أفلح من ندم...))

[المستدرك على الصحيحين عن زيد بن سلام عن أبيه عن جده]

الندم علامة ضعف الإنسان :

 أيها الأخوة الكرام؛ علامة أنك ناجح في حياتك أنك لا تندم، الندم علامة ضعف، كلما ندمت على شيء فاتك الدليل، ما كنت حكيماً وقتها، فقال هذا الصحابي الجليل:

((…اللهم إني لم أشارك غادراً في غدرته فأعوذ بك اليوم من صاحب السوء، كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر فقلت: يا رسول الله إنا كنا في شر فجاءنا الله بالخير فهل بعد ذلك الخير شر؟ قال: فقال: نعم، قلت: وهل وراء ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، قلت: كيف؟ قال: سيكون بعدي أئمة لا يهتدون بهدي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم رجال قلوبهم قلوب رجال في جثمان إنسان، فقلت: كيف أصنع إن أدركني ذلك؟ قال: تسمع للأمير الأعظم وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك، هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه))

[المستدرك على الصحيحين عن زيد بن سلام عن أبيه عن جده]

 هذا الحديث يشير إلى أن المؤمن عليه أن يعتصم بالله وبرسوله، وألا يكون سبباً لفتنة.
 أيها الأخوة؛ هذه بعض الأحاديث التي وردت فيها كلمة قد أفلح، ودائماً وأبداً إذا تطابق مقياسك مع مقياس القرآن الكريم فقد أفلحت، العبرة ألا تقيس الناس بمقياس غير المقياس الذي يقيس الله به الناس، إن تطابقت المقاييس نجحت وأفلحت.