تأملات قرآنية - الدرس : 16 - من سورة هود - من هذا الإنسان؟.

1997-01-17

الفطرة و الصبغة :

 أيها الأخوة الكرام؛ الآية التاسعة من سورة هود وهي قوله تعالى:

﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾

[سورة هود: 9]

 النبي عليه الصلاة والسلام تعوّذ من السلب بعد العطاء:

﴿ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ﴾

[سورة هود: 10]

 هذا نموذج، إن جاءته المصائب صار يئوساً قنوطاً، وإن جاءته الخيرات صار فرحاً فخوراً. في الرخاء ليس شاكراً وفي البلاء ليس صابراً، من هذا الإنسان؟ قال: هو أي إنسان قبل أن يعرف الله، نستنبط من هذا أن كلمة الإنسان إذا وردت في القرآن معرّفة بأل فهذا يعني الإنسان قبل أن يعرف الله:

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً ﴾

[سورة المعرج: 19-21]

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ ﴾

[سورة الحج: 66]

 الإنسان قبل أن يعرف الله له خصائص متعلقة بفطرته، فالفطرة لا تعني الكمال ولكن تعني حب الكمال، فرق كبير بين أن تكون كاملاً وبين أن تحب الكمال، الصبغة تعني الكمال، أما الفطرة فتعني الاستعداد للكمال وحب الكمال، فحيثما وردت كلمة الإنسان في القرآن الكريم معرفة بأل تعني الإنسان قبل أن يعرف الله، قبل أن يمتثل به، قبل أن يصطبغ بصبغته، هناك مشكلة، الناس حينما يرون إنساناً محسوباً على المسلمين يؤدي شعائر الله؛ يصلي، ويصوم، ويحج، ويزكي، أما في التعامل اليومي فتجده كغيره من الناس، قد يكذب، وقد يحتال، وقد يغش، وقد يضعف، وقد ينافق، وقد يستعري. إن رأى الناس نموذجاً محسوباً على المسلمين كهذا النموذج يرون الدين عبئاً عليهم، بقي الدين قيوداً، وبقي الدين ثقيلاً، أما إن وجدت أن المؤمن إنساناً آخر، الإيمان تغلغل إلى أعماق قلبه فجعله صابراً، جعله أميناً، جعله صادقاً، جعله عفيفاً، جعله متواضعاً، جعله محباً للخير، جعل له أهدافاً كبيراً تتجاوز حاجاته اليومية، فعندئذٍ يصبح الإسلام أو الدين في مكانة مرموقة جداً بنظر الناس. فلذلك ربنا عزّ وجل يعرض علينا حال أهل الكفر.
 مثل بسيط: كيلو الفحم كم ثمنه؟ عشر ليرات مثلاً، رأيت أنا ألماسة في استنبول، ثمنها مئة و خمسون مليون دولار، أكبر ألماسة في العالم مئة و خمسون مليون دولار، والألماس فحم، أساسه فحم. جاءه ضغط شديد وحرارة شديدة. ائت بقطعة فحم أسود بحجم الألماسة ووازن بينهما في الثمن، قطعة ثمنها يقدر بمئة و خمسين مليون دولار وقطعة ثمنها أقل من قرش، هذه فحم وهذه فحم. والله لا أبالغ المؤمن لو وازنته بغير المؤمن مع أنهما من طبيعة واحدة كلاهما إنسان، كلاهما يمشي على قدمين، كلاهما له رأس، كلاهما له عينان، كلاهما له أذنان، كلاهما يأكل، كلاهما يتزوج، كلاهما ينام، لو وازنت بين مؤمن كامل الإيمان وبين شارد عن الواحد الديان لوجدت الفرق بين قطعة الفحم وقطعة الألماس.

الإسلام استقامة و أخلاق :

 إذا الإيمان ما صنع بالمؤمن شيئاً أساسياً، إذا ما قلبك مئة و ثمانين درجة، إذا ما عدل أخلاقك إلى أخلاق فاضلة، إذا ما جعل المليار يستوي عندك مع الدرهم إذا كان حراماً، إذا ما جعلك تركل الدنيا بقدمك إن كانت فيها شبهة، ليس هذا بإيمان، مشكلة الناس يرون أناساً يؤدون الصلوات، ويدفعون الزكاة، ويصومون، أما في التعامل اليومي فلا ترى الصدق، لا ترى العفة، لا ترى الأمانة، لا ترى الحب للآخرين، لا ترى الرحمة، أحياناً صانع في محل تجاري يطلب من معلمه أن يذهب قبل العمل بساعة ليلتحق بدورة مسائية، هو يتيم ليأخذ الكفاءة، لا يسمح له معلمه، المعلم يدفع لابنه خمسمئة ألف دروساً خاصة ليصبح ابنه طبيباً، هذا ابن الناس، هناك قسوة، ابنك تدفع له خمسمئة ألف دروساً خاصة حتى يصير طبيباً، أما ابن الناس فطلب منك ساعة قبل الدوام ليلتحق بدروة مسائية لا ترضى و تصلي؟! فالإسلام رحمة، الإسلام تواضع، الإسلام عفة، إذا الإسلام لم يصنع بالإنسان صفات راقية جداً، تشد الناس لك، إذا الإنسان لم يصنع بالإنسان مستوى راق جداً. هذا ليس إسلاماً، هذه شعائر يؤديها من يؤديها، ويدعها من يدعها، لا تقدم ولا تؤخر إلا إذا صنعت منك بطلاً.
 النبي عليه الصلاة والسلام صنع من أصحابه أبطالاً، أي ممكن جيش يعاني من ضائقة عسكرية شديدة جداً يستنجد بسيدنا عمر فيرسل له واحداً، سمعتم بحياتكم في التاريخ جيشاً يواجه أكبر قوة في العالم، يستنجد بالخليفة فيرسل له واحداً هو القعقاع بن عمرو. واحد كأمة وانتصروا. والحقيقة في التاريخ الإسلامي شيء لا يصدق، هذا الإسلام الذي نبحث عنه، إسلام العفة، إسلام الاستقامة، إسلام الصدق، إسلام الأمانة، أما الشعائر فسهلة جداً لا تقدم ولا تؤخر، لذلك سيدنا جعفر قال:

(( أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه، وصدقه، وأمانته، وعفافه...))

[ ابن خزيمة عن جعفر بن أبي طالب ]

 بماذا وصف النبي؟ بالأمانة، والصدق، والعفاف، والاستقامة.

(( ... فدعانا إلى الله لتوحيده، ولنعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء ))

[ ابن خزيمة عن جعفر بن أبي طالب ]

 هذا الإسلام، الإسلام بناء أخلاق.
 هنا نموذج من الشاردين عن أمل الله:

﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ* وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ﴾

[سورة هود: 9-10]

 أما المؤمن ففي الشدائد صابر، وفي الرخاء شاكر، قصدت من هذا لا تعد عند الله مرضياً إلا إذا كنت ذا خُلق، إلا إذا اصطبغت نفسك بصبغة الله، إلا إذا استقر الإيمان ومعه الكمال، هذا الذي نبحث عنه.
 الحقيقة الكلمة لا أقول ملّ الناس منها، الكلمة الآن لا تؤثر، يهز العالم الآن مجتمع إسلامي متماسك متعاون، يهزك أنت إنسان مسلم، مطبّق، أي رضاء الله أغلى عليه من الدنيا وما فيها.

الإعجاز في كلام الله عز وجل :

 الآية الثانية:

﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾

[سورة هود: 6]

 وقف العلماء عند هذه الآية وقفة متأنية قال:

﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ ﴾

 جاءت دابة نكرة و التنكير هنا تنكير شمول.
 تقول: شجرة أي نقصد أيّة شجرة على وجه الأرض، لو قلنا: شجرة التفاح.. معرفة، ضاق الأمر.. صار شيئاً معيناً، الشجرة المثمرة تعيّن، أما شجرة فهي أيّة شجرة، فهذا التنكير تنكير الشمول، ومن تفيد استغراق أفراد النوع

﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ ﴾

 لو ربنا قال: الدواب، معنى هذا الدواب المعهودة، الدواب المتعارف عليها أنها دواب، لكن ما من دابة، ومن أية دابة، نملة صغيرة سمراء على صخرة صماء في ليلة ظلماء رزقها على الله.
 أغرب شيء أن الإنسان ينشغل بما ضمن له عما كُلّف به، أنت مكلّف أن تعرف الله، مكلّف أن تعبده، مكلّف أن تطيعه، تدع ما أنت مكلّف به وتنشغل بما ضُمن لك، وهذه مشكلة كبيرة جداً، أقبلوا على ماكُلّفتم به ودعوا ماضُمن لكم، طبعاً ما ضُمن لنا يأتي بالسعي، لكن ليس بترك الصلاة، ليس بترك الاستقامة، ليس بالكذب، يضحون الناس بدينهم من أجل دنياهم.
 أي أقبلوا على ما ضُمن لهم وتركوا ما كلّفوا به.

﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾

 تصور يوجد نوع من الوعول يعيش في قمم الجبال، في القمم، في الينابيع، اسأل عالماً فيزيائياً يقول لك: مستحيل، مستحيل أن يكون هناك نبع في قمة الجبل إلا بحالة واحدة أن يكون له مستودع في جبل أعلى، مستحيل بالقوانين الفيزيائية لذلك في بعض قمم الجبال يوجد ينابيع من أجل بعض الوعول التي تعيش هناك. مستودعاته في قمم أعلى بعيدة جداً، معنى هذا يوجد تمديد من قمة جبل عالية جداً إلى الجبل الثاني ليكون هذا النبع شراباً لهذا الحيوان، أحياناً يوجد أدلة كبيرة ، عندنا في بلدنا والحمد لله منذ عدة سنوات كان إنتاجنا من القمح ثلاثة و نصف مليون طن، حاجتنا مليون واحد، في سنة كان الإنتاج مئتين و خمسين ألف طن، مئتين و ستين، سبعمئة، خمسمئة، ثلاثة و نصف مليون، أي الله عزّ وجل إذا أعطى أدهش. لا يمكن أن يكون في الأرض تقنين عجز، لا يمكن، أما تفكير العالم أنه يوجد انفجار سكاني، والمواد قليلة، والمساحات الخضراء قليلة، ويوجد تصحّر.. كأن الله عز وجل خلق الخلق ونسي أن يرزقهم، لكن الله جل جلاله إذا قنن فتقنينه تقنين تأديب، لا يليق بالله عزّ وجل أن يكون تقنينه تقنين عجز.

﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾

[سورة الإسراء: 44]

﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ﴾

[ سورة هود: 6 ]

 أما كلمة

﴿ مَا ﴾

 لو الدواب في الأرض على الله رزقها، يرزقها أو لا يرزقها.
 الدواب في الأرض يرزقها الله لا على وجه الإلزام أما كلمة على تفيد الإلزام، هذا عليّ هذه العبارة تفيد الإلزام، لكن الإلزام إلزام ذاتي، وكلمة

﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا ﴾

 حصر، يوجد بالآية تنكير، ويوجد بالآية من التي تفيد استغراق أفراد النوع، ويوجد بالآية حصر

﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا ﴾

  ويوجد بالآية إلزام، هذا هو القرآن الكريم. إذا ألغيت التنكير لم يعد قرآناً، حذفت من لم يعد قرآناً، اختلف المعنى، حذفت القصر والحصر لم يعد قرآناً، حذفت كلمة على لم يعد قرآناً، هذا هو القرآن، لو دققت بالآيات كلها لوجدت إعجازاً نظمياً، إعجاز بالنظم هذا كلام الله عزّ وجل.

حال المؤمن و حال الكافر :

 أخواننا الكرام؛ الآية الدقيقة جداً في هذه السورة:

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ ﴾

[ سورة هود: 28]

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ ﴾

 هذا حال المؤمن،

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾

 المؤمن على بينة، يعرف أين كان، وماذا بعد الموت، يعرف سرّ وجوده في الدنيا، يعرف حقيقة الكون، يعرف حقيقة الحياة، يعرف حقيقة الإنسان، مكانة الإنسان عند الله عزّ وجل، يعرف مهمته الواضحة، يتحرك وفق منهج،

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ ﴾

 حال الكافر أو غير المؤمن أن الدنيا ملأت نفسه، الدنيا فقط بمالها، بنسائها، بقصورها، بمركباتها، ملأت نفسه. مبلغهم من العلم، ذلك مبلغهم من العلم، أما حال المؤمن فحال أكبر بكثير، تعرّف إلى الله فصغرت الدنيا في عينيه.
 يروون أن إنساناً معذباً فقيراً يعمل في أقذر الأعمال، لا يجد قوت يومه، رأى أحد العلماء الكبار ابن المبارك في موكب من إخوانه، طلعة بهية، محفود، محشود، معزز، مكرم، وهذا الجني سمع عن رسول الله حديثاً أن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، لم يفهم هذا الحديث، شاهد وضعه بشيء لا يحتمل من الشقاء وهذا الإنسان العالم بشكل آخر.. قال له: يا سيدي يقول نبيكم: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر فأيّ جنة أنا فيها وأيّ سجن أنت فيه؟ قال له: يا هذا لو قست حالك لما بعد الموت فأنت في جنة ولو قست حالي بما وعدني الله به فأنا في سجن.
 فالمؤمن موعود بالجنة، موعود بجنة في الدنيا، جنة الدنيا وردت اليوم بأول السورة:

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ ﴾

[ سورة هود: 28]

 أهل الدنيا يقيسون المؤمن من دخله فقط، يقيسونه بمساحة بيته، يقيسونه بوظيفته، قد تكون وظيفته متواضعة جداً، يقيسونه بدنياه يجدونه لا شيء، أما المؤمن فيقيس نفسه بمرضاة الله، بطاعته لله، بدعوته، بمهمته، يرى أنه أسعد الناس، فنحنا مشكلتنا التداخل، إذا قست نفسك بمقاييس أهل الدنيا تتراجع، أما إذا قست نفسك بمقاييس أهل الإيمان فتتفوق، لذلك لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي، إن صاحبت مؤمناً يوجد مقاييس مشتركة، يوجد قيم مشتركة، يقدّر فيك علمك، تقدّر فيه علمه، يقدّر فيك طاعتك لله، تقدّر فيه طاعته، أما إذا صاحبت أهل الدنيا كما قال سيدنا عمر: من دخل على الأغنياء - طبعاً غير المؤمنين- خرج من عندهم ساخطاً، تتداخل المقاييس، نحن بحاجة إلى مجتمع مسلم بعيد عن تداخلات المجتمعات الأخرى، لأن مشكلة المؤمن الآن أنه يعيش مع الناس، إغراءات الدنيا خاضع لها، مشكلات الناس يعانيها، نفاق الناس يعيش بينهم، ضاعت استقامته، ضاع اتصاله بالله عزّ وجل. يجب أن نعيش مع المؤمنين، يجب أن تحكمنا قيم إسلامية، يجب أن نقيّم بعضنا بمقاييس القرآن الكريم، سيدنا رسول الله دخل عليه صحابي فقير جداً فهشَّ له وبش وقال: أهلاً بمن خبّرني جبريل بقدومه، قال أو مثلي؟ قال: نعم يا أخي، أنت في الأرض خامل لكنك في السماء علم، ابتغوا الرفعة عند الله..
 أنا قلت لكم البارحة: الإنسان الذي يعمل مستخدماً في مدرسة، ولا يملك من الدنيا إلا قطعة أرض ورثها، ودخله لا يكفيه خمسة أيام، و اشتريت منه هذه الأرض بـثلاثة ملايين، وعندما تسلّم الشيك بمليونين، وطُلب منه أن يذهب إلى الأوقاف ليتنازل عنها لبناء مسجد، أمسك بالشيك ومزقه وقال: أنا أولى أن أتبرع بها لبيت الله عزّ وجل وتبرع بها، أما هذا الذي اشتراها منه فله حجم مالي كبير جداً صغر، رأى نفسه أمام هذا الإنسان لا شيء.
 أخواننا الكرام؛ بإمكانك أن تكون عظيماً وأنت فقير، وأنت ضعيف، قد تحتل مرتبة اجتماعية متدنية جداً، قد تكون موظفاً لا يؤبه لك في دارك، وقد تكون عند الله أفضل من ملايين الأشخاص، بطاعة الله.

شعور المؤمن أن الله يحبه لا يقدر بثمن :

 القرآن الكريم نحن نقرؤه للتبرك لكن قلّما نقف عنده وقفات متأنية. يقول الله عزّ وجل:

﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾

[سورة الحجرات: 13]

 هذه الآية تكفي

﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾

 فالمؤمن أتاه الله رحمة من عنده فعُميّت على غيره، ألم يقل أحد العارفين بالله: والله لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليه بالسيوف، ساعات المؤمن داخلية، ماذا قال أحد العلماء؟ قال: ماذا يفعل أعدائي بي بستاني في صدري، إن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن حبسوني فحبسي خلوة، وإن قتلوني فقتلي شهادة، فماذا يصنع أعدائي بي؟ قال: مساكين أهل الدنيا، جاؤوا إلى الدنيا وخرجوا منها ولم يذوقوا أطيب ما فيها.
 أنا قلت لكم من يومين: إن شعور الإنسان أن الله يحبه، وأن الله راضٍ عنه، وأنه في عين الله، وأنه في ظل الله، وأنه في رعاية الله، وفي توفيق الله، وحفظ الله، هذا الشعور لا يوصف، لا يتمتع به أغنى أغنياء العالم، ولا أقوى أقوياء العالم. شعور أن الله يحبك وأنك بعين الله وأنك في مرضاته، هذا الشعور لا يوصف، مرة كنت في عقد قران، خطيب الحفل ذكر قول النبي عليه الصلاة والسلام يخاطب سيدنا معاذ قال:

(( والله يا معاذ إني لأحبك))

[ النسائي عن معاذ بن جبل]

 والله صدقوني أيها الأخوة ما رأيت في حياتي مرتبة تفوق أن يحبك رسول الله، شيء بيدك باستقامتك، بعفتك، بطهارتك، برحمتك، بخدمتك للناس، يحبك الله ورسوله، لا يستوي الأعمى والبصير، ولا الظلمات ولا النور، ولا الظل ولا الحرور، لا يستويان. تذكروا مثل الألماسة التي ثمنها يقدر بمئة و خمسين مليون دولار، وقطعة مشابهة لها لكنها فحم، ثمنها قرش، هذا هو الفرق بين المؤمن وغير المؤمن.
 مثل آخر؛ تصوروا قطعة لحم متفسخة يصدر منها رائحة لـمئة متر لا تحتمل، تخرج من جلدك من هذه الرائحة، وقطعة لحم طازجة مشوية وأنت جائع جداً. قطعتا لحم؛ الأولى تنفر منها، والثانية تقبل عليها، وهكذا المؤمن وغير المؤمن، أما عندما نجد الفرق فقط بالصلاة، والله المشكلة كبيرة، أكبر مشكلة أن تكون بين المؤمن وغير المؤمن الصلاة فقط، هذا يصلي وهذا لا يصلي، لكن الاثنين يكذبون، الاثنين يغشون، الاثنين يحتالون، الاثنين يوجد قسوة بقلبهم، الاثنين عندهم أنانية، أصبحت الصلاة عبئاً على الناس، نفور الناس من الدين هذا هو سببه، لا يجد الفرق جوهرياً بين المؤمن وغير المؤمن، شخص أرسل لي رسالة منذ سنتين.. أقسم بالله ولم يذكر اسمه أن معه عشرين مليون ليرة لجهة توفيت فجأة ولا يوجد مع الورثة علم ولا وصل بالمبلغ، سمع درس الأمانة بدرس العثمان تأثر به تأثراً كبيراً فذهب إلى الورثة وسلّمهم العشرين مليون ليرة، هذا الدين.
 أحياناً الإنسان ممكن أن يكون المنزل باسمه ولم يطوّبه، يطلب مليون زيادة، قبض ثمنه من عشرين سنة بالتمام والكمال، ممكن أن يطلب مليون ومليونين وثلاثة، ويفعلها معظم تجار العمار، الأسعار ارتفعت لن أطوّبه لك، وهناك إنسان يعرض عليه ملايين يرفضها لأنه باع واشترى بالثمن الطبيعي وربح، وليس له إلا أن يطوّب، هذا المؤمن، إذا لم تركل بقدمك مليون ومئة مليون لأنها مشبوهة فلست مؤمناً. فنحن مشكلتنا اليوم تجد رجلين الأول محسوب على المسلمين والآخر غير مسلم، كلاهما يكذب، كلاهما يغش، كلاهما يحتال، بقيت الصلاة مصيدة، أصبحت عبئاً، فنحن نريد الصلاة سبب رقيّنا، سبب إقبالنا على الله عزّ وجل، هذا هو الدين الذي أراده الله، غير معقول أن يكون في منهج خالق الكون خلل، هذا منهج ربنا عز وجل إذا لم يعط ثماراً ناجحة فلن يقبل.
 إذا كانت الجامعة تخرّج أناساً جهلة، مهندس عمّر البناء فوقع البناء، الأستاذ علّم طلاباً كلهم رسبوا مثلاً، ما هذه الجامعة؟! جامعة سيئة جداً، الجامعة الحقيقية تخرج أبطالاً،
 فالآية الأخيرة هذه:

﴿ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ ﴾

[سورة هود: 31]