تأملات قرآنية - الدرس : 11 - من سورة الأنعام - السماع من لوازمه الاستجابة.

1997-01-14

أساليب هداية الله لخلقه :

 أيها الأخوة الكرام؛ الإنسان يستمع فيستجيب، أو يعد عند الله ميتاً، الحياة تعني أن تصغي السمع للحق فتستجيب له، وإن لم تكن كذلك فهذا الإنسان عند الله ميت، الدليل كما ورد في سورة الأنعام:

﴿ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾

[ سورة الأنعام : 36]

 الموت ألا تستمع، أو أن تستمع ولا تستجيب. لكن الاستماع عند الله يعني الاستجابة، علامة أنك مستمع مستجيب، فإن لم تستجب فلست بمستمع، فربنا عزّ وجل يسمعنا الحق وهذه بشارة لكم جميعاً:

﴿ ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ﴾

[سورة الأنفال: 23]

 بمجرد أن الله أسمعنا الحق فهذا نوع من البشارة لنا

﴿ ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ﴾

 الآن السماع من لوازمه الاستجابة، الله عزّ وجل يدعوك بالبيان ينبغي أن تستجيب، إن لم تستجب سلك أسلوباً آخر. التأديب التربوي، إن لم تتب، هناك طريقة ثالثة، الإكرام الاستدراجي، إن لم تشكر، القصم.
 كل واحد منا لابد من أن يكون في أحد هذه المراحل، أكمل مرحلة أن تدعى بيانياً، الكلام، الخطبة، بدرس، بمجلس علم، تسمع شريطاً، تقرأ كتاباً، تلتقي مع إنسان بمجلس خاص، بمجلس عام، الحق نُقل إليك ينبغي أن تستجب، فإن لم تستجب هناك تأديب تربوي ينبغي أن تتوب، فإن لم تتب هناك إكرام استدراجي فإن لم تشكر هناك قصم.

﴿ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ﴾

 فإن لم تستجب للحق الذي أسمعك الله إياه، هذا الإنسان عند الله من الموتى.
 حينما فتحت القدس في عهد صلاح الدين الأيوبي، وفي أول خطبة ألقيت من على منبر المسجد الأقصى وقد حضر هذه الخطبة صلاح الدين الأيوبي، ماذا قال خطيب هذا المسجد؟ بدأ خطبته بهذه الآية من سورة الأنعام:

﴿ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

[ سورة الأنعام : 45]

 ونرجو الله أن يعود هذا النصر ثانية.

﴿ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾

سلوك المجرم السبل الملتوية و زخرفة قوله :

 آية ثالثة من سورة الأنعام:

﴿ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ﴾

[ سورة الأنعام : 55]

 وكذلك نفصّل الآيات، قال تعالى:

﴿ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ﴾

[ سورة الأنعام : 55]

 المجرم يسلك سبلاً ملتوية لكنه يزخرف القول ويصفه هذا بأنه حضارة، تقدم، رقي، علم، حقوق إنسان، يضفي على انحرافاته وميوله الدنيئة وأعماله الشنيعة كلاماً مزخرفاً. لكن الله سبحانه وتعالى لابد من أن يكشف الحقيقة فربنا عزّ وجل قال:

﴿ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ﴾

 من نعم الله الكبرى أن هؤلاء الغربيين الذين يدّعون الحضارة والتقدم والرقي، ويعرفون حقوق الحيوان وحقوق الإنسان، بعد أن انفردوا بالقوة في العالم كشروا عن أنيابهم، وظهروا للعالمين جميعاً وحوشاً، فبانت سبيلهم المنحطة:

﴿ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ﴾

 لماذا؟ إن لم تكفر بالكفار لن تعرف الله، مادام لك ظن حسن بالكفار، أهل علم، أهل حضارة، أهل رقي، أهل تقدم، يعرفون حق الإنسان، يعرفون حقوقهم الدقيقة، إن كان ظنك بهم هكذا فالطريق إلى الله ليست سالكة، من هوي الكفرة حُشرَ معهم ولا ينفعه عمله شيئاً، من أقام مع المشركين فقد برئت منه ذمة الله، فربنا عزّ وجل يبين كي تستبين سبيل المجرمين، أي أراد الله سبحانه وتعالى أن يذيقهم بعض الذي عملوه. قال:

﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾

 الفساد ليس من خلق الله، قال تعالى:

﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[ سورة الروم: 41]

 بما كسبت أيدي الناس،

﴿ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا ﴾

 وكان من الممكن ألا يذيقهم، يفسدون، وينحرفون، ويسقطون في حمأة الرذيلة، ولا يذيقهم بعض الذي عملوه. لكن شاءت حكمة الله أن يذيقهم بعض الذي عملوه، لماذا؟ قال تعالى:

﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[ سورة الروم: 41]

 رحمة الله بالكافرين أيضاً. فحينما تستبين سبيل المجرمين يبدو الإسلام شامخاً كالطود. الآن ما الذي حصل؟ كل شيء وضعه البشر من مبادئ وعقائد وأساليب في الحياة سقطت في الوحل ولم يبق إلا الإسلام.
 نرجو الله سبحانه وتعالى أن تُرشد هذه الصحوة الإسلامية ترشيداً، أي يجعلها في مصاف الدعوات الكبرى، إذاً:

﴿ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ﴾

 أنت لا تستطيع أن تبني بناء، بيت متداع من غير المعقول أن تبني فوقه بيتاً، لابد من أن تهدم البيت، وتنشئ بناء جديداً، يوجد عادات، تقاليد، مبادئ، قيم كلها منحرفة. هذه يجب أن يظهر للناس زيفها وانحرافها وخطؤها من أجل أن يظهر الإسلام شامخاً كالطود، إذاً: لحكمة أرادها الله يبين من أجل أن تستبين سبيل المجرمين.
 سمعت عن إنسان مشهور جداً في وسائل الإعلان، في الإعلان عن الدخان، هذا أصيب بمرض سرطان في الرئة وهو يموت قال: كنت أكذب عليكم، الدخان قتلني، دائماً الله عزّ وجل من حكمته أنه يرخي الحبل، فالإنسان يتحرك ثم يشد الحبل فإذا هو في قبضة الله وعندئذ تستبين سبيل المجرمين.

حجم الإنسان عند ربه بحجم عمله الصالح :

 أخواننا الكرام؛ يوجد آية دقيقة، الإنسان له في المجتمع درجة، أحياناً بحسب دخله، بمجتمع المال الإنسان يقيّم بالمال، بحجمه المالي، بمجتمع العلم يقيّم بشهاداته، بمجتمع الانحطاط يقيّم بانغماسه بالرذائل، أحياناً يقيّم بشكله، أحياناً يقيّم بذكائه، أحياناً بطلاقة لسانه، أحياناً بعلاقاته، أحياناً بارتباطاته، أحياناً بجماعته، هذا تقييم البشر. عند الله كيف نُقيّم؟ قال تعالى في سورة الأنعام:

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة الأنعام : 132]

 أنت عند الله حجمك بحجم عملك الصالح، وقد تقول: أنا ضعيف، أقول لك: العمل الصالح الذي قدره الله على يديك مكافئ لنواياك الطيبة، ولطلبك الصادق.
 النوايا الطيبة سبب أن يقدر الله على يديك الأعمال الصالحة، فإذا قدرها على يديك كان حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، إلا إن هذا العمل مرتبط بنيته لقول النبي:

((سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ))

[ البخاري عن عمر ]

كيفية تقييم العمل :

 متى تزداد قيمة العمل؟ قال: إذا كان خالصاً لله. متى تزداد قيمة العمل؟ قال: إذا كان موافقاً للسنة. متى تزداد قيمة العمل؟ قال: عقبات أمامك كثيرة جداً وتخطيتها جميعاً.
 متى تزداد قيمة العمل؟ قال: إذا كان هناك صوارف، سهرة مغرية جداً، وليمة، عزيمة، لقاء، مجلس، أشياء مبهجة، تركتها وتوجهت إلى بيت الله، إذا كان هناك صوارف تزداد قيمة العمل، إذا كان هناك عقبات تزداد قيمة العمل، إذا كان هناك إخلاص تزداد قيمة العمل، إذا كان هناك موافقة للسنة تزداد قيمة العمل، رقعة العمل واسعة، إنسان الله عزّ وجل مكنه أن يهدي إنساناً واحداً، جيد، اثنين، خمسة، أما كل من في الأرض من المسلمين ففي صحيفة سيد المرسلين.
 سيدنا عمر قال عن نفسه: ما أنا إلا حسنة من حسنات أبي بكر. كلما ارتقت نفسك كلما أحببت الله، كلما نويت الخير قدّر الله على يديك العمل العظيم، أحياناً تجد عالماً كبيراً ترك مؤلفاً طبع مئات الألوف، واستفاد منه أجيال تلو أجيال، هذا عمل عظيم، صار هناك اتساع رقعة وامتداد أمد.
 الآن كلما أصبح العمل ذا تأثير أعمق كان عند الله أكثر قيمة، هناك مقياس سادس أو سابع، العمل إذا استمر بعد موت صاحبه هذا من أعظم الأعمال، إنسان أسس معهداً شرعياً ومات، هذا المعهد خرّج عشرات الخطباء، عشرات المدرسين، أسس ميتماً ومات، أسس مشروعاً خيرياً ومات، سنّ سنة حسنة و توفاه الله، أعظم الأعمال ما يستمر بعد موت صاحبه، طبعاً بالمقابل وأسوأ الأعمال ما يستمر بعد موت صاحبه، أسس ملهى ومات بعد أسبوعين من افتتاحه، كل المنكرات التي تقام فيه إلى يوم القيامة في صحيفة هذا الذي أسسه.
 فالعمل يُقَيَّم بنيته، بإخلاصه، بموافقته للسنة، باتساع رقعته، بامتداد أمده، بعمق تأثيره، بكثرة الصوارف عنه، بكثرة العقبات أمامه، يقيّم باستمراره بعد موت صاحبه،
 قال عليه الصلاة والسلام: " ابتغوا الرفعة عند الله "،الرفعة عند الله بالعمل الصالح. حينما سيدنا موسى سقى للمرأتين قال:

﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾

[سورة القصص: 24]

 كلما ازداد إيمانك ترى أن الفقر الحقيقي فقر العمل الصالح. ترون بأعينكم الذي يسكن ببيت مئة مليون وجاء أجله، أين يدفنونه؟ بالباب الصغير. وازن بين أربعمئة متر مكلّف مئة مليون وبين قبر بمقبرة الباب الصغير. هذه الدنيا.

﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ﴾

[سورة الإسراء: 21]

ابتغاء الرفعة عند الله :

 أما بالآخرة فالدرجة هناك دائمة وتعني أن الله يحبك، أما الدرجة في الدنيا فليست دائمة بل مؤقتة، مادام هناك نبض، شيء معقد جداً، إذا كانت كهرباء القلب منتظمة، الأملاك لك، صار هناك اضطراب بالنظم، صار خوارج انقباض، صار توقف مفاجئ لم تعد تملك شيئاً، كل شيء تملكه مربوط بهذا النبض، وقف، عظّم الله أجركم، انتهى، لم يعد له خاتمة، انتهى كل شيء، هذا معنى قوله عزّ وجل:

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾

 اسأل نفسك هذا السؤال: ماذا قدمت من عمل؟ هل أعطيت لله؟ هل منعت لله؟ هل واليت في الله؟ هل عاديت في الله؟ هل طلبت العلم؟ هل منعت العلم؟ هل نصحت المسلمين؟ هل أتقنت عملك؟ هل أحسنت إلى خلق الله؟ هل رعيت يتيماً؟ هل رعيت أرملة؟ هل أمرت بالمعروف؟ هل نهيت عن المنكر؟ هل تركت أثراً؟ هل أسست عملاً؟ هل أسست معهداً؟ هل أسست مستشفى؟ هل أسست ميتماً؟ هل ألفت كتاباً؟ هل نشرت كتاباً، هل عاونت على إظهار الحق؟ هل تبنيت إنساناً طالب علم؟ هل أنفقت عليه حتى يصبح عالماً؟ في صحيفتك ماذا فعلت:

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾

 ابتغوا الرفعة عند الله.

تطهير النفس و تزكيتها و تعريفها بربها :

 يوجد شيء آخر،. الله جلّ جلاله يقول:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾

[سورة المائدة:105]

 لها معان كثيرة؛ عليكم بمعنى الزموا أنفسكم، طهروها، زكوها، عرفوها، احملوها على طاعة الله، إن لم تفعلوا هذا يضركم من ضلّ عندئذٍ، إن زكيتم أنفسكم وتعاهدتم قلوبكم عندئذ لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم،. هذا معنى من معاني هذه الآية.
 لكن يوجد معنى آخر، الإنسان حينما يرى أن الفساد عمّ، نقول له: عليك نفسك، عندئذٍ لا تعبأ بأحد، اعبأ بنفسك وأهلك ومن حولك، وعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العامة.
 فيا أيها الأخوة؛ هذه بعض الآيات التي ينبغي أن نقف عندها، أي القرآن الكريم مائدة، وهو مائدة الرحمن، والقرآن الكريم هو ربيع القلوب، وهو الغنى الذي لا فقر بعده، فنسأل الله جلّ جلاله أن يلهمنا الصواب.