تأملات قرآنية - الدرس : 08 - من سورة النساء - المهر.

1997-01-13

آيات في القرآن تؤكد أن الأجر يعني المهر :

 أيها الأخوة الكرام؛ قال الله تعالى في سورة النساء:

﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً * وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[سورة النساء: 24-25]

 فهم بعض المسلمين - سامحهم الله – أن:

﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾

 تعني الزواج المؤقت. بينما كلمة الأجر وردت في ستة مواضع في القرآن الكريم، فالآية الأولى:

﴿ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾

[ سورة النساء :24]

 آية أخرى:

﴿ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ ﴾

[ سورة النساء :25]

 الآية الثالثة:

﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ﴾

[سورة المائدة: 5]

 الآية الرابعة:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آَتَيْتَ أُجُورَهُنَّ ﴾

[سورة الأحزاب: 50]

 والآية الخامسة:

﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾

[سورة الممتحنة:10]

 هذه الآيات الخمس التي وردت في القرآن الكريم الأجر فيها يعني المهر، وجمهور العلماء يرى أن التأبيد أحد شروط الزواج، أما إذا كان مؤقتاً فهو مخالف لشرع الله عزّ وجل.
 إذاً كلمة أجر إذا وردت مع:

﴿ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾

 فلا تعني الزواج المؤقت، بل تعني المهر فقط، وأقوى دليل أن الله سبحانه وتعالى يخاطب النبي ويقول:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آَتَيْتَ أُجُورَهُنَّ ﴾

 فالأجر هنا هو المهر فقط.. وهذه الآيات الخمس تؤكد هذه الحقيقة.

من إرادات الله الثابتة :

1 ـ حمل العبد على التوبة :

 شيء آخر في سورة النساء؛ الإنسان أحياناً يسأل: الله جلّ جلاله ماذا يريد منا؟ هذا سؤال كبير، يوجد آيات كثيرة جداً في كتاب الله وردت فيها الإجابة عن هذا السؤال:

﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً ﴾

[سورة النساء: 27]

 الله سبحانه وتعالى يريد أن يتوب عليكم، يريد أن تتوبوا، لذلك كل أفعاله التي يسوقها من أجل أن يحملكم على التوبة، كل الشدائد التي يسوقها الله للعباد من أجل أن يحملهم على التوبة، لأن الله يريد أن يتوب عليكم.

2 ـ تطهير العبد :

 الله جلّ جلاله يريد أيضاً أن يطهركم، الآن شخص مستقيم لكن يوجد بنفسه أمراض، يوجد بنفسه اعتداد، يوجد بنفسه كبر، يوجد بنفسه إعراض أحياناً.
 الهدف الثاني كما ورد في سورة المائدة:

﴿ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾

[سورة المائدة: 6]

 أنعم عليكم بنعمة الإيجاد، أنعم عليكم بنعمة الإمداد، بقي أن يتم نعمته عليكم بالهدى والرشاد، فكل إنسان يعاني من مشكلات، من أمراض نفسية، الله جلّ جلاله يتولى تطهيره منها:

﴿ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾

[سورة المائدة: 6]

 وكذلك قوله تعالى في سورة المائدة:

﴿ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ﴾

[ سورة المائدة: 49]

 إذا الإنسان أذنب، وما أصابه الله ببعض عقوبة الذنب، كل عقوبة الذنب في الآخرة، لكن ماذا يفعل الله في الدنيا؟ يصيب العبد ببعض عقوبة الذنب من أجل أن يتوب. ولكن:

﴿ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ﴾

[ سورة المائدة: 49]

 هذه إرادة ثانية.

3 ـ إحقاق الحق :

 الإرادة الثالثة كما ورد في سورة الأنفال في الآية السابعة:

﴿ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾

 الله عزّ وجل من أسمائه الحق، فكيف يحق الحق؟ يظهره إما بآيات، أو بسنة النبي عليه الصلاة والسلام، أو بأحداث. من إرادات الله الثابتة إحقاق الحق، فكل إنسان مظلوم أنا أبشره لابد من أن يحق الله الحق، لابد من أن تظهر براءتك، لابد من أن يظهر عفافك، لابد من أن يظهر طهرك، لأن هذا من إرادات الله الثابتة.

4 ـ اليسر لا العسر :

 من إرادات الله عزّ وجل:

﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾

[سورة البقرة: 185]

 اليسر، إن هذا الدين يسر، أي العنت والحرج والإرهاق والشدة غير المبررة هذا ليس من إرادات الله عزّ وجل:

﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾

[سورة البقرة: 185]

 من إرادات الله الثابتة:

﴿ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيم ﴾

[سورة النساء: 26]

 القرآن بيان، السنة بيان، الكون بيان، الأفعال بيان.

﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً ﴾

[سورة النساء: 28]

 الإنسان أحياناً يحمّل نفسه ما لا تطيق من أجل أن يكسب المال، يكسبه حراماً فيحجب عن الله عزّ وجل، يحملها ما لا تطيق. الإنسان حينما يعصي بإرادته واختياره يحجب نفسه عن الله عزّ وجل. لذلك ربنا عزّ وجل يريد أن يخفف عنا، أحياناً الإنسان بالتعبير الدارج لا يكون حكيم نفسه فيأكل أكلاً غير معقول، يأتي المرض فيحجمه، المرض يعيده إلى صوابه، المرض يحمله على الحمية، يحمله على الاعتدال، فالله سبحانه وتعالى يريد أن يخفف عنا، يريد ليبين لنا، يريد بنا اليسر ولا يريد بنا العسر.. هذه من إرادات الله الثابتة.

5 ـ إذهاب الرجس عن أهل البيت :

 و:

﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾

[سورة الأحزاب: 33]

 أهل بيت النبي جزء من الدعوة، فإذا فيه خلل تصاب الدعوة بالخلل، لذلك تولى الله بنفسه تطهير أهل بيت النبي:

﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ﴾

[سورة الأحزاب: 33]

6 ـ نفي الظلم :

 الله عزّ وجل يقول:

﴿ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ ﴾

[سورة غافر: 31]

 أي نوع من أنواع الظلم ينبغي أن تنفيه عن الله عزّ وجل، لأن الله لا يريد ظلماً للعباد، نحن نريد الدنيا، نريد المال الوفير، البيت الواسع، الزوجة الجيدة، الأولاد، المكانة، الشأن، قال:

﴿ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ﴾

[سورة الأنفال: 67]

 أنت تريد أن تؤمن حاجاتك في دنيا ضيقة، محدودة، لكن الله خلقك لسعادة أبدية، فإن أردت الدنيا أراد الله الآخرة، من أجل هذا تأتي الأمور على غير ما تريد، ليدفعك إلى الآخرة لا إلى الدنيا.

تلخيص لما يريد الله من الإنسان :

 إذاً ربنا عزّ وجل قال:

﴿ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ ﴾

[سورة غافر: 31]

﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ﴾

[سورة الأنفال: 67]

﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾

[ سورة النساء: 27]

﴿ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾

[ سورة آل عمران: 108]

 لا للعباد لكل العالمين.

﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾

[سورة الأحزاب: 33]

﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾

[سورة البقرة: 185]

﴿ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ﴾

[سورة النساء: 26]

﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ﴾

[سورة النساء: 28]

 هذه أيها الأخوة بعض الإرادات الثابتة:

﴿ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾

[سورة المائدة: 6]

﴿ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ﴾

[ سورة المائدة: 49]

﴿ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ ﴾

[ سورة الأنفال :7]

 جمع الإرادة في كتاب الله كله تتوضح، يريد أن يهدينا، أن يتم نعمته علينا، أن يتوب علينا، أن يخفف عنا، يريد بنا اليسر، وما يريد بنا ظلماً، هذه بعض الإرادات، فالإنسان لا يقول ماذا يريد الله منا؟ بالقرآن الكريم توضح هذا كله.

الحكمة من توزيع الحظوظ في الدنيا بنسب متفاوتة :

 أيها الاخوة؛ وكذلك أيضاً ورد في سورة النساء:

﴿ وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ﴾

[سورة النساء: 32]

 الله عزّ وجل في الدنيا جعل الحظوظ غير متساوية، حظوظ المال متفاوتة، حظوظ الوسامة متفاوتة، الذكاء متفاوت، القوة متفاوتة، قال: هذا التفضيل ببعضنا على بعض:

﴿ وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ ﴾

[سورة النساء: 32]

 أي لو كشف الغطاء لوجدت أن هذا الذي فُضّل عليك فُضّل عليك لحكمة بالغة، وهذا الذي قُلل في حظه من هذا الموضوع لحكمة بالغة، أفعال الله حكيمة، أفعال الله فيها حكمة مطلقة، فالإنسان بدل أن يتمنى ما فضل الله بعضنا على بعض، الحل العملي:

﴿ وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ﴾

 بدل أن تحسده..

ملك الملوك إذا وهب  قم فاسألن عن السبب
الله يعطي من يشــــاء  فقف على حـــــد الأدب
***

 إذا الإنسان رأى نعمة على أخيه، وتمناها لنفسه، وسأل الله عزّ وجل أن يهبه مثلما وهب أخاه لا شيء عليه، أما إذا تمنى أن تزول النعمة عن أخيه وتتحول إليه فهذا هو الحسد، أما إذا تمنى أن تزول النعمة عن أخيه دون أن تتحول إليه فهذا إثم أشد، أما إذا سعى وكتب ووشى من أجل أن تزول هذه النعمة فهذه جريمة، إما أن تتمنى أن تتحول النعمة من أخيك إليك هذا حسد، أما إذا أزيحت عن أخيك دون أن تصل إليك فهذا ضرر، أما إذا فعلت شيئاً من أجل أن تزول النعمة عن أخيك فهذه جريمة. فهناك نهي، لا تتمنى، ليس في إمكانك أبدع مما أعطاك، كل هذا فيه حكمة بالغة.
 الإنسان له واقع، جسمه، وإمكاناته، ولادته، دخله، أهله، أولاده، هذا واقع.. فالمؤمن يرضى بما قسمه الله له، حينما يرضى يفتح الله عليه ما لا يخطر على باله، أما الإنسان حينما يسخط فيزداد سوءاً، يكون عنده شيء ثمين لكن هذا الشيء الثمين تضيع فائدته حينما يسخط على ربه.

أسباب قوامة الرجل على المرأة :

 أخواننا الكرام؛ عندنا باء السببية في اللغة، مثلاً:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

[سورة آل عمران: 159]

 هنا:

﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً ﴾

[سورة النساء: 34]

﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾

 أن تمتلك الزوجة، أن تسيطر عليها، أن تسلس لك القياد، القوامة على المرأة لها سببان؛ الأول

﴿ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾

 أي يجب أن تتفوق عليها بالعلم، بالأخلاق، باتساع الأفق، بالكرم، ويجب أن تنفق عليها من مالك:

﴿ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾

 فهذان السببان شرطا القوامة على المرأة، أما إذا أنت بحاجة إلى راتبها، أو إلى دخلها، أو إلى ميراثها، وضيقت عليها من أجل أن تأخذ مالها، ثم إنك أقل منها ورعاً، وتقى عندئذٍ لا تملكها بل تملكك، لا تسيطر عليها بل تسيطر عليك، السبب أن تكون أشدّ ورعاً وأن تكون أكثر إنفاقاً.

المؤمنون وحدة متكاملة :

 آخر آية:

﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾

[سورة البقرة: 188]

 أروع ما في الآية أن الله سمى مال أخيك مالك من زاوية واحدة، من زاوية أن تحافظ عليه وكـأنه مالك، هو مال أخيك وليس مالك، لكن هو مالك من زاوية واحدة. أي إذا الإنسان استعار شيئاً يقول: كأنه لي، هو ليس له لكن كأنه لي بالعناية به. كأنه ماله، فربنا عزّ وجل جعل المؤمنين وحدة متكاملة، فإذا قوي المؤمنون جميعاً هذا هو الخير:

﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾

[سورة البقرة: 188]

 من أكل مال أخيه فكأنه أكل ماله لأنه ضعّفَ أخيه، وإذا ضعف أخيه ضعف معه، من أكل مال أخيه ضعفه، فإذا ضعف أخيه ضعف معه.
 الشيء الثاني مال أخيك مالك من زاوية أنه يجب أن تحافظ عليه، فلأن تدع أكله بالحرام من باب أولى، وكلمة بينكم تشير أن الكتلة النقدية يجب أن تكون متداولة بين جميع الناس، أما أن يكون المال متداولاً بين الأغنياء فقط فهذا الذي يسبب المشكلات في الحياة لئلا يكون دولة بين الأغنياء منكم.

معرفة مراد الله من خلقه جزء من العقيدة :

 أيها الأخوة.. أن تعرف مراد الله من خلقه هذا جزء من العقيدة.. مراد الله من خلقه.. الله عزّ وجل قال:

﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾

[سورة هود:119]

 أنت حينما تؤمن أن الله خلقنا ليرحمنا، وأنه خلقنا ليتوب علينا، وأنه خلقنا ليبين لنا، وأنه خلقنا ليخفف عنا، وأنه خلقنا ليطهرنا، وأنه خلقنا ليسعدنا، تحبه وتقبل على شرعه لا على أنه تقييد لحريتك، بل على أنه ضمان لسلامتك، وفرق كبير بين أن تفهم الدين قيوداً وحدوداً وسدوداً وبين أن تفهم الدين ضمانات لسلامتك في الدنيا والآخرة.

من نزه الله عن كل ما لا يليق به فقد عرفه :

 أيها الأخوة؛ في سورة النساء آيات كثيرة جداً تأخذ طابع القانون، هذه ينبغي أن نتعامل معها، وأن نجعلها أحد أسس عقيدتنا. أكثر الناس بجهل أو بتجاهل يقول لك: الله خلقنا ليعذبنا، نظرة سطحية، الناس معذبون، الدخل قليل، متاعب، أمراض، سوء توزيع ثروة، مشكلات يعانون منها، فينظر للأمور نظرة سوداء وكأن الدنيا هي كل شيء، وكأنها نهاية الآمال، ومحط الرحال، أما إذا نظرت إلى أفعال الله أو إلى إرادات الله الثابتة من خلال هذه السورة فهناك ثلاث آيات وراء بعض:

﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً ﴾

[ سورة النساء: 27]

﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ﴾

[سورة النساء: 28]

 فيا أيها الأخوة؛ حسن الظن بالله ثمين جداً، أنت حينما تنزه الله عن كل ما لا يليق فيه تكون قد عرفته، وهذا التنزيه يدفعك إلى طاعته، ويدفعك إلى الرضا بقضائه وقدره.
 شيء مهم جداً أن تنزهه، وربنا عزّ وجل في كلامه الواضح قطعي الدلالة نزه نفسه عن كل ما لا يليق به.