English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

محاضرات وندوات تلفزيونية ـ الإسلام منهج حياة : علاقة الإنسان بعامة الناس 1 : المجتمع مبني على الأفراد ـ لفضيلة الدكتور محمد راتب  النابلسي .

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

Text Box: مقدمة :

 

السلام عليكم ورحمة الله ، أيها الأخوة والأخوات أسعد الله أوقاتكم بكل خير ، وأهلاً بكم في حلقة جديدة في برنامج : "الإسلام منهج حياة " .

وأرحب بضيفي فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي ، أهلاً بكم فضيلة الدكتور .

الدكتور راتب :

بكم أستاذ جميل جزاك الله خيراً .

الأستاذ جميل :

المجتمع مبني على الأفراد ، فكل فرد من أفراد المجتمع يشكل عاملاً من عوامل بنائه ، فلو أن الإنسان وضع في أفخم الأمكنة وقدم إليه أفخم الطعام والشراب ، هل يغنيه ذلك عن الاندماج في المجتمع ؟.

 

Text Box: الله عز وجل جعل الإنسان كائناً متحركاً وأودع فيه حاجات عدة :

 

الدكتور راتب :

لا طبعاً ، بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

أستاذ جميل الحقيقة دخلنا في محطة ثالثة ، هي علاقة الإنسان بمن حوله ، من أقارب ، من زملاء ، من أصدقاء ، من جيران ، من عامة الناس ، هذه محطة من محطاته ، ومحطة أساسية أيضاً ، لأن الإنسان في الأصل اجتماعي ، كيف ؟ الله عز وجل جعل الإنسان كائناً متحركاً وليس سكونياً ، ما الذي حركه ؟ أنه أودع فيه حاجات ، الحاجة الأولى إلى الطعام والشراب ، حفاظاً على وجوده كفرد ، والحاجة الثانية أودع فيه حاجة إلى الطرف الآخر ، الشاب بحاجة إلى شابة يتزوجها ، والشابة بحاجة إلى زوج تتزوجه ، إذاً هذه حاجة ثانية ، أما الثانية حفاظاً على بقاء النوع .

وأودع فيه حاجة ثالثة سماها علماء النفس تأكيد الذات ، بعد أن يأكل ، ويشرب ، ويتزوج ، وينجب ، هناك حاجة إلى أن يكون شيئاً مهماً ، يشار إليه بالبنان هذه الحاجة نسميها تأكيد للذات ، إلا أن هذه الحاجات الثلاثة حيادية ، والإنسان بإمكانه أن يلبيها وفق منهج الله ، فيسمو عند الله ، ويمكن أن تلبى بخلاف منهج الله فيسقط ، فهذه الحاجات ترقى بالإنسان إلى أعلى عليين ، وتهوي به إلى أسفل سافلين ، لأنها حيادية ، ولأن الإنسان مخير، فإن كان وفق منهج الله يلبي هذه الحاجات وفق منهج الله ، وإن كان معرضاً عن الدين يلبيها بخلاف منهج الله .

إذاً قد تكون سلماً يرقى به أو دركات يهوي بها ، هذه حاجات كبرى إلى الطعام والشراب ، ولولا هذه الحاجة لما رأيت شيئاً على وجه الأرض ، وحاجة الزواج ، الحالة الثالثة الحاجة لتأكيد الذات .

 

Text Box: المؤمن أراده الله أن يكون في خدمة الجماعة ليرقى إلى أعلى عليين :

 

إلا أن هناك حاجات فرعية كثيرة ، من هذه الحاجات حاجة الإنسان إلى أن يُحِب أو إلى أن يُحَب ، وأي إنسان لا يشعر بحاجة إلى أن يُحِب ، ولا إلى أن يُحَب ليس من بني البشر ، حاجته إلى الأمن ، حاجته إلى أن يتقوى بجماعة ، حاجته إلى النصرة ، حاجات كثيرة، هذه الحاجات تجعله كائناً اجتماعياً .

فهناك حاجات أساسية في الإنسان ، حاجته إلى الحب ، حاجته إلى التقوى ،  حاجاته إلى التقدير ، حاجته إلى الأمن ، هذه الحاجات تجعله كائناً اجتماعياً ، أي أراده الله أن يكون كائناً اجتماعياً .

وهناك حاجات فردية ، المصالح الشخصية ، الأهواء الشخصية ، فالإنسان بين نوازع فردية ، ونوازع اجتماعية ، فالإنسان قبل أن يعرف الله إذا تصادمت حاجاته الفردية مع حاجاته الاجتماعية في الأعم الأغلب يؤثر حاجاته الفردية ، أما الإسلام أكّد في الإنسان الجانب الاجتماعي ، وسما في هذا الجانب ، فجعل الاندماج في الجماعة ، وخدمة الجماعة  ، وإصلاح الجماعة طريقاً إلى الله ، جعل من عبادة الإنسان أن يصلح من حوله ، أن يأخذ بيدهم إلى سبل سلامتهم وسعادتهم ، فصار في الإنسان حاجات اجتماعية ، وحاجات فردية  ، فالإنسان الذي شرد عن الله يؤثر مصالحة الشخصية على حاجاته الاجتماعية ، لكن المؤمن أراده الله أن يكون في خدمة الجماعة ليرقى عند الله ، وكأن خدمة الجماعة طريق إلى الله عز وجل ، أو أحد أثمان الجنة .

 

Text Box: قوة المسلمين في اجتماعهم على فكر و قيم و مبادئ واحدة :
 

 

إذاً نحن في هذا اللقاء ـ إن شاء الله ـ سيكون في الحديث عن الجانب الاجتماعي ، إلا أن الله سبحانه وتعالى يقول :

 ( سورة آل عمران الآية : 103 ) .

في الآية ملمح دقيق جداً وهو أنه لابدّ من حبل نعتصم به ، الاجتماع يحتاج إلى فكر ، إلى قيم ، إلى مبادئ ، إلى منهج حياة ، قال : ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً ﴾  بوحي السماء ، بمنهج خالق السماوات والأرض ، التفوا حول هذا المنهج ، تلتقون ، وتجتمعون ، و تتناصرون ، وقد ورد في بعض الأحاديث القدسية :

(( وَجَبَتْ محبَّتي للمُتَحَابِّينَ فيَّ ، والمُتجالِسينَ فيَّ ، والمُتزاورينَ فيَّ  والمتباذلينَ فيَّ ، والمتحابون في جلالي على منابر من نور يغبطهم عليها النبييون يوم القيامة )) .

[أخرجه مالك عن معاذ بن جبل ] .

هذه الآية الكريمة : ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً ﴾ ، لابدّ من شيء يجمعنا  ، لابدّ من فكر يجمعنا ، لابدّ من قيم تجمعنا ، لابدّ من مبادئ تجمعنا ، هذه إذا جمعتنا فنحن كالبنيان المرصوص لا نُخترق .

 

Text Box: الانسحاب من المجتمع والتقوقع حول الذات ليس من منهج المؤمنين :

 

شيء آخر : يقول عليه الصلاة والسلام 

(( عليكم بالجماعةِ ، وإِيَّاكُم والفُرْقَةَ ، فَإِنَّ الشيطانَ مع الواحد ، وهو من الاثنين أبعدُ )) .

[أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عمر ] .

(( فإنما يأكلُ الذِّئبُ من الغنم القاصية )) .

[أخرجه أبو داود والنسائي عن أبي الدرداء] .

فأرادنا الله أن نندمج في الجماعة ، في جماعة المسلمين ، وحول منهجه ، وحول قرآنه ، وحول الطريق إلى سلامة المجتمع وسعادته ، فنحن معنا في القرآن الكريم آيات كثيرة ، وأحاديث كثيرة ، تدعونا إلى أن نكون اجتماعيين ولسنا فرديين ، الانسحاب من المجتمع والتقوقع حول الذات ليس من منهج المؤمنين .

الأستاذ جميل :

إذاً فضيلة الدكتور من رأى في نفسه الاستغناء عن الناس ، الاستغناء عن المجتمع ، لا يقبل منه ذلك ، هذه حالة مرضية تستوجب علاجاً .

 

Text Box: نحن مكلفون أن نكون إيجابيين وأن نكون مع مجتمعنا لنأخذ بيده :

 

الدكتور راتب :

لكن لابدّ من تنويه ، أنا أستخدم لعبة شدّ الحبل ، فإذا فسد المجتمع ، وهذا المؤمن إذا كان بإمكانه أن يشد هؤلاء إليه يجب أن يكون معهم ، أما إذا خاف على دينه ، وعلى مبادئه ، وعلى قيمه ، فلما التقى معهم واستطاعوا أن يشدوه إليهم فلينجُ بنفسه ، هذا الضابط.

 ( سورة الكهف الآية : 16 ) .

إذا ما عبدوا الله عز وجل ينبغي أن تعتزلهم لتنجو بنفسك ، أما إذا استطعت أن تأخذ بيدهم ، وأن تقنعهم ، وأن تعينهم على أمر دينهم ينبغي أن تكون معهم ،  من هذا كله عليك أن تكون أيها المؤمن في برج عاجي أخلاقي لا في برج عاجي فكري ، لا ينبغي أن تنأى عنهم ، هم أهلك ، أبناء جلدتك ، أنت مكلف بنصحهم ، بالأخذ بيدهم ، لكن إياك أن تقع في سقطاتهم ، وفي وحلهم ، وفي انحرافاتهم ، كن في برج عاجي أخلاقي ، ولا تكن في برج عاجي فكري .

إذاً نحن مكلفون أن نكون إيجابيين ، وأن نكون مع مجتمعنا لنأخذ بيده ، ونعين ضعيفهم ، ونعلم جاهلهم ، ونقوي من كان بحاجة إلى مساعدة ، أما المجتمع إذا جذبنا إليه ووقعنا في سقطاته ووحله هذه مشكلة كبيرة ، فالقضية تحتاج إلى توازن دقيق ، ما دمت مستطيعاً أن تأخذ بيدهم إلى الصواب فكن معهم ، فإذا شعرت أنهم يمكن أن يأخذوك إلى سقطاتهم ، وإلى وحولهم ، فابتعد عنهم .

الأستاذ جميل :

إذاً هذا الإنسان الاجتماعي إما أن يفيد ، وإما أن يستفيد .

 

Text Box: الناحية الاجتماعية أصل في حياة الإنسان :

 

الدكتور راتب :

هذا منطلق لهذا اللقاء الطيب ، الناحية الاجتماعية أصل في حياة الإنسان ، لكن قد ينحرف ، قد يندمج مع المجتمع فيسقط معهم ، قد ينعزل عنهم فيلغي وظيفته ، إذاً لابد من أن نواصل الاندماج معه بقصد الأخذ بيده ، ينبغي أن تندمج اندماجاً إيجابياً ، أي ليس أن تنهار مع انهيار المجتمع ، وينبغي أن تحافظ على هويتك الإيمانية .

الأستاذ جميل :

فضيلة الدكتور ، إن كان هو مندمجاً مع هذا المجتمع فهو واحد منهم ، ما هو معيار التفاضل بين الناس ؟ وهل الناس على صعيد واحد ؟.

 

Text Box: طاعة الله عز وجل معيار التفاضل بين الناس :

 

الدكتور راتب :

في الإسلام نصوص قرآنية ، ونبوية مذهلة ، من هذه النصوص قال تعالى :

 ( سورة الحجرات الآية : 13 ) .

سيدنا سعد بن أبي وقاص إذا دخل على النبي يقول النبي عليه الصلاة والسلام  :  " هذا خالي أروني خالاً مثل خالي " .

ما فدى أحداً من صحابته إلا سعداً ، قال :

(( ارْمِ سَعدُ ، فداك أبي وأمِّي )) .

[أخرجه البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص ] .

ومع ذلك قال له سيدنا عمر : " يا سعد لا يغرنك أنه قد قيل خال رسول الله ، فالخلق كلهم عند الله سواسية ، ليس بينه وبينهم قرابة إلا طاعتهم له " .

الأستاذ جميل :

دكتور ، هل نعني بهذه الأخوة المساواة التامة بحيث لا يعرف لصاحب الفضل فضله ويكون الفضل بينهم على الشيوع ؟.

 

Text Box: التفاوت بين الناس بالتقوى لا بالانتماء :

 

الدكتور راتب :

لا أبداً .

 ( سورة الأنعام الآية : 132 ) .

لكن نحن ننطلق من أن مكانة الإنسان عند الله واحدة ، إن كان ذكراً أو أنثى ، إن كان أبيضاً أو أسوداً ، إن كان عربياً أو أعجمياً .

(( فلا فضل لعربي على أعجمي ولا أحمر على أسود إلا بالتقوى )) .

[أخرجه الطبراني عن أبي سعيد الخدري ] .

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾ ، النبي الكريم قال :

(( يا عباس عم رسول الله ، يا فاطمة بنت محمد ، أنقذا نفسيكما من النار ، أنا لا أغني عنكما من الله شيئاً )) .

[ مسلم عن أبي هريرة ] .

(( من يبطئ به عمله لم يسرع به نسبه )) .

[ أحمد عن أبي هريرة] .

(( لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم )) .

[ أحمد عن أبي هريرة] .

دائماً وأبداً أراد الله أن يكون الناس عنده سواسية ، يتفاوتون بالتقوى ، التفاوت بالتقوى لا بالانتماء ، دائماً وأبداً هناك مقاييس انتمائية ، هذه باطلة ، ودائماً المجتمعات المتخلفة تعتمد مقاييس انتمائية ، وهناك مقاييس موضوعية ، المجتمعات الراقية أخلاقياً   ومبدئياً تعتمد المقاييس الموضوعية ، فالخلق كلهم عند الله سواسية ، ليس بينهم وبينه قرابة إلا طاعتهم له .

هذه معانٍ مريحة ، وكأننا نبين أن البشر عند الله صنفان ، صنف عرف الله فانضبط بمنهجه ، وأحسن إلى خلقه فسلم وسعد في الدنيا والآخرة ، وصنف غفل عن الله وتفلت من منهجه ، وأساء إلى حلقه ، فشقي وهلك في الدنيا والآخرة ، ولن تجد صنفاً ثالثاً .

 

Text Box: خاتمة و توديع :

 

الأستاذ جميل :

وللحديث بقية فضيلة الدكتور نتابعه معكم إن شاء الله في حلقة قادمة ، نشكر لكم وجزاكم الله خيراً ، شكراً لكم أيها الأخوة على حسن المتابعة ، نترككم بأمان الله .

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

Copyright © 2007 Nabulsi