موضوعات علمية من خطب الجمعة - الموضوع 361 : الأصل العلمي في تحريم النسب.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-07-17
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الرضاعة وأحكامها :

 يقول الله جل جلاله في كتابه العزيز:

﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾

[سورة النساء الآية: 23]

 وفي النهاية :

﴿ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ ﴾

 عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ : جَاءَ عَمِّي مِنَ الرَّضَاعَةِ فَاسْتَأْذَنَ عَلَيَّ فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ , فَقَال َ:

(( إِنَّهُ عَمُّكِ فَأْذَنِي لَهُ ))

 قَالَتْ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَةُ وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ .
 قَالَتْ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( إِنَّهُ عَمُّكِ فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ ))

 قَالَتْ عَائِشَةُ : وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ ضُرِبَ عَلَيْنَا الْحِجَابُ .
 قَالَتْ عَائِشَةُ :

(( يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلَادَةِ ))

[أخرجه البخاري في الصحيح]

 إن هذين النصين الآية والحديث يدلان على أمرين :

الأول :

 أن الرضاعة بشروطها المعروفة تجعل الابن الرضيع ابناً للمرضع , وأخاً لمن يشاركه في الرضاعة من خلال هذين النصين ، الآية والحديث .

الثاني :

 وإن القرابة من الرضاعة تثبت وتنتقل في النسل ، في ضوء المعلومات الحديثة التي جاءت بها الهندسة الوراثية ، وهي أحدث بحوث الطب .
 الهندسة الوراثية تؤكد أن الرضاعة تنقل بعض الجينات من المرضعة إلى الرضيع , وهذه القرابة التي جعلها النبي في السنة كقرابة النسب ، وجعلها القرآن أيضاً كذلك , هذه القرابة سببها علمياً انتقال الجينات من حليب الأم المرضع إلى الرضيع ، هذه الجينات تخترق خلايا الرضيع ، وتندمج معها في سلسلة الجينات التي عند الرضيع , يعني حليب الأم الذي يشربه الرضيع تصل خصائصه إلى جيناته إلى مورثاته .

قول العلماء :

 وقال العلماء : لأن الحليب يحتوي على أكثر من نوع من الخلايا , ولأن الجهاز الوراثي في الرضيع ، ينقل الجينات الغريبة ويقبلها ، لأنه غير ناضج ، فالطفل الرضيع جهازه الوراثي يتقبل جينات غريبة ، فإذا أرضعت امرأة طفلاً ، الجينات التي في حليبها ، تخترق خلاياه وتستقر في جينات خلاياه ، وتصل إلى جهازه الوراثي ، فلذلك قال عليه الصلاة والسلام :

(( يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلَادَةِ ))

 النبي عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ، فكل شيء في القرآن والسنة الصحيحة له أصل علمي .
 الآن عرف علماء الوراثة : أن هذا الحليب المؤلف من مجموع خلايا يخترق نسج الجنين إلى جيناته الأساسية ، ويندمج بها ، وأن جهازه الوراثي يتقبل كل شيء غريب حتى يصبح كأنه منه .

والحمد لله رب العالمين