الفقه الإسلامي - العبادات الشعائرية - مناسك الحج والعمرة - الدرس 08 : الإعداد للحج - باب الرجاء - سيرة النبي
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1989-06-18
بسم الله الرحمن الرحيم
 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الرجاء :

 أيها الأخوة المؤمنون؛ لازلنا في رياض الصالحين، و "رياض" جمع روضة، ونحن اليوم في باب جديد ؛ هو باب الرجاء :

(( عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ الْأَنْصَارِ أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أَنْكَرْتُ بَصَرِي وَأَنَا أُصَلِّي لِقَوْمِي فَإِذَا كَانَتْ الْأَمْطَارُ سَالَ الْوَادِي الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ آتِيَ مَسْجِدَهُمْ فَأُصَلِّيَ بِهِمْ وَوَدِدْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَّكَ تَأْتِينِي فَتُصَلِّيَ فِي بَيْتِي فَأَتَّخِذَهُ مُصَلًّى ))

[ البخاري عن عتبان بن مالك]

 فهذا الصحابي الجليل عتبان بن مالك كان ممن شهد بدراً، وكان يصلي بقومه بني سالم إلا أن وادياً في أيام الشتاء يحول بين بيته وبين مصلى قومه، وكان هذا الوادي يمتلئ بالمياه فيشق عليه اجتيازه، فيقول عتبان بن مالك:

(( يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أَنْكَرْتُ بَصَرِي))

[ البخاري عن عتبان بن مالك]

 أي ضعُف بصري، وهذه الحواس التي أكرمنا الله بها هذه لحكمةٍ بالغة قبيل انتهاء العمر تضعف، وكأنها لفتُ نظرٍ لطيفٍ أنْ يا عبدي ضعُف بصُرك، وشاب شعرُك، وانحنى ظهرُك، وضعفت قوتُك فاستحِ مني أنا أستحيِ منك، وهذا تنبيه لطيف من الله حيث يضعف في الإنسان بصرُه وسمعه أحياناً، ويشيب شعره، ويشعر بوهن في قوته، وهذا من فضل الله علينا، أن يا عبدي اقترب الرحيل فماذا أعددتَ للقائي؟ فهذا الصحابي الجليل قال:

((يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أَنْكَرْتُ بَصَرِي وَأَنَا أُصَلِّي لِقَوْمِي فَإِذَا كَانَتِ الأمْطَارُ سَالَ الْوَادِي الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ آتِيَ مَسْجِدَهُمْ فَأُصَلِّيَ بِهِمْ وَوَدِدْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَّكَ تَأْتِينِي فَتُصَلِّيَ فِي بَيْتِي فَأَتَّخِذَهُ مُصَلًّى ))

[ البخاري عن عتبان بن مالك]

 فصحابي من عامة صحابة رسول الله ضعف بصره، وكان يؤم قومه في مصلاهم فحالَ الوادي بينه وبين قومه، فجاء النبيَّ عليه الصلاة والسلام وسأله أن يزوره في البيت، وتلبية الدعوة واجبة، فمن دعاك وجب حقه عليك، ويقول الله عز وجل في الحديث القدسي:

((عَنْ مُعَاذٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْثُرُ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَحَابُّونَ فِيَّ وَيَتَجَالَسُونَ فِيَّ وَيَتَبَاذَلُونَ فِيَّ ))

[ أحمد عن معاذ ]

 أفتشعر بحب عميق لأخيك المؤمن، وأنه جزء منك، أو تتمنَّى له الخير كما تتمنَّاه لنفسك؟ أتفرح له إذا أصابته سراء؟ أو تُسرُّ إذا حلت مشكلته؟ أيها الأخوة هذا مقياس دقيق، فالمنافقون مقياسهم كما وصفهم الله عز وجل فقال:

﴿ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ ﴾

[ سورة التوبة : 50]

 والمنافق كما قال عليه الصلاة والسلام:

((المنافقون بعضهم لبعض غششة متحاسدون ولو اقتربت منازلهم، والمؤمنون بعضهم لبعض نصحة متوادون ولو ابتعدت منازلهم ))

[الترغيب والترهيب للمنذري عن أنس]

ثمار الدين لن تقطف إلا بالتخلق بأخلاق الصحابة الكرام :

 لو كان لك بيت صغير، وزرتَ أخاك، ورأيت بيته واسعاً مريحاً، فعلامة إيمانك أن تفرح له، وإن كان لأخيك دخل كبير فعلامة إيمانك أن تفرح له، وكأن هذا الدخل لك، والدليل أن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً ﴾

[ سورة النساء : 29]

 إنَّ هذا المال الذي تأكله من أخيك هو مالك، فيجب أن تشعر أنه مالك، فلأن كنت مكلفاً من قِبَل الله عز وجل أن تحافظ عليه فلأَن تمتنع عن أكله من باب أولى، وهكذا ربَّى الإسلام المسلمين، فمال أخيك هو مالك في الحفاظ عليه، وهذه من علامة المؤمن، وعلامة المنافق أنه يحسد، قال تعالى:

﴿ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ ﴾

[ سورة التوبة : 50]

 فيشعر المنافقُ بالراحة إذا ألمت بالمؤمن نازلةٌ، بل إن الله عز وجل توعَّد هؤلاء الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، فقال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة النور : 19]

 لم يفعلوا شيئاً، وما تكلموا كلمةً، وما تحركوا، وما نطقوا ببنت شفة، وما تبسموا لكنهم في أعماقهم ارتاحوا أن تشيع هذه الفاحشة بين المؤمنين، وهؤلاء ليسوا بمؤمنين وربِّ الكعبة، وهذا الذي يتألم إذا أصاب المؤمن خير، ويفرح إذا أصابه سوء، ويحسده على ما آتاه الله، هذه علامة قطعيةٌ على أنه منافق، ونعوذ بالله من النفاق، هذا أخوك فافرح له، واطلب من الله أن يعطيك ما أعطاه، لقد رفعه الله فافرح، فإنّ عزَّه عزُّك، وشأنه شأنك، وتكريمه تكريم لك، فلذلك هذا الصحابي الجليل قال:

((وَوَدِدْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَّكَ تَأْتِينِي فَتُصَلِّيَ فِي بَيْتِي فَأَتَّخِذَهُ مُصَلًّى))

[ البخاري عن عتبان بن مالك]

 مادامت الأمطار تحول بيني وبين قومي.

(( فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ))

[ البخاري عن عتبان بن مالك]

 إنّ هذا الذي يترفع عن إخوانه الفقراء، والضعاف، والمساكين، هذا ليس مؤمناً، والنبي عليه الصلاة والسلام جاءه عدي بن حاتم فرحَّب به، ودعاه إلى بيته، وفي الطريق استوقفته امرأةٌ مسكينة فقيرةٌ تكلِّمه، فوقف معها النبي عليه الصلاة والسلام طويلاً يكلمها في حاجتها، فقال عدي بن حاتم: والله ما هذا بأمر ملِك.
 ومرة سيدنا عمر دخل على رسول الله فرأى أثرَ الحصير في خده الشريف فبكى، وقال: رسول الله ينام على الحصير وكسرى ملك الفرس ينام على الحرير؟! فقال: يا عمر إنما هي نبوةٌ وليست ملكاً. فالنبي متواضع، جلس مع مسكين، فمر بهما رجل فقال عليه الصلاة والسلام: مسكين يجلس مع مسكين.
وسيدنا عمر كان في المسجد يمشي في الليل، ويبدو أنه مشى على أحد أعضاء رجل دون أن يشعر، وهذا الرجل عصبي المزاج، فانفعل وقال: أأعمى أنت؟ ولا يدري أنه عمر فقال: لا، فقيل له: أهكذا يقول وهكذا تجيبه ؟ فقال: سألني فأجبته، وقلت له: لا لستُ أعمى، وهكذا كان أصحاب النبي، ونحن لا نقطف ثمار الدين إلا إذا تخلَّقنا بأخلاقهم، من التواضع، والبذل، والعطاء، وخدمة الخلق، وأن ترى نفسك دونهم.

(( فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سَأَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، قَالَ عِتْبَانُ: فَغَدَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ ))

[ البخاري عن عتبان بن مالك]

 وهذا تعليم لنا، فلا تذهب إلى مكان وحدك، وليكن معك رفيق.

(( فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سَأَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَالَ عِتْبَانُ: فَغَدَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ حِينَ ارْتَفَعَ النَّهَارُ، فَاسْتَأْذَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَذِنْتُ لَهُ فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى دَخَلَ الْبَيْتَ ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ، قَالَ فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْبَيْتِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَبَّرَ فَقُمْنَا فَصَفَّنَا فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ ))

[ البخاري عن عتبان بن مالك]

حكمة النبي وحرصه على المودة بينه وبين أصحابه :

 بيت القصيد من هذا الحديث لم يأتِ بعد، والنبي عليه الصلاة والسلام ما جاء على موعد، لِمِ لَمْ يأتِ على موعد؟ خشية أن يتكلف هؤلاء له، فجاءهم بلا موعد، وهم حينما قدِموا عليه عَظُم عليهم ألاّ يكرموه، فقال راوي الحديث عتبان بن مالك:

((قَالَ: وَحَبَسْنَاهُ عَلَى خَزِيرَةٍ صَنَعْنَاهَا لَهُ))

[ البخاري عن عتبان بن مالك]

 ويبدو أنها حلاوة سكر وطحين، أكلة سريعة، ومعنى حَبَسْنَاهُ أي رجوناه أن ينتظر حتى نقدِّم له هذا الطعام، وإكرامُ الضيف من السنة النبوية، فمن أكرم أخاه فكأنما أكرم ربَّه.

(( قَالَ: وَحَبَسْنَاهُ عَلَى خَزِيرَةٍ صَنَعْنَاهَا لَهُ، قَالَ: فَآبَ فِي الْبَيْتِ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ ذَوُو عَدَدٍ فَاجْتَمَعُوا ))

[ البخاري عن عتبان بن مالك]

 ولم يأتِ بعد بيتُ القصيد، فبيت القصيد أن من هؤلاء مَّمن يسكن في هذه المنطقة رجل اسمه مالك بن الدخيشن، فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: أَيْنَ مَالِكُ بْنُ الدُّخَيْشِنِ أَوِ ابْنُ الدُّخْشُنِ.. " فأين مالك ولِمَ لَمْ يأتِ معكم؟ لقد كان أصحابه صلى الله عليه وسلم في ذهنه واحداً واحداً، وكلما علا مقام الإنسان عند الله عظمتْ رحمته وشفقته، وعظُم حبه لإخوانه، والنبي عليه الصلاة والسلام سأل عن مالك، ويا ليته لم يسأل عنه. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: "ذَلِكَ مُنَافِقٌ لا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ " ويبدو أنه تخلَّف به الركبُ، وسقط وبدأ ينتقض النبي عليه الصلاة والسلام، ولا يصلي، يبدو هكذا.

((.......فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ مُنَافِقٌ لا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا " ما هذا ؟ ما هو بمنافق، أو لا تقولوا ذلك، هنا سر النبوة، لو قال: ليس منافقاً وهم يسمعون منه كلام النفاق لشكوا في حكم رسول الله، ولو قال: نعم هو منافق، ووصل هذا إليه لكان هذا الكلام حجاباً بينه وبين النبي عليه الصلاة والسلام، فالنبي قال: لا، فلكم أن تفهموا "لا"، أي لا تقولوا ذلك أمامي، ولكم أن تفهموا "لا"، أنه ليس كذلك، فإذا نقلتَ هذه "لا" إلى مالك بين الدخيشن يفهمها أن النبي نهاهم على أن يتهموه بالنفاق، وإذا سمع أصحاب النبي كلمة لا من النبي ربما فهموها لا تقولوا كذلك، والنبي عليه الصلاة والسلام حريص على أصحابه وحريص على المودة بينه وبينهم، فأي شيء يقطع هذه المودة إنما يقطعهم عن الله عز وجل لذلك قال: لاَ تَقُلْ ذَلِكَ أَلا تَرَاهُ قَدْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ، قَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ فَإِنَّا نَرَى وَجْهَهُ وَنَصِيحَتَهُ إِلَى الْمُنَافِقِينَ ))

 يبدو أنه منحرف انحرافاً خطيراً، وأنه بعيد بعداً كبيراً، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: لا، أيْ لا أريد أن أسمع هذا الكلام، أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر، فعوِّد لسانك أن تثني على إخوانك، لا أن تذمهم، لأنك إذا ذممت أخاك وذاك ذمَّ أخاه، أصبح المجتمع الإسلامي مفتَّتًا، فانصح أخاك مباشرةً، وادعُ الله أن يردَّه إليه.

(( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ))

 هذه قاعدة عامة قد تنطبق على مالك أو لا تنطبق:

((حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ ))

 الذي استوقفني في هذه القصة أو هذا الموضوع الموجود في باب الرجاء من كتاب رياض الصالحين والحديث رقمه أربعمئة وسبعة عشر، حكمة النبي عليه الصلاة والسلام، وحرصه على المودة بينه وبين أصحابه، وحرصه على ألاَّ ينطق الإنسان إلا بما فيه خير، وبالشيء الحسن، لكن للقصة تتمة، قبل سنتين أو ثلاث وقعت تحت يدي مجلة فيها موضوع عن تبوك قرأت الموضوع فإذا فيه حديث عن مسجد ضرار الذي أسسه المنافقون، وجاء في هذا الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام أرسل اثنين من صحابته الكرام أحدهم مالك بن الدخيشن، وهذا الموقف الأخلاقي المعتدل، وهذا الحرص البالغ على سلامة صدر هذا الصحابي، أو هذا الرجل الذي اتُّهِم بالنفاق، كلمة لا من رسول الله التي تعني أشياء كثيرة أعادت هذا الرجل إلى جادة الإيمان، وأصبح صحابياً جليلاً، وكلفه النبي عليه الصلاة والسلام بهدم مسجد ضرار.

(( إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لا يُلْقِي لَهَا بَالاً يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لا يُلْقِي لَهَا بَالاً يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ))

[ البخاري عن أبي هريرة ]

 فقبل أن تنطق تأكَّد، فهذه الطُّرفة ربما جرحت فلاناً، وهذا التعليق ربما كسر قلب فلان، وهذه الابتسامة في هذا المكان ربما آلمت فلانًا، فالنبي عليه الصلاة والسلام حينما قالت السيدة عائشة عن صفية إنها قصيرة قال:

(( حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وَكَذَا قَالَ غَيْرُ مُسَدَّدٍ تَعْنِي قَصِيرَةً فَقَالَ لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ قَالَتْ وَحَكَيْتُ لَهُ إِنْسَانًا فَقَالَ مَا أُحِبُّ أَنِّي حَكَيْتُ إِنْسَانًا وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا ))

[ أبو داود عن عائشة]

 فالإسلام لم يَعُدْ أنا لا أسرق، ولا أشرب الخمر، هذه كبائر مفروغ منها، وهذه الكبائر لا يفعلها عامة المسلمين، ولكن ماذا بقي؟ بقي هذا اللسان، فكلمة واحدة قد تفسد، وقد تقطع، هناك أخ يحضر معنا، فجلس يومًا مع عدد من الإخوة، فتحوَّل المجلس إلى غيبة فَنَفَر لماذا الغيبة؟ عندما قال الله عز وجل:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾

[ سورة الحجرات : 12]

 هذا نهي إلهي يقتضي الترك:

(( لا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ وَلا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ وَلا يَدْخُلُ رَجُلٌ الْجَنَّةَ لا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ ))

[ أحمد عن أنس ]

 فانتقِ أجمل كلمة، وألطف عبارة، وراعِ شعور إخوانك، وشعور المؤمنين، والمسلمين، فلا تفضح، ولا تشكك، ولا تنتقد، ولا تحمر الوجوه، وهكذا فعَل النبيُّ عليه الصلاة والسلام، فبكلمة لا يفهمها ابن الدخيشن أنه ينهاهم عن هذا الكلام، والتي يفهمها أصحاب الرسول لا تقولوا ذلك، هذه الكلمة كلمةٌ نبوية.

قراءة سيرة النبي أو الاستماع إلى تفصيلاتها شيء أساسي في الدين :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ قراءة سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، أو الاستماع إلى تفصيلاتها شيء أساسي في الدين، لأن مواقفه تشريع، وأنا لا أنسى يوم جاء سعدُ بنُ معاذٍ إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: " يا رسول الله إن قومي وجدوا عليك في أنفسهم، فقال عليه الصلاة والسلام: ولِمَ يا سعد؟ قال: لما وزعت من هذا الفيء - أي توزيع الغنائم – قال: أين أنت منهم يا سعد؟ قال: ما أنا إلا من قومي، قال: فاجمع لي قومك، فبادر النبيُّ عليه الصلاة والسلام هو بنفسه، وبدأ باسترضائهم، مع أنه لا حق لهم في أن يجدوا عليه في أنفسهم فهو نبي مرسل ولا ينطق عن الهوى، وأفعاله كلها حكيمة، ومع ذلك قال له: اجمع لي قومك ووقف فيهم خطيباً، فقال عليه الصلاة والسلام: مقالة بلغتني عنكم، وجدةٌ وجدتموها عليَ في أنفسكم، من أجل لعاعةٍ من الدنيا تألفت بها قوماً ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم، أما أنكم لو شئتم وقلتم فلصدقتم ولصدقتم به، آتيتنا مكذباً فصدقناك. بماذا بدأ النبي؟ هل بدأ بفضله عليهم؟ لا، بل بدأ بفضلهم عليه تطييباً لقلوبهم، وتلييناً لمواقفهم، ورحمةً بهم، وتحبباً إليهم، وقال لهم: يا معشر الأنصار ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي؟ - أنسيتم فضلي عليكم - وعالةً فأغناكم الله؟ وأعداء فألف الله بين قلوبكم؟ أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا أنتم برسول الله إلى رحالكم؟ فقالوا: رضينا رضينا، وبكوا حتى أخضلوا لحاهم.
 هذا موقف، فإذا كان حولك شخص تألم فصالِحْه أنت، ولو كان الحق عليه، فابدأ أنت واستجلب قلبه، ولين له مواقفه، واعتذر له، وذكِّره بفضله ومكانته، وهذا من سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فقراءة سنة النبي عليه الصلاة والسلام ليست من باب إضافة المعلومات، إنها شيء أساسي في الدين، فالقرآن مطبق في سنة النبي، والقرآن يتلى في المصحف ومطبق في أخلاق النبي، وفي سيرته وأفعاله، فلذلك ليس من نافلة القول أن نمضي وقتاً مع النبي صلى الله عليه وسلم في سيرته.

الدروس المستفادة من الحديث التالي :

 أعيد عليكم قراءة الحديث سريعاً:

((عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ الأنْصَارِيُّ أَنَّهُ عَقَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَقَلَ مَجَّةً مَجَّهَا فِي وَجْهِهِ مِنْ بِئْرٍ كَانَتْ فِي دَارِهِمْ فَزَعَمَ مَحْمُودٌ أَنَّهُ سَمِعَ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ الأنْصارِيَّ رَضِي اللَّه عَنْه وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ كُنْتُ أُصَلِّي لِقَوْمِي بِبَنِي سَالِمٍ وَكَانَ يَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ وَادٍ إِذَا جَاءَتِ الأمْطَارُ فَيَشُقُّ عَلَيَّ اجْتِيَازُهُ قِبَلَ مَسْجِدِهِمْ فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي أَنْكَرْتُ بَصَرِي وَإِنَّ الْوَادِيَ الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَ قَوْمِي يَسِيلُ إِذَا جَاءَتِ الأمْطَارُ فَيَشُقُّ عَلَيَّ اجْتِيَازُهُ فَوَدِدْتُ أَنَّكَ تَأْتِي فَتُصَلِّي مِنْ بَيْتِي مَكَانًا أَتَّخِذُهُ مُصَلًّى فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سَأَفْعَلُ، فَغَدَا عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم بَعْدَ مَا اشْتَدَّ النَّهَارُ فَاسْتَأْذَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَذِنْتُ لَهُ فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى قَالَ: أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي أُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ فِيهِ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَبَّرَ وَصَفَفْنَا وَرَاءَهُ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ وَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ فَحَبَسْتُهُ عَلَى خَزِيرٍ يُصْنَعُ لَهُ فَسَمِعَ أَهْلُ الدَّارِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِي فَثَابَ رِجَالٌ مِنْهُمْ حَتَّى كَثُرَ الرِّجَالُ فِي الْبَيْتِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: مَا فَعَلَ مَالِكٌ لا أَرَاهُ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: ذَاكَ مُنَافِقٌ لا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا تَقُلْ ذَاكَ أَلا تَرَاهُ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ، فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، أَمَّا نَحْنُ فَوَاللَّهِ لا نَرَى وُدَّهُ وَلا حَدِيثَهُ إِلا إِلَى الْمُنَافِقِينَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ ))

[متفق عليه عَنِ ابْنِ شِهَابٍ]

 إنّ هذه القصة تعلمنا الشيء الكثير، تعلمك أن تضبط لسانك، و تحسن الظن بأخيك، وتلتمس له العذر، وتعينه على الشيطان، لا أن تعين الشيطان عليه، وتعلمنا الحلم، والنفَس الطويل، والستر، وتعلمنا الكلام الموزون المدروس، وأنّ الكلمة ربما أفسدت علاقة، وقطعت إنساناً عن الله عز وجل، فهذه قصةٌ تعلمنا أشياء كثيرة، وهي كما وردت في هذا الكتاب في حديث متفق عليه، ومعنى متفق عليه أي اتفق عليه الإمام البخاري رحمه الله تعالى، والإمام مسلم، وأعلى درجة من الأحاديث الشريفة ما اتفق عليه الشيخان، وحينما نذكر أنه متفق عليه، وأنه حديث صحيح، وأنه رواه الشيخان، أو رواه البخاري ومسلم، أو الإمام أحمد في مسنده، أو رواه الإمام مالك، أو كذا وكذا، فإن هذه عناية في تخريج الحديث، وأخطر ما في النقل صحته، والحديث تُبنى عليه عقيدة، ويبنى عليه حكم شرعي، ويبنى عليه موقف، وعطاء، وأخذ، وقطيعة، و صلة، فإذا كان الحديث موضوعاً أو ضعيفاً بُنِيت على خطأ، وما بُنِي على خطأ فهو خطأ، لذلك أكثر مشكلات المسلمين في هذا العصر أساسها تفرقةٌ جاءتهم من أحاديث موضوعة، أو من أحاديث ضعيفة، لذلك الصحة الصحة في رواية الأحاديث.
 هذا الكتاب الذي نأخذ منه الأحاديث ؛ رياض الصالحين للإمام النووي، كتابٌ أجمع العلماء على أن كل أحاديثه صحيحة، بل إنها في قمة الصحاح، إما رواية رواه البخاري، أو مسلم، أو رواه الشيخان كلاهما، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

((إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم))

[الحاكم في المستدرك عن أنس]

 فإذا أخذتموه من حديث موضوع أو ضعيف كان الخطأ والخلل والانحراف، وهذا الذي دفعني إلى تقرير هذا الكتاب، فإذا اقتنى الإنسانُ هذا الكتاب وجعله في مكتبته فهو أفضل، لأن بيتًا إسلاميًّا من دون مكتبة بيت خرِبٌ، فكتاب في الحديث، وكتاب في السيرة، وآخر عن أصحاب رسول الله، وآخر في الفقه المبسط، فقد يخطر في بالك سؤال لم تعرف أن تجيب عليه وقد تستحي أن تطرحه على الآخرين، نواة مكتبة صغيرة، فاسأل من تثق بعلمه، فأيّ كتاب أفضل في الفقه الحنفي اقتَنِه، وأي كتاب في الحديث، وفي السيرة، فأحياناً تضطر أن تقرأ عن رسول الله في السيرة شيئاً، واللهِ إن الإنسان الصادق إذا قرأ عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً من سيرته، ربما نقلته السيرة إلى عصر النبي، فينسى أنه مولود في الشام، وفي عام كذا، إن أفعال النبي ومواقفه الرائعة تشدُّه إليك شدًّا، لذلك أمتع شيئاً تقرأه أن تقرأ عن النبي عليه الصلاة والسلام.

* * *

من أعدّ نفسه في بلده إعداداً قوياً قطف ثمار هذا الإعداد في الحج :

 الحقيقة كنت اليوم في اجتماع متعلق بالحج فسمعت أحد الخطباء يقول: إن هذا الحاج يذهب إلى الديار المقدسة ويعود، فإن جلست تستمع إليه لا ترى من كلامه إلا أنه وصل في الليل وتيسر له الركوب، ونام في المكان الفلاني، وأكل الطعام الفلاني، وحدث معه ما حدث، وكل هذا الحديث متعلق بمجريات الأمور العادية، لكن قلّما تستمع من حاج ماذا شعر وهو يطوف حول الكعبة؟ ما حاله النفسي وهو يقبل الحجر الأسود إن تمكن؟ ما شعوره الروحي وهو يسعى بين الصفا والمروة؟ وكيف كانت أحواله وهو في عرفات؟ وكيف كان خشوعه في مزدلفة؟ وكيف كان قلبه وهو يرمي الجمار؟
إنَّ الحج الحقيقة إذا خلا من هذه الأحوال أصبح طقوساً، وما هي الطقوس؟ إنها أعمال لا معنى لها، وفي الديانات الوثنية طقوس، لكنْ نحن عندنا عبادات، والطقس هو حركة لا معنى لها، تمتمات وحركات وسكنات لا معنى لها، لكن العبادة التي شرعها الله عز وجل من خصائصها أنها معقولة، وأن هذا الحاج حينما يسعى يجب أن يسعى إلى الله عز وجل، وكذا حينما يطوف، وحينما يقف في عرفة ينبغي أن يعرف الله عز وجل، فالذهاب إلى الحج لا يحتاج إلا مجموعة شروط مادية، أن يكون اسمك في القرعة، وأن يكون دورك قريباً، وتدفع الرسم وتذهب إلى الحج، الأمر أخطر بكثير من ذلك، استعدادك في بلدك هو الذي يهيئ لك حجاً مقبولاً:

(( الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلا الْجَنَّةُ ))

[متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ]

 الحجُّ المبرور أْن تحج بيت الله الحرام، وقد قبِل الله هذه الحجة، وقد ورد في بعض الأحاديث الشريفة أنه:" من انصرف من عرفات ولم يغلب على يقينه أن الله قد غفر له فهو لم يحج".
 فيجب أن يغلب على يقينك أن الله غفر لك، فلذلك كلما أعدَّ الإنسان نفسه في بلده إعداداً قوياً متيناً قطف ثمار هذا الإعداد في الحج ، فإذا كان قلبك مولهاً بالله عز وجل، ودخلت إلى الكعبة المشرفة ففاجأتك هيبتها، وشعرت عندئذٍ أن الله عز وجل يقول لك: تعال إلي يا عبدي، دع همومك وتعال، خلِّ عنك الدنيا وتعال، ودع مشكلاتك، وخصوماتك، ورغباتك، وكل ما في بلدك، وتعال إلي، فالحج رحلة إلى الله عز وجل، والحج أن تزور الله في بيته، والمسجد العادي كما قال عنه الله سبحانه وتعالى في بعض الأحاديث القدسية: "إن بيوتي في الأرض المساجد، وإن زوارها هم عمارها، فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني، وحق على المزور أن يكرم الزائر".
 فإذا ذهبت إلى بيت الله في بلدك فحقٌ على الله أن يكرمك، فالإنسان يترك أهله في البيت ويأتي إلى المسجد يقضي فيه ساعة أو ساعة ونصف، وقد يكون بيته في بلد بعيد، يحتاج إلى ساعتين أو ساعة ونصف، أيُعقَل أن الله سبحانه وتعالى تأتيه إلى بيته لتتفقه في الدين، ولتعرف أوامره ونواهيه، ولتعرف سيرة نبيه عليه الصلاة والسلام المطهرة ثم لا يكرمك!! فأحياناً الإنسان ينقذه اللهُ عز وجل بفضل حديث فهمه عن رسول الله، فلا يزهد في هذه المجالس، إنها مجالس مباركة، إن بيوتي في الأرض المساجد، تركتَ أهلك ساعتين، فحق على المزور أن يكرم الزائر، وتركت دكانك، ومسموح لك أن تفتح إلى الساعة التاسعة، والدرس ينتهي الساعة الثامنة، فأقفلت الدكان قبل ساعة، فهذه عند الله لها ثمن.
 حدثني أخ قال لي: وأنا غائب عن محلي لا يوجد زبائن، فحينما آتي إلى محلي تأتي الزبائن إكراماً من الله عز وجل، ألا تريد أن يشعرك الله عز وجل أنه راضٍ عنك وعن عملك؟ فهذه بعض المشعرات. لذلك:" إن بيوتي في الأرض المساجد، وإن زوارها هم عمارها، فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني، وحق على المزور أن يكرم الزائر".
 فإذا طاف إنسان بالبيت، فليس من المعقول أن يكون ساهيًا، بل يجب أن يجمع قلبه على الله عز وجل، وأن يدعوه في قلبه، ويجب أن يغيب عن وجوده ووجود من حوله، وأن يستغرق في محبة الله، فإذا تركت أهلك وتحملتَ الأهوال الطائلة، وتحملت من مشاق السفر لتثبت وجودك المادي في عرفات، فأمر الله عز وجل أعظم وأجلّ من أن يتعبدك بركوب الطائرة إلى مكة المكرمة، وبالطواف حول البيت طوافاً أجوفَ، وأن تقف في عرفة لحظةً من نهار، ثم تعود إلى بيتك، لا، إنَّ أمر الله أجلّ وأعظم، لذلك ربنا عز وجل يقول:

﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ﴾

[ سورة الحج : 28]

التفقه قبل الذهاب للحج :

 اسأل الحاج ما المنافع الذي انتفعت بها في الحج؟ يقول لك: أحضرت مسجلة لا يوجد منها في الشام، ودخلت والحمد لله، هذه هي المنفعة؟ وربنا عز وجل قال:

﴿فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾

[ سورة آل عمران: 97]

 ماذا يعني الأمن؟ إذا دخلت البيت الحرام فقد أصبحت آمناً، و دخلت في عفو الله، ورجعت من ذنوبك كيوم ولدتك أمك، هذا معنى أنك دخلت البيت الحرام، ومن دخله كان آمناً، فإن لم تعقد توبة نصوحًا في بيت الله عز وجل، وإن لم تعُد إنساناً آخر بتفكيرك، ومشاعرك، وعملك، واستقامتك، وبيعك، وشرائك، لم تحجَّ البيت، فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال: " تفقهوا قبل أن تحجوا "، والحج سهل لكن الصعب فيه أن تكون فقيهاً، أن تذهب إلى الحج وأنت في مستوى الحج، لا أن تذهب وأنت بعيد عن هذا المستوى.
 الحديث عن طواف القدوم، وعن الأشواط السبعة، وعن تقبيل الحجر الأسود، وعن الإشارة إليه، أو تقبيل اليد التي أشارت إليه، وعن استلام الركن اليماني، وعن الدعاء أثناء الطواف، وعن صلاة ركعتين، وعن التضلع من ماء زمزم، وعن الذهاب إلى الصفا، ثم السعي بين الصفا والمروة، وعن الهرولة بين الميلين الأخضرين في الأشواط الثلاثة الأولى، فهذه التفصيلات أصبحت معروفة، ولكن الذي نريد أن نضيف عليه هو أن تكون أيها الحاج الكريم في المستوى الذي أراده الله عز وجل، فهذه العبادة لما أمر اللهُ عز وجل بها وشرعها، أراد لها أن تكون على نحوٍ معيَّنٍ، وعلى شكل معيَّن، فهل كنتَ وِفق هذا النحو؟ فهذا الذي يعنينا في هذا الموضوع ؛ حول الطواف، وحول السعي بين الصفا والمروة، وفي الأيام التي تسبق اليوم الثامن من ذي الحجة، ويوم التروية.
 وأيضاً في الحج هناك بعض المواعظ، ومنها هذه الثياب، فأحياناً يتمايز الإنسان على أخيه بالثياب، وبالعكس هناك مِهَن لها ثياب راقية، وهناك رتب عسكرية لها ثياب معينة، فكل إنسان له ثياب تتناسب مع مكانته الاجتماعية، ولمَّا أمرَنا ربُّنا عز وجل بخلع كل هذه الثياب دلَّ أنّ هذه الثياب لها مدلولات دنيوية، فهذا يعمل في هذا المنصب، وهذا يعمل في هذا السلك وهذه البدلة له، فحينما تخلع الثياب كلها فكأنما خلعت الدنيا معها، وحينما تخلع الثياب المخيطة وترتدي قماشاً غير مخيط، فهذا يذِّكرك بالرحلة الأخيرة، فالحجُّ إذاً رحلة قبل الأخيرة، يذكِّرك بالرحلة الأخيرة، فهل أعددتَ لهذه الرحلة الأخيرة عدَّتها؟ وحينما تأتي من بلدك إلى مكان لا تعرف فيه أحداً، وتخليت عن مكانتك وشأنك ومجتمعك وأقاربك ودنياك ومكتبك، إذاً هناك معنى ترك الدنيا، فالإنسان يصلي في بلده، لكن قد يكون مشغولاً في هذه الصلاة بغير الله عز وجل، لكنَّ الحج تفريغ إجباري لهذا الحاج ليبتعد عن كل دنياه، وعلى كل إنْ شاء الله في درس قادم نتحدث عن بعض التفصيلات في السعي بين الصفا والمروة وفي بدء التوجه إلى عرفات.

* * *

موقف النبي حينما عُرض عليه أن يكون أغنى أغنياء قريش :

 قد يسأل سائل: ما خطَّتُنا في هذه السيرة؟ والحقيقة أنّ الدرس الأول أخذنا فيه موقف النبي عليه الصلاة والسلام حينما عرض عليه أن يكون أغنى أغنياء قريش، أو أن يكون زوجاً لأجمل فتياتهم، أو أن يكون أميراً عليهم، وقال قولته الشهيرة:

((والله لو وضعوا الشمس في يميني، و القمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه، ما تركته ))

[السيرة النبوية لابن هشام]

 هذا الموقف معروف، ويمكن طلابنا الصغار قرؤوا هذه المقولة الشهيرة للنبي في المدارس، ولكن نحن ماذا استنبطنا منها؟ نحن نستنبط من السيرة ما يعنينا كمؤمنين، فأنت أيها المؤمن هل هناك في حياتك أشياء غير قابلة للمساومة؟ وغير قابلة للمفاوضة؟ وغير قابلة للبحث؟ هل عندك مبادئ ثابتة تضحِّي من أجلها بالغالي والرخيص والنفس والنفيس أم عندك مرونة بالغة تميل مع الأهواء حيث تميل أم عندك حاسة سادسة لمصالحك حيث تغطيها بفتاوى دائماً سألت وهكذا قالوا؟
هذا كان الدرس الأول في السيرة وفصّلنا فيه.

استقبال النبي مرضعته حليمة السعدية :

 الدرس الثاني في السيرة كان حول استقبال النبي عليه الصلاة والسلام مرضعته حليمة السعدية وهو رسول الله، استقبلها واقفاً وقال: " مرحباً بأمي، وردَّ لها ثيابه، وأجلسها عليها، وأعطاها ناقةً وأربعين شاةً، وفك أسر أهلها، وأعطاهم غنائمهم" هل أنت وفيٌّ لأمك هذا الوفاء؟ هل أنت وفي لمن علَّمك هذا الوفاء؟ هل تنسى الفضل أم تجحده؟ هذا درس ثانٍ لنا، أحيانا زوج له زوجة رضيت به فقيراً، فلما اغتنى أعرض عنها واحتقرها، وبحث عن امرأة أخرى، أهكذا الوفاء؟ والنبي عليه الصلاة والسلام حينما ذكرت أمامه خديجة بكى، قال: " صدَّقتني حينما كذَبني الناس، وقامت معي عندما قعد الناس عني، وأعطتني مالها ولم يبدلني الله خيراً منها". هذا وفاؤه للسيدة خديجة، والدين كله وفاء؛ فهو وفاء لوالدتك، و لوالدك، ولمن علَّمك، ولشريك كان معك سابقاً وأنت مفتقر، فلما اغتنيت أبعدتَه عنك، وحينما كان الوضع ضعيفاً كنتَ راضياً به، فاسأل نفسك هل عندي وفاء كما كان وفاء النبي لأمه حليمةَ السعدية؟ هذا هو الدرس الثاني.

النبي رعى الغنم لتكون يده هي العليا :

 والدرس الثالث ؛ النبي عليه الصلاة والسلام رعى الغنم، لتكون يده هي العليا، لقد كانت عنده عِزَّةٌ حيث لا يرضى أن يكون عالةً على أحد، ولا يرضى أن تكون يده هي السفلى، ولما أعطى الصحابي الجليل الأنصاري أخاه المهاجر قال: يا أخي دونك هذا البيت فخذه، ودونك هذا البستان فخذه، فقال عبد الرحمن بن عوف: بارك الله في مالك، ولكن دُلَّني على السوق، فالأنصاري كان في منتهى الكرم، والمهاجر كان في منتهى الإباء، فهذه دروس لنا، وما دمت شاباً قادراً على الكسب لتكُن يدك هي العليا، وما رضي النبي أن يكون عبئاً على عمه أبي طالب فرعى الغنم على قراريط – أي على دريهمات- من أجل أن يساعد عمه.
 شيء آخر ؛ حينما يعمل فإنه يعلم قيمة المال وصعوبة وأخطار كسبه، فيعيش إذاً مع الناس من أجل أن يفهمهم، ويعالجهم، ويقف على مشكلاتهم، فهذا كان الدرس الثالث في السيرة.

الهدف من الاعتكاف و الخلوة مع النفس :

 والدرس الرابع اليوم ؛ إن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقضي الليالي ذوات العدد في غار حراء، فانظر إلى الناس اليوم، كلهم في زحمة الأعمال، وفي حركة سريعة، نام واستيقظ وتناول طعام الصباح، ثم ذهب إلى مكتبه، وحلّ مشكلات عديدة، وفي الساعة الثانية عاد إلى البيت، وتناول الغداء، ونام وبعد الظهر يوجد عنده مكتب ومحاسبة، وعاد الساعة العاشرة فتناول العشاء ونام إلى اليوم الثاني، فهذا الإنسان مستهلَك استهلاكاً رخيصاً، ليس عنده وقت للتأمل، عمل بعمل، ومشاغل، ومواعيد، ولقاءات باستمرار، ثم يأتي الموت فجأةً وينهي هذه المشاغل، وقد يفاجأ الإنسان أنه لم يُعِد للموت عدَّته، فأَعدَّ لكل شيءٍ عدَّته إلا الموت.
 فالنبي عليه الصلاة والسلام حينما كان يعتكف في غار حراء الليالي ذوات العدد، هذا اعتكاف مهم، فلابد للمؤمن من خلوة، ولكن أقول لكم كلامًا دقيقًا: لا بد من خلوةٍ جزئية، فإن كانت هذه الخلوة متصلة فهي خطيرة، والخلوة المتصلة انسحاب من الحياة، وهروب من الواقع، أما الخلوة الجزئية فضرورية، ففي زحمة الأعمال، وزحمة القيل و القال، والأخذ والعطاء، وفي انهماك الناس في كسب المال، لابد من وقفةٍ متأنية، إلى أين المصير؟ ماذا بعد أن أحقق هذه الأرباح؟ ماذا بعد أن أشتري هذا البيت؟ ماذا بعد أن أنتهي من بناء هذا البيت الفخم في المصيف؟ ماذا بعد كل ذلك؟ بعد كل ذلك الموت، فماذا أعددت لهذا الموت؟ فهذه الوقفة المتأنية ضرورية، وكأنها مكابح الإنسان، فمن دون تأمل كأنه سيارة مندفعة نحو الأمام بلا وعي، ولكن حينما يتأمل ويخلو مع نفسه يتفكر في كل شيء، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يخلو بنفسه مع ربه في غار حراء ويقضي الليالي ذوات العدد، فأول هدف من الخلوة أن تتفكر في خلق السموات والأرض، لأنك الآن مع ربك، وأنت لا تفكر في مصلحة، ولا في كسب مال، ولا في تجارة، ولا في صفقة، ولا في زواج، ولا في تصليح آلة معقدة، و لا في شراء آلة، ولا في سفر، ولا في متعة، تفكر من أنت؟ لماذا أنا على وجه الأرض؟ مَن خلقني؟ ولماذا خلقني؟ وماذا يريد مني؟ وإلى أين المصير؟ وماذا بعد الموت؟ هذا هو التفكر، فلابد من خلوة وهذه الخلوة مكابح.
 فهذه الخلوة مع ربك أول فائدة من فوائدها أنك تفكر في مصيرك، وفي القضايا الكبرى في عقيدتك، ومبادئك، والهدف الثاني لهذه الخلوة أنك تتقرب إلى الله بهذه الخلوة بذكر آلائه، ونعمه، وتسبيحه، وتمجيده، وتوحيده، ومناجاته، وبالدعاء له، وبتلاوة كتابه، وبالسجود له، فهذه الخلوة فيها جانب علمي، وجانب انفعالي، فالجانب العلمي أن تزداد معرفتك بالله ومعرفتك بنفسك، وأن تعرف لماذا أنت هنا، وماذا ينبغي أن تفعل هنا، وماذا بعد هنا، وأين كنت قبل هنا، هذا هو التأمل.
 والشيء الثاني تلاوة كتاب الله، وذكر نعم الله عز وجل، والتهجد، والسجود، والدعاء، والبكاء، والتذلل، والرجاء، والاستعطاف، فهذا كله يجعلك تقترب من الله عز وجل، وكلما اقتربت منه تجلَّى على قلبك وسعدتَ.
 واللِه الذي لا إله إلا هو مَن صحَّتْ خلوتُه صحّ عمله وصحّ نطقه، وشعر في اليوم التالي أنه إنسان آخر ممتلئ نورًا، وسعادة، وقوة، وتفكيرًا صحيحًا، وجرأة، وطمأنينة، وسكينة، فلذلك لا تعجز عن ركعتين قبل الشمس أكفِك النهار كله، هذه هي الخلوة.
 موضوعا الخلوة الأساسيان أن تعرف الله، وأن تتصل به، فهذه هي الخلوة، فإن لم تكن في هذين الموضوعين انقلبت إلى خطر، وتصبح حلمًا ؛ يحلم ويحلم، وغداً أبيع هذه القدرة وهو جالس تحت قدرة العسل، أبيعها وأشتري أرضًا وأعمِّر بها بيتاً، وأشتري قطيعًا من الأغنام، وأتزوج، وأنجب أولادًا وأؤدِّبهم، فإذا أساؤوا فرفع عصاه فضرب القدرة فانكسرت ووقعت عليه، فإذا جلس إنسان في خلوة وكان بعيدًا عن موضوعي معرفة الله والتقرب منه يصبح حالمًا غير واقعي، ويصبح يخرف، فالخلوة أولاً لها خطران؛ أول خطر أن تكون مستمرة، فإذا استمرت فهي هروب من الحياة، وبُعدٌ عن الواقع، والخطر الثاني أن تكون في غير هذين الموضوعين، فلتكُن جزئية ؛ كل يوم ربع ساعة صباحاً، أو نصف ساعة، أو بالشهر، أو برمضان اعتكاف، أو البعد عن المجتمعات الصاخبة إلى مكان هادئ تخلو بربك، فالخلوة الجزئية وفي موضوعي معرفة الله والاتصال به سُنةٌ نبويةٌ أمرنا بها عليه الصلاة والسلام وفعلها في غار حراء.

والحمد لله رب العالمين