الفقه الاسلامي - العبادات التعاملية - الربا - الدرس 12-15 : مواصفات البنك الإسلامي
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1997-09-28
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لاعلم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الأكارم:
مازلنا في موضوع الربا لأن كسب المال وإنفاق المال موضوع كبير جداً في الدِّين، ولأن الإنسان حينما يحصن نفسه من المال الحرام ومن العمل الحرام فقد وقي.
أيها الأخوة: قبل الحديث عن الموضوع الذي نحــن بصدده أريد أن أضع بين أيديكم مشكلة تعاني منها الدول الإسلامية هذه المشكلة تتضح بالمثال التالي:
بلد من البلدان الزراعية، اقتصادها زراعي لها ثقافة وقيم ومثل معينة، فجأةً ظهر عندها ثروات باطنية فأرادت أن تحـول اقتصادها من اقتصاد زراعي إلـى اقتصاد صناعي، ليس عندهـا المؤهلات كـي تصـنع معملاً، فآثرت أن تشتري معملاً جاهزاً، اشترت هذا المعمل الجاهز على المفتاح وهي في أمس الحاجة إلى من يتقن إدارته وتشغيله، طلبت من البلد المصنّع لهذا المعمـل أن يأتي بفنيين يسيّرون أمر هذا المعمل وطلبت كذلك أن ترسل إليهم عناصر تتدرب على تشغيل هذا المعمل، نحن بلد زراعي لنا قيم ومثل ولنا مبادئ وعادات ولنا ثقافات معينة فماذا فعلنا ؟ أردنا أن نحول اقتصادنا من اقتصاد زراعي إلى اقتصاد صناعي ولا نملك المؤهلات لتشغيل معمل، طبعاً هذا مثل، فماذا فعلنا ؟
استوردنا معملاً على المفتاح، ونحن بحاجة إلى من يديره ويشغله فطلبنا من البلد المصنع أن يرسل لنا طاقماً فنياً لتسيير هذا المعمل، ولئلا يبقى هذا الطاقم دائماً وله رواتب عالية جداً، طلبنا من الجهة المصنّعة أن تدرب لنا موظفين تدريباً فنياً عالياً، دربنا هؤلاء الموظفين ما الذي حصل ؟ صار عندنا أشخاص تفكيرهم وعلاقاتهم غربية، والذين ذهبوا إليهم تدربوا عندهم، فنحـن ماذا فعلنا ؟ لم نستورد معملاً ولكن في النهاية استوردنا ثقافةً، فهذه الثقافــة إن كانت تتناقض مع ثقافتنا ومع علاقتنا ومع قيمنا ومع مثلنا فإنها تحدث مشكلة تهز كياننا، وقد أتيت بمثل بسيط لبيان مدى الضرر بثقافتنا نتيجة استيراد معمل.
لو استقدمنا مشروع مصرف ربوي، طبعاً التعامل والأساليب والمبادئ والخطط والتي يقوم عليها المصرف تنعكس على عقول من يعمل في هذا المصرف، ونحن من أجل أن نحدّث حياتنا وأن نطورها دون أن نشعر تسربت إلينا ثقافة غريبة عن ثقافتنا، هجينة على ثقافتنا، وهي ثقافة تتناقض مع مبادئنا فلذلك ما الذي يقي المسلمون اليوم في أن يذوبوا في مجتمعات أخرى تؤمن بغير ما نؤمن، وتعتقد بغير ما نعتقد، وتسعى إلى غير ما نسعى، وتحكمها قيم غير قيمنا، لا بد من أن نؤسلم كل شيء، لنا أن نستورد إنجازاً حضارياً لكن هذا الإنجاز الحضاري يجب أن يُطوّع بإسلامنا، يُطوّع بمنهج ربنا يُطوّع لمبادئنا، هذا مثل ذكرته لكم كي نشعر أننا نرتمي في أحضان الآخرين. وهكذا تجد أن حياتنا غربية وأنماط علاقاتنا غير إسلامية وتفكيرنا غير إسلامي وتصورنا غير إسلامي، علاقاتنا الاجتماعية غير إسلامية، ثم إن قيمنا أصبحت غير إسلامية والمسألة كلها أننا أردنا أن نحدّث حياتنا فمن دون أن نشعر أخذنا قيم الغرب.
سئل أحد الأدباء ماذا نأخذ وماذا ندع من ثقافة الغربيين ؟
فقال إجابةً رائعةً: نأخذ ما في عقولهم وندع ما في نفوسهم، إحساسنا ملكنا وإحساسهم ملكهم، لكن الثقافة قدر شائع بين كل الأمم والشعوب ممكن أن تأخذ إنجازاً حضارياً ولكن ممكن أيضاً أن تجعله وفق منهج الله عز وجل وهذا ممكن أن يكون.
شيء آخر هناك فتوى في المذهب الحنفي تجيز أن تودع الأموال في بلاد الكفر أو البلاد المعاهدة إن صح التعبير، المشكلة في هذه الفتوى التي ذكرها الأحناف بقصـد إضعافهم، أما حينما وضـع المسلمـون أموالهم في بلاد الغرب بدل أن يضعفـوهم قَوّوهم بهـذا، تصور دولـة صغيرة معها ألف مليـار ومليارات من الدولارات، كلها أموال المسلمين هذه قويت وصنعت السلاح وباعت السلاح، من دفع الثمن ؟ هؤلاء الضعاف الذين وضعوا أموالهم في بلاد الغرب.
أنا أقول لكم بدافع إسلامي ينبغـي أن يُستثمر المال في بلاد المسلميـن لأن هذا يقويهم ويرقى بصناعتهم ويرقى بعلاقاتهم كلها، هذا الموضوع مختصر أصلُ منه إلى موضوع دقيق ذكرت جزءاً منه في درس سابق هذا الجزء هو: أنه ممكن أن نستخدم المصرف الإسلامي في إنجاز هذه المهمات الشرعية:
تحويل النقود إلى مكان آخر مقابل مبلغ يسير من المال، تحويل النقود من بلد إلى بلد هذا لا شيء عليه إطـلاقاً، ومـا يـأخذه المصرف نظير التحويـل هو أجرة مشروعة، وهـذا بند من بنود عمل المصرف الإسلامي ولا شيء عليه من وجهةٍ شرعية.
شيء آخر إصدار شيكات للسفر فالمسافر ينتقل من بلد إلى بلد قد لا يستطيع أن يحمل معه أموال عندئذ يكون مُعرضاً للسرقة، إذاً يمكنه أن يأخذ ما يسمى شيكاً في بلد ويصرفه في بلد آخر هذا البند الثاني أيضاً لا شيء عليه كذلك.
الشيء التالي: يمكن للمصرف الإسلامي أن يحصّل الديون التي يضعها الدائنون لدى المصرف ويوقعون عليها بتكليف المصرف بقبضها مقابل أجر عمل على هذا العمل. وأجر تحصيل هذا البند الثالث لا شيء فيه أيضاً.
يمكن أن يؤجر هذا المصرف خزائن حديدية لمن يبغي أن يحفظ أمواله في هذا المصرف وهذا أيضاً عمل رابع ولا شائبة فيه.
5 ـ يمكن أن يسـهل المصرف تعامل الدول مع بعضهـا بعضاً أو تعامـل التجار أو المعامل مع بعضها بعضاً.
الشيء الدقيـق في هذا الموضوع هو أنه هل يعجـز الإسلام عن تأميـن حاجة المسلمين إلى مصارف إسلامية صحيحة ؟
الحقيقة الإسلام منهج كامل وحاجة الناس إلى مصرف إسلامي حاجة أساسية، لو تصورنا من باب التصور ملامح هذا المصرف الإسلامي، كيف يعمل ؟ الحقيقة لدينا أشياء لطيفة جداً أريد أن أضعها بين أيديكم.

6 ـ هذا المصرف يمكن أن يقبل ودائع بحسابات جارية، دون أن يعطي عليها فوائد وهذا شيء مشروع أن يقبل ودائع بحسابات جارية بل إن معظم المصارف حتى بالدول الغربية الحساب الجاري لا تعطي عليه أية فائدة، فإذا وضعت هذا المال في مصرف إسلامي بحـساب جارٍ لا شيء عليك، وفي دراسة لطيفة أنّه في عام سبعة وستين وتسعمائة وألف أكثر من خمسين بالمائة من مجموع الودائع في بعض المصارف الكبرى كانت بحسابات جارية لا فائدة عليها.
أما الودائع بعيدة المدى، لآجال مديدة بعد سنة أو سنتين، قالوا فهذه تعود إلى المرابحة ممكن بهذا المال إنشاء مشروع حيوي أساسي تجاري، صناعي، زراعي ويوزع ربحه على المودعين في هذا الحساب طويل الأجلأو قصير الأجل، ففي حال قصير الأجل فالمودع ضمن المال في مكان أمين واستجَرَّ منه متى أراد، أما إذا وضع المال لأجل طويل يستطيع أن يوظف هذا المال في مشروع يربح أو يخسر وهذا أيضاً شيء مشروع.
البند الأول الحساب الجاري هذا لا يربح شيئاً لكن المودع وضع المال في مكان أمين واستجر منه عند حاجته ونظم حساباته، الآن المسلمون بحاجة ماسة إلى مصرف إسلامي أنا أذكر لكم هذه الخصائص حتى يتبين الإنسان ويعتقد حازماً أن الإسلام منهج دقيق جداً، منهج يغطي كل حاجات المجتمع.
وممكن لهذا المصرف أن يقرض قرضاً حسناً لمن يثق بأمانته والشخص الذي لا يعرفه المصرف يأخذ منه رهناً. إذاً البند الثالث من بنود عمل المصرف القرض الحسن برهن أو بغير رهن وبلا فائدة، هناك خدمة كبيرة جداً: مصرف زراعي، مصرف صناعي، مصرف تجاري ممكن أن يشتري هذا المودع حاجته وأن يبيعها إياه مرابحةً وهذا أقره مجمـع الفقـه الإسلامي، ويمكن لهذا المصـرف أن يمول المزارعين والصناعيين والتجار مقابل مرابحة مشروعة بالإسلام.
هذا المصرف أيضاً بإمكانه أن يكـون شريكَ مضاربةٍ مع جهات ذات خبرات عالية في الاقتصاد وبالنسبة لمشروع كبير جداً يحتاج إلى تمويل فهذا المصرف يكون شريكَ مضاربةٍ في تمويل مشروع ضخم يعود الربح على المضاربين أو على المودعين في هذا المصرف.
أيها الأخوة:
أنا ذكرت هذا الموضوع من أجل أن يعتقد الإنسان أو أن يوقن أن منهج الله كامل مهما تطورت الحياة ومهما اشتدت الحاجة إلى مؤسسات مالية تغطي حاجات المجتمع فالإسلام عنده من التشريعات الدقيقة الحكيمة ما يوفـر لهذا المجتمع كل حاجاته، مثلاً لو أنني ذكرت إلى جانب هذا الموضوع موضوع التأمين، يمكن أن يشترك مائة تاجر فرضاً ويضعون في صندوق بنسب مستورداتهم مبلغاً من المال فأي تاجر أصيب بمصيبة في تجارته ؛ تلفت بضاعته مثلاً أو غرقت تجارته يُعطى من هذا الصندوق تعويض بضاعته، لو أن واحداً من هؤلاء المائة لم يصب بشيء فهذا المبلغ للمائة، هذا اسمه تأمين تعاوني، هذا ليس مباحاً فقط بل مندوب إليه، التأمين التعاوني.
أنا سمعت من أخ كريم منذ يومين أن إحدى الدول الإسلامية في جنوب شرق آسيا، أعتقد ماليزيا حققت فائضاً من عملها التجاري يزيد عن مليار دولار أو عن مائة مليار، قال هناك الخبراء اكتشفوا أنها كُلما قلّت الفائدة على المبالغ المودعة حدث نمو اقتصادي كبير، فإلى أن تصل الفائدة إلى الصفر يكون النمو في أعلى مستوى، هذا النظام نظام خالق الكون الله الذي حرم الربا هو الذي خلق الإنسان فحينما نعتقد أن هذا التحريم مبني على أسس وعلى قواعد ترتاح نفسك، والأصل كله في هذا الموضوع أن هذا المال كتلة ووضعها الطبيعي الذي يريده الله عز وجل أن تكون موزعة بين كل الناس قال تعالى:

﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7)﴾

(سورة الحشر )

الحالة المرضية الوبائية أن يتجمع المال بأيدٍ قليلة، وأما الحالة الصحية أن يكون هذا المال متداولاً بين كل الناس.
الآن إذا ولّد المال المال تجمـع المال في أيدٍ قليلـة، وإذا ولـّدت الأعمال المال توزع هذا المال على الأيدي الكثيرة والمال قوام هذه الحياة وقد جاء هذا في القرآن الكريم، فإذا جمع المال في أيدي قليلة، كانت كارثة على المجتمع أما إذا تداول الناس جميعاً هذا المال ضمنت أن التداولَ تلده الأعمال لا أن المصارف الربوية هي التي تلـده، أيّ إنسان يريد أن يعمـل في نسبة معروفـة بين التجار، الحد الأدنى للمصـاريف عشر المبيعات يعني بع بمليون مصروفك بمائة ألف فهذه لمن ؟ لمن ينقل لك البضاعة ويخزن لك البضـاعة، لمن يضـع لك البضـاعة في حاويات، للمخلـص للمحاسب، أنت حينما تقـوم بتأسيس عمل تجاري تحتاج إلى عشرات الأشخاص بعضهم يعمل معك مباشرةً وبعضهم يعمل معك بشكل غير مباشر، حينما تؤسس عملاً تستخدم أيداً عاملة، والآن معروف أن المشكلة الأولى في العالم مشكلة البطالة وهناك علاقة وثيقة جداً بين البطالة والربا.
الربا ما أساسه ؟ مال يلد المال، فالمصاريف قليلة جداً، أما الأعمال حينما تلد المال لا بد من عشر هذا المبلغ، عشر الحركة المالية يذهب مصاريف منوعة، معنى ذلك أننا حققنا فرصَ عملٍ كثيرة جداً للناس.
أيها الأخوة:
الإنسان حينما يقنع أن هناك نظاماً إسلامياً كاملاً فهذا يدفعه إلى أن يبحث عن البديل للنظام الربوي غير الإسلامي، الربا كما قال الله عز وجل:

﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276)﴾

(سورة البقرة )

كلكم يعلم أيها الأخوة أن عندنا ما يسمى بالموشور، الموشور شكل هندسي عبارة عن دوائر متناقصـة إلى أن تنتهي إلى الصفـر وهذه الدوائر لها محور لو سمينا المحور هو السعر فكل سعر له دائرة متعلقة به، فكلما ارتفع السعر صغرت الدائرة وكلما انخفـض السعـر اتسعت الدائـرة، هناك علاقـة بين السعر وبين الشريحة المستفيدة من هذه السلعة، ما الذي يحصل ؟ أنه إذا انخفضت الأسعار عم الخير.
أوضح مثل: فاكهة من فواكـه الصيف لو بيعـت بخمس ليرات لاشترى هذه الفاكهة في المدينة مليون إنسان، ولو بيعت بعشر ليرات لاشتراها نصف مليون، بخمسة عشر: مائتا ألف، بعشرين: مائة ألف، بخمس وعشرين: وخمسون ألفاً، فكلما ارتفع السعر ضاقت الشريحة، إن ضاقت الشريحة صار هناك أناس منتفعون وأناس محرومون، إن كان هناك تفاوت بين الناس، أناس يذوقون أصعب مشاعر الجوع والحرمان وأناس يتمتعون بكل مباهج الحياة و هذا الفارق الشديد في حياة الناس يسبب كل المشكلات وكل الإحباطات وكل العقد النفسية بل وكل أعمال العنف التي تجري في العالم اليوم.
والذين يعملون في الأمن الجنائي يعلمون هذه الحقيقة، كلما اشتدت البطالة اتسعت دائرة الجرائم، وكلما اتسع العمل قلّت البطالة.
أيها الأخوة:
الشيء الآخر: في موضوع الربا أن الربا يسهم في رفع الأسعار والسبب: أنك حينما يكون متـاحاً لك أن تستثمر المال في طريق ربوي آمن فليس هناك مغامرة، التجارة فيها مغامرة، والتجارة فيها متاعب وفيها يعني حل مشكلات بشكل يومي، أما الذي يضع ماله في البنك فلا متاعب عنده ولا ضرائب ولا رسوم مالية ولا جمارك ولا تموين تأمينات هذا كله معفى منه، ما الذي يحصل ؟
كلما وضعت الأموال في البنوك انتشرت البطالة، البطالة تسبب أزمة اجتماعية، وكذلك كلما وضعت الأموال في البنوك بحرز هناك شيء آخر فلا تجد من يغامر بماله في عمل تجاري أو صناعي أو زراعي لأنه متاح له أن يأخذ الربح من مصرف ربوي بلا جهد، لو أن المصرف أعطى ثمانية عشر بالمـائة أو خمسة عشر، لما كان يضع في العمل الصناعي أو التجاري رأس مال ضخم، إلا مقابل ربح كبير، ماذا يعني الربح الكبير يعني ارتفاع الأسعار، ارتفع السعر ضاقت الشريحة، وإذا ضاقت الشريحة صار هناك فرق طبقي كبير وكثرت المشكلات.
ذكرت مرة أن الإنسان عندما يشرب الخمر يؤذي من ؟ يؤذي نفسه فقط وإذا زنا يؤذي نفسه والتي زنا بها، أما إذا أكل الربا يسهم بشكل أو بآخر في هدم المجتمع، لذلك ما من معصية توعد الله مرتكبيها بالحرب إلا الربا قال تعالى:

﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24)﴾

(سورة البقرة )

والحقيقة حينما يكون المجتمع في بحبوحة فهو في خير، إنسان له عمل والعمل يعود عليه بدخل، الدخل يجعله يفكر بالزواج وفي اقتناء بيت، إذا بدأنا بمال انتقلنا إلى شراء بيت ثم غرفة نوم، وغرفة ضيوف، ثلاجة غسالة خطبنا فتاة، واضطر لشراء ذهب لخطيبة وموضوع الزواج أساسي في المجتمع فحينما تحل البطالة محل العمل تنشأ فوضى اجتماعية والحقيقة أننــي لا أبالغ إذا قلت أننا لو حلّلنا مشكلات العالم كله لوجدنا هذه المشكلات تعود قطعاً إلى مخالفة منهج الله سبحانه وتعالى في الناحية الاقتصادية. فالربا يسهم في البطالـة ويسهم في رفع الأسعار، ما دام هناك جهة تعطيك مبلغاً مضموناً بلا جهد فأنت لن تغامر بمالك في مشروع تتحمل المغامرة والمتاعب والمشكلات والضرائب من مزاولة العمل إلا بربح كبير جداً معنى ذلك أنك دون أن تشعر تعلم أن وجود بنك ربوي يسهم في رفع الأسعار، وكذلك فللمصرف الإسلامي مهمات أخرى:
يمكن أن يجمع الزكاة ويوزعها أيضاً على المستحقين بجهاز فني وبجهاز يكون متمكناً من أداء هذه المهمة ويمكن لهذا المصرف أن يأخذ أموال الصدقات ليجعلها قروضاً حسنة يوزعها على المستحقين وهذا أيضاً جزء من عمل المصرف الإسلامي ويمكن أن يعطي قروضاً إنتاجية، قروضاً استثمارية عن طريق المرابحة وهذا أيضاً مشروع في الإسلام.
أيها الأخوة:
هناك نقطتا ضعف في الإنسان، المال والمرأة، فإذا حصن نفسه ضد إغراء المرأة وإغراء المال فقد حقق تسعة أعشار دينه فمن تزوج فقد ملك نصف دينه فليتق الله في النصف الآخر.
الإنسان حينما يحصن نفسه تجاه المال الحرام وتجاه المرأة التي لا تحل له فقد نجا من مطبات ومن ألغام كثيرة جداً، يوجد شيء آخر في الموضوع أن الإنسان أحياناً ينتقل في عمله من تحصيل رزقه إلى جمع المال وجمع المال يؤدي إلى حالة مرضية أحياناً في بعض الحالات يكون المال في خدمتك وفي حالات أخرى تكون أنت في خدمته وحينما ينتقل الإنسان من مخدوم إلى خادم ضيع من حياته جزءاً كبيراً، لذلك العلماء فرقوا أيضاً بين ما هو كسب وبين ما هو رزق. فالكسب هو حجمك المالي، والرزق هو الذي تنتفع به حصراً، الذي لا تنتفع به محاسب عليه، وهذه مصيبة كبرى بينما رزقك هو الذي أكلت فأفنيت ولبست فأبليت، أما الذي يبقـى لك هو ما تصدقت فأبقيت، وما سوى ما أكلت فأفنيت وما لبست فأبليت وما تصدقت فأبقيت، ما ليس لك فهـو كسب وليس رزقاً و شيء آخر في موضـوع كسب المال، المال الحلال بالتعبير الشائـع فيه بركة، معنى فيه بركة تنتفع به أعلى أنواع الانتفاع، والمال الحرام من خصائصه أنه يذهب بشكل غير مريح وكأن الله سبحانه وتعالى يعاقبك ويحاسب على الإنفاق غير المشروع، والإنسان كلما حرص على كسب الحلال كلما مكنه الله عز وجل من أن ينتفع به إلى أعلى درجات الانتفاع.

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ ))

ذكرنا في هذا الدرس أنه ما من حالة اجتماعية أو مالية أو اقتصادية، ما من حاجة يحتاجها المجتمع إلا ولها تشريع يغطي هذه الحالة والدليل أن الله عز وجل حينما قال:

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3)﴾

(سورة المائدة )

أنت تتعامل مع منهج خالق الكون، سمعت خبراً قبل أيام أن تلك البلدة الإسلامية التي حققت أعلى نمو اقتصادي سببه أنها اقتربت من منهــج الله عز وجل، بلد نامٍ يحقق ألف مليار، مبلـغ كبير جداً وهذا فائض معنى ذلك أن الأخ بمنهج الله يحقق نجاحاً كبيراً.
هناك شيء آخر أن سيدنا عمر حينما مر على بلد ورأى أكثر الفاعليات فيه بيد الأقباط فعنف أهله تعنيفاً شديداً وقال: كيف بكم إذا أصبحتم عبيداً عندهم.
وأنا في خطب كثيـرة ذكرت، كيف أن الفقـر ليس قدراً وقلت: هناك فقر القدر وهناك فقر الكسل وهناك فقر الإنفاق، فقر القدر إنسان عاجز مصاب بإحدى حواسه الخمس أو مصاب بشلل أو مصاب بعاهة، فهذا فقر لكن فقر القدر.
أما الكسول فقد يفتقر ولكن افتقار الكسول لا يسمى افتقار القدر بل فقر الكسل.
أما فقر الإنفاق:

((فقد حدث النبي عليه الصلاة والسلام عليه فقال: قال له أحد أصحابه: قال والله إني أحبك قال عليه الصلاة والسلام: انظـر ماذا تقول، قال: والله إني أحبك، قال انظر ماذا تقـول، قال: والله إني أحبك، قال: إن كنت صادقاً فيما تقول فلَلَفقر أقرب إليك من شرك نعليك ))

ما معنى ذلك ؟ يعني إن أحببتني رق قلبك وأنفقت مالك على كل محتاج ومسكين وقد قال الله عز وجل في الحديث القدسي يخاطب عبداً من عباده الأغنياء:

((عبدي أعطيتك مالاً كثيراً فماذا صنعت فيه ؟ يقول: يا رب لم أنفق منه شيء مخافة الفقر على أولادي من بعدي، يقول له الله عز وجل: ألم تعلم أنني أنا الرزاق ذو القوة المتين، إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم، ويقول لعبد آخر: عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه، يقول يا رب أنفقته على كل محتاج ومسكين بثقتي أنك خير حافظ وأنت أرحم الراحمين، يقول الله عز وجل: أنا الحافظ لأولادك من بعدك))

أيها الأخوة:
هناك نقطة أخيرة في الدرس أن المصرف الربوي كيف ينمي أمواله ؟ يأخذ أموال المودعين يضعها في بنوك أخرى في فائدة عالية وينقلها من بنك إلى بنك ومن عملة إلى عملة يتقصى بها أعلى الأرباح. أما المصرف الإسلامي فماذا يفعل ؟ ليس أمامه إلا طريق واحد أن يستثمر هذا المال في مشاريع، إذاً المصرف الإسلامي كل مدخراته في مشاريع زراعية وصناعية وتجارية، ماذا فعـل في البلد ؟ رخاء كبيراً وصارت هناك فرص عمل كبيرة جداً وهذه أحدث حركة إنفاق عام، فلو أن شركة رأس مالها ثلاثمائة مليون بدأت بمشروع فكم عاملاً تحتاج و كم نشاطاً تجارياً وصناعياً أحدثت، ممكن تستقطب ألف عامل، وألف مؤسسة، أنا سمعت مصنع سيارات ارتبط به أكثر من أربع مائة مصنع وكل مصنع به آلاف العمال معنى ذلك أن العمل الإنتاجي يحتاج إلى يد عاملة كبيرة جداً ومن مزايا المصرف الإسلامي أنه مسموح له فقط أن ينمي أمواله عن طريق المضاربة، أي مشاريع زراعية وصناعية وهذه المشاريع من شأنها أن تشغل اليد العاملة وتلغي البطالة وتحقق الرخاء والإنسان حينما يكسب المال سوف ينفقه على حاجاته الأساسية، مشكلة التضخم النقدي توفر كل شيء ولكن لا تحدث حركة في السوق، كل شيء جامد إذا لم تكن حركة فلا ربح ولا إنفاق: حلقة مفرغة، إذا وُجد كسب وجد إنفاق والإنفاق يدعو إلى مزيد من الإنفاق، إذا قلّ الكسب قلّ الانفاق وكل شيء توقفت حركته، ترى مشروعاً يجب أن يبيع باليوم بمائة ألف فيبيع باليوم بألف أو ألفين، ما الذي يحصل يصرف موظفيه واحداً تلو الآخر، يقلص إنتاجه ويحدث انكماش اقتصادي، الإنسان حينما يطبق هذا المنهج العظيم يقطف ثماره اليانعة بشكل أو بآخر.
لو أن الإنسان لم يفقــه حكمة تحريم الربا، ولو أنه لم يفقه حكمة المضاربة المشروعة التي شرعها الله عز وجل فلمجرد أن يطبقها تطبيقاً صحيحاً يقطف ثمارها عن علم أو عن غير علم، وهذه قاعدة في علم الأصول أن ـ الانتفاع بالشيء ليس أحد فروع العلم به ـ لو لم تعلم حكمة منع الربا ولو لم تعلم حكمة القرض الحسن لقطفت كل ثمار هذا النظام وأنت لا تشعر لذلك إلى مزيد من طاعة الله عز وجل حتى في كسب الأموال.
أخواننا الكرام ممن يعملون في التجارة والصناعة والزراعة أحياناً يسألك أحدهم مسألة: هل هذه حرام ؟ بحسب منطق العصر أن هذا الهرمون يكبر الثمرة ويعطيها ألواناً زاهية ويكون سعرها أعلى ويدرُّ ربحاً أكثر، أنت لو طبقت منهج الله عز وجل ولم تؤذِ عباده لجعل الله لك ربحاً من باب آخر أوسع بكثير.
فكـل مشـكلات النـاس أنهم يبحثون عن ربح سـريع ولا يعبئـون بمنهج الله عز وجل، الإنسان عندما يطبق هذا المنهج بشكل صحيح فالله عز وجل هو الذي يعطي ويغني.
طبعاً هذه الدروس الثـلاثة في هذا الموضوع الدقيق أعتقد أنها كانت وافية وشاملة، بأول درس تحدثنا عن تعريف ربا النسيئة وربا الفضل، في الدرس الثاني تكلمنا عن الأموال التي تقع في محل الربا بشكل تفصيلي وعن بعض المبادلات التجارية التي حرمها الشرع الحنيف، وفي هذا الدرس تحدثت عن مشكلة استيراد أنظمة اقتصادية غربية وهذه لا بد من أن يرافقها ثقافات وقيم تتناقض مع ديننا ومع أهدافنا ومثلنا فلابد من أن نؤسلم كل شيء مستورد، بأن نجعله وفق الإسلام وليس هذا ببعيد، و يمكن أن تنشأ شركات تأمين إسلامية وبنوك إسلامية تطبق أحكام الدين مائة بمائة دون أن يكون هناك شبهة فنرجو الله سبحانه وتعالى أن يتاح لنا في القريب العاجل أن نستمتع بكل شيء إسلامي مريح للنفس وفيه طمأنينة.

والحمد لله رب العالمين