موضوعات متنوعة - مقدمات كتب : مقدمة وتمهيد موسوعة أسماء الله الحسنى.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2001-04-09
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيد المرسلين ، سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين .
و بعد ... فلهذا الكتاب الذي تم دفعه إلى الطباعة بتوفيق الله ، و عونه ...قصة !
فلقد تمنى عليّ بعض الإخوة الكرام قبل عشر سنين أن ألقي درساً أسبوعياً في جامع العثمان بدمشق ، فاستجبت لرغبتهم ، لكنني وقعت في حيرة من حيث اختيار موضوع هذا الدرس ، و بعد التأمل و البحث وجدت أن أخطر شيء في الدين العقيدة ، لأنها إن صحت صح العمل ، و إن فسدت فسد العمل .
فهناك أناس فسدت عقيدتهم ، ففسدت أخلاقهم ، مرقوا من الدين ، كما يمرق السهم من الرمية ، تحقر صلاتك مع صلاتهم ، و عبادتك مع عبادتهم .
و هناك أناس لهم أعمال كجبال تهامة يجعلها الله يوم القيامة هباء منثوراً ، إنهم يصلون كما نصلي و يقومون كما نقوم ، لكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها ، إنهم لم يخلصوا دينهم لله ، فالعمل لا يقبل إلا إذا كان خالصاً و صواباً ؛ خالصاً ما ابتغي به وجه الله ، و صواباً ما وافق السنة .
فتوجهت إلى موضوع العقيدة ...و تيقنت أن أخطر موضوعات العقيدة هو الإيمان بالله ، فهو أصل كل الأصول ، و مرجع كل الفروع ، و لعل من أبرز موضوعات الإيمان بالله ، هو شرح أسمائه الحسنى ، و صفاته الفضلى ، ذلك أن الإنسان إذا اكتفى بأن يؤمن بأن الله خالق الأكوان ، من دون أن يطلب المزيد عن أسمائه و صفاته ، و من دون أن يخضع لأمره، و يحتكم لشرعه ؛ مثل هذا الإنسان لا يختلف كثيراً عن إيمان الذين اتخذوا من دون الله أولياء ، ثم قالوا :

﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴾

[ سورة الزمر : الآية 3 ]

لقد رغبت أن يكون شرح الأسماء الحسنى ـ فضلاً عما كتبه العلماء الأجلاء في مؤلفاتهم عن أسماء الله الحسنى ـ أن يكون الشرح بطريقة تعتمد على آيات الله في الآفاق ، و آيات الله في النفس الإنسانية ، و تعتمد على أفعال الله الدالة علة وحدانيته و كماله ، أي أنني رغبت أن تكون آيات الله الكونية، و التكوينية ، و القرآنية التي هي مظهر لأسمائه الحسنى ، و صفاته الفضلى ، مصدراً أساسياً للشرح ، و لا أدري مبلغ ما وفقت فيه من التعريف بالله رب العالمين من خلال هذه الطريقة ، و لكن الذي أدريه أنني ما ادخرت وسعاً في تقريب هذه الأسماء من عقول الناس ، و قلوبهم فلعلها تكون سبباً في معرفة الله المعرفة الحقة ، التي تنجي من شقاء الدنيا و عذاب الآخرة ، و تسعد الإنسان في دنياه و أخراه .
و بعد أن تم شرح الأسماء الحسنى في درس أسبوعي في عدد من السنوات على وجه التقريب، و لاقت قبولاً حسناً في الأوساط الدينية ، و أذيعت مرات عديدة في عدد من الإذاعات الدينية ، في مجموعة من البلاد الإسلامية .
ثم تمنى عليّ إخوة آخرون أن تفرغ هذه الأشرطة على شكل نصوص تجمع في كتاب ؛ ذلك أن للشريط دوراً في الدعوة إلى الله شديد الأثر ، و أن للكتاب دوراً آخر طويل الأمد ، عندها ولدت فكرة هذا الكتاب ، إذن لم يكن هذا الكتاب تأليفاً ، و التأليف له قواعده الصارمة، و إنما كان تفريغاً لتسجيلات لدروس عامة ألقيت في مسجد ، و الدرس العام له خصائصه التي تعين على نجاحه ، ذلك لأن المتحدث في الدرس العام يواجه أعماراً مختلفة ، و ثقافات متعددة ، و نماذج بشرية متباينة ؛ فلابد من تبسيط الفكرة ، و عرضها بأسلوب جذاب ، و لابد من دعمها بأمثلة من واقع الحياة ، و بقصص من صميم المجتمع ، لأن الله جل جلاله أمرنا أن نتفكر في خلقه ، و هذه آياته الكونية ، و أن ننظر في أفعاله و هي آياته التكوينية ، و أن نتدبر في كتابه و هي آياته القرآنية ، ثم إن الدين يفسر الحياة بظواهرها الطبيعية ، و الحيوية ، و النفسية ، و الاجتماعية ، و الفردية ، و الجماعية ، و يعطي لسمو الإنسان و انحطاطه تفسيراً ، و لتماسك المجتمع و تفككه تعليلاً ، ثم إنه يوجه الإنسان و هو المخلوق الأول إلى معالم طريق الحياة المثلى التي خلق من أجلها ، و التي تليق بإنسانيته ، و التي فيها حياة قلبه و روحه ، و ليس القصد من هذه الدروس التي ألقيت في جامع العثمان بدمشق تقرير حقائق ( أكاديمية ) فحسب ؛ بقدر ما كان القصد تعريف النفس بربها ، و حملها على طاعته ، كي تسعد بقربه في الدنيا و الآخرة ، فالعبادة طاعة طوعية ، تسبقها معرفة يقينية ، تفضي إلى سعادة أبدية ، فالإنسان من جبلته ، أنه إذا عرف الآمر ، ثم عرف الأمر ، تفانى في طاعة الآمر ، أما إذا عرف الأمر ، و لم يعرف الآمر ، تفنن في التفلت من أمره ، و هذه مشكلة العالم الإسلامي الأولى ، معرفة الأمر و ضعف في معرفة الآمر ، فتعزيز معرفة الآمر ، من خلال معرفة أسمائه الحسنى و صفاته الفضلى ، هو الهدف الأول من هذا المؤلف.
ولابد من أن أشكر في نهاية المطاف ، كل الإخوة الكرام الذين ساهموا بشكل أو بآخر في إخراج هذا الكتاب إلى حيز الوجود ، و أخص بالشكر الذين صمموا برامج الحاسوب التي أفرغت فيها النصوص ، و الذين أفرغوا الشريط على الكمبيوتر ، و الذين راجعوا النصوص مع الشريط ، و الذين دققوا النصوص لغوياً ، و الذين نفذوا التصحيح على الأصل ، ثم الذين نضدوا نصوص الكتاب ، و أخرجوه على الشكل الفني الذي هو عليه ، و الذين راجعوا النصوص مراجعة أخيرة ، و الذين نفذوا طباعته ، و القائمين على الدار التي نشرته ، و على رأسهم صاحب الدار ، سواء منهم من أخذ أجرة أو ابتغى أجراً ، إلى كل هؤلاء الذين ساهموا في إخراج هذه الموسوعة إلى حيز التداول ، ممن أعرفهم و ممن لا أعرفهم ، و ما ضرهم أني لا أعرف بعضهم إذا كان الله يعرفهم ، إنهم فريق عمل دعوي ، إنهم جميعاً مشمولون بقوله تعالى :

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة فصلت : الآية 33]

و أرجو الله أن أكون واحداً منهم ، و أُشهدُ الله أنه لن ينالني من هذا الكتاب أي نفع مادي ، ما دمت حياً ، راجياً أن أكون من يبتغي وجه الله بعمله ، فلعل الله يقبلنا جميعاً ، و يرحمنا جميعاً .
و أنا أدعو الإخوة القراء ...أن يقدموا لي أثمن هدية ... و هي ملاحظاتهم القيمة ، و نقدهم الموضوعي البناء ، فما من أحد أصغر من أن يَنقُد ، و ما من أحد أكبر من أن يُنقَد ، إلا صاحب القبة الخضراء ، الذي عصمه الله عز وجل ، و سيدنا عمر يقول أحب ما أهدى إلي أصحابي عيوبي ، و ليس الذي يقبل النصيحة بأقل أجراً من الذي يسديها تقرباً إلى الله ، فالدين النصيحة .
ثم إني أدعو الله جل و علا أن يجزي عنا سيدنا محمداً صلى الله عليه و سلم الذي أرسله الله رحمة للعالمين ، بشيراً و نذيراً خير ما جزى نبياً عن أمته ، و أن يجزي صحابته الكرام،
و أهل بيته الأخيار ، و الطيبين الطاهرين ، الهادين المهديين ، أمناء دعوته ، و قادة ألويته ما هم أهله ، و أن يجزي الله و الدنيا ، و مشايخنا ، و من علمنا ، و من له حق علينا ، خير الجزاء .
و في الختام أعوذ بك يا رب أن يكون أحد أسعد بما علمتني مني ، و أعوذ بك أن أقول قولاً فيه رضاك ألتمس به أحداً سواك ، و أعوذ بك من فتنة القول كما أعوذ بك من فتنة العمل ، و أعوذ بك أن أتكلف ما لا أحسن ، كما أعوذ بك من العجب فيما أحسن .
الدكتور محمد راتب النابلسي

والحمد لله رب العالمين