التفسير المطول - سورة البقرة 002 - الدرس (56- 95):تفسير الآيات 171-173 ، الاتصال بالله أساس الأمن والسعادة
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1999-09-10
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

ضرب المثل طريقةٌ بيانيةٌ رائعة :

أيها الأخوة المؤمنون... مع الدرس السادس والخمسين من دروس سورة البقرة، ومع الآية الواحدة والسبعين بعد المئة، وهي قوله تعالى :

﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾

الله جلَّ جلاله في كتابه الحكيم يضرب المثل، وضرب المثل طريقةٌ بيانيةٌ رائعة، حقيقةٌ مجردة، توضح بمثلٍ حسِّي، حقيقةٌ غائبة تجسَّد بواقع، فالراعي أيها الأخوة الذي يرعى الغنم كيف يحركهم؟ يرفع صوتاً له، لا يتكلم، ثم يتحرك أمامهم باتجاهٍ معين فيتبعونه، فهؤلاء الذين كفروا ما عقلوا، ولا فهموا، ولا أدركوا، ولا بحثوا، ولا حللوا، ولا تأمَّلوا، إنما قلَّدوا، كيف أن الغنم حينما يسمعون صوت راعيهم، صوتاً مبهماً بلا معنى، لا توجد حروف إطلاقاً، حينما يسمعون صوت الراعي ينظرون إليه فيتحرك إلى جهةٍ ما، هو ينبِّههم بصوته ويدعوهم بحركته فيتحركوا، والكافر هذا شأنه؛ شأن البهيمة، يلفت نظره شيء فيتبعه، قال عليه الصلاة والسلام:

(( لا تَكُونُوا إِمَّعَةً تَقُولُونَ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا...))

[سنن الترمذي عن حذيفة]

الخط العريض في المجتمع يتَّبع صرعات الموضة تقريباً، فإذا كشف الناس عن عوراتهم تكشف نساؤهم عن عوراتهم، إذا أكل الرجال الربا يأكلون الربا. يقلد أي شيء مستحدث دون أن يعرضه على الشرع، دون أن يعرضه على منظومة القيَم، دون أن يسْأَل: هل هذا موافقٌ للدين أو غير موافق؟ هل هذا ينفعني في بيتي، أو يؤذي أولادي في بيتي؟ ما دام الشيء قد شاع إذاً فلا بدَّ أن نقلِّده.

الإنسان غير المؤمن تحركه شهواته :

قال تعالى:

﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾

غير المؤمن تحركه شهواته
أي حركتهم في الحياة حركة تقليدية، حركة بهيمية، حركة غير واعية، حركة جامدة:

﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي ﴾

كهذا الذي:

﴿ يَنْعِقُ ﴾

صوت الراعي ينبِّه غنمه، ينعق بمخلوقاتٍ لا تسمع إلا دعاءً ونداءً، تتحرك بنداء تُنادى به، ودعاء إلى جهةٍ تتحرك إليها، لذلك قال تعالى:

﴿ فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ ﴾

[ سورة الزخرف: 54]

الإنسان غير المؤمن سهل جداً أن تقوده، المحرك له شهواته، كيف أن الثور تلوِّح له بقماشٍ أحمر فيتحرَّك، كذلك الإنسان الشهواني حيثما دغدغت مشاعره، أو دغدغت شهواته يتبعك، وهذا ما يفعله الغرب في العالم الإسلامي، يحارب قيَم المسلمين، يحارب مبادئهم عن طريق الشهوات، يحاربهم عن طريق المرأة؛ إنْ في ثيابها الفاضحة، أو على برامج تبُثُّها هذه المحطات التي تبث السم فيما تبث.

حركة الكافر حركة بهيمية :

قال تعالى:

﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾

أي في حركتهم في الحياة، أما قضية مبدأ، قضية عقيدة، قضية قيم، قضية منهج إله، قضية هذا يصح أو لا يصح، يجوز أو لا يجوز، ممكن أو غير ممكن، هذه خارج اهتمامه، يهمه فقط ما الذي استجد في الحياة؟ ماذا فعل الناس؟ ما الذي اشتروه من الأجهزة؟ كيف يقيمون حفلاتهم؟ كيف يحتفلون؟ كيف يتحرَّكون؟ كيف يتاجرون؟ بأي طريقٍ يكسبون الأموال؟ قضية حركة ليست مبدئية، حركة مصلحية، حركة شهوانية، حركة عابثة، حركة تقليدية.

﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ ﴾

يصدر صوتاً ليَلفت نظر الغنم، أو البهائم، فإذا انتبهوا إليه، تحرك إلى جهةٍ فدعاهم بحركته إلى مكانٍ ما، لا يوجد وعي، ولا إدراك، ولا سؤال، ولا اعتراض، ولا جواب، إنما هي حركة بهيمية.

﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾

عطَّل أذنه التي خلقها الله له من أجل أن يصغي إلى الحق، فحينما لم يستمع إلى الحق بالتالي لم ينطق بالحق، في الأصل الأصم أبكم، لو أن إنساناً فقد سمعه فقد نطقه، فكل أصمٍ أبكم حكماً، صمٌ أعرضوا عن سماع الحق.

المؤمن له شخصيته وعقيدته ومبادئه وقيمه :

إذا لم يسمع الإنسان الحق، وقلنا له: تكلم. عن أي شيءٍ يتكلم؟ من بعض الأمثلة الموضحة: الإنسان وعاء كوعاء الماء، له فتحة يوضع منها الماء، وله صنبور في الأسفل، ماذا يعطيك هذا الصنبور؟ يعطيك المادة التي وضعت في أعلاه، أنت لا تتكلم إلا بما تتغذى، ما نوع التغذية؟ من نوع التغذية تعرف نوع الكلام.
الإنسان حينما لا يسمع الحق، لم يقرأ كتاب الله، لم يحضر مجلس علم، لم يقرأ سُنَّة رسول الله، لم يقرأ سيرة رسول الله، لم يدرس العلم، إذا تحدث يتحدث عن الاهتمامات التي يهتم لها الناس، والتي تأتيهم عبر الوسائل التي يرونها ويسمعونها، عنده معلومات عن اللاعبين أكثر بكثير عن أصحاب رسول الله، يوجد عنده معلومات عن من يعمل في حقل الفن أضعافاً مضاعفة عن معلوماته عن أبطال المسلمين.
هذا المثل واضحٌ جداً، كتلة بشرية كبيرة بمثابة قطيع الغنم تتحرك بصوتٍ، تنتبه بصوت، وتتبع حركة فقط من دون وعي، هذا طبعاً سلوك قديم وحديث، أحد الشعراء الجاهليون قال:

وما أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشُد
* * *

أنا مع الناس، هناك من يقول: أنا مع الخط العريض في المجتمع، وهناك أمثلة كثيرة، وهناك توجيهات كثيرة، يجب على المؤمن أن يرفض أن يكون ذائباً في البيئة، المؤمن له شخصيته، له عقيدته، له مبادئه، له قيَمه.
هناك رجل ملحد، يعمل أستاذاً في جامعة سان فرانسيسكو، وهو متفوقٌ في اختصاصه تفوقاً مذهلاً، أسلم، ولقصة إسلامه قصةٌ عجيبة، أن طالبةً مسلمةً دخلت إلى مكتبه في أيام الصيف الحارة، ترتدي حجاباً كاملاً ـ طبعاً هي تحمل دكتوراه في الرياضيات ـ فلما رأى هذا الحجاب المُتعب في الصيف، والنساء في أمريكا شبه عرايا، قال: هذه امرأة عندها قناعات، فلا بدَّ أنها امرأة مقدسة.
قال: انتابتني ثلاثة مشاعر حينما رأيتها، انتابني شعور بقدسية هذه المرأة، وبأنها ذات عقيدة وذات مبدأ، وتمنَّيت أن أقدِّم لها أية خدمة، ويقول: ولم أجرؤ على أنْ أنظر إلى وجهها، ثم عكف من توِّه على قراءة كتب المسلمين، إلى أن أعلن إسلامه، وحينما كنت في أمريكا علمت أنه من أكبر الدعاة هناك، ما الذي لفت نظره؟ هذه المرأة المحجبة.

المؤمن طاقة كبيرة جداً مسخرة في الحق عكس الكافر :

مرةً ـ والشيء بالشيء يذكر ـ كنت مسافراً في رحلة العودة إلى دمشق، رأيت في شارع العدوي في أيام الشتاء الماطرة والباردة، رجلاً يجري في هذا الشارع، مع أن معظم سكان هذه المدينة يتجمعون في هذه الساعة الباردة حول المدافئ، يجلسون على أرائك مريحة، أمام المدافئ يأكلون، لولا أن في عقل هذا الإنسان قناعات بأن الرياضة مهمة جداً لما رأيته يجري في هذا الجو الماطر البارد .
المؤمن طاقة كبيرة مسخرة في الحق
فالإنسان حينما يكون مع المجموع هذه قضية سهلة جداً كقطيع الغنم، أما حينما تكون له قناعة، وله مبدأ، وعنده منظومة قيَم؛ يفعل هذا لأنه حلال، لا يفعل هذا لأنه حرام، لو قطَّعته إرباً إِرباً لا يعصي الله عز وجل، يضع أكبر مبلغ تحت قدمه إذا كان فيه شبهة، يعمل عملاً جباراً بلا ثمن، بلا أجرة، ابتغاء مرضاة الله، حالة المؤمن عجيبة، هو طاقة كبيرة جداً مسخرة في الحق، أما الكافر..

﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ ﴾

أي هم مخلوقاتٍ لا تتحرك، لا تنتبه إلا لصوت، وليس لكلام، لصوت، تتحرك بالتقليد..

﴿ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ ﴾

عطلوا آذانهم عن سماع الحق، فلما تعطلت آذانهم عن سماع الحق أصبحوا بكماً في الحق، لا يقدر أن يتكلم، يحدثك عشرة ساعات بأمور التجارة، والبيع، والشراء، وأنواع السيارات وميزاتها، وعن النساء، وعن الأفلام، وعن كل ما يحيط به، أما إذا سألته عن قضيةٍ إيمانية فهو أبكم، عن قضيةٍ في الدين فهو أبكم، عن قضيةٍ في العقيدة فهو أبكم، يتكلم كلاماً في الدين مضحكاً لجهله، هو أصمُّ عن سماع الحق، فلما كان أصمَّ أصبح أبكمَ، ولماذا كان أصمَّ أبكمَ؟ لأنه بالأصل ما عقل شيئاً، لم يستخدم عقله في معرفة الله عز وجل:

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

[سورة آل عمران: 190-191]

الإنسان العاقل دائماً يتجاوز السبب الظاهر إلى مسبب الأسباب :

أضرب لكم مثلاً: الزلزال الذي حدث في تركيا، تتحدث الدراسات كلها عن وجود حركة اهتزازية في الطبقة الأرضية، مركزها في المكان الفلاني، خطوط إشعاعها إلى المكان الفلاني، تواتر الهزة ـ فرضاً ـ سبع درجات وأربعة بالعشرة، هذا العدد أو هذا الرقم من شأنه أن يجعل الأبنية كلها قاعاً صفصفاً، لا ترى فيها عوجاً ولا أمتا.
الآن حدث زلزال في اليونان أيضاً وخلَّف ألفاً وستمئة جريح، وسبعمئة قتيل، وستة عشر ألف مشرد بلا مأوى، والدرجة ست، هذا قبل يومين.
هل تجد إنساناً يدرس هذه الظاهرة من خلال القرآن والسنة؟ الناس دائماً عند السبب العلمي الأرضي فقط؛ أن هذه الزلزلة عبارة عن اضطراب في الطبقات السطحية للأرض، لها مركز، ولها تواتر، ولها إشعاع، أما أن نفهم لماذا؟ ومن هو مسبب هذه الأسباب؟ الله جلَّ جلاله، الإنسان العاقل دائماً يتجاوز الحدث إلى المُحدث، الفعل إلى الفاعل، السبب الظاهر إلى السبب الحقيقي، إلى مسبب الأسباب، قال تعالى:

﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾

[ سورة هود: 117].

هذا كلام خالق الكون، قد يقول أحدكم: لماذا لم يجعل هذا الزلزال في فرنسا؟ الجواب أننا في دار ابتلاء، لا دار جزاء، فربنا عز وجل يعاقب بعض المنحرفين ردعاً للباقين، ويكافئ بعض المحسنين تشجيعاً للباقين، أما الحساب الكامل يوم القيامة. قال تعالى:

﴿ وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً ﴾

[سورة الإسراء: 58]

إذاً عندما نسمع عن زلزال، عن فيضان، عن إعصار، عن جفاف ـ نحن في جفافٍ شديد الآن ـ عن اضطراب، عن اجتياح، يجب أن تتخطى الحدث الظاهر وما يقال عنه، وما يقال عن أسبابه المباشرة إلى أبعاده الحقيقة، إلى أن الله عز وجل هو الذي قدَّره، وهو الذي سمح به، وهو الذي أجراه، لحكمةٍ بالغةٍ بالغة.

على الإنسان أن يفسر كل شيء تفسيراً توحيدياً :

يا أيها الأخوة الكرام... يجب أن نفسر كل شيء تفسيراً توحيدياً، هناك من يشمئز إذا عزيت الأمر إلى الله، لا ترتاح نفسه إلا إذا فسَّرت الأمر تفسيراً قريباً، تفسيراً مادياً، تفسيراً مباشراً، أما إذا تعمَّقت في التفسير ينزعج..

﴿ وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ﴾

[ سورة الزمر: 45 ]

يشمئزون، أما العبرة..

﴿ وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ﴾

[ سورة النحل: 112 ]

﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾

[سورة الأنعام: 65 ]

تشبيه الله عز وجل الذين كفروا بالبهائم :

لا تقنع بتفسيراتٍ ساذجة، ولا تقنع بتفسيراتٍ مباشرة، ولا تقنع بتفسيراتٍ قريبة، ابحث عن تفسيرٍ بعيد، ابحث عن مسبب الأسباب، ابحث لماذا سمح الله للأرض أن تتزلزل؟ لماذا سمح للمطر أن ينقطع؟ أن تجف الآبار؟ لماذا سمح لهذه الحشرة أن تأكل كل المحصول؟ لماذا سمح لهذه الرياح أن تدمِّر ولايةً بأكملها، وأن تكون الخسائر رقماً فلكياً؟ لماذا؟

﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾

[ سورة هود: 117]

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾

[ سورة الشورى: 30 ].

إذاً هؤلاء الذين كفروا، الذين يتحركون بصوتٍ ويسرعون في حركة بلا فهم، ولا عقل، ولا عقيدة، ولا مبادئ، ولا قيَم، ولا أهداف واضحة هم كالبهائم، والله عز وجل يقول:

﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ﴾.

[ سورة الفرقان: 44 ]

لأنهم مكلفون، والأنعام غير مكلفة:

﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً ﴾

[ سورة الجمعة: 5 ].

هناك أمثلة كثيرة شبّه الله عز وجل الكافرين بالأنعام، شبَّههم بالحمير، شـبههم بالكلب:

﴿ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ﴾

[ سورة الأعراف: 176 ].

وشبههم بأنهم خشبٌ مسنَّدة وهذا أبلغ تشبيه، جماد.

المؤمن يتبع تعليمات الصانع :

المؤمن يتبع تعليمات الخالق
(صمٌ) عطلوا آذانهم عن سماع الحق، وبالتالي أصبح لسانهم لا ينطق إلا بالباطل، وبالأصل هم لا يعقلون، ما استخدموا هذا العقل الذي أكرم الله به الإنسان، والذي جعله أداة معرفة الله، ما استخدمه لمعرفة الله؛ استخدمه للإيقاع بين الناس، استخدمه لجمع المال الحرام، استخدمه للإفساد في الأرض، الإنسان معه عقل، والعقل قوة كبيرة جداً، بل إن العقل أعقد شيءٍ خلقه الله عز وجل، وأثمن هديةٍ منحها الله للإنسان.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾

أي أن المؤمن يتبع تعليمات الصانع، يأكل مما سمح الله به، ولولا هذه المحرمات لما كان هناك جنَّات أساساً، لا بد من شيءٍ محرم حتى يمتحن الله عباده الذيـن وقفوا عند الحدود من الذين تجاوزوا الحدود، فـ..

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

يا من آمنتم بالله، أنتم بعقدٍ إيمانيٍ مع الله، أنتم تعلمون أن الله هو الخبير، هو الكبير، هو العليم، هو القدير، هو الحكيم، هو الغني، هو الرحيم وإليه المصير.

الكافر مع النعمة والمؤمن مع المُنعم:

قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ ﴾

كلوا شيئاً تطيب به نفوسكم، تطيب به نفوسكم بمعنيين، الجسم يتقوَّى بهذا الطعام على طاعة الله، والنفس تطمئن إلى أنه طعامٌ حلال، حينما يفعل الإنسان الحلال يرتاح، لو تكلَّم الإنسان مع فتاةً في الطريق لا تحل له، يسقط من عين الله، أما لو تزوج فلا شيء عليه، شيء طبيعي، الزواج سنة وفق منهج الله، فلذلك:

﴿ كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ ﴾

اشكروا الله: الكافر مع النعمة، والمؤمن مع المُنعم، الكافر مع النعمة يتفنن في التمتُّع بها، يستغلها أدق استغلال، ولكنه كافرٌ بالمُنعم، أما المؤمن مع المنعم. لو أجريت موازنة حادة: إنسان يتمتع بأعلى درجات الصحة، لكنه مقطوع عن الله، وإنسان يعاني من أشد الأمراض لكنه متصلٌ بالله، أيهما أسعد؟ هذا الذي يتمتع بالصحة مع النعمة، أما هذا الذي ابتلاه الله بهذا المرض فهو رقيق القلب متصلٌ بالله منيبٌ إليه، مع المنعم، وشتان بين أن تكون مع مخلوقٍ، وبين أن تكون مع خالق.
الذي يتمتَّع بأعلى درجة من الغنى وهو مقطوعٌ عن الله، هذا مع النعمة، مع المال، والذي يعاني مع ضيق ذات اليد ولكنه متصل بالله هذا مع المُنعم، وفرقٌ كبير بين أن تكون مع مخلوقٍ محدود، وبين أن تكون مع الخالق، فمثلاً: إنسان معه ألف ليرة، وطفل صغير ليس معه ولا درهم، لكنه ابن أكبر غني بالعالم، ولو طلب هذا الابن من أبيه ملايين مُملينة لأعطاه إيَّاها، ولكن بالمقياس المادي هذا في جيبه ألف ليرة، وهذا ليس في جيبه شيء، من هو الغني؟ الطفل هو الغني، غنيٌ بغنى أبيه. فالإنسان المؤمن قد لا يملك شيئاً يلفت النظر، ولكنه مع الله، هو مع الغني، هو مع القوي، هو مع المُهيمن، هو مع من إليه المصير، هو موعود بجنة، فبين أن تكون مع النعمة، وبين أن تكون مع المُنعم فرق كبير، ولا أقول مستحيل أن تجتمعا، لكن لحكمةٍ أرادها الله، المُترف دائماً بعيد عن الله. هناك ثماني آيات في كتاب الله تؤكِّد أن المترف كافر، المترف، ليس هو الذي يأخذ هذه النعمة، ويشكر الله عليها، ولكن هو الذي يأخذها ليعلو بها على الناس، ليتباهى بها، ليكسِر قلوب الآخرين، زهواً، وإعجاباً، وغطرسةً، نقول: هذا مع النعمة الفانية، وذاك مع المُنعم الباقي، فكن مع المنعم وإن كانت بين يديك نعمة فهذا خير، لكن الشيء الدقيق والثابت أن تكون مع المُنعم.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾

إن كنت تعبده فاشكره، فإن لم تشكره فكأنك لا تعبده، من لوازم العبادة الشكر، لذلك تعريف العبادة: غاية الخضوع مع غاية الحب.

الحكمة من تحريم الميتة :

قال تعالى:

﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

الله حرم الميتة لأن بها الدم وفي الدم كل عوامل المرض
أيها الأخوة... الشيء الذي تعرفونه هو أن هذه الأنعام التي نأكل منها، تشبه الإنسان في أجهزتها وفي أعضائها؛ فيها دم، والدم سائل يحمل فضلات الاحتراق ويحمل الغذاء، فالدم الأحمر القاني الذي يأتي من الشريان الأبهر، هذا يغذِّي كل الخلايا في الجسم، تتم بالخلية عملية احتراق ينشأ عنها الطاقة، هذه العملية لها فضلات هي حمض اللبن، فضلات احتراق المواد السُكرية ضمن الخلية هي لتشكيل طاقة تصب في الدم، فيكون دم الأوردة أزرقاً، دم الوريد أرزق، يحوي مخلَّفات احتراق المواد السكرية ضمن الخلية، وفضلات أخرى. هذا الدم يصفى عبر عدة أجهزة، يصفى عبر الرئتين، فغاز الفحم الذي في الدم والذي هو من نواتج الاحتراق، يطرح عن طريق التنفس، عن طريق الزفير في الرئتين، والفضلات السائلة كحمض اللبن تطرح عن طريق الكليتين، وأجهزة التعرُّق أيضاً تطرح عن طريق التعرق بعض الفضلات.
فالدم يصفى عبر الرئتين، وعبر الكليتين، وعبر غدد التعرق التي هي منتشرة على سطح الجلد، لذلك الدم وهو يجري في الأوردة والشرايين طاهر، وحينما يحرَّم يوصف بأنه (دماً مسفوحاً)، الدم حينما يسفح يكون محرَّماً لأنه فيه جراثيم، يعد الدم الآن أكبر وسط لنمو الجراثيم، بل إن مزارع الجراثيم في المخابر تستخدم الدم، فالدم فيه مجمعٌ لفضلات الجسم، فيه نواتج احتراق الجسم، فيه عوامل المرض في الجسم، فيه الجراثيم، كل شيء مؤذٍ في الدم ـ طبعاً قبل أن يصفَّى ـ فالحيوان إما أن يموت إزهاقاً، نذبحه فيخرج الدم منه، أو أن يموت حتف أنفه، إذا مات حتفاً بقي دمه فيه، فأكله محرم، لأن الدم فيه كل فضلات الحيوان، فيه كل عوامل المرض، فيه كل الجراثيم، فيه كل الأوساط التي تنمو بها الجراثيم.
يصعقون في بعض البلاد الدابة ولا يذبحونها، قد يزيد وزنها اثنين كيلو أو أكثر، أو خمسة كيلو إذا كانت دابة كبيرة، ولكن لحمها يكون أزرقاً لا يمكن أن تقبل عليه آكلاً، فربنا عز وجل حرَّم الميتة.

الحكمة من ذبح الدابة مع إبقاء الرأس في الذبيحة موصولاً بالجسم :

عندنا الآن قضية لغوية، قال تعالى:

﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ﴾

[سورة الزمر: 30]

الميت هو الذي سيموت، يخاطب الله النبي صلى الله عليه وسلم فيقول:

﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾

فالميت ليس الذي مات، هو الذي سيموت، محكومٌ عليه بالموت، ونحن كلنا ميِّتون، بمعنى لا بد أن نموت: ﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾. ما هو الذبح؟ الذبح إخراج الدم كله من الحيوان، ولحكمةٍ أرادها الله هذا القلب الذي ينبض وينقل الدم إلى كل أنحاء الجسم، تصبح له بعد الذبح مهمة معاكسة، فتكون مهمته إخراج الدم خارج الدابة، القلب ينبض ثمانين نبضة، بالمناسبة القلب مضخة تتلقى تنبيهاً كهربائياً، وهذه لحكمةٍ بالغة، من مركز كهربائيٍ ذاتي، كيف أن مستشفى فيها عمليات جراحة قلب، مستحيل أن يكون كهرباؤها من الشبكة، مريض، مفتوح قلبه، انقطعت الكهرباء، فمعنى ذلك موت المريض، فلا بد من أن تكون كهرباء المستشفى من مولِّد ذاتي، وهذا في كل المستشفيات، كذلك القلب لأنه أخطر عضو، مستحيل أن يتلقى تنبيه من شبكة الكهرباء العامة في الجسم، لا بد له من مولِّد ذاتي يعطيه الإشارة.
للقلب ثلاثة مولدات، مولد كبير أساسي، لو تعطل يعمل الاحتياط، لو تعطل الاحتياط يعمل الاحتياط الثاني، ثلاثة مولدات، إلا أن هذه المراكز الكهربائية الذاتية تعطي الضربات النظامية فقط ـ ثمانين ضربة فقط ـ أما إذا واجه إنسان عدواً مخيفاً، أو واجه وحشاً مفترساً، أو صعد جبلاً، يجب على القلب أن يعمل جهداً إضافياً، فترتفع ضربات القلب إلى مئة وثلاثين ضربة، لا عن طريق المركز الذاتي، ولكن عن طريق أمر يأتي عن طريق الدماغ.
نهانا النبي عليه الصلاة والسلام عن قطع رأس الدابة، علماً أنه لا في عصره، ولا في كل مراكز العلم في عصره، ولا بعد ألفٍ وثلاثمئةٍ عامٍ في العالم كله كان بإمكان أي جهة علمية أن تكتشف حكمة النبي من أمره بعدم قطع الرأس، أما الآن كُشِفت، حينما لا تقطع رأس الدابة يبقى الأمر الاستثنائي موجوداً، فإذا ذبحت الدابة، نبض قلبها مئة وثمانين نبضة، هذه المئة والثمانون كافية لإخراج الدم خارج الجسم، تجد لون الغنم المذبوح وفق الشريعة الإسلامية وردياً، كالورد تماماً، لأن الدم خرج.

حرم الله تعالى الميتة لأن دمها فيها :

إذاً أيها الأخوة الذي قاله النبي عليه الصلاة والسلام ليس من عنده قطعاً، ولا من ثقافته، ولا من اجتهاده، إنما هو وحيٌ يوحى، قضية إبقاء الرأس في الذبيحة موصولاً بالجسم، هذه قضية لم يكشف أحد حكمتها إلا الآن، ما دام هناك اتصال بين الرأس وبين الجسم، معناها أن الأمر الاستثنائي يأتي إلى القلب برفع نبضاته من ثمانين إلى مئة وثمانين، عندئذٍ يمكن أن يضخ القلب كل دم الدابة إلى خارج الدابة، هذه هي التزكية التي أمر بها النبي عليه الصلاة والسلام، الدم إذن سائل إذا خرج من أوعيته أصبح سائلاً فاسداً، صار دماً مسفوحاً..

﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ ﴾

حرم الميتة لأن دمها فيها، أجهزتها بعد الموت معطلة، لماذا دم الإنسان طاهر؟ ما دام حياً هناك تصفية، في الرئتين، والكليتين، والتعرُّق، لكن بعد الموت تتوقف التصفية، صار الدم فاسداً، فالذبيحة حرام أن تؤكل، هذه التي ماتت حتف أنفها، أما التي ماتت إزهاقاً، هذه يجوز أكلها، لأننا ذبحناها، وأخرجنا الدم منها. ولكن النبي عليه الصلاة والسلام قال: نأكل ميتة السمك لأن الدم ينتقل للغلاصم وكأنه مذبوح

((أُحِلَّتْ لَكُمْ مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالْحُوتُ وَالْجَرَادُ وَأَمَّا الدَّمَانِ فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ ))

[ ابن ماجة عن عبد الله بن عمر ]

الحقيقة أن هذا تخصيص نبوي لحكم قرآني عام، التقيت مع طبيب قال لي هذه الحقيقة، وهي شيء مدهش، حينما يصطاد الصياد السمك ينتقل كل دمه إلى الغلاصم، وكأنك ذبحته، لذلك الخبراء بشراء السمك يفتحون غلاصم السمكة، فإذا كان متورداً، معناها أنها صيدت حديثاً، أما إذا كان لونه متغيراً، معناها مضى وقت طويل على اصطيادها.

﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ ﴾

هذه حكمة التحريم، والدم من باب أولى، الميتة محرمة لوجود دم فيها، فالدم من باب أولى أنه محرم، لذلك الآن يقول لك: عندنا علف حيواني مستورد، دم مجفف تأكله الدواجن، أطعموا البقر طحين اللحم فجن، لأنها تأكل أكلاً غير شرعي، يطعمونها دماً مجففاً، والدم محرم أكله، والنقطة الدقيقة أن طعام طحين اللحم هو طحين لحم جيَف، طبعاً الإنسان محرم أن يأكل الميتة، لكن يبدو من خلال جنون البقر، أنه حتى الحيوان يتأذَّى من أكل طحين لحم الجيف، لذلك جن، وقالوا: جنون البقر أساسه جنون البشر.

الإنسان يتأثَّر بطباع الحيوان المأكول :

قال تعالى:

﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ ﴾

الخنزير مغرم بالجيف ويحرم أكل لحمه
لا يوجد إنسان لديه مكنسة بالبيت يكنس بها فرضاً دورات المياه، ويأكل هذه المكنسة، مستحيل، هذا الحيوان مهمته أكل الجيف في الفلوات، الجيفة لها رائحة لا تقابل، مهمة هذا الحيوان أكل الجيف.
قرأت بحثاً عن هذا الخنزير، أطيب طعام له أن يأكل الجرذان، إذا كان في مزرعة خنازير جرذان، لا يبقى ولا جرذ حي، تأكله الخنازير، وأطيب طعام يأكله الخنزير لحم خنزير متفسِّخ، الخنزير مغرم بالجيف وبالفطايس، وسبحان الله لحم الخنزير أول لحم يؤكل في العالم الغربي، إضافةً إلى أن الإنسان يتأثَّر بطباع الحيوان المأكول، على كلٍ:

﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ ﴾

إذا قلنا: فلان هلل، أي قال: الله أكبر، رفع صوته بالتكبير، أهل الغلام إذا صاح حينما خرج من بطن أمه، فلما صاح كسب الميراث، لو صاح ومات، وكان الأب معه ألف مليون يأخذهم كلهم، يموت يأخذهم ورثته، الصيحة علامة حياته، أهل الغلام أي صاح، الآن إذا ذبحنا خروفاً ولم نعظم المُنعم، عظَّمنا جهة غير المنعم، قال: هذا الطعام يجب أن لا يؤكل، أي أنك يجب أن لا تعظم إلا الله عز وجل.

الأولويات في حياة الإنسان الحياة ثم الصحة :

قال تعالى:

﴿ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ﴾

فالإنسان كما قال عليه الصلاة والسلام:

(( لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِناً وَلا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيٌّ ))

[ الترمذي عن أبي سعيد ]

أي ينبغي ألا تحضر وليمة لم يرد بها وجه الله، هذا طعامٌ أُهل به لغير الله، تعظيم الأشخاص والشرك بالله هذا لا يجوز، قال:

﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ ﴾

هناك مناقشة دقيقة الآن ـ هذا كلام خالق الكون ـ لو أنا لم أجد طعاماً، وأنا على وشك الموت، الأَولى أن أموت أم آكل طعاماً محرَّماً بكمية قليلة تبقي لي الحياة؟ الأصح أنه يمكن للإنسان عند الضرورة أن يأكل لحم الخنزير، لأن الأولويات في حياته حياتُه أولاً، ثم صحته ثانياً، فليس من المعقول أن نضحي بالحياة من أجل الصحة، لذلك قال تعالى وهو المشرع:

﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ ﴾

أي على وشك الموت، بقي بينه وبين الموت دقائق، يمكن أن يأكل لحم الخنزير.

الضرورة تقدَّر بقدرها :

قال تعالى:

﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ ﴾

معنى بغى أي تجاوز الحد، فإذا كان يكفيه لقمتين كي لا يموت يجب أن لا يأكل ثلاثة، الضرورة تقدَّر بقدرها، الحد الأدنى، لو أن إنساناً كاد يموت اختناقاً، يحتاج إلى شيءٍ يشربه، ولم يجد إلا كأس خمر، بإمكانه أن يجرع جرعةً لئلا يموت، هذا معنى:

﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ ﴾

الضرورة المفضية إلى الموت، حينما تكون على وشك الموت لك أن تأكل لحم الخنزير، ولك أن تشرب الخمر، لكن بكميةٍ تبقي على حياتك، قال:

﴿ وَلَا عَادٍ ﴾

عادٍ هنا أي معتدٍ، لو فرضنا وجود كأس ماء مِلك إنسان، وأصاب اثنين حالة تقتضي أن يجرع جرعة واحدة، وفي الكأس جرعة واحدة، أنا لا أقدر أن أموت إنساناً لكي أعيش، فإذا كنت أخذت منه جرعة، وأنا استخدمتها، أنا الحقيقة حافظت على حياتي، لكن بنيت حياتي على موت آخر، ولا معتدٍ.

﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ ﴾

عادٍ بمعنى معتدٍٍ.

﴿ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾

الله تعالى غفور لمن يرتكب ذنباً بلا عذر فمن باب أولى أن يغفر لمن ارتكب ذنباً بعذر :

قال تعالى:

﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ ﴾

الضرورة القصوى التي تفضي إلى الهلاك..

﴿ غَيْرَ بَاغٍ ﴾

غير متجاوز الحد القليل..

﴿ وَلَا عَادٍ ﴾

ولا بنى شيء على اعتداء، أي إذا كان هناك جرعة ماء تكفي لإنقاذ إنسان، وإنسان يملك هذه الجرعة، وهناك إنسان آخر بحاجة لها، لا يجوز أن يأخذها منه، يميته حتى يحيا هو، هذه ليست واردة إطلاقاً.

﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

طبعاً، الله عز وجل غفور لمن يذنب، لمن يرتكب الذنب بلا ضرورة غفور رحيم، فكيف بإنسان أكل شيئاً محرَّماً ليحفظ حياته؟ فالله غفور من باب أولى، غفور بمن يرتكب ذنباً بلا عذر، ومع ذلك فهو غفور رحيم، فكيف بربنا جل جلاله إذا شرب إنسان لضرورةٍ قصوى جرعةً من الخمر كي يحافظ على حياته؟ فإن الله عز وجل لهذا أيضاً غفور رحيم من باب أولى.

والحمد لله رب العالمين