تفسير القرآن الكريم المرئي - سورة الأعراف 007 - الدرس(58-60): تفسير الآيات 196 - 199، الولاء لله وحده
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2009-01-23
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

الله عز وجل كامل كمالاً مطلقاً و من لوازم كماله المطلق أنه كامل التصرف :

أيها الأخوة الكرام ... مع الدرس الثامن والخمسين من دروس سورة الأعراف ، ومع الآية السادسة والتسعين بعد المئة ، وهي قوله تعالى :

﴿ إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ﴾

معنى الولي في الأصل الذي يليك ، ومعنى الولي هو أقرب الناس إليك ، ومعنى الولي هو الذي يتولى أمرك ، فلن تقبل ولياً إلا إذا كان أقوى منك ، وأعلم منك ، لأنه عندئذٍ قادر على أن ينفعك بعلمه ، وأن ينفعك بقدرته .
والحقيقة أن الولي الحقيقي هو الله جلّ جلاله ،

﴿ إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ ﴾

هذا الإله العظيم خلق الخلق ، ولم يدعهم من دون إرشاد ، من دون توجيه ، من دون منهج .
بشكل مبسط : الدولة حينما تشق طريقاً ، بعد أن يشق الطريق ، توضع الشاخصات هنا منحدر خطر ، هنا تقاطع خطر ، هنا طريق ضيق ، هنا جسر يتسع لمركبة واحدة ، هنا منطقة انزلاق ، هذه الشاخصات هي توجيهات ، وتحذيرات ، وإرشادات .
فهذا الكون ينم عن إله عظيم ، كماله مطلق ، وكمال الخلق يدل على كمال التصرف ، فكما أن في الكون إعجازاً ، وعظمة ، وقوة ، وعلماً ، حكمة ، وغنىً ، هذا الإله العظيم الكامل الكمال المطلق ، من لوازم كماله المطلق أن يكون كامل التصرف .
إذاً يخلق الخلق ، ولا يعلمون لماذا خلقوا ، لا يعلمون ماذا أُعدّ لهم بعد الموت ؟ لا يعلمون ما الحلال وما الحرام ؟ وما الخير وما الشر ؟ وما الحسن وما القبح ؟

الولي الحقيقي هو الله جلّ جلاله :

لذلك من هو وليك ؟ هو الخالق الذي خلقك ، من هو وليك ؟ هو الخبير ، بما يسعدك وما يشقيك ، من هو وليك ؟ هو الذي أمرك بيده ، رزقك بيده ، حياتك بيده ، موتك بيده ، سعادتك بيده ، تفوقك بيده ، من حولك بيده ، من هو أقوى منك بيده ، من هو أضعف منك بيده ، من هو الولي ؟ القوي ، من هو الولي ؟ الغني ، من هو الولي ؟ الحكيم ، القدير ، العليم .

﴿ إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ ﴾

الكتاب منهج .

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾

( سورة الأنعام الآية : 1 )

الكون .

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ ﴾

( سورة الكهف )

وكأن الكون كله في كفة ، والكتاب في كفة ثانية ، خلق الكون ونوره بهذا الكتاب ، الكتاب نور ، أنشئت الجامعة ومعها كتاب يتحدث عن كلياتها ، وعن اختصاصاتها ، وعن شروط القبول فيها ، وعن وسائل النجاح فيها ، وعن كل شيء ، في بناء ، في كتاب ، في كون ، وفي منهج.
لذلك من هو الذي ينبغي أن يكون وليك ؟ هو الله ، لأنه الخالق .

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾

( سورة البقرة الآية : 21 )

من هو الولي ؟ هو الخبير .

﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

( سورة فاطر )

من هو الولي ؟ هو العليم ، هو الحكيم ، من هو الولي ؟ هو القدير على كل شيء .

التوحيد نهاية العلم والعبادة نهاية العمل :

﴿ إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ ﴾

فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه ، أي أن المسافة بين كلام الله ، وبين كلام المخلوقين كالمسافة بين الخالق والمخلوق .
القوة : أقوى الأقوياء في قبضة الله ، من هو القوي حقيقة ؟ هو الله ، من هو الغني حقيقة ؟ هو الله ، من هو الحكيم حقيقة ؟ هو الله ، من هو المعز ؟ هو الله ، من هو المذل ؟ هو الله ، من هو المعطي ؟ هو الله ، من هو المانع ؟ هو الله ، من هو الرافع ؟ هو الله ، من هو الخافض ؟ هو الله ، أيعقل أن تتخذ إنساناً ولياً ؟ لمجرد أن تجير لإنسان احتقرت نفسك ، أنت لله لمجرد أن تكون محسوباً على إنسان أنت بهذا تحتقر نفسك .
الجماد للنبات ، والنبات للحيوان ، والحيوان للإنسان ، والإنسان لمن ؟ لله الواحد الديان ، لمجرد أن تكون تابعاً لجهة أرضية ، وتنسى أن الله وحده هو الولي فهذا منتهى الجهل .
لذلك قالوا : التوحيد نهاية العلم ، والعبادة نهاية العمل ، التوحيد ألا ترى مع الله أحداً والعبادة ألا تطيع مع الله أحداً ، فالتوحيد نهاية العلم ، والعبادة نهاية العمل .

من عرف الله زهد فيما سواه :

أيها الأخوة ، أنت ضعيف لكنك تتقوى بالله فقد ورد :

(( ما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني إلا قطعت أبواب السماء والأرض دونه فإن دعاني لم أجبه وإن سألني لم أعطه وما من مخلوق يعتصم بي دون خلقي إلا ضمنت السموات رزقه فإن سألني أعطيته وإن دعاني أجبته وإن استغفرني غفرت له ))

[ كنز العمال عن علي]

إذا أردت أن تكون أقوى الناس ، أقوى الناس قاطبة ، فتوكل على الله ، إن أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك ، إن أردت أن تكون أكرم الناس فاتقِ الله .

﴿ إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ﴾

إذا كنت صالحاً يتولاك الله .
بالمناسبة : متى يتولاك ؟ إذا آمنت به ، آمنت به خالقاً ، ورباً ، ومسيراً ، إذا آمنت به موجوداً ، ووحداً ، وكاملاً ، إذا آمنت بأسمائه الحسنى لأنه القوي ، والغني ، والحكيم ، والعليم ، والقدير ، والمغني ، والرزاق ، حينما تؤمن به تزهد عما سواه ، من عرف الله زهد فيما سواه ومن أعجب العجب أن تعرفه ثم لا تحبه ، ومن أعجب العجب أن تحبه ثم لا تطيعه .

﴿ إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ ﴾

هو ولي النبي ، وهو ولي كل مؤمن ، تأتي في آخر الزمان ، بعام ألفان و ثمانية ، بعام عشرة آلاف ، قبل مئة سنة ، قبل خمسمئة ، في الشام ، في الحجاز ، في أي مكان في الأرض ، الله هو الولي .

أولياء الله لا خوف عليهم و لا هم يحزنون :

﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

( سورة يونس )

من هم أولياء الله ؟ ولي الله الذي اتخذ الله وليه ، ومتى تتخذه وليك ؟ إذا أطعته .

أطع أمرنا نرفع لأجلك حجب نا فإنـا منحنا بالرضا من أحبنا
ولــذ بحمانا واحتمِ بجانبنا لنحميك مما فيه أشرار خلقنا
* * *

هل تصدقون أنه ما من عصر كثر فيه الأشرار كهذا العصر ؟ البشر وحوش ، لا في رحمة ، ولا في خلق ، ولا في أي شعور ، وحش كاسر ، دابة متفلتة ، تبحث عن مصالحها ، عن الأموال الطائلة ، يصنعون من غذاء الفقراء وقوداً للطائرات ، فارتفعت الأسعار عشرة أضعاف ، فول الصويا ، الذرة ، الشعير ، غذاء الفقراء يصنع في بعض البلاد في أمريكا الجنوبية وقوداً للطائرات ، زعماء أوربا يرون خلال عشرين يوماً جرائم بربرية لم يشهد لها التاريخ مثيلاً ، يتفقون على أن يمنعوا الأسلحة فقط ، أما أن ينددوا بكلمة ؟ بكلمة لا تقدم ولا تؤخر ، أن يتحدثوا عن هذه الجرائم ، أبداً .

((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَمْتَلِئَ الْأَرْضُ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا قَالَ ثُمَّ يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ عِتْرَتِي أَوْ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يَمْلَؤُهَا قِسْطًا وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا ))

[ أحمد عن أبي سعيد الخدري]

التولي و التخلي :

أيها الأخوة ، الإنسان ضعيف ، يحتاج إلى ولي قوي ، يحتمي به ، يلوذ به ، يعتمد عليه ، يلجأ إليه ، الإنسان فقير يحتاج إلى غني ، والإنسان جاهل يحتاج إلى العليم ، كمالك في ضعفك ، كمالك في الافتقار إلى الله ، وقوتك في التوكل عليه ، مثلان من السيرة النبوية :
أصحاب النبي وهم نخبة البشر ، في بدر افتقروا إلى الله :

﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾

( سورة آل عمران الآية : 123 )

فتولاهم الله ، ببدر افتقروا إلى الله ،

﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾

ما اجتمع في الجزيرة عشرة آلاف مقاتل إلا في حنين ، عشرة آلاف صحابي ، وقتها عدد فلكي ، فقالوا في أنفسهم :

(( ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ ))

[أخرجه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس ]

فقال تعالى :

﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾

( سورة التوبة )

الملخص أنت بحاجة إلى هذين الدرسين ، درس بدر ، ودرس حنين ، في بدر قال الصحابة الله ، فتولاهم ، وحفظهم ، ونصرهم ، ووفقهم ، وأذلّ عدوهم ، هم ، هم ، وعلى رأسهم سيد الخلق وحبيب الحق ، في حنين قالوا في أنفسهم :

(( ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ ))

[أخرجه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس ]

فتخلى الله عنهم ، فأنت بين التولي وبين التخلي ، يتولاك إذا قلت الله ، ويتخلى عنك إذا قلت أنا .

من اعتمد على غير الله فقد أشرك :

أحد أنواع الشرك الشرك الخفي ، ليس في العالم الإسلامي اليوم شرك جلي ، ولكن ما أكثر الشرك الخفي ، من اعتمد على ماله فقد أشرك ، من اعتمد على ابنه فقد أشرك ، من اعتمد على صحته فقد أشرك ، من اعتمد على وظيفته فقد أشرك ، الذي يقول أمطرنا بنوء كذا وكذا ، يسمع بالأخبار منخفض جوي متمركز فوق قبرص ، باتجاه الشرق الأوسط ، تأتي الأمطار وفيرة ، يقول لك : المنخفض .

(( من قال : مُطِرْنَا بِنَوْءِ كذا وكذا : فذلك كافر بي ، مؤمن بالكواكب ، مُطِرْنا بفضل الله ورحمته : فذلك مؤمن بي ، كافر بالكوكب ))

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي ومالك عن زيد بن خالد الجهني ]

أنت حينما ترى يد الله تعمل وحدها ، أنت حينما ترى أن كل ما يجري بعلمه ، أن كل ما يجري بحكمته ، برحمته ، بعدله ، ترتاح نفسك .

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾

( سورة الشعراء )

﴿ إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ﴾

كن صالحاً حتى يتولاك كن صالحاً لعطاء الله ، كن صالحاً لتطبيق منهج الله ، كن صالحاً لدخول الجنة ، هذا الذي يستجيب لله يعد نفسه لجنة عرضها السماوات و الأرض .

(( لله أفرح بتوبة عبده من الضال الواجد ، و الظمآن الوارد ، والعقيم الوالد ))

[ ابن عساكر في أماليه عن أبي هريرة]

﴿ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ ﴾

( سورة الأعراف )

أولاً قد لا يرغبون بنصركم ، هكذا لا يوجد داع لأن يعاونك ، لا يوجد داع لينصرك ، قد لا يرغبون بنصركم ، وإذا أعلنوا عن رغبتهم بالنصر في باطنهم لا يريدون ذلك النصر ، لا يرغبون ولا يريدون ، وقد لا يقدرون ، ليس عندهم أسباب النصر .
دولة صغير جداً حينما تستنجد بدولة أصغر منها ، ما بيدها شيء ، أما حينما تستنجد بأقوى دولة في العالم يمكن أن يكون هناك أمل .
فهذا الإنسان الذي تشركه مع الله ، قد يكون ضعيفاً ، هو في قبضة الله ، هو خائف ، هو فقير ، هو في حيرة ، وقد يكون قوياً لكن لا يريد أن يعاونك ، مودته ظاهرة ليست حقيقية ، وقد لا يسخو أن يعاونك ، إذاً

﴿ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ ﴾

من كان مع الله كان الله معه :

الأنبياء :

﴿ آَوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾

( سورة هود )

إلى الله ، إذا كان الله معك فمن عليك ، وإذا كان عليك فمن معك ، يعني مثلان أضعهما بين أيديكم ، أول مثل سيدنا موسى ومعه أتباعه ، مستضعفون ، ملاحقون ، مضطهدون ، تبعهم فرعون بقوته ، وبأسلحته ، وقياساً على اليوم بطائراته ، وبقنابله العنقودية ، والفسفورية ، ببوارجه ، بمدرعاته ، بأسلحته ، بأقماره الصناعية ، بحقده الدفين ، بقلبه القاسي ، بعنجهيته ، بوحشيته ، أمامهم البحر ، وراءهم فرعون ، وفي كل عصر في فرعون ، وراءهم فرعون بكل صفات التوحش ، من حقد ، من قوة ، من قسوة ، بكل أنواع الأسلحة ، من أجل أن يبيدهم ، والبحر أمامه ، بكل حسابات الأرض الأمل بالنجاة معدوم .

﴿ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾

( سورة الشعراء )

هذا الواقع ، هذا الطرح الموضوعي ، هذه الحسابات الأرضية ، قال :

﴿ كَلَّا ﴾

( سورة الشعراء الآية : 62 )

ما قال لا ، لا يعني نفي ، أما كلا ردع ، إياكم أن تقولوا هذا .

﴿ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾

( سورة الشعراء )

وإذا كان الله معك فمن عليك ، وإذا كان عليك فمن معك .

النصر الذي أكرمنا الله به جرعة منعشة لنا :

أيها الأخوة ، أتمنى عليكم ألا تقرؤوا هذا الكلام على أنه قصة ، إنها حقيقة يجب أن نعيشها ، قل الله يتولاك ، ليس بعيداً عنا ، عشرة آلاف مقاتل ، بأسلحة بدائية ، من صنعهم ، يواجهون جيشاً يعد رابع جيش في العالم ، يملك كل أنواع الأسلحة التي جُربت ، والتي لم تُجرب ، كل أنواع الطائرات ، مئات ألوف الأطنان ألقيت عليهم ، قصف من الجو ، ومن البحر ، ومن البر ، وبعد مضي 22 يوماً لم يستطع العدو أن يحقق شيئاً من أهدافه ، إذا كان الله معك فمن عليك ، وإذا عليك فمن معك ، أليس هذا النصر الذي أكرمنا الله به يعد جرعة منعشة لنا ؟ لا تنسوا ربكم بيده كل شيء ، بيده كل شيء ، بيده وحده قلب كل المعادلات .

﴿ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ ﴾

قد لا يريدون ، وقد لا يستطيعون ، لعلهم أرادوا لكنهم لا يستطيعون ، والدليل :

﴿ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ ﴾

فإذا كانوا عاجزين عن نصر أنفسهم فهم عن نصركم أعجز .
لذلك في إنسان من ألمانيا قرأ هذه الآية ، حينما قال الله عز وجل يخاطب نبيه :

﴿ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ﴾

( سورة المائدة الآية : 67 )

فلما نزلت هذه الآية صرف حراسه ، هذه المرأة قالت : يمكن أن يكذب المرء على كل الناس ، أما أن يكذب على نفسه ، مستحيل ، فلما صرف حراسه ، وعرض نفسه للموت لأنه صدق ربه .
وأنا أقول لكم أيها الأخوة : إذا كنت معه فهو معك ، لا تخف ، لك مستقبل كبير ، إذا كنت مطيعاً له فلا تخف ، إن كنت معتمداً عليه فلا تخف ، إن كنت محباً له فلا تخف ، إن كنت مطبقاً لمنهجه فلا تخف .
أيها الأخوة ، أحد أسباب إسلام هذه المرأة أن النبي حينما أُنزلت عليه هذه الآية صرف حراسه .

زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين :

أقول لكم : زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين ، إلهنا هو ، إله الصحابة إلهنا ، إله المسلمين الذي نصرهم سابقاً إلهنا ، وعوده قائمة ، والكرة في ملعبنا ، أعطانا جرعة منعشة .
هذا البلد المعتدي ، المستعمر استعمار استيطاني ، هذا البلد كان عنده مشكلة واحدة من خمسين عاماً ، قضية الأمن ، الآن هناك مشكلة أكبر ، قضية البقاء ، كانوا في الأمن فأصبحوا في البقاء ، وهم لا يزالون أقوى قوة في المنطقة ، كان الحسم بيدهم فقدوا الحسم ، بدؤوا يخططون أربعة أيام ، يومان ، أول يوم ثمانمئة هدف ، يخططون ليومين ، ثلاثة ، أقسى شيء أربعة أيام ، إذا كان في ذيول سبعة أيام ، مضى أول يوم ، والثاني ، والثالث ، والرابع ، لم ترفع راية بيضاء ، حتى تطوعوا في اليوم الثاني و العشرين هم وأوقفوا إطلاق النار من جانب واحد .
مرة ثالثة هي جرعة منعشة لنا ، لا يوجد إلا الله عز وجل .

كل إنسان مكلف و محاسب على عمله :

أيها الأخوة ، الشيء الثاني :

﴿ وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ﴾

( سورة الأعراف )

أحياناً إنسان في حبه الشيء يعمي ويصم ، هو في قبر شهواته .

﴿ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ﴾

( سورة فاطر )

﴿ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ ﴾

( سورة النحل الآية : 21 )

أحياناً الطبيب يستدعى ليكشف عن المريض ، يضع يده على شريانه ، لا يوجد نبض ، يأتي بمرآة يضعها أمام أنفه ، لا يوجد بخار ، يأتي بمصباح يضعه في عينيه الحدقة لا تتحرك ، عظم الله أجركم انتهى ، لا في نبض ، ولا في بخار ماء على المرأة ، ولا في تحرك حدقة ، إذاً ميت .
فالكافر ميت ،

﴿ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ ﴾

﴿ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ﴾

﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ﴾

( سورة الفرقان )

لماذا ؟ الأنعام غير مكلفة ، أما الإنسان مكلف .

﴿ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ﴾

( سورة المنفقون الآية : 4 )

﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً ﴾

( سورة الجمعة الآية : 5 )

النبي الكريم بشر مثلنا فمن عرفه قدم نفسه فداء له :

أيها الأخوة ،

﴿ وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ﴾

مرة كنت في مسجد وهناك إنسان قصير القامة ، منحي الظهر ، بالثمانين من عمره ، أنا هرعت إليه وسلمت عليه سلاماً في أعلى درجات الأدب ، كان معي صديقي ، قال لي : من هذا ؟ قلت له أنت لا تعرفه ، هذا كان عميد كليتنا ، وهو من أعلم علماء المنطقة بالنحو ، فأنا متأثر بتدريسه لأربع سنوات ، لكن منظره بالمسجد إنسان كبير بالسن ، قد يكون إنساناً عادياً جداً ، في سن متأخرة ، فأحياناً ترى مؤمناً ماذا ترى به ؟ إنسان مثلك ، يأكل ويشرب ، هل رأيت علمه ؟ هل رأيت محبته لله ؟ هل رأيت عقيدته ؟ هل رأيت مبادئه ؟ قيمه ؟ ماذا رأيت منه ؟ الأنبياء أنفسهم بشر مثلنا .

(( إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر ، وأغضب كما يغضب البشر ))

[ أحمد و مسلم عن أنس]

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾

( سورة الكهف الآية : 110 )

(( وأُوذِيت في الله ما لم يُؤذَ أحد ، ولقد أتى عليَّ ثلاثون من يوم وليلة ، ومالي ولبلال طعامٌ إِلا شيء يُواريه إِبطُ بلال ))

[أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك ]

النبي بشر ، رأوا بشريته ، ولم يروا نبوته ، رأوا بشريته ولم يروا علمه .
سراقة لماذا أراد قتل النبي ؟ من أجل مئة ناقة ، فلما عرف النبي أقسم لكم بالله ، ماذا أقول ؟ مستعد أن يقدم نفسه فداء للنبي ، ما كان يعرفه .
وأنت لو عرفت الله ، لكنت إنساناً آخر ، مستحيل وألف ألف مستحيل أن تعرفه ثم لا تحبه ، ومستحيل وألف ألف مستحيل أن تحبه ثم لا تطيعه .

الندم الذي يصيب الإنسان الغافل عن الله عز وجل عندما يأتيه ملك الموت :

لذلك حالة الندم التي تصيب الإنسان حينما يأتيه ملك الموت ، وقد أمضى حياته في المعاصي والآثام ، هذه الحالة تكاد تبيده .

(( إن العار ليلزم المرء يوم القيامة حتى يقول يا رب لإرسالك بي إلى النار أيسر علي مما ألقى ، وأنه ليعلم ما فيها من شدة العذاب ))

[أخرجه الحاكم عن جابر بن عبد الله ]

وحينما تكتشف في لمح البصر أنك خسرت الآخرة ، أن الله خلق الإنسان لجنة عرضها السماوات والأرض .

(( أعْدَدْتُ لعباديَ الصالحين ما لا عين رأتْ ولا أذن سمعتْ ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]

أعد له جنة مهما تصورت عظمتها فهي أعظم ، هذه الجنة إلى أبد الآبدين خسرها في حياته الدنيا لبضع سنين ، أمضاها في المعاصي والآثام .
لذلك

﴿ وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ﴾

المؤمن حقيقته في داخله ، بإيمانه ، بورعه ، بمحبته ، باستقامته ، بإدراكه للحقائق ، لماذا خلقه الله ؟ من أين جاء ؟ ماذا بعد الموت ؟ ما سرّ وجوده ؟ ما غاية وجوده ؟ .

الإنسان لله فعليه ألا يكون لسواه :

أيها الأخوة ،

﴿ إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ * وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ ﴾

ضعاف ، هل يعقل أن تتعلق بالضعيف ؟ بالجاهل ؟ بمن يخيب ظنك ؟ أنتم انظروا بالتاريخ المعاصر ، أي دولة علقت كل آمالها بدولة عظمى خيبت ظنها ، واستغلتها ، ثم طرحتها جانباً ، أنت لله لا تكن لسواه .

(( خلقت لك ما في السماوات وما في الأرض ولم أعيَ بخلقهن ، أفيعييني رغيف أسوقه لك كل حين ، لي عليك فريضة ، ولك علي رزق ، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك ، وعزتي وجلالي إن لم ترضَ بما قسمته لك فلأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية ، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي ، وكنت مذموماً ، أنت تريد وأنا أريد فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد ، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ، ثم لا يكون إلا ما أريد ))

[ورد في الأثر]

الموائمة بين العقل وبين النص أساس الدين :

﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾

( سورة الأعراف )

العفو الشيء البسيط ، جاءتني هذه الأفكار عفو الخاطر ، اجعل هذا التشريع مبسطاً ، لا تعقد الأمور ، العفو الشيء السهل .
إنسان غربي أسلم على يد شيخ ، أبقاه ستة أشهر في أحكام المياه ، حتى خرج من جلده و ترك هذا الدين ، التقى بعالم آخر ، قال له : الماء الذي تشربه توضأ منه ، وانتهى الأمر .
كأن الله سبحانه وتعالى يريد من نبيه أن يكون الإسلام سهلاً ، أنا أقول كلمة : الإسلام بحاجة الآن إلى تبسيط لا إلى تعقيد ، يحتاج إلى تطبيق لا إلى متاجرة ، يحتاج إلى عقل ، العقل أصل في الدين ، لا تأتي بقضية العقل يرفضها ، بل يرفضها أشد الرفض ، لا يمكن أن يتناقض العقل مع الدين ، لأن الدين من عند الله ، والعقل جهاز أودعه الله فينا ، فإذا وجدت تناقضاً بين العقل وبين الدين فاعلم علم اليقين أن في العلم خطأ ، أو النص ضعيف ، أو موضوع ، إما خطأ بالنص ، يكون ضعيفاً أو لا أصل له ، أو خطأ بالعلم ، أو توافق العقل مع النقل قطعي ، فها الدين يحتاج إلى موائمة بين العقل وبين النص ، ويحتاج إلى تبسيط .

إنفاق ما زاد عن حاجتك يقرب الآخر إليك :

﴿ خُذِ الْعَفْوَ ﴾

ليكن منهجك مبسطاً ، والمعنى الآخر أنفق العفو .

﴿ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ﴾

( سورة البقرة الآية : 219 )

فإذا أنفقت العفو أخذت الخير من الآخر ، بمعنى إنفاق ما زاد عن حاجتك ، بمعنى قدم منهجاً ميسراً ، بسيطاً ، واضحاً ، لا تعقيد فيه ، بمعنى أنك حينما تعفو عن الآخر تقربه إليه .

﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ ﴾

تطابق النقل مع الفطرة قطعي ، أي أمر أمرك الله به يتوافق مع فطرتك .
لذلك ما تعارف الناس عليه أنه خير فهو خير ، لماذا سمّى الله المعروف معروفاً ؟ لأن كل النفوس تعرفه ، ولماذا سمّي المنكر منكراً ؟ لأن كل النفوس تنكره .

من معاني " خُذِ الْعَفْوَ " :

1 ـ أن يكون منهجك سهلاً و بسيطاً :

إذاً

﴿ خُذِ الْعَفْوَ ﴾

ليكن منهجك مبسطاً ، لا تعقيد فيه ، لا إشكال ، لا تناقض ، لا مبالغة ، لا تشدد ، لا تساهل .

2 ـ أنك حينما تعفو عن الآخر تقربه إليه :

﴿ خُذِ الْعَفْوَ ﴾

والمعنى الثاني أنفق العفو ، ما زاد عنك أنفقه لأخيك حتى يتماسك المجتمع ، واعفُ عمن ظلمك .

(( أَمَرَنِي رَبِّي بِتِسْع : خَشْيَةِ الله في السِّرِّ والعلانية ، وكلمة العدل في الغضب والرضى والقصد في الفقر والغنى ))

[أخرجه زيادات رزين عن أبي هريرة ]

﴿ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ ﴾

و ائمر بهذا المنهج الذي يتطابق مع الفطرة ، و ائمر بتطبيق منهج الله ، لأن النفوس تعرفه من دون تعليل ، هذه فطرة .

﴿ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾

الجاهل هنا لا يعني غير متعلم ، يعني الذي يملك فكرة أو تفسيراً لخلاف الواقع .
إذا قال لك شخص : كلما زدت الملح في الطعام انخفض الضغط ، ما قولك ؟ لكن معه دكتوراه ، هذا جاهل ، ما دام تكلم كلاماً بخلاف الواقع فهو جاهل ، الجهل ليس معناه أن وعاءك فارغ من المعلومات ، ذاك الأمي ، أما الجاهل هو الذي يملك آلاف المعلومات لكن كلها غلط ، كلها بخلاف منهج الله عز وجل .

على الإنسان أن يدع من يهتدي بغير هدى الله عز وجل :

﴿ خُذِ الْعَفْوَ ﴾

ليكن منهجك مبسطاً .

(( تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ))

[أخرجه ابن ماجه والحاكم عن العرباض بن سارية ]

(( اعفُ عَمَّنْ ظَلَمَكَ ))

[أخرجه زيادات رزين عن علي بن أبي طالب ]

تقربه إليك ، ثم اجعل هذا المنهج مطبقاً في حياتك ،

﴿ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ ﴾

ودع من يهتدي بغير هدى الله عز وجل .
من يتصور حلّ المشكلات بشيء أرضي ،

﴿ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾

وفي درس قادم إن شاء الله نتابع هذه الآيات .

والحمد لله رب العالمين