العقيدة - العقيدة والإعجاز - الدرس (02-36) العبادة - علة وجود الإنسان -2
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2007-04-15
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

العبادة:

1 – العبادةُ هي علّةُ وجودِ الإنسان:

أيها الإخوة الكرام، مع الدرس الثاني من دروس العقيدة و الإعجاز، وموضوع الدرس اليوم، العبادة.
العبادة علة وجودنا على وجه الأرض، فلو أن طالباً سافر إلى بلد غربي لينال درجة الدكتوراه ليس له في هذا البلد من هدف إلا هذه الشهادة، نقول له: إن علة وجودك في هذا البلد نيل الدكتوراه، وأيّ شيء في هذا البلد يقربه من هدفه فهو مشروع، وأي شيء يصرفه عن هذا الهدف فهو غير مشروع.

2 – اختيار الوسائل المشروعة لتحقيق الهدف المشروع:

عندما يتضح الهدف يتضح الطريق إليه
فإذا علمت أن العبادة علة وجودك على وجه الأرض، وهذا هو الهدف الكبير، إذاً يجب أن تختار من جزئيات حياتك، ومن معطيات بيئتك ما له علاقة بهذا الهدف، وهذا هو النجاح كل النجاح، وهذا هو الفلاح كل الفلاح، وهذا هو الفوز كل الفوز، علة وجودك أن تعبد الله، كما أن الطالب علة وجوده أن ينال هذه الدرجة.
حينما تتضح الأهداف تتضح الوسائل، وإذا أبلغتكم مع الأسف الشديد أن سبعة وتسعين بالمئة من الشباب في بلاد نامية لا يعرفون أهدافهم إطلاقاً يعيش هكذا بحكم وجوده بحكم الصوارف والمغريات والدوافع، لذلك لا شيء يعلو عن أن تعرف سر وجودك، وغاية وجودك، أو لا شيء يعلو عن أن تعرف عن علة وجودك، لقد أخبرنا القرآن الكريم بأن علة وجودنا أن نعبده، الدليل، ولولا الدليل لقال من شاء ما شاء، قال تعالى:

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) ﴾

[ سورة الذاريات ]

3 – المفهوم الواسعُ للعبادة:

لكن كلمة عبادة قد تفهم فهماً ضيقاً جداً، وهذه هي الطامة الكبرى، وقد تفهم فهماً موسعاً جداً، وهذه البطولة.
مثلاً: أي شيء يسير يسمى سيارة، قال تعالى:

﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ (19) ﴾

[ سورة يوسف ]

أركان الإسلام
أيّ شيء يسير بالمفهوم الواسع لكلمة سيارة، أيّ شيء يسير، بالمفهوم الضيق المركبة التي تتحرك على عجلات بقوة من محرك انفجاري فيه وقود سائل، فإذا فهم المسلمون العبادة على أنها صلاة وصيام، وحج وزكاة، والنطق بالشهادة، ليس غير، ابتعدوا بُعد الأرض عن السماء عن فهم حقيقة دينهم، لأن الإسلام كما قال عليه الصلاة والسلام:

(( بُنِيَ الإسلامُ عَلَى خَمْسٍ ))

[ البخاري عن ابن عمر ]

الإسلام شيء، والأركان الخمس شيء آخر، الأركان دعائم، الإسلام بناء، منهج، مجموعة قيم أخلاقية، منظومة مبادئ، سلسلة أوامر، مجموعة نواه، هذا هو الإسلام، الإسلام منهج تفصيلي.
وصدقوا أيها الإخوة، ولا أبالغ إن قلت: إنه يقترب من خمسمئة ألف بند ؛ في كسب مالك، في إنفاق مالك، في زواجك، في طلاقك، في تربية أولادك، في تعاملك مع الناس، مع مَن هم أقوى منك، مع مَن هم أضعف منك، مع مَن هم في مستواك، في حلك، في ترحالك، في سفرك، في حضرك، في فقرك، في غناك في حالة السلم في حالة الحرب منهج تفصيلي فكيف ضغطه المسلمون إلى خمس عبادات شعائرية ؟

4 – الدين ليس في المسجد !!!

كيف أصبح الإسلام، هو الذي يصلي فقط ؟ هنا الطامة الكبرى، ما لم نفهم العبادة فهماً موسعاً، ما لم نفهمها منهجاً مفصلاً، ما لم نفهمها فضلاً عن الشعائرية افعل ولا تفعل، فنحن بعيدون عن حقيقة الدين، ودائماً وأبداً الطرف الآخر يريدون أن يحصروا الدين في المسجد فقط، أنت هنا مسلم، لكنك خارج المسجد تأكل وتشرب، وتلتقي وتحتفل، وتمارس كل الشهوات، وتقيم كل الحفلات التي ترضي والتي لا ترضي، الإسلام في المسجد، الذي أقوله بالعكس: أنت في المسجد تأخذ تعليمات الصانع، وأنت في المسجد تقبض الثمن، إن حضرت مجلس علم، أن تتلقى تعليمات الصانع، أما إذا دخلت لتصلي يتجلى الله عليك في المسجد، فيمنحك الرضا، يمنحك الحكمة، يمنحك القرب، يمنحك السعادة، يمنحك الأمن، المسجد لتلقي التعليمات، والمسجد لقطف الثمرة، دينك في مكتبك، دينك في عيادتك، دينك في غرفة العمليات، دينك في مكتب المحامي، دينك في زراعة الأرض، هل تستخدم الهرمونات المسرطنة ؟ دينك في وظيفتك، هل تضع العصي في العجلات أمام المواطنين لتبتز أموالهم، أم تقدم لهم خدمة، وهم دافعوا الضرائب، دينك في عملك، دينك في بيتك، دينك في حفلاتك، دينك في كسب مالك، دينك في إنفاق مالك، الدين النصيحة، الطامة الكبرى أن نفهم العبادة مفهوماً ضيقاً، أن نقصرها على الصلاة والصيام.
النبي عليه الصلاة والسلام سأل أصحابه الكرام: من هو المفلس ؟ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( أتَدْرُونَ مَنْ الْمُفْلِسُ ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ لَا لَهُ دِرْهَمَ وَلَا دِينَارَ وَلَا مَتَاعَ، قَالَ: الْمُفْلِسُ مِنْ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ يَأْتِي بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ عِرْضَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُقْعَدُ فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ، فَطُرِحَ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ ))

[ مسلم، الترمذي ]

أيها الإخوة، علة وجودك في الدنيا العبادة، علة وجودك في الدنيا أن تعرف الله، وأن تعرف منهجه، بل أن تعرف الله معرفة تدفعك إلى تطبيق أمره، وأن تعرف الآخرة معرفة تمنعك مِن أن تؤذي مخلوقاً كائناً من كان، وأن تبتغي فيما آتاك الله الدار الآخرة، أن توظف مالك وعملك، ووقتك وخبرتك، وقدراتك ومهاراتك في سبيل الله عز وجل.
العبادة مفهوم واسع جداً، وأسأل الله جل جلاله أن يمكنني في هذا الدرس أن أوضح العبادة.

ما معنى العبادة:

العبادة هي الطاعة
أيها الإخوة الكرام، من التعاريف الجامعة المانعة للعبادة أنها: طاعة، فالذي لا يطيع الله لا يعبده، بشكل مختصر العبادة الطاعة.
نحن في حياتنا ليس هناك إعجاب سلبي في الإسلام، ما شاء الله دين رائع، دين حضاري، دين الفطرة، لكنك لا تطبقه.
أحب شاب فتاة في بلاد الغرب، فاستأذن والده بالزواج منها، فأقام عليه الدنيا، وتوعده أن يتبرأ منه، ماذا يفعل ؟ بعد شهر عرض عليه شيئاً، يا أبت، لو أنها أسلمت فجاء الجواب إيجابياً، قال له: لا مانع، اختل توازن هذا الشاب من الفرح، فانطلق إلى المكتبة، واشترى لها كتباً باللغة الإنكليزية لتقرأها، وتستوعب الإسلام كي تسلم، ثم يوافق أبوه على الزواج منها، أعطاها الكتب، لكنها ذكية جداً، طلبت منه إجازة أربعة أشهر كي تقرأ الكتب بهدوء، وبعيداً عن ضغوطاته وعن تمنياته، ومرت عليه هذه الإجازة كأربع سنوات، عدّ الوقت بالدقائق والثواني، فلما انقضت هذه الأشهر الأربعة اتصل بها، وسمع منها كلمة اختل لها توازنه فرحاً، قالت له: لقد أسلمت، إذاً: حقق الهدف، لكنها قالت كلمة ثانية، قالت: ولكنني لن أتزوجك، لأنك بحسب ما قرأت لست مسلماً.
والله لا أبالغ، والله لا أبالغ، والله لا أبالغ، هذا معظم حال المسلمين، والده مسلم، أمه مسلمة، يصلي، يحج، أما في بيته، وعمله، وكسب ماله، وإنفاق ماله، وقضاء أوقات فراغه، وهواياته، ولهوه، ولعبه، ومبادئه، وقيمه، وطموحاته، وتمنياته ليس مسلماً، لذلك هان أمر الله على المسلمين فهانوا على الله، قال تعالى:

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59)﴾

[ سورة مريم ]

ملخص العبادة:

العبادة طاعة، طاعة طوعية، وما من إنسان إلا ويطيع القوي طاعة قسرية، هل تسمى الطاعة القسرية عبادة ؟ مستحيل، طاعة طوعية، الله عز وجل أرادنا أن نأتي إليه طائعين بمبادرة منا، أن نأتيه محبين، قال تعالى:

﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ (256) ﴾

[ سورة البقرة ]

﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ(29) ﴾

[ سورة الكهف]

إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (3)﴾

[ سورة الإنسان ]

﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ (148)﴾

[ سورة البقرة ]

طاعة طوعية، لا يكفي أحياناً أن تقتنع أنك إذا نظمت وقتك، ونمت باكراً، واستيقظت صباحاً باكراً، ودرست فالساعات الصباحية تعدل أضعاف ما في النهار، فنمت باكراً وفق السنة، واستيقظت باكراً وفق السنة، وتبتغي أنت أن تحرز الدرجة الأولى في الامتحان، طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، ما عبد الله من أحبه، ولم يطعه، كما أنه ما عبد الله من أحبه، ولم يطعه، ولا من أطاعه، ولم يحبه، طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية.
قال بعض العلماء: العبادة غاية الخضوع وغاية الحب، غاية الاستسلام، طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية، فيها جانب معرفي، وجانب سلوكي، وجانب جمالي، الجانب السلوكي هو الأصل، لا يمكن أن نقطف من الدين شيئاً إن لم نستقم على أمر الله، وإذا شئت فقل: يمكن أن يضغط الدين كله بكلمة واحدة، هي الاستقامة، كما يمكن أن تضغط التجارة كلها بكلمة واحدة، ألا وهي الربح، فإن لم تربح فلست تاجراً، وإن لم تستقم فلست ديناً.
هناك إسلام فلكلوري، وخلفية إسلامية، وأرضية إسلامية، ونزعة إسلامية، واهتمامات إسلامية، وأقواس إسلامية، وفي زخرفة إسلامية، ورسم إسلامي، وطموحات إسلامية، وثقافة إسلامية، وآلاف الأشياء الإسلامية، لكنها شيء، والإسلام شيء آخر، ترك دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد حجة الإسلام.
إذاً: مركز الثقل ثلاثة خطوط، اللون الأحمر على كلمة سلوك، طاعة طوعية، أساسها معرفة يقينية، حرف عريض، حرف أسود، حرف أحمر، التركيز على كلمة طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية.

زعم المنجم والطبيب كلاهما لا تبعث الأموات قلت إليكمـا
إن صح قولكما فلست بخاسر أو صح قولي فالخسار عليكما
***

ليس هذا هو الإيمان، الإيمان معرفة يقينية، لو أن أهل الأرض جميعاً كفروا، أهل الأرض ستة آلاف مليون، وأنت واحد منهم، لو أن ستة آلاف مليون عدا واحد كفروا فأنت لا تكفر يقيناً، في كل خلية في جسمك، وفي كل قطرة، في دمك تجد الإيمان، الإيمان بالله موجودا وواحدا وكاملا، الإيمان بأسماء الله الحسنى، وصفاته الفضلى، الإيمان باليوم الآخر، الإيمان بالملائكة، الإيمان بالكتب، الإيمان بالنبيين، الإيمان بالقدر خيره وشره من الله تعالى.
أيها الإخوة، أساسها معرفة يقينية، لكن ما سمعت إنساناً نام مساءً استيقظ ومعه دكتوراه، يقول لك: ثلاثا وثلاثين سنة لم أعرف الراحة، ولم أعرف النوم، ولم أعرف لقاء مع صديق، ولم أعرف نزهة، حتى أضيف إلى اسمه حرف دال، كان يكتب اسمه من دون شيء، صار بحرف الدال، ثلاث وثلاثون سنة دراسة، الإنسان يتوهم أنه مؤمن، متى حضرت درس علم ؟ متى اقتنيت كتاباً ؟ متى قرأت كتاباً ؟ متى قرأت القرآن الكريم ؟ متى قرأت السنة ؟ متى فكرت ماذا يأمرك الله ؟ متى قلت لماذا أنا في الدنيا ؟ ما سر وجودي، ما غاية وجودي ؟ متى تأملت؟ متى تفكرت ؟ متى قرأت ؟ متى التحقت بمسجد ؟ متى حضرت درساً ؟ أنا مؤمن إيماني أقوى من إيمانك، وهو غارق في المعاصي والآثام، سبحان الله !!! كل حرفة لها اختصاصيون، كل حرفة لها أرباب، لها خبراء، إلا أن الدين عند عامة الناس كأنه كلأ مشاع، كل إنسان يتحدث في الدين على مزاجه، هذه ما قنعت بها، من أنت ؟

يقولون هذا عندنا غير جائز فمن أنتم حتى يكون لكم عندُ
***

أحيانا تكون في وزارة الخارجية، وفيها مستخدم يقول لك: عيّنا فلانًا سفيراً، مَن أنت حتى تعينه سفير ؟ فيأخذ مرتبة الوزير، عيناه سفيرا.
فلذلك أيها الإخوة، العبادة طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، اسأل نفسك: هل التزمت بدرس علم ؟ هل قرأت كتاباً وانتفعت منه ؟ هل لخصته ؟ هل نقلت كلمة حق للآخرين ؟ تسبقها معرفة يقينية تفضي إلى سعادة أبدية، حاجتك إلى الجمال أساسية، أنت بحاجة إلى أن تكون سعيداً إلى أن تحيى حياة جميلة، إلى أن تتصل بالله، إلى أن تكون في جنة عرضها السماوات والأرض، لذلك هؤلاء الذين استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة تحركوا بدافع من حبهم للجمال في وقت غير مناسب.

نحن في دار عمل وتعب لا دار تنعم ورفاه:

الطالب في مدرسة، المقعد من خشب، والزاوية قائمة، والجو أميل للبرودة، والوظائف كثيرة، والسبورة ممتلئة، والمدرس يتكلم، هذا مكان دراسة، هذا مكان طلب علم، هذا مكان تحصيل، هذا مكان تقشف، هذا مكان أن تكون أميل إلى الجوع، لأن البطنة تذهب الفطنة.
لو أن طالباً في الدرس أراد أن يكون له مقعد وثير كمقاعد الطائرات، يصبح سريراً، وأمامه المشروبات، القهوة، والشاي، والموالح، والفواكه، وبعض الألعاب، وراديو صغير، وشاشة صغيرة، يريد أن يترفه، هذا ليس مكان ترفه، هذا مكان عمل، لكن بعد أن تأخذ الدكتوراه تترفع، تنشئ غرفة خاصة، مكتبًا خاصًا، غرفة استقبال، غرفة نوم مريحة، ومنظرا طبيعيا.
نحن في دار عمل، ولسنا في دار أمل، نحن في دار تكليف، ولسنا في دار تشريف، نحن في دار مسؤولية، نحن في دار هي إعداد لدار أبدية، يا ليتني قدمت لحياتي، إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، لا تستقيم لأحد لحكمة بالغة، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، لأن الرخاء مؤقت، والشقاء مؤقت، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى عوضا، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي.
ورد في بعض الحديث عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بَعَثَ بِهِ إِلَى الْيَمَنِ قَالَ:

(( إِيَّاكَ وَالتَّنَعُّمَ، فَإِنَّ عِبَادَ اللَّهِ لَيْسُوا بِالْمُتَنَعِّمِينَ ))

(مسند الإمام أحمد)

قد تتنعم، وقد تسر، إنْ في شراء بيتك، أو في زواج، أو في جلوسك مع أهلك، لكن القصد إرضاء الله، القصد تحقيق هدف، إلهي أنت مقصودي، ورضاك مطلوبي، الله عز وجل لا يضنّ علي بالتنعم، تتنعم دون أن تجعله هدفاً وحيداً.
مشكلة الناس اليوم أنهم يجعلون التنعم هدفاً وحيداً، واسألوا الفلاسفة حينما تتخذ اللذة هدفاً، فإنها تنقلب إلى ألم، لذلك خذ من الدنيا ما شئت، وخذ بقدرها هماً، ومن أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أخذ من حتفه، وهو لا يشعر، عَنْ عبدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الْخَطْمِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا ))

[ الترمذي ]

الدين أول ثمراته السعادة
سأل ملك وزيره قال له: مَن الملك ؟ قال: أنت يا سيدي، ليس هناك ملك إلا أنت ملك قال له: لا ملك الملك رجل لا نعرفه ملك، ولا يعرفنا ملك له بيت يأويه، وملك وزوجة ترضيه، ورزق يكفيه، إنه إن عرفنا جهد في إرضائنا، وإنا إن عرفناه جهدنا في إحراجه، لذلك:

(( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا ))

العبادة طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية.
أيها الإخوة الكرام، في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة الدليل، قال تعالى:

﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6) ﴾

[ سورة محمد ]

إنها جنةٌ في الدنيا، وذاقوا بعضها، إنها جنة القرب، لذلك قال بعض العلماء الشعراء:

فلو شاهدت عيناك من حسننا الذي رأوه لمـــا وليت عنا لغيرنا
و لو سمعت أذناك حسن خطـابنا خلعت عنا ثياب العجب وجئتنا
و لو ذقت من طـعم المحبة ذرة عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنا
و لو نسمـت من قربنا لك نسمة لمت غريباً واشتياقاً بقربنــا
ولو لاح من أنوارنا لك لائــح تــركت جميع الكائنات لأجلنا
***

أيها الإخوة، الحاجة إلى الجمال أساسية في الإنسان، والدين أول ثمراته السعادة، لذلك في قلب المؤمن من السعادة ما لم وزع على أهل بلد لكفاهم، في قلب المؤمن من الأمن ما لو وزع على أهل بلد لطمأنهم، في النفس فراغ لا يملؤه المال، ولا الزواج، ولا المرأة، ولا المنصب، ولا المتع، لا يملؤه إلا الإيمان، وهذا الذي يبحث عنه الإنسان في وقت متأخر في حياته، وكان يتمنى أن يبحث عنه في وقت مبكر من حياته.

أقسام العبادة:

1 – العبادة الشعائرية:

أيها الإخوة الكرام، ننتقل إلى موضوع آخر، أن العبادة تقسم إلى عبادة شعائرية وإلى عبادة تعاملية.
العبادة الشعائرية:
الصلاة: تقف تقرأ الفاتحة، وبعض القرآن الكريم، وترفع، وتسجد، وتقعد وتسلم.
الصيام: تدع الطعام والشراب من الفجر الصادق إلى غروب الشمس، والذي منعك الله منه أيضاً.
الحج: تقصد مكة بيت الله الحرام، وتطوف، وتسعى، وتقف في عرفات، وتؤدي مناسك الحج.
الزكاة: تدفع زكاة مالك.
النطق بالشهادة: تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، هذه عبادات شعائرية.

2 – العبادة التعاملية:

لكن الحجم الأكبر والأخطر هو العبادات التعاملية، شاهدُها الكبير أن النجاشي ملك الحبشة سأل المسلمين الذين هاجروا إليه، وفي مقدمتهم سيدنا جعفر، قال له: حدثني عن الإسلام، قال أيها الملك:

(( أَيُّهَا الْمَلِكُ، كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ، نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ، وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ، يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ، فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا، نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ، وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ، فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ، وَنَعْبُدَهُ، وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ، وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَالْكَفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ، وَنَهَانَا عَنْ الْفَوَاحِشِ، وَقَوْلِ الزُّورِ، وَأَكْلِ مَالَ الْيَتِيمِ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ...))

[ أحمد ]

حقيقة العبادة التعاملية:

العبادة الشعائرية قيم أخلاقية، أو انضباط أولاً، وفعل للخيرات ثانياً.
العبادة التعاملية استقامة وعمل صالح، الاستقامة سلبية، والعمل الصالح إيجابي، العبادة الشعائرية أن تصلي، وأن تصوم، وأن تحج، والعبادة التعاملية ألا تكذب، وألا تأخذ ما ليس لك، وألا تعتدي على إنسان لا مادياً ولا معنوياً، ولا من أي نوع من أنواع الاعتداء.
المشكلة الكبرى، والطامة الكبرى أن المسلمين توهموا أن العبادة هي العبادة الشعائرية فقط، فإذا وصلى، وصام، وحج، وزكى أدى كل شيء، ووقف عند هذا الحد.

العبادة الشعائرية لن تقطف ثمارها إلا إذا صحت العبادة التعاملية:

وأخطر ما في هذا الدرس أن العبادات الشعائرية لا تقبل ولا تصح إلا إذا صحت العبادات التعاملية، طالبوني بالدليل، ولولا الدليل لقال من شاء ما شاء.

الصلاة:

عَنْ ثَوْبَانَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:

(( لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا، قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا، أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))

[ ابن ماجه ]

العبادات الشعائرية في أعلى درجة.
الدين يعني الاستقامة على أمر الله
ثمة طرفة لإنسان من تركيا عنده وليمة، اشترى كمية من اللحم كبيرة، وعنده قِط أكل هذا اللحم، والقط له خرير يسميه العوام أورادًا، فهذا التركي نظر إلى هذا القط، كاد يتميز من الغيظ، قال له: أوراد شوك أمنات يوك.
هذه المشكلة، إمام مسجد معين في مدينة لندن، نقل إلى بلدة في ظاهر لندن إلى مانشيستر، والقصة واقعية، فاضطر أن يركب المركبة كل يوم مع السائق نفسه، في أحد المرات صعد إلى المركبة فأعطى السائق قطعة نقد كبيرة، وردّ له السائق البقية، عدها فإذا هي تزيد عشرين بنساً عما يستحق، مسلم ورع يعرف الحقوق، فلما جلس في المقعد، قال: لا بد أن أؤدي الزيادة إلى السائق حينما أنزل، لكنه استرخى قليلاً، وقال: إنها شركة عملاقة، ودخلها فلكي، والمبلغ يسير، وأنا في أمسّ الحاجة إليه، فلا علي أن آخذه، لا تستعجلوا بالحكم على هذا الإمام، لكن لما أراد أن يغادر المركبة دون أن يشعر مدّ يده إلى جيبه، وأعطى السائق عشرين بنساً، ابتسم السائق، قال له: ألست أنت إمام هذا المسجد ؟ قال له: بلى، قال: حدثت نفسي قبل يومين أن آتيك في المسجد لأتعبد الله عندك، ولكنني أردت أن أمتحنك قبل أن آتي إليك.
الذي أرسل لي هذه الرسالة بالبريد الإلكتروني قال: هذا الإمام وقع مغشيًا عليه، أغمي عليه، لأنه تصور عظم الجريمة التي كاد يقترفها لو أبقى المبلغ في جيبه، فلما صحا من غفوته قال: يا رب، كدت أبيع الإسلام كله بعشرين بنساً .
وضعت يدي على مشكلة المسلمين يبيع دينه بيمين كاذبة، يبيع دينه بتصريح كاذب، يبيع دينه باغتصاب بيت، يبيع دينه باغتصاب شركة، يبيع دينه باعتداء على أعراض الآخرين، وهو مسلم.
فلذلك أيها الإخوة، الدين كله مجموع بكلمة استقامة، وما لم نستقم يصبح الدين تراثاً ومنتجاً أرضياً، وثقافة عامة وفلكلوراً، وعادات وتقاليد، وهذا واقع المسلمين، والحقيقة المرة أفضل ألف مَرة من الوهم المريح.

((... لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا، قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا، أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))

الصوم:

(( مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ ))

[ البخاري، الترمذي أبو داود، ابن ماجه، أحمد ]

ورب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، أول فقرة انتهت الصلاة، الفقرة الثانية انتهى الصيام.
الفقرة الثالثة:

الحج:

مَن حج بمال حرام، و وضع رجله في الركاب، و قال: لبيك اللهم لبيك، ينادى أن لا لبيك، و لا سعديك، و حجك مردود عليك.
انتهى الحج.

الزكاة:

بقيت الزكاة، قال تعالى:

﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ (53)﴾

[ سورة التوبة: الآية 53]

الشهادتان:

بقي النطق بالشهادة: قال عليه الصلاة والسلام:

(( من قال: إله إلا الله بحقها دخل الجنة، قيل: وما حقها ؟ قال: أن تحجزه عن محارم الله ))

[ ورد في الأثر ]

إذاً: العبادات الشعائرية، ومنها الصلاة والصيام، والحج والزكاة، والنطق بالشهادة لا تقبل ولا تصح إلا إذا صحت العبادات التعاملية.

أحذر ما يكون بينك وبين أخيك من حقوق:

ما معنى قوله تعالى:

﴿لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ (10) ﴾

[ سورة إبراهيم ]

من للتبعيض، يعني يغفر لكم بعض ذنوبكم، أي ذنب يغفر ؟ ما كان بينك وبين الله فقط، أما الذنب الذي بينك وبين الناس هذا لا يغفر إلا بالأداء أو بالمسامحة، لذلك يتوهم معظم المسلمين أنهم إذا صاموا رمضان إيماناً واحتساباً، وإذا قاموا رمضان إيماناً واحتساباً غفر الله لهم ما تقدم من ذنبهم، وقد أجمع العلماء على أن الله يغفر لهم الذنوب التي بينه وبينهم فقط، أما الذنوب التي بينهم وبين العباد فلا تغفر إلا بالأداء والمسامحة، لأن حقوق الله عز وجل مبنية على المسامحة، بينما حقوق العباد مبنية على المشاححة.
ومعظم المسلمين يتوهمون أنهم إذا حجوا بيت الله الحرام رجعوا من ذنوبهم كيوم ولدتهم أمهاتهم، أيضاً الذنوب التي بينهم وبين الله تغفر في الحج، أما التي بينهم وبين الناس فلا تغفر.
أيها الإخوة، هل من عمل أعظم على الإطلاق من أن يقدم الإنسان حياته في سبيل الله ؟ والجود بالنفس أقصى غاية الجود، هل من عمل على الإطلاق يرقى إلى أن يقدم الإنسان نفسه في سبيل الله ؟ اسمعوا قول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلَّا الدَّيْنَ ))

[ مسلم، أحمد ]

عَنْ جَابِرٍ قَالَ:

(( تُوُفِّيَ رَجُلٌ فَغَسَّلْنَاهُ وَحَنَّطْنَاهُ، وَكَفَّنَّاهُ، ثُمَّ أَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي عَلَيْهِ، فَقُلْنَا: تُصَلِّي عَلَيْهِ، فَخَطَا خُطًى، ثُمَّ قَالَ: أَعَلَيْهِ دَيْنٌ ؟ قُلْنَا، دِينَارَانِ، فَانْصَرَفَ فَتَحَمَّلَهُمَا أَبُو قَتَادَةَ فَأَتَيْنَاهُ، فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ: الدِّينَارَانِ عَلَيَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أُحِقَّ الْغَرِيمُ، وَبَرِئَ مِنْهُمَا الْمَيِّتُ، قَالَ: نَعَمْ، فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ: مَا فَعَلَ الدِّينَارَانِ ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا مَاتَ أَمْسِ، قَالَ: فَعَادَ إِلَيْهِ مِنْ الْغَدِ، فَقَالَ: لَقَدْ قَضَيْتُهُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْآنَ بَرَدَتْ عَلَيْهِ جِلْدُهُ ))

[ أحمد ]

عَن عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( لَيَأْتِيَنَّ عَلَى الْقَاضِي الْعَدْلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَاعَةٌ يَتَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي تَمْرَةٍ قَطُّ ))

[ أحمد ]

حقوق العباد مبنية على المشاححة، وحقوق الله مبنية على المسامحة.
أيها الإخوة، الحقيقة الأولى في هذا اللقاء الطيب العبادات الشعائرية لا تقبل ولا تصح إلا إذا صحت العبادات التعاملية.

لا بد في الاستقامة في المعاملة:

العبادات التعاملية أن تكون صادقاً كفى، بها خيانة أن تحدث أخاك بحديث هو لك به مصدق، وأنت له به كاذب.
المؤمن لا يكذب، فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلَالِ كُلِّهَا إِلَّا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ ))

[ أحمد ]

أن تكون أميناً والأمانة ليست نسبية بل حدية بمعنى يستوي عند المؤمن التبر والتراب الليرة والمليار ليرة الحرام حرام، المؤمن أمين، المؤمن صادق، المؤمن عفيف، لا يعتدي على أعراض الآخرين، ولا يطلق بصره في الحرام، المؤمن رحيم، المؤمن منصف، المؤمن متواضع، الإيمان مجموعة قيم أخلاقية، إنما بعثت معلماً، إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق، الإيمان هو العطاء، وليس الأخذ، بطولتك في أن تعطي، لا في أن تأخذ.
ألف أحدُهم كتاباً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأهداه إليه، قال: " يا من جئت الحياة فأعطيت، ولم تأخذ، يا من قدست الوجود كله، ورعيت قضية الإنسان، يا من زكيت سيادة العقل، ونهنهت غريزة القطيع، يا من هيأك تفوقك لتكون واحداً فوق الجميع، فعشت واحداً بين الجميع، يا من كانت الرحمة مهجتك، والعدل شريعتك، والحب فطرتك، ومشكلات الناس عبادتك ".
حقيقة العبادة التعاملية: أن تكون مستقيماً، أن تكون صادقاً، أميناً، عفيفاً، عادلاً، متواضعاً، حليماً، رحيماً، إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق، الإيمان هو الخلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان.
أيها الإخوة الكرام، الأصل في العبادة التعاملية لذلك سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما كان معتكفاً في مسجد رسول الله في رمضان لقي واحداً كئيباً قال له: مالي أراك كئيباً ؟ قال: والله ديون لزمتني ما أطيق سدادها، قال: لمن ؟ قال: لفلان، فقال ابن عباس: أتحب أن أكلمه لك ؟ قال: إذا شئت، فقام ابن عباس من معتكفه، لفت نظره رجل قائلا: يا ابن عباس، أنسيت أنك معتكف ؟ قال: والله ما نسيت، ولكنني سمعت صاحب هذا القبر، وأشار بيده إلى قبر النبي عليه الصلاة والسلام، والعهد به قريب، ودمعت عيناه، والله لأن أمشي مع أخ في حاجته خير لي من صيام شهر واعتكافه في مسجدي هذا.
أنا أقيس لو أن أماً تحب الله كثيراً، فاستيقظت الساعة الرابعة صباحاً، وصلت قيام الليل، وبكت، وقرأت القرآن، وفي الساعة السادسة تعبت كثيراً، عندها خمسة أولاد، قالت لهم: دبروا شأنكم، يا بني ونامت، الغرفة باردة، الطعام غير موجود، أحد أولادها ما كتب وظيفة، والثاني ما حفظ الدرس، والثالث ثيابه غير نظيفة، والرابع حذاءه غير نظيف، والخامس أخذ شطيرة ما لفها بمادة عازلة، فانتقل الزيت إلى الكتب، فلما ذهبوا إلى المدرسة، هذا تلقى ضرباً من معلمه على ترك وظيفته، وهذا على ترك كتابه، وهذا على عدم هندامه، وهذا على حذائه، أولادها الخمسة تلقوا عقاباً قاسياً، والغرفة باردة، ولا أكل، أنا أقول باجتهادي الشخصي، وأرجو أن أكون على صواب: إن هذه الأم لو استيقظت قبل طلوع الشمس بساعة، ودفأت الغرفة، وهيأت الطعام، وراقبت وظائف أولادها، وراقبت هندامهم، وراقبت أدواتهم، هيأت لهم شطائر مرتبة محفوظة بأكياس عازلة، مع قطع فواكه، وودعتهم إلى الباب، ولم تطمئن عليهم حتى ركبوا في السيارة، أنا أرى أن هذه الأم التي ما صلت قيام الليل أقرب من الله مليون مرة عن الأولى، لأن الثانية عبدت ربها فيما أقامها، أقامها أماً، لأن الثانية عبدت ربها العبادة التعاملية، وأضافت إلى عبادتها الشعائرية العبادة التعاملية.
العبادات التعاملية فرض، فرض حتمي على كل مسلم، أنا أقول: أضيفوا إلى عبادتكم الشعائرية العبادات التعاملية، والله سمعت صاحب هذا القبر لأن أمشي مع أخ في حاجته خير لي من صيام شهر واعتكافه في مسجدي هذا.
عندنا عبادات شعائرية، وعبادات تعاملية، والعبادات الشعائرية لا تقبل ولا تصح إلا إذا صحت العبادات التعاملية، والذي أتمناه على إخوتنا جميعاً أن يضيفوا إلى عباداتهم الشعائرية العبادات التعاملية حتى يقطفوا ثمار الإسلام.
والحمد لله رب العالمين