أحاديث رمضان 1420 - تفسير آيات - سورة المائدة - الدرس ( 10 - 58 ) : دوافع الإنسان.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1999-12-13
بسم الله الرحمن الرحيم


 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 أيها الأخوة الكرام: في الإنسان دوافعٌ ثلاث كما أقولُهُ دائماً، دافِعٌ إلى الطعامِ والشراب من أجلِ بقاءِ الفرد، ودافعٌ إلى الجِنس من أجلِ بقاءِ النوع، ودافعٌ إلى معرفةِ الحقيقة من أجلِ تأكيدِ الذات، فالإنسان بِفطرَتِهِ يُحِبُ التفوّق، يُحِبُ أن يكونَ من أطهر أمة، ومن أشرِفِ بلد، ومن أعظم أبوين، فإذا كانَ في مسجد يُحِبُ أن يكون في أرقى المساجد ومن أنظَفِها، فهذا الشعور بالتفوق، هُناكَ آيةٌ قُرِأت اليوم تُبيّن أنكَ إذا كُنتَ مُطيعاً لله حُقَّ لكَ أن تتفوّق، أما إذا عصيت ليسَ لَكَ أيّةُ ميّزة، والذي أقولُهُ دائماً حالُ المسلمين اليوم لا يُحسدونَ عليها أبداً ذلكَ أنَّ أمرَ اللهِ هانَ عليهم فهانوا على الله، هانَ عليهم أمرُ اللهِ فهانوا على الله، ولو أنهم عظّموا أمرَ اللهِ لَرَفَعَهُم الله، واللهُ عزّ وجل يقول وهذا قانون:

﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾

(سورة آل عمران الآية 120)

﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46)﴾

(سورة ابراهيم)

 ما هي الآية التي إذا فهمناها لا نطمع أن نكونَ في مرتبةٍ أعلى إلا إذا كُنا مُطيعين لله، فإن لم نكونَ كذلك فنحنُ كأيّةِ أُمةٍ نُعامَلُ بأيّةِ مُعاملة:

﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾

(سورة المائدة الآية 18)

نحنُ شعبُ اللهِ المُختار، نحنُ الأمةُ المختارة، فردَّ اللهُ عليهم:
 قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ، وهذا مرضٌ أصابَ أهلَ الكِتاب وقد أصابَ المسلمين، نحنُ أمةُ محمد، نحنُ أمةُ القرآن، نحنُ الأمةُ التي اصطفاها اللهُ بسيّدِ الخلق، قُل ما شِئت فإن لم تكُن مستقيماً على أمرِ الله ليسَ لَكَ أيّةُ ميّزة وتُعامَلُ كأيّةِ أمةٍ أُخرى من هُنا قالَ العلماء أُمةُ محمدٍ أمتنا، أُمة الاستجابة وهذهِ التي قالَ اللهُ عنها:

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾

(سورة آل عمران الآية 110)

 وأمةُ التبليغ هذهِ الأمةُ المُقصِّرة، فإذا قصّرنا في تطبيق أمرِ اللهِ فنحنُ أُمةُ التبليغ، نحنُ أمةٌ كغيرِنا من الأُمم لا نملك ولا ميّزة وهذهِ هي الحقيقة المُرّة، والآن على مستوى فرد أنا أحضر دروس عند فلان وقد يكون فلان أكبر عالِم بالأرض، أنا منسوب للعالِم الفُلاني، أنا.... للعالِم الفُلاني، هذهِ كُلُها لا تُقدّم ولا تُؤّخر، إن لم تكن مستقيماً على أمرِ الله لا تملِك ولا ميّزة، هذهِ حقيقة أخواني، هذهِ حقيقة مُرّة، ليسَ لكَ ميّزة لا بِنَسَبَك، ولا بِوالديك، ولا بأمَتِكَ، ولا بانتمائك، ولا بِمسجِدِكَ، ولا بِشيخِكَ، ميّزتُكَ بِطاعَتِك، فإن أطعتَ الله عندئذٍ لكَ أن تُطالِبَ اللهَ أن يحفَظَك، اللهُ أساساً أنشأَ لنا حقاً عليهِ إذا عبدناه، قال يا معاذ ماحقُ العبادِ على اللهِ إذا هم أطاعوه قالَ أن لا يُعذِبَهُم، هذهِ الآية الأولى.
 يعني لو أنَّ أحدَكُم وفّقَهُ اللهُ لِهدايةِ شارد، شاردٍ عن الله وفّقَهُ لِهدايَتِهِ، اعتنى بِهِ، زارَهُ كثيراً، جاءَ بِهِ إلى المسجد، تفقّدَهُ، أكرَمَهُ، أعطاهُ أشرطة، حلَّ بعضَ مُشكِلاتِهِ، عاوَنَهُ في أمرِ دُنياه، يعني بذل جُهد كبير حتى جَعَلَ هذا الإنسان الشارد يصطلح معَ الله ويُقبل عليه ويتوبُ إليه، أنتَ هل تدري أنَّ هذا الذي عَرَفَ اللهَ عن طريقِك كُلُ أعمالِهِ في صحيفَتِك، بل إنَّ ذُريّتهُ المؤمنة في صحيفَتِك، بل إنَّ ذُريّة ذُريّتهُ المؤمنة في صحيفَتِك، بل إنَّ نسلَهُ إلى يومِ القيامةِ في صحيفَتِك، هل هُناكَ آيةٌ تؤكِدُ هذا المعنى ؟ نحنُ نقرأُ الآية ثُمَّ نشرَحُها، اليوم نمط جديد نشرح ثُمَّ نذكُر الآية:

﴿ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾

(سورة المائدة الآية 32)

 في إنسان يُحيي إنسان ما معنى كلمة وَمَنْ أَحْيَاهَا، في عنّا دليل:

﴿ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ﴾

(سورة الأنعام الآية 122)

 ما معنى كَانَ مَيْتًا، كانَ ميتاً بالضلال، كانَ ميتاً بالبُعدِ عن الله، كانَ ميتاً بارتكاب المعاصي، كانَ ميتاً بالانغماس بالشهوات، كانَ ميتاً بالإعراضِ عن الله، فَأَحْيَيْنَاهُ، بمعرفةِ الله وطاعَتِهِ والتقرُّبِ إليه، إذاً: وَمَنْ أَحْيَاهَا، هُنا أي من دلّها على الله، من نوّرَ قلبَها بِنورِ الله، من مَلَءَ قلبها طُمأنينةً بِسكينةِ اللهِ عزّ وجل، هذهِ آيةٌ ثانية، يعني آيات الجَلد واضحة:

﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾

(سورة النور الآية 2)

 لكن الرجم من أينَ جاءَ بِهِ النبي، هذا الذي يزني وهوَ مُحصن لَهُ زوجة ويزني، حُكمُ النبي بالسُنّةِ المُطهرّةِ الصحيحة الرجم، طيب هل لِهذا الرجمِ أصلٌ في القرآن الكريم، الآية الكريمة فَاجْلِدُوا، أنا أقول الرجم المُحصن يجب أن يُقتل، يقولُ الله عزَّ وجل:

﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾

(سورة المائدة الآية 33)

 إنسان متزوّج وله زوجة وله أولاد، وهناك إنسانة متزوّجة ولها زوج وأولاد فزنا بِها فَشرّدَ أولادها أو قتلها زوجُها مثلاً، والذي زنا تركتهُ زوجتُهُ واحتقرَهُ أولادُهُ، هل هناكَ من فسادٍ في الأرض يساوي أن يزنيَ الإنسانُ وهوَ مُحصن بامرأة مُحصنة، وكيفَ يُطبّقُ هذا الحد، هُناكَ شرطٌ تعجيزي، قالَ العلماء: " هوَ حدٌ ردعي " معنى حدٌ ردعي أنّهُ لابُدَّ من أجلِ أن يُرجم من أن يراهُ أربعةُ شهود.. أربعة.. يرونَ العمليةَ كاملةً وهذا شيء مستحيل، طيب من يقعُ تحتَ وطأةِ هذا الحد، هذهِ التي تزني والباب مفتوح، هذهِ ليست زانية إنها فاجرة، هذهِ التي تزني والباب مفتوح وبإمكان أربعة رجال أن يدخلوا وأن يروا عملية الزِنا هُنا يُطبّقُ هذا الحد، فصار الحد ردعي.. ردعي.. وشرطُهُ تعجيزي رحمةً بالخلق، هوَ حدٌ ردعي وشرطُهُ تعجيزي لكن هذا أصلُهُ في الكتاب، إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ.
 الآن القوانين تفتخر أنّهُ في الدستور وفي دساتير العالم لا يجوز أن يُطبّقَ القانونُ بمفعول__ٍ رجعي، منتهى الظُلم أن تُصدر قانون وبعدَ أن تُصدِرَهُ تُحاسب من خالَفَهُ قبلَ أن يصدُر، هذا منتهى الظُلم، عندما كُنت في تُركيا يعني قرأت كتاب عن عالِم جليل أصدر كُتيّب عن ارتداء (البرنيطة) وأخذ موافقة من وزارة المعارف والكتاب نُشِر ومضى على نشرِهِ سنتان ثُمَّ جاء كمال أتاتورك فأصدر قانون بإلزام الناس بارتداء هذهِ (البرنيطة) وجاء بهذا الذي ألّفَ الكِتاب وأعدمه لأنهُ عارض، هوَ أخذ رُخصة قبلَ سنتين ولا يوجد عليه إثم، تطبيق القانون بمفعول رجعي هذا منتهى الظُلم، في عنّا آية بالقرآن تُشيرُ إلى ذلك، من عظمة آيات الله عزَّ وجل:

﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾

(سورة المائدة الآية 34)

 أنتَ الآن قدرتَ عليه لكن تاب قبلَ أن تقدر عليه، ليسَ بإمكانِكَ أن تُحاسِبَهُ عن ما فَعَلَهُ قبلَ التوبة، ما فَعَلَهُ قبلَ التوبة لم تكن أنتَ قادراً عليه، لم يكُن هناك منع، فهذهِ الآيةُ أصلٌ في أنّهُ لا يُمكن أن يُطبّقَ قانونٌ أو حكمٌ شرعي بمفعولٍ رجعي، بعدَ أن يصدُرَ القانون يُطبّق:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾

(سورة المائدة الآية 35)

 ما هيَ الوسيلة ؟ أيُّ شيءٍ يُقَرِبُكَ إلى اللهِ وسيلة، العلم وسيلة، طلب العلم وسيلة، أن تكونَ مع جماعةٍ مؤمنةٍ وسيلة، أن تقرأَ القرآنَ وسيلة، أن تعملَ صالحاً وسيلة، أن تكونَ في صُحبةِ مؤمنٍ كريم وسيلة، يعني هذهِ كُلُها وسائل، العمل الصالح وسيلة، أن تكون مع الجماعة الجماعة وسيلة، أن تتخِذَ أخاً مؤمِناً وسيلة، أن تطلُبَ العِلم وسيلة، أن تكون مع أُناسٍ طيبينَ طاهرين وسيلة، فهذهِ مُطلقة، يعني الهدف هوَ الله،
الوسيلة أن أعرِفَهُ، الوسيلة أن أتقرَّبَ إليه، الوسيلة أن أستقيمَ على أمرِهِ، الوسيلة أن أُنفِقَ من مالِهِ، طيب نحنُ هل بالإمكان أن نسحب بعض الآيات على واقع المسلمين، يقولُ اللهُ عزّ وجل:

﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾

(سورة المائدة الآية 66)

 يعني جاءتهم خيرات لا يعلمُها إلا الله، يعني ممكن أن يكون بدمشق موجود خمسمائة ميليمتر كل سنة، فتجد الخضار منتشر في كُلِّ شيء يعني أنا أضرب مثل لكم في سنة من السنوات يعني أنتجنا ثلاثة ملايين طن قمح حاجتنا مليون ومليونين فائض، سنة ثانية 260 ألف طن، سنة ثالثة 350 ألف طن، ثلاث ملايين، وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ، طيب قياساً على ذلك ولو أنّهم أقاموا القرآن وأحلّوا حلالَهُ وحرّموا حرامَهُ لأكلوا من فوقِهم ومن تحتِ أرجُلِهم، إذاً هذا تقنين تأديب، هذا تقنين تأديب لا تقنين عجز ولا تقنين بُخل، طيب نحنا إذا كان ننتمي إلى أُمة الإسلام ومعنا القرآن وواحد دخل إلى بيت فوجد آية الكرسي بخيوط الذهب وغرفة ثانية القرآن في غلاف من المُخمل الغالي، دخل إلى محله التجاري
( إنا فتحنا لكَ فتحاً مبيناً )، يعني في كثير من الآيات الجميلة توضع على الجدران، ركبت معهُ مُصحف في السيارة واضعهُ، ومن ثمَّ ( الحسود لا يسود )، طيب هذا على شيء ؟ الجواب:

﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾

(سورة المائدة الآية 68)

 قدرَ ما تُريد تزيّن وضع لوحات وضع آيات قرآنية، وامسك بالسبحة والبس جلابية وتعطّر عطر مشايخي.... قدرَ ما تُريد افعل مظاهر.. على الأرض..، لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ، كُل سنة عمرة طبعاً فندق خمس نجوم وطائرات وولائم وطعام طيب.. سياحة هذهِ.. وجاهة وإنفاق أموال وحفلات وموالد، لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ، ونحنُ نُخاطب فيُقالُ لنا لستم على شيءٍ حتى تقيموا القرآن، تقيموا القرآن في بيوتِكم وفي أعمالِكم أنتم على شيء ولكم عِندَ اللهِ حق وطالِبوهُ بِهِ وقد أنشأَ لكم هذا الحق، أما إذا لم يُكن هناكَ تطبيق لسنا على شيء، في مظاهر ضخمة جداً، في مساجد مُكلِّفة ألف مليون دولار.. في مساجد.. زُرت مسجد في المغرب مُكلّف ألف مليون دولار، في جامعات إسلامية المِئذنة جامعة، المِئذنة وحدها جامعة ارتفاعها 200 متر أعلى مِئذنة في العالم، ممكن تُعقد مؤتمرات ضخمة، ممكن تؤلّف كُتب، موسوعات علمية، مثلاً برامج كمبيوترية إسلامية ألف كتاب في ( CD ) قرص ليزري واحد، برامج، مكتبات، ألقاب علمية، مؤتمرات، مساجد، حتى تُقيموا القرآن فإن لم نُقِم القرآن فلسنا على شيء هذهِ حقيقة مُرّة، بل إنَّ اللهَ عزّ وجل يقول:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (69)﴾

(سورة المائدة)

 في معنى ضمني إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى، يعني كُلُهم مثل بعض مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ من هؤلاءِ جميعاً وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، يعني أنتَ لا تنجو بانتمائك، تنجو إذا آمنتَ باللهِ حقاً وآمنتَ باليوم الآخِر وعَمِلتَ صالِحاً عندئِذٍ تنجو، فجوهرُ الدين أن تؤمِنَ إيماناً صحيحاً، وأن تؤمِنَ باليوم الآخِرِ إيماناً صحيحاً ثُمَّ عندئِذٍ تنجو، هذا أسلوب بالتربية رائع أن تُخاطِبَ أُناساً بموضوعاتٍ أُخرى لكنّها تنطَبِقُ عليهم، هذا اسمه الأسلوب غير المباشِر، الأسلوب غير المباشِر أسلوب بليغ جداً، إياكِ أعني واسمعي يا جارة، ويُخاطِبُ ربُنا المسلمين لكن يُذكرِهُم بأمراضِ أهلِ الكتاب وهي منطبِقةٌ عليهم أشدَّ الانطباق:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾

(سورة المائدة الآية 105)

عليكم اسم فعل أمر يعني الزموا أنفسكم، احرصوا على أنفسكم، يعني عرِفوها بالله، احملوها على طاعَته، لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ
 في معنى قلّما يخطُر على بالِكم، يعني أنتَ إن لَزِمتَ نفسَك وحَرِصتَ على هِدايَتِها وطاعَتِها عندئِذٍ لا يستطيعُ الضّال أن يَصِلَ إليك، فإذا وَصَلَ الضّالُ إلينا وأوقعَ بِنا الأذى وأَخَذَ أموالَنا وأذلّنا معنى ذلك أننا لم نعتني بأنفُسِنا، عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ، هذا المعنى قد لا يخطُر بِبالِ الناس، المعنى المُتبادل يعني أنتَ إذا كُنتَ في آخر الزمان وأصبحَ الناسُ في هرجٍ ومرج وكُذِبَ الصادق وأُؤتِمنَ الخائن وانغمس الناسُ في الشهوات وضلَّ الناسُ ضلالاً بعيداً عليكم أنفسَكُم، أنجو بنفسِكَ.
تقييمُ الأشخاصِ من شأنِ الله، لا تتورّط وتُقيّم شخص، اجعل السيّد المسيح عليه السلام قدوَتَكَ في هذا، قالَ تعالى:

﴿ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)﴾

(سورة المائدة)

 هذا ليسَ عملي تقييمُ الأشخاص من شأنِ اللهِ عزّ وجل، النبيُ الكريم سَمِعَ امرأة تقول: هنيئاً لكَ أبا السائب لقد أكرَمَكَ الله، لأنّهُ نبي وسكوتُهُ إقرار ردَّ عليها قالَ: ومن أدراكِ أنَّ اللهَ أكرَمَهُ، صحابيٌّ جليل لعلَّهُ ماتَ شهيداً تقولُ امرأة من خلف الستار: هنيئاً لكَ أبا السائب لقد أكرَمَكَ الله، قالَ: ومن أدراكِ أنَّ اللهَ أكرَمَهُ قولي أرجو اللهَ أن يُكرِمَه وأنا نبيٌ مُرسل لا أدري ما يُفعلُ بي ولا بِكم، فحينما تُقيّمُ إنساناً وحينما تُحدِدُ مصيرَهُ أنت وأنتَ عبدٌ ضعيف، أنتَ بِهذا تتألى على الله والتألي على الله سوءُ أدبٍ معَ الله، سيدنا عيسى يقول ( يا رب هذا ليسَ عملي ) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، لكن إياكُم أن تفهموا من هذا الكلام إذا وجدت واحد شارب خمر أن تقول: لعلَّ هذا يكون ولي، لا... لا هذهِ سحبة، هذا عاصي لكن لعلّهُ يتوب، أمّا وهوَ مُنغمس في المعصية تقول ولي عنهُ هذه أخطاء بالدين، المعصية معصية، شارب الخمر شارب خمر، الزاني زاني، آكل الرِبا أكل رِبا، لكن هذا الني تَظُنُهُ ميئوساً منهُ قد يتوب وقد يسبِقُكَ، فأنتَ لا تحكم على المستقبل بإمكانِكَ أن تحكم على الحاضر أما المستقبل لا تحكم عليه قُل أرجو اللهَ أن يتوبَ عليه، اللهمَّ اهديه فإن لم تهديه فعِظهُ، إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، هذا موقف فيهِ أدب، حتى في موضوع النساء ماذا قال سيدنا يوسف:

﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33)﴾

(سورة يوسف)

 معنى ذلك أنَّ إنسان إذا الله مكّنَهُ أن يَغُضَ بَصَرَهُ هذا من فضلِ الله عزّ وجل، فربنا إذا إنسان اعتد بنفسِهِ أنا قوي الإرادة وأعصابي متينة لا أسأل قد يُضعِّفُ الله لَهُ مقاومتَهُ فيقع وقوعاً مريراً.

والحمد لله رب العالمين