أحاديث رمضان 1423هـ - أدعية مأثورة - الدرس (26 - 30 ): اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة ……
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2002-12-01
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

الدعاء سلاح المؤمن :

 أيها الأخوة الكرام قال تعالى:

﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ ﴾

[سورة غافر]

 ماذا ينبغي أن يقال؟ عن دعائي، لكن الآية تقول:

﴿ عَنْ عِبَادَتِي ﴾

 فالدعاء هو العبادة، كأن العبادة لخصت بكلمة واحدة إنها الدعاء، أنت بالدعاء أقوى الناس، لأن معك القوي، فإذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان الله عليك فمن معك؟ كل مشاعر القهر والضعف واليأس والتطامن والاستخفاء هذه تنتهي بالدعاء لأنك مع القوي، ولاحظوا أنتم أضعف دولة في العالم إذا تبنتها أقوى دولة في العالم تغدو هذه الدولة الضعيفة جداً أقوى دولة، لا بقوة ذاتية، بل بقوة من تدعمها، لذلك الدعاء سلاح المؤمن، بالشرك يوجد مشاعر قهر، حقد، تشعر أن أمرك بيد عدو لا يحبك، ولا يرحمك، ويتمنى تدميرك، هذا شعور وحده مدمر، أما حينما تؤمن أن الله سبحانه وتعالى لن يسلمك لأحد، أمرك بيده، ولو أسلمك لغيره لما ينبغي أن تعبده وحده، طمأنك أن الأمر كله راجع إليه:

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾

[سورة هود الآية :123]

الشعور بالقوة ينتج من طاعة الله ومن ثقة المؤمن أن الله معه و لن يخذله :

 أنت بالدعاء أقوى إنسان، إلا أن الذي يحول بين الناس وبين الدعاء هو تقصيرهم في طاعة الله، هم في حجاب الخجل، لو أنهم أطاعوه لتوجهوا إليه بالدعاء وحده، ولاستجاب لهم!
 والله أيها الأخوة ما من واحد منكم وأنا معكم يدعو الله مخلصاً إلا رأى من آيات ربه، ليس في الكون إلا الله، آلاف القوى المخيفة بالكون، للبعد عن الله نقع في الشرك، نخاف زيداً ونخشى عبيداً، فلان يهددنا، ونحن في متاهة الخوف، أما إذا عبدت الله وحده الله عز وجل معك، فإذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان الله عليك فمن معك؟
 الشعور بالقوة ناتج من طاعة الله، ومن ثقة المؤمن أن الله لا يتخلى عنه أبداً، وأن الأمر بيد الله، مهما بدا لك من القوى:

﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ* فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ* إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

[سورة آل عمران]

الله عز وجل أقرب للإنسان من خواطره :

 أريد أن أقوي في الأخوة المستمعين شأن الدعاء، أنت بالدعاء أقوى إنسان، وتستطيع أن تدعو الله وأنت صامت.

﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً ﴾

[سورة مريم]

 الله عز وجل مطلع على قلبك، ما دمت معه مطيعاً له، مقبلاً عليه، مطبقاً لأمره، ليس بينك وبينه حجاب، اسأله كل شيء، اسأله ملح طعامك؟ أو شسع نعلك إذا انقطع! لأن الله سبحانه وتعالى يحب أن يرحم خلقه، بل إن بعض المصائب التي تنزل بالإنسان من أجل أن تدفعه إلى باب الله، ويسمع الله صوته.
 والله أيها الأخوة ما من أخ يضعني في مشكلة ليس لها حل إطلاقاً إلا و أقول له: هناك حل واحد أن تصلي قبل الفجر ركعتين، لأن الله عز وجل يقول:

(( إذا كان ثلث الليل الأخير نزل ربكم إلي السماء الدنيا فيقول: هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من طالب حاجة فأقضيها له؟ حتى يطلع الفجر))

[ أخرجه أحمد عن أبي هريرة]

 ينبغي أن تضع ثقتك بالله عز وجل، لأن الله عز وجل يقول:

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ﴾

[سورة البقرة]

 يحول بينك وبين قلبك، لا يوجد شيء أقرب لك من خواطرك، هو بينك وبين خواطرك، أنت صامت يخطر في بالك أن تذهب لحلب، لا يستطيع إنسان في الأرض أن يطلع على خواطرك، وأنت صامت! أنا أفكر أن أذهب لأنام، أو لأقرأ القرآن، من يستطيع أن يطلع على خواطرك؟

﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ﴾

[سورة الأنفال]

 هو بينك وبين خواطرك، يمكن أن تدعوه دعاء خفياً، يمكن أن تستجيره.

الدنيا تنتهي بالموت ولكن الآخرة إلى أبد الآبدين :

 الحقيقة أن النبي عليه الصلاة والسلام في أدعيته الشهيرة قال:

(( لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَةِ))

[صحيح البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

 كلما وقعت عينك على شيء جميل، على بيت منيف، على مركبة فارهة، على امرأة جميلة فغضضت عنها البصر، قل:

(( لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَةِ))

[صحيح البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

 هذه الدنيا تنتهي بالموت، ولكن الآخرة إلى أبد الآبدين، الله عز وجل يقول:

﴿ وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى *وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴾

[ سورة الضحى]

الأعمال الصالحة ثمن الآخرة :

 الآن مادام لا عيش إلا عيش الآخرة، ما ثمن هذه الآخرة؟ يقول عليه الصلاة والسلام:

(( لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها))

[متفق عليه عن أنس]

 أي أن تمشي مع أخ في حاجته، أن تخدم إنساناً، أن تلبي حاجة إنسان، أن تهتم بإنسان، أن تطعم جائعاً، أن تعين عاجزاً، أن ترعى يتيماً، أن ترعى أرملة:

(( لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها))

[متفق عليه عن أنس]

 أن تأتي إلى بيت من بيوت الله.

(( إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع))

[أخرجه أحمد وابن حبان والحاكم وصححه من حديث صفوان بن عسال ]

(( لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها))

[متفق عليه عن أنس]

 هذا الذي يبقى وما سوى ذلك يفنى، في حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام:

(( غدوة في سبيل الله أو روحة خير مما طلعت عليه الشمس))

[مسلم والنسائي عن أبي أيوب]

 لو تملك شركة، هناك شركات أرباحها تفوق ميزانيات دول مجتمعة، هناك شركة واحدة في اليابان أرباحها تساوي دخل أمة تعد خمسين مليوناً من الدخل القومي، شركة واحدة، فلو ملك إنسان مئات الشركات من هذه الأنواع قال:

(( غدوة في سبيل الله أو روحة خير مما طلعت عليه الشمس))

[مسلم والنسائي عن أبي أيوب]

الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق :

 الآن:

((ثلاثة لا ترى أعينهم النار: عين حرست في سبيل الله، وعين بكت من خشية الله، وعين كفت عن محارم الله ))

[رواه الطبراني عن معاوية بن حيدة]

 حديثنا عن الجنة، والآن حديثنا عن أسباب دخولها.

(( رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها))

[أخرجه الترمذي عن سهل بن سعد]

(( رباط شهر خير من صيام دهرٍ ))

[ الطبراني عن أبي الدرداء]

 أيها الأخوة: هذا الذي يجري في بلاد المسلمين من قتل وتدمير يقول عليه الصلاة والسلام:

(( مَنْ جَهّزَ غَازِياً في سَبِيلِ الله فقد غَزَا، وَمَنْ خَلَفَ غَازِياً في أهْلِهِ فَقَدْ غَزَا ))

[أخرجه الترمذي عن زيد بن خالد الجهني]

 أبواب الجنة مفتحة في الدنيا، الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق:

(( ما خالط قلب امرئ رهج - أي فزع وقلق - في سبيل الله إلا حرم الله عليه النار))

[ أخرجه أحمد في مسنده عن عائشة ]

(( من بلغ العدو بسهم رفع الله له درجة ما بين الدرجتين مائة عام))

[ أخرجه أحمد عن كعب بن مرة ]

(( مقام الرجل في الصف في سبيل الله أفضل عند الله من عبادة الرجل ستين سنة))

[رواه الحاكم عن عمران بن حصين ]

(( إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف ))

[أخرجه أحمد في مسنده ومسلم في صحيحه والترمذي عن أبي موسى ]

 قال عليه الصلاة والسلام:

((تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاداً في سبيلي وإيماناً بي وتصديقاً برسولي فهو ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلاً ما نال من أجر أو غنيمة))

[ البخاري عن أبي هريرة]

أبواب الجنة مفتحة على مصارعها في الدنيا :

 ذكرت لكم الجنة وما فيها من نعيم مقيم الآن هذه أثمان الجنة، يدفع ثمنها في الدنيا:

﴿ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾

[ سورة الحديد الآية: 13 ]

﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ ﴾

[ سورة الزمر الآية: 74 ]

 نعيمنا في الجنة بسبب أننا كنا في الأرض وفعلنا أعمالاً ترضي الله في الأرض.

(( وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْلاَ أَنْ يَشُقَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَا قَعَدْتُ خِلاَفَ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَبَدًا وَلَكِنْ لاَ أَجِدُ سَعَةً فَأَحْمِلَهُمْ وَلاَ يَجِدُونَ سَعَةً وَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي))

[رَوَاهُ مُسلِمٌ عن أبي هريرة]

 أيها الأخوة الكرام: هذه أثمان الجنة وأنت في البيت يمكن أن يكون هناك طريق إلى الجنة، إذا كنت أباً صالحاً، أو كنت زوجة صالحة، أو كنت ابنا باراً، أو كنت بنتاً بارة، أو كنت أخاً رؤوفاً بأختك، وأنت في البيت هناك طرائق إلى الجنة، وأنت في عملك، إذا أتقنت عملك، ونفعت المسلمين، وخففت عنهم من همومهم، ورحمتهم، وقويتهم، فهذا طريق إلى الجنة، إذا أديت عباداتك في المسجد، إذا طلبت العلم، إن تكلمت بالكلمة الصادقة، فهذا طريق إلى الجنة، أبواب الجنة مفتحة على مصارعها في الدنيا.
 أسأل الله سبحانه وتعالى أن يلهمنا سبل الجنةأ والنبي عليه الصلاة والسلام من أدعية: "اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليه من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل".

والحمد لله رب العالمين