خطبة الجمعة - الخطبة 0788 : الاختلاط.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2001-05-11
بسم الله الرحمن الرحيم

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسوله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته، ومن والاه، ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا مما يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الاختلاط :

 أيها الأخوة الكرام، موضوع هذه الخطبة سببه معاناة كثيرة من مشكلات لا تُعد ولا تُحصى، بحكم ما شرَّفني الله به من الدعوة إلى الله أطَّلع على أسئلة كثيرة سببها مشكلات تعاني منها الأسر، هذه المشكلات يمكن أن ترجع في معظمها إلى الاختلاط، فكم من زوج انصرف عن زوجته ومال إلى امرأة أخرى؟ وكم من امرأة مالت عن زوجها وانصرفت إلى رجل آخر؟ وكم من أطفال شُرِّدوا؟ وكم من بيوت هُدِّمت؟ وكم من فساد عريض؟ كله بسبب تجاوز أحكام الشرع في شأن الاختلاط.
 أيها الأخوة الكرام، الدعوة إلى الاختلاط بشكل صريح أو مبطن دعوة إلى تهديم المجتمع، لأن الله عز وجل جعل المرأة مساوية للرجل تماماً في التكليف والتشريف والمسؤولية، إلا أن للمرأة خصائص أكرمها الله بها لتكون محببةً إلى زوجها، كما أنّ للرجل خصائص أكرمه الله بها ليكون درعاً لزوجته، وحامياً لها، ومنفقاً عليها، هذا أصل التصميم الإلهي، المرأة مُصمَّمة زوجة ترعى زوجها وأولادها، والزوج مُصمَّم بإمكاناته العقلية والجسمية والاجتماعية ليكون قائداً لهذا المركب، حينما اختلطت الأوراق، وحينما تجاهلنا هذا الفرق الكبير، الذي يؤكده قوله تعالى:

﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾

[ سورة آل عمران: 36 ]

 حينما اختلط الحابل بالنابل، وحينما اختلطت أوراق المجتمع، هذا الاختلاط أفرز فساداً لا حدود له، والإسلام ليس مسؤولاً عن مشكلات لا تعد ولا تحصى، تتفجر من تجاوز حدوده.

آثار الاختلاط التي لا تعد و لا تحصى :

 أيها الأخوة الكرام، من أراد أن يعرف عن كسب ما جناه الاختلاط من المفاسد التي لا تعد ولا تحصى، فلينظر إلى تلك المجتمعات البعيدة عنا، التي وقعت في هذا البلاء العظيم، ونحن على طريقهم سائرون، فلينظر إلى تلك المجتمعات التي وقعت في هذا البلاء العظيم اختياراً أو اضطراراً، فلينظر بإنصاف من نفسه وتجرد للحق وأهله، يجد التفلت والاضطراب وتفكك الأسر، وهذا كله ثمارّ حتميةّ لهذه المخالفة الكبيرة في شرعنا.
 أيها الأخوة الأكارم، يقول الله عز وجل:

﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾

[ سورة الروم: 41 ]

 وهذه الباء تعرب في هذا الموطن باء السبب، هي حرف جر ولكن بمعنى السبب، أي بسبب ما جنته أيدي الناس، قال تعالى:

﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا ﴾

[ سورة الروم: 41 ]

 فالمعصية لها آثار اجتماعية مدمرة، من حكمة الله ومن رحمته أنه جعل لهذه المعصية آثاراً، لولا هذه الآثار لاستمرأ الناس المعاصي، ولما تابوا من معاصيهم، قال تعالى:

﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[ سورة الروم: 41 ]

 فتفكك الأسر، وتشرد الأولاد، ومقدمات الخيانات الزوجية، هذا كله من آثار الاختلاط، والله الذي لا إله إلا هو إن مئات الحالات التي اطَّلعت عليها بحكم عملي في الدعوة، خيانة زوجية سببها الاختلاط، انصراف الزوج عن زوجته إلى عشيقة سببها الاختلاط، وهذا يقع بين الأقارب، بين من يدخلون عليك البيت، فكأن الإسلام فصل عن الحياة، الإسلام عبادات نؤديها أما حياتنا فنعيشها كما نهواها، حينما دخلت على حياتنا الأنماط الغربية، في الاختلاط، وفي التفلت، وفي التكشف، وفيما يجري بين الناس الآن دفعنا الثمن باهظاً، نحن معنا دين أيها الأخوة، معنا وحي السماء، معنا منهج الله، معنا كتاب الله، معنا سنة رسول الله، لا ينبغي أن نحيد عنها إلى شيء يفسد حياتنا.

مهمة الشيطان تزيين الحرام للناس :

 أولاً: أيها الأخوة، كتقريب للموضوع، لو قلنا لطيار يقود طائرة وسلامة خمسمئة راكب في رقبته: دعك من هذه الغرفة الضيقة واخرج، دع هذه الغرفة، هنا مكان قيادته، وبقاؤه وراء مقود الطائرة، ومراقبته لأجهزة الطائرة ضمان لسلامة الركاب، فالمرأة صُممِّت لتكون أمًّا، بل إن الذي يلفت النظر أنَّ المرأة في الإسلام لها قُدسية، بحيث لو مات زوجها مدافعاً عنها مات شهيداً، ولو مات أخوها دفاعاً عنها مات شهيداً، ولو مات ابنها دفاعاً عنها مات شهيداً.
 أيها الأخوة الكرام، أرأيتم إلى هذه المكانة العَلِيَّة؟ أنَّ الرجل زوجاً كان، أو أباً، أو ابناً، أو أخاً، إذا قُتل وهو يدافع عن زوجته، أو أمه، أو أخته، أو ابنته يموت في سبيل الله، فكيف أصبحت أعراض المسلمين كلأً مشاعاً بين الناس؟ كيف أن المرأة خرجت مُتفلتة؟ كيف أن هذه العلاقات وتلك المناسبات وهذه الحفلات كلها اختلاط؟ وكل عين رجل على امرأة، وكل عين امرأة على رجل، وكل امرأة بحكم وسوسة الشيطان تستلطف غير زوجها، وكل زوج يستلطف غير زوجته، مهمة الشيطان الأولى أن يُزَيِّن لك الحرام، أن يُبعدك عن الحلال، يُبَغِّض لك زوجتك، وأن يُحبب لك نساء الآخرين، هذه مهمة الشيطان.
أيها الأخوة الكرام، المرأة التي سمع الله شكواها من فوق سبع سموات، قال تعالى:

﴿ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾

[ سورة المجادلة: 1 ]

 جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: يا رسول الله إن زوجي تزوجني وأنا شابة، ذات أهل، ومال، وجمال، فلما كبرت سني، ونثرت بطني، وتفرق أهلي، وذهب مالي، قال: أنت عليّ كظهر أمي، ولي منه أولاد إن تركتهم إليه ضاعوا- أنا أُربِّيهم- وإن ضممتهم إليّ جاعوا، هو ينفق عليهم.
 أرأيتم إلى هذين الدورين المتكاملين؟ أنا أُرَبِّي، أنا أُخَرِّج أبطالاً، أنا أصنع رجالاً، أنا أقدم للوطن عناصر مفيدة ومنضبطة وصادقة وأمينة، وهو ينفق علينا، أما حينما تركت المرأة بيتها واختلطت مع الرجال فقدت أنوثتها، وفقد الرجل رجولته، ومن علامات قيام الساعة أن النخوة تُنزَع من رؤوس الرجال، وأن الحياء يذهب من وجوه النساء، الله عز وجل يقول:

﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾

[ سورة النساء: 34 ]

 أنت مُفَضَّل بخصائص هي لك مِيزات ولزوجتك نقائص، وهي مُفَضَّلة عنك بخصائص هي لها ميزات ولك نقائص.

المهمة الخطيرة التي أُنيطت بها المرأة :

 أيها الأخوة الكرام، قال تعالى:

﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً * وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً ﴾

[ سورة الأحزاب : 33-34]

 ما معنى قوله تعالى: وقرن في بيوتكن، أي أنتن تقمن بأخطر مهمة في الحياة، تربية الأولاد:

الأم مدرسة إذا أعددتـــها  أعددت شعباً طيب الأعراق
***

 الأم التي تُرَبي أولادها تُقدم أكبر خدمة للمجتمع، تُربيهم على الصدق والأمانة والعفة والاستقامة، وترعى أجسامهم ومصالحهم وعقولهم ودراستهم وحاجاتهم.
 يا أيها الأخوة، هل من عمل في الإسلام أفضل من الجهاد؟ إنه ذروة سنام الإسلام، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِغَزْوٍ مَاتَ عَلَى شُعْبَةِ نِفَاقٍ ))

[ مسلم عن أبي هريرة]

 كيف يقول النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح:

(( انصرفي أيتها المرأة، وأعلمي من وراءك من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها وطلبها مرضاته واتباعها موافقته يعدل ذلك كله - أي يعدل الجهاد في سبيل الله -))

[ابن عساكر وأخرجه البيهقى في شعب الإيمان عن أسماء بنت يزيد الأنصارية]

 أية امرأة تقرأ هذا الحديث فتُعظِّمه وتعمل به؟ ولو عملت نساء المسلمين بهذا الحديث لَكُنَّ بحال غير هذا الحال.
 أيها الأخوة الكرام، لا شك أنك إذا أمرت طالباً مجتهداً متفوقاً أن يجتهد، فلأن يكون هذا الأمر موجَّهاً إلى مُقصِّر من باب أولى، فإذا أُمرت نساء النبي وزوجاته وبناته أن يقررن في بيوتهن، وهنَّ على ما هُنَّ عليه من رِفعة المقام، وعلو الشأن، وطهارة النفس، فلأن يكون هذا الأمر مُوجَّهاً إلى عامة نساء المؤمنين من باب أولى، لكن في الآية مُلْمحاً لطيفاً، وهو أنّ هذه المرأة حينما تَقَرُّ في بيتها، وتعتني بأولادها وتربيهم، وترعى زوجها، قال:

﴿ وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾

[ سورة الأحزاب: 34 ]

 أي حينما تشغل نفسها بالعلم الشرعي، بمعرفة الله وكتابه، بمعرفة سُنَّة رسول الله، هذه المهمة الخطيرة التي أُنيطت بها تتناسب مع هذه المعرفة، أما حينما تقبع في بيتها لتُطالع كل قصة سخيفة، أو كل مشهد مؤثِّر لا يعني إلا التفلت من منهج الله، حينما تتغذى بما يرسله إليها أعداء المسلمين من برامج ومن مسلسلات، طبعاً هذه التغذية لا تسمح لها أن تقبع بالبيت، لأنها غُذِّيت أن تخرج من البيت، وغُذِّيت أن تكون ندَّاً للرجل، وغُذِّيت أن تقتحم مجتمع الرجال، وغُذِّيت أن تسترجل، وتكون بعيدة عن الأنوثة المُحببة، دققوا أيها الأخوة في قوله تعالى في قصة سيدنا شعيب:

﴿ فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾

[ سورة القصص: 25 ]

 ما الذي يلفت نظر الرجل للمرأة؟ حياؤها، وما الذي يلفت نظر المرأة للرجل؟ قوته، قالت:

﴿ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾

[ سورة القصص:26 ]

 الذي يلفت نظر المرأة في الرجل قوته وأمانته، لا تخنُثه وتكَسُّر كلامه، والذي يلفت نظر الرجل في المرأة حياؤها، لا وقاحتها، ولا استرجالها، ولا بعدها عن أنوثتها.

الحجاب عبادة خاصة بالمرأة :

 أيها الأخوة الكرام، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾

[ سورة الأحزاب: 59 ]

 أي حينما تتحجب المرأة تؤكد بحجابها أنها مسلمة وأنها مؤمنة وهذا أدنى ما يُعَرِّف بها لا أقصى ما يُعَرِّف بها، أي حينما ترى طالباً يرتدي زي الفتوة هذه الثياب تُشعر أنه طالب ثانوي، وقد يكون مطروداً من كل المدارس، وقد يكون كسولاً، وقد نال درجات الصفر في كل المواد، لكن هذه الثياب التي يرتديها مُشعِر بدائي، أقل ما يُشعر أنه طالب علم، وهذا الحجاب الذي ترتديه المرأة هو أبسط ما يُشعر أنها مؤمنة، بل إن بعض النساء يا أيها الأخوة الكرام يشتَكِين أن الرجال لهم عبادات خاصة، لهم الجهاد، لهم حضور الجُمَع والجماعات، وغاب عن المرأة أنّ لها عبادة مستقلة بذاتها، إن لها عبادة تُميزها عن الرجل، ما هذه العبادة؟ إنها عبادة إعفاف الشباب بحجابها، لأن الرجل قد يرتدي ثياباً خفيفة في الصيف، ويستعمل حريته في ارتداء الثياب، لكنّ المرأة المسلمة وإن كان الحرُّ شديداً لا يُتيح لها دينها أن تخفف من ثيابها، لذلك هي مأمورة أن ترتدي الثياب السابغة، والثياب الثخينة لئلا تُشِفّ عن لون جلدها، ولا عن حجم أعضائها، إنها بهذا تتخلى عن بعض حريتها في سبيل طاعة ربها، إنها عبادة المرأة، عبادة خاصة بالمرأة.
 أيها الأخوة الكرام، إن الله عز وجل يقول:

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ ﴾

[ سورة النور: 30 ]

 هذا الذي يقوله الله عز وجل أطهر لكم أيها المؤمنون حينما تغضوا أبصاركم، وأطهر لكنّ أيتها المؤمنات حينما تغضضن أبصاركن.

تحريم الإسلام جميع الوسائل والذرائع الموصلة إلى الأمور المُحرَّمة :

 أيها الأخوة الكرام، الإسلام في حقيقته حرَّم جميع الوسائل والذرائع الموصلة إلى الأمور المُحرَّمة، حرَّم على المرأة المسلمة الملتزمة أن تخضع بالقول للرجال، قال تعالى:

﴿ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾

[ سورة الأحزاب: 32 ]

 كلام فيه تكسُّر، فيه مُلاينة، حينما تشتري المرأة من البائع قد تُلين له القول، وقد تتكسر في حركتها، وقد تخضع بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض، وقال:

﴿ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾

[ سورة الأحزاب: 32 ]

 قال سيدنا موسى: ما خطبك؟ فأجابت:

﴿ لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾

[ سورة القصص: 23 ]

 حينما دعته إلى تناول الطعام عند أبيها ماذا قالت؟ لم تقل له: إن أبي يدعوك وسكتت، لماذا؟ ما المناسبة؟ عندها سيصير هناك حوار، وإنما قالت:

﴿ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾

[ سورة القصص: 25 ]

 كلام لا يحتمل الرد ولا المناقشة ولا الحوار، ماذا قال سيدنا موسى لهما؟ قال:

﴿ مَا خَطْبُكُمَا﴾

[ سورة القصص: 23 ]

 مع أنّ هناك كلاماً آخر يُقال فيه مُلاينة، فيه تطويل، فيه تشقيق:

﴿ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴾

[ سورة القصص: 23 ]

 هكذا تتحدث المرأة مع الرجال بكلام مقتضب، بكلام لا يحتمل التأويل، بكلام لا يحتمل السؤال والجواب والحوار، بكلام موجز، بنبرة جادة، لكن حينما ترقق له الكلام يرقق لها الكلام، حينما تُظهر مفاتنه يُثنون على مفاتنها ومن هنا تبدأ المشكلة، لذلك أيها الأخوة هناك في الإسلام توجيه رائع، أي أحياناً بعض المعاصي لها قوة جذب، فمثل هذه المعاصي أنت لست مكلفاً أن تبتعد عنها، أنت مكلف أن تبتعد عن أسبابها، وهذا معنى قوله تعالى:

﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾

[ سورة الإسراء: 32 ]

 لو أنّ هناك تيار توتر عال، وأردت أن تُحذِّر الناس منه، ولهذا التيار منطقة تزيد عن ثمانية أمتار لو دخله إنسان لجذبه التيار، هناك قوة جذب، أنت إن أعلنت عن خطر هذا التيار تقول: على السادة المواطنين ألا يمسوا هذا التيار أم ألا يقتربوا من هذا التيار؟ وهذا معنى قوله تعالى:

﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾

[ سورة البقرة: 187 ]

 الفاحشة لها مقدمات، المسلمون منهيون عن مقدماتها، عن الاختلاط، عن صحبة الأراذل، عن التنزه في الطرقات، عن الحديث عن النساء، عن إطلاق النظر، عن قراءة الأدب المكشوف، عن متابعة المسلسلات الفاضحة، هذا كله منهي عنه المؤمن، لذلك هو يبتعد عن أسباب الفاحشة، وكأنه في حصن حصين، وقد قال بعض العلماء: إن الله سمى مكث المرأة في بيتها قرارة، قال تعالى:

﴿وَقَرْنَ﴾

[ سورة الأحزاب : 33]

 أي المرأة تستقر في بيتها، ترتاح نفسها، تسكن روحها، تطمئن، أما إذا خرجت هناك من يُسمعها كلمة، هناك من تنظر إليه فتُعجب به، هناك مشكلات فالأصل أن تَقرَّ في البيت، وتخرج عند الضرورة دون أن تُظهر من مفاتنها شيئاً، لذلك نهى الإسلام عن الخضوع بالقول، وأمر بغض البصر، ونهى عن الخلوة بالمرأة الأجنبية على الإطلاق إلا مع ذي مَحرم، ونهى عن السفر مع المرأة الأجنبية أيضاً: قالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( .... وَلَا تُسَافِرَنَّ امْرَأَةٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ ....))

[متفق عليه عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ]

 كل هذا رداً لذريعة الفساد وإغلاقاً لباب الإثم، أساساً في الأمن الجنائي عندهم قاعدة ذهبية: أن في كل جريمة فتش عن المرأة، وأنا أُعدِّل هذه المقولة: وفي كل مشكلة في العالَم فتش عن المعصية.

ما من مشكلة على وجه الأرض إلا بسبب خروج عن منهج الله :

 ما من مشكلة على وجه الأرض إلا بسبب خروج عن منهج الله، وما من خروج عن منهج الله إلا بسبب الجهل، والجهل أعدى أعداء الإنسان، والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به، صدقوني أيها الأخوة مع أنها قصة طريفة قبل سبعة وعشرين عاماً في هذا المسجد في بدايات خُطَبي خرجت إلى صحن المسجد، فإذا رجل يبكي قال لي: عندي مشكلة كبيرة، قلت له: ما هي؟ قال لي: زوجتي تخونني ولي منها خمسة أولاد، قلت: مع مَنْ؟ قال: مع جاري، قلت له: كيف عرفت جارك؟ قال لي: والله مرة زارنا في البيت ليسهر عندي، وأردت لها ألا تجلس وحدها فقلت لها: يا أم فلان تعالي اجلسي معنا هذا مثل أخيك، وكان هذا سبب الخيانة الزوجية، والله هناك آلاف القصص، صدقوني إني سمعت قصصاً في هذا العمر في الدعوة بالآلاف، كل هذه القصص والفجائع والطلاق والتشريد نتيجة الاختلاط، شيء خطير جداً لأن الله ركَّب في الإنسان حبَّ النساء قال تعالى:

﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾

[ سورة آل عمران: 14 ]

 هذا تزيين الله، الشيطان له تزيين آخر، الشيطان يُزيِّن امرأة الجار، امرأة الصديق، يُزيِّن المرأة الأجنبية، يُريها للرجل ملكة جمال ولا يُري زوجته له كذلك، لذلك حينما ينساق الإنسان مع وساوس الشيطان يقع في شر عمله، ما اخترتُ هذا الموضوع والله عبثاً مع أنني ذكرته كثيراً، الله عز وجل في القرآن الكريم ذكر بعض القصص سبع عشرة مرة، لأنه موضوع خطير، كلما يأتيني اتصال هاتفي تُعرض فيه مشكلة أعرف أن سببها الاختلاط إما من الزوجة الشاردة أو من الزوج الشارد، والثمن الأطفال هم من يدفعون الثمن باهظاً، يجب أن تبقى عند حدود الشرع، فعَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ ))

[متفق عليه عَنْ أسامة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ]

 ويقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه مسلم عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((اتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ ))

[متفق عليه عَنْ أسامة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ]

اعتراف رجال الغرب بمضار الاختلاط :

 أنا مضطر أن أذكر لكم بعض هذه النصوص، لا لأنها مُعتَمَدة عندي إطلاقاً لكن العجيب أنّ الناس كل شيء يأتيهم من الغرب يُعجبون به، أما إن جاءهم من دينهم فيتأففون، تزَمُّت، دعونا نكن أحراراً، هذا لا ينطبق على خاصة المؤمنين الواعين المتفهمين، لكن ينطبق على عامة المسلمين، كاتبة بريطانية اسمها اللادي كوك تقول: "إن الاختلاط يألفه الرجال، ولذلك طمعت المرأة فيما يخالف فطرتها، وعلى قدر كثرة الاختلاط يكون كثرة أولاد الزنى، وها هنا البلاء العظيم على المرأة"... إلى أن قالت: "علموهن الابتعاد عن الرجال، أخبروهن بعاقبة الكيل الكامن لهنَّ بالمرصاد".
 أي إذا كنت أيها الرجل ممن يُعجب بالأجانب فهذا هو رأي الأجانب المُتفهمين، يقول شهوبنهور الألماني: "قل هو الخلل العظيم في ترتيب أحوالنا الذي دعا المرأة لمشاركة الرجل في علوِّ مجده وباذخ رفعته، وسهَّل لها التعالي في مطامعها الدنيئة حتى أفسدت المدنية الحديثة بقوى سلطانها ودنيء آرائها".
 تذهب إلى بلاد الغرب ترى كل شيء جميل ومنظم، لكنّ الفساد العريض لا يُحتَمل، اللورد بيرون يقول: " لو تفكرت أيها المُطالِع فيما كانت عليه المرأة في عهد قدماء اليونان لوجدتها في حالة طبيعية، لكن ينبغي أن تشتغل المرأة بأعمالها التي أُنيطت بها، وأن تحتجب عن الاختلاط بالغير".
ألكسي كاريل في كتابه " الإنسان ذلك المجهول " يقول: " أفضل نظام أن يَقصُرَ الرجل طَرْفَه على زوجة واحدة".
 عالِم آخر بريطاني يقول: " إن النظام الذي يقتضي بتشغيل المرأة في المعامل مهما نشأ عنه من الثروة للبلاد فإن نتيجته كانت هادمة لبناء الحياة المنزلية لأنه حطم هيكل المنزل، وقوَّض أركان الأسرة، ومزّق الروابط الاجتماعية، فإنه يسلب الزوجة من زوجها، والأولاد من أقاربهم، إنه تسفيل لأخلاق المرأة، إن وظيفة المرأة الحقيقية هي رعاية زوجها وأولادها".
 وقال دكتور آخر: " إنّ سبب الأزمات العائلية في أمريكا، وسرّ كثرة الجرائم في المجتمع هو أن الزوجة تركت بيتها لتضاعف دخل الأُسرة فزاد الدخل وانخفض مستوى الأخلاق"، ثم قال:" إن التجارب أثبتت أن عودة المرأة إلى البيت هو الطريقة الوحيدة لإنقاذ الجيل الجديد من التدهور الذي يسير فيه الإنسان".
 أنا لا آتيكم بهذه النصوص من علماء كبار أجانب لأنني معجب بهم، نحن معنا كتاب وسُنَّة لكنَّ هؤلاء الذين يرون الغرب حياة راقية جداً الغرب نفسه يئنُّ من هذا.
 أحد أعضاء الكونغرس يقول: "إن المرأة تستطيع أن تخدم الدولة حقاً إذا بقيت في البيت الذي هو كيان الأسرة".
 عضو آخر يقول: "إن الله عندما منح المرأة ميزة إنجاب الأولاد لم يطلب منها أن تتركهم لتعمل في الخارج، بل جعل مهمتها البقاء في المنزل لرعاية هؤلاء الأطفال".
 هؤلاء الطرف الآخر الذين يُعجب بهم بعض الناس، يقول شهوبنهور الألماني: " اتركوا للمرأة حريتها المطلقة كاملة بدون رقيب ثم قابلوني بعد عام لتروا النتيجة، ولا تنسوا أنكم سَتَرْثُون معي الفضيلة والعِفة والأدب".
 أيها الأخوة الكرام، يمكن أن نلخص هذا: إن استقرار المرأة في بيتها والقيام بما يجب عليها من تدبيره بعد القيام بأمور دينها هو الأمر الذي يناسب طبيعتها وفطرتها وكيانها، وفيه صلاحها، وصلاح المجتمع، وصلاح الناشئة، فإن كان عندها فضل ففي الإمكان أن تعمل عملاً يناسب أنوثتها وشرعها، يمكن أن تعلم الصغار، يمكن أن تعمل عملاً يتناسب مع أنوثتها ومع طبيعتها ومع منهج الله عز وجل في وقت فراغها.

الاختلاط يميت الغيرة :

 أيها الأخوة الكرام، كاتب آخر يرى أن الاختلاط يوَلِّد موت الغيرة، هذه الغيرة التي صرَّح بها سيدنا سعد فعجب الصحابة من غَيْرَته، قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ:

((لَوْ رَأَيْتُ رَجُلاً مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ، وَاللَّهِ لأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي، وَمِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللَّهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ))

[متفق عليه عَنْ سعد بن عبادة ]

 الاختلاط يُميت الغيرة، تجد رجلاً إلى جانبه زوجته بأبهى زينة، مرتاح تماماً، يجلس معها على الشُرفة وهي بثياب فاحشة وتجده مرتاحاً، أين غَيرَتُه؟

لوازم الاختلاط :

 أيها الأخوة، من لوازم الاختلاط المُصافحة حيث يُسَلِّم الرجال على النساء ويتصافحون ويتراحبون. قَالَتْ عَائِشَةُ:

((وَاللَّهِ مَا مَسَّتْ كَفُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَفَّ امْرَأَةٍ قَطُّ وَكَانَ يَقُولُ لَهُنَّ إِذَا أَخَذَ عَلَيْهِنَّ: قَدْ بَايَعْتُكُنَّ كَلامًا ))

[متفق عليه عَنْ عائشة]

 وعندما جاءت الصحابيات يُسلِّمْن على النبي صلى الله عليه وسلم فقلن له: ابسط يدك نبايعك يا رسول الله، قال: إني لا أصافح النساء. هذا حكم شرعي، وهو المعصوم المؤيد بالوحي، ماذا في الاختلاط؟ النظر المُحرَّم إلى الوجوه والأجساد وغير ذلك، والله عز وجل يقول:

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾

[ سورة النور: 30 ]

 قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا ))

[ مسلم الترمذي أبو داود النسائي ابن ماجة أحمد الدارمي عن أبي هريرة ]

 وكان عليه الصلاة والسلام يفصل بينهما بصفوف الصبيان، ثم إنّ الاختلاط في البيوت، تتزاور العوائل فيما بينها، الأقرباء والجيران والأصدقاء والأحبة والمعارف، هذا ابن عمه، وهذا ابن خالته، وهذا ابن ابن عمته، وهذا عديله، وتلك العائلة جارته، هذا الاختلاط يسبب متاعب نفسية وجسمية واجتماعية وهي خطيرة على المجتمع.
 أيها الأخوة الكرام، لو قرأت النصوص القرآنية المتعلقة بالمرأة والأحاديث النبوية المتعلقة بالمرأة لاستنبطت منها جميعاً أنّ الاختلاط مُحرَّم تحريماً قطعياً، وأنه لا بد من أن تحقق الأسرة وظيفتها المُثلى في الإسلام عن طريق حفظ المرأة من أن تختلط بالرجال، قد يقول قائل: إن هذا أخي، ابن عمي، قد يقول قائل: ماذا نفعل بهذه العلاقات الحميمة؟ إن الخطر يأتي منها، يقول رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ؟ قَالَ: الْحَمْوُ الْمَوْتُ ))

[متفق عليه عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ]

 من هو الحمو؟ هو القريب، هو أخ الرجل، ابن عمه، ابن عمته، ابن خاله، ابن خالته، نسيبه وهكذا...
 أيها الأخوة الكرام، هذا هو الحق، لكن قد يبدو الحق غريباً لأن الناس في معظمهم تحللوا منه، وحينما يضيع الحق لا يُلغى، الحق حق، والباطل باطل، وما أَلِفه الناس من ولائم مختلطة، ومن لقاءات مختلطة، ومن حفلات مختلطة، هذا كله خلاف الشرع، ويدفعون الثمن باهظاً، والمشكلات التي تتفجر في الأسر لا تعد ولا تحصى، كلها بسبب هذا الاختلاط.
 أيها الأخوة الكرام حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن تُوزن عليكم، واعلموا أنّ ملَك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيِّسُ من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

تحليل الأجانب فساد مجتمعهم و معرفة أسباب هذا الفساد :

 أنقل لكم أيها الأخوة شيء جديد، رئيس أمريكي سابق صرَّح في عام 1962 بأن مستقبل أمريكا في خطر، بأن شبابها مائع، منحل، غارق في الشهوات، لا يقدِّر المسؤولية المُلقاة على عاتقه، وأن من بين كل سبعة شبان يتقدمون للتجنيد يوجد ستة منهم غير صالحين، لأن الشهوات التي أُغرقوا فيها أفسدت لياقتهم الطبية والنفسية، ونتيجة الاختلاط الكائن بين الطلاب والطالبات في المدارس والجامعات، وذكرت صحيفة لبنانية أن الطالبة في المدرسة والجامعة لا تفكر إلا بعواطفها، والوسائل التي تتجاوب مع هذه العاطفة، وإن أكثر من ستين في المئة من الطالبات سقطن في الامتحان وتعود أسباب الفشل إلى أنهن يفكرن في الجنس أكثر من دروسهن وحتى مستقبلهن، ويقول أليكسي كاريل مقولة رائعة جداً يقول: " عندما تتحرك الغريزة الجنسية لدى الإنسان تفرز نوعاً من المادة التي تتسرب من الدم إلى دماغه فتخدره فلا يعود قادراً على التفكير الصافي".
 هذا الاختلاط، وهذا التفلت، وكل شيء فيه امرأة، وكل بضاعة مزينة بامرأة شبه عارية، وكل الإعلانات عن طريق المرأة، هذا ماذا يفعل بالإنسان؟ يفعل إثارة مستمرة، وقد تحدثت من قبل عن بحث أجراه بعض العلماء في بلد عربي مضى عليه أعوام طويلة كيف أنّ الإنسان حينما يُثار بمنظر امرأة مُتفلتة يجري في دمه هرمون الجنس، وهذا الهرمون إذا جرى بشكل مستمر سَبَّب آفات كبيرة جداً تزيد عن عشرين آفة، فكل ما يجري في عالَم التفلت مخالف لمنهج الله عز وجل قال: دعاة الاختلاط لا تسوقهم عقولهم إنما تسوقهم شهواتهم، هناك تقرير آخر عن جرائم الأحداث يقول: إن من أهم أسبابها الاختلاط بين الشباب من الجنسين بصورة كبيرة، وتقرر الحكمة العلمية والعملية للحديث الشريف، مما يُعدُّ إطاراً منهجياً في تحديد مجالات العلاقات الاجتماعية، وإنّ الاختلاط من أعظم آثاره تلاشي الحياء الذي يُعتبر سياجاً لصيانة وعصمة المرأة بوجه خاص، ويؤدي إلى انحرافات سلوكية تُبيح تقليد الغير تحت شعار الحضارة والتحرر، وقد ثبت من خلال فحص كثير من الجرائم الخُلُقية أنّ الاختلاط المُباح هو المسؤول عنها جميعها، وماذا يقول أنصار الاختلاط عن فضائح لا تُعد ولا تُحصى تجري بين من يختلطون وبين من يختَلُون بامرأة مُحرَّمة لا يحل لهم أن يلتقوا بها؟
 أيها الأخوة: هذا كله لأول مرة ولآخر مرة آتيكم به من هؤلاء الأجانب الذين يُعجب الناس بهم، هذا موقفهم من الاختلاط، وهم حلَّلوا فساد مجتمعهم فأرجعوه إلى الاختلاط، ونحن على دربهم سائرون، معنا منهج، ومعنا كتاب وسُنَّة، ومعنا وحي الله عز وجل.

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقِنا واصرف عنا شرّ ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذِلُّ من واليت، ولا يعزُّ من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرِمنا ولا تُهِنا، آثرنا ولا تُؤثر علينا، أرضِنا وارضَ عنا، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تُؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سِترك، ولا تُنسِنا ذكرك يا رب العالمين، اللهم صُن وجوهنا باليسار، ولا تبذرها بالإقتار فنسأل شر خلقك، ونُبتلى بحمد من أعطى، وذم من منع، وأنت من فوقهم وليُّ العطاء، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء، اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين، اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تُحب، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب، اللهم إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك، ومن الخوف إلا منك، ومن الذّل إلا لك، نعوذ بك من عُضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء، مولانا رب العالمين، اللهم بفضلك وبرحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وأذل الشِرك والمشركين يا رب العالمين، خذ بيد ولاة المسلمين إلى ما تحب وترضى إنك على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير.

والحمد لله رب العالمين