العقيدة - حقائق الإيمان والإعجاز - الدرس (09-30) : لماذا يخاف الإنسان -4- العلاقة بين العلم والخوف - الحمام الزاجل
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2008-12-21
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

العلاقة بين العلم و الخوف علاقة طردية:

 أيها الأخوة الكرام، مع الدرس التاسع من دروس حقائق الإيمان والإعجاز العلمي، لازلنا في موضوع الخوف، ولكن لابدّ من مقدمة، لماذا يخاف الطبيب أن يأكل الفاكهة من دون أن تغسل ؟ لأنه عالم، يعلم أخطار التلوث وانتقال الأوبئة والأمراض، فكلما ازداد العلم ازداد الخوف، والعلم والخوف العلاقة بينهما علاقة طردية، إذا زاد الخوف معنى ذلك هناك علم، إذا زاد العلم معنى ذلك زاد الخوف، فأنت تخاف الله إذا عرفته، هذه الحقيقة الأولى، ورأس الحكمة مخافة الله.

أنواع الخوف:

1 ـ أن تخاف أن لا تكون لله معظماً:

 الآن الخوف أنواع منوعة أحد أنواع الخوف أن تخاف أن لا تكون لله معظماً، إبليس آمن به لكن ما عظمه والدليل:

﴿ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ(30)ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ(31)ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ(32)إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ(33) ﴾

( سورة الحاقة )

 إبليس آمن بالله لكن ما آمن به عظيماً، فهنا الخوف متعلق أن تؤمن بالله العظيم، والآية:

﴿ مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا(13) ﴾

(سورة نوح)

 مالكم لا تعظمونه:

﴿ وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا(14) ﴾

(سورة نوح)

 في الأثر القدسي:

(( يا رب، أي عبادك أحبّ إليك حتى أحبه بحبك ؟ فقال: أحبّ عبادي إليّ تقي القلب، نقي اليدين، لا يمشي إلى أحد بسوء، أحبني، وأحبّ من أحبني، وحببني إلى خلقي، قال: يا رب إنك تعلم أني أحبك وأحبّ من يحبك، فكيف أحببك إلى خلقك ؟ قال: ذكرهم بآلائي، ونعمائي، وبلائي))

[من الدر المنثور عن ابن عباس ]

 أي ذكرهم بآلائي كي يعظموني، وذكرهم بنعمائي كي يحبوني، وذكرهم ببلائي كي يخافوني.

الإيمان الذي لا ينتج عنه استقامة إيمان إبليسي لا قيمة له إطلاقاً:

 إذاً قلب المؤمن يحتاج إلى تعظيم لله:

﴿ مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا(13) ﴾

(سورة نوح)

 فالذي يعصي الله لا يراه عظيماً، الهّ خلق السماوات والأرض:

﴿ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ﴾

( سورة الأعراف الآية: 12 )

﴿ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(82) ﴾

(سورة ص )

﴿ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾

( سورة الأعراف )

 هذا الإيمان الذي لا ينتج عنه استقامة هو إيمان إبليسي لا قيمة له إطلاقاً.

تعظيم الله عز وجل يكون من خلال التفكر في خلق السماوات والأرض:

 لذلك الخوف من ألا تكون لله معظماً، وتعظيم الله عز وجل يكون في التفكر في خلق السماوات والأرض، وهناك دليل قوي:

﴿ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾

( سورة الحج )

 كيف أقدره حق قدره ؟

﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ﴾

( سورة الزمر الآية: 67 )

 يعني التفكر في خلق السماوات والأرض طريق لتعظيم الله.

طاعة الله عز وجل من لوازم تعظيم الله تعالى:

 تعظيم الله من لوازمه طاعة الله عز وجل، هذا نوع من أنواع الخوف، أن تخاف ألا يكون الله عندك عظيماً:

﴿ مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا(13)وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا(14) ﴾

(سورة نوح)

 أحياناً الابن العاق ألا يرى أباه ؟ يراه، ألا يسمع صوته ؟ يسمع صوته، لكن لا يعظمه، أما الابن البار يضيف إلى رؤية أبيه بعينيه رؤية مكانته عنده في قلبه، فنحن بحاجة إلى أن نعظم الله عز وجل، وطريقة تعظيم الله التفكر في خلق السماوات والأرض:

﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ(3) ﴾

( سورة القدر)

 ألف شهر عبادة جوفاء يفضلها ليلة واحدة تقدر الله فيها حقّ قدره.

2 ـ الخوف من عاقبة الذنوب:

 الآن الخوف من عاقبة الذنوب:

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) ﴾

( سورة الحجر)

﴿ هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(29) ﴾

( سورة الجاثية)

أعمال الإنسان كلها مسجلة عليه يوم القيامة فليتخذ حذره:

 هناك طريق بدمشق مراقب بالرادار، أخ حدثني زوجته تقود مركبة في هذا الطريق ما أحد نبهها، مكتوب السرعة القصوى ستين، جاءتها مخالفة بخمسة وعشرين ألفاً، أنت إذا سرت في هذا الطريق وعلمت أنه مراقب بالرادار، وأن المخالفة خمسة وعشرون ألفاً كيف تنضبط ؟

﴿ مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا(13)وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا(14) ﴾

(سورة نوح)

﴿ هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(29) ﴾

( سورة الجاثية)

 جاؤوا ببعض الأجهزة قديماً إذا السيارة مخالفة بسرعة معينة تلتقط لها صورة، فحينما يبلغ الإنسان هذه المخالفة وينكر تقدم له صورة مركبته وسرعتها، هذه الصورة مسكتة:

﴿ هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(29) ﴾

( سورة الجاثية)

 هناك مشاهد أعمالك كلها مسجلة، بالصوت والصورة، والصورة ملونة، كله مسجل:

﴿ هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(29) ﴾

( سورة الجاثية)

 إذاً الخوف من عدم تعظيم الله، الخوف من عاقبة الذنوب.

3 ـ الخوف من غضب الله عز وجل:

 الخوف من غضب الله، هناك دعاء نبوي:

(( اللهم إنا أعوذ بك من فجأة نقمتك، وتحول عافيتك، وجميع سخطك ))

[ الجامع الصغير عن أبي نعيم ]

 شاب يضحك، يتحرك، يسهر، يسافر، يتاجر، يقيم ولائم، فجأة خثرة بالدماغ طريح الفراش:

(( اللهم إنا أعوذ بك من فجأة نقمتك، وتحول عافيتك، وجميع سخطك ))

[ الجامع الصغير عن أبي نعيم ]

﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ(12)إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ(13) ﴾

(سورة البروج )

 لذلك الخوف من غضب الله:

﴿ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ(102) ﴾

(سورة هود)

سياسة الله عز وجل في معاملة عباده تبدأ بـ:

1 – الهدى البياني:

 الآن أحياناً الإنسان الله عز وجل يدعوه دعوة بيانية يسمع خطبة، يسمع درساً، يقرأ كتاباً، دعوة من الله إلى أن يتوب، إلى أن يطيع، إلى أن يصطلح مع الله، هذه الدعوة البيانية وأنت معافى، سليم، ساكن، مرتاح في بيتك مع أهلك، بعملك، بدخلك، لا يوجد مشكلة دعوة بيانية، فبطولتك أن تستجيب للدعوة البيانية.

2 ـ التأديب التربوي:

 إن لم تستجب أخضعك الله لمرحلة أصعب، يقول الطبيب لمن عنده التهاب معدة حاد بالحمية الصارمة تشفى وإلا لابدّ من عمل جراحي، لذلك في بعض معاني هذه الآية:

﴿ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ (284) ﴾

( سورة البقرة )

﴿ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ (284) ﴾

( سورة البقرة )

 بالحمية الشديدة:

﴿ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ (284) ﴾

( سورة البقرة )

 بالعمل الجراحي:

﴿ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(284) ﴾

( سورة البقرة )

الاستقامة و التوبة أساس الشفاء من الذنوب:

 ترغب أن تشفى من ذنوبك من دون مصائب ؟ استقم، تب إلى الله، ليس عندك رغبة أن تستقيم تحمل عملاً جراحياً:
يا رسول الله عظني ولا تطل، قال: قل آمنت بالله ثمَّ استقم، قال: أريد أخفَّ من ذلك قال: إذاً فاستعدّ للبلاء .
 إن أردت أخف من ذلك إذاً فاستعدّ للبلاء، إذاً الخوف من غضب الله، تأتي المصائب فجأة، يأتي المرض فجأة، يأتي الشلل فجأة، فجأة فشل كلوي، فجأة خثرة بالدماغ، فجأة احتشاء بالقلب فجأة نمو سرطاني:

(( اللهم إنا أعوذ بك من فجأة نقمتك، وتحول عافيتك، وجميع سخطك ))

[ الجامع الصغير عن أبي نعيم ]

 لذلك أدعية أرددها كثيراً:

(( اللهم إنا نعوذ بك من عضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء ))

﴿ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ(102) ﴾

(سورة هود (

 تسونامي سمعتم به، أجمل شواطئ العالم، المنتجعات، السباحة في البحر، الطعام النفيس، يعني صفوة أغنياء الأرض كانوا في هذه السواحل، وجاء هذا الزلزال طبعاً هم جالسون في منتجعات فئة العشر نجوم، لكنهم رأوا النجوم ظهراً في هذه المنتجعات:

﴿ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ(102) ﴾

(سورة هود (

 حفلة مناسبات في القاهرة، رقص، فجأة انهار البناء، من الغناء والرقص إلى العويل والبكاء،

(( اللهم إنا أعوذ بك من فجأة نقمتك، وتحول عافيتك، وجميع سخطك ))

[ الجامع الصغير عن أبي نعيم ]

3 ـ الإكرام الاستدراجي:

 الآن هناك حالة اسمها استدراج إذا رأيت الله يتابع نعمه عليك وأنت تعصيه فاحذره هذا الاستدراج:

﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ (56) ﴾

( سورة المؤمنون )

 إذا رأيت الله يتابع نعمه عليك وأنت تعصيه، اعلم علم اليقين أن هذا الاستدراج، عندنا الدعوة البيانية أكمل موقف أن تستجيب:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾

( سورة الأنفال: من آية " 24 " )

 عندنا التأديب التربوي أكمل موقف أن تتوب إلى الله، فإن دعاك الله دعوة بيانية فلم تستجب، وأدبك تأديباً تربوياً فلم تتب، هناك حالة ثالثة اسمها استدارج، إكرام استدراجي، الدخل كبير، الصحة طيبة، الضغط ثمانية، اثنا عشر، النبض ثمانون، عمل تحليلات كلها طبيعية، يوم بسهرة، ويوم بفندق، ويوم بملهى، ويوم قضية مختلطة، ويوم سفر، لا يعلم إلا الله ماذا يقترف في هذا السفر من معاص وآثام، هذا استدراج.

أعظم شيء بحياة المؤمن أن تكون خلوته كجلوته وسره كعلانيته:

 انتبه:

﴿ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ (56) ﴾

 الآن المؤمن يخاف من محبطات الأعمال، لك عمل كالجبال:

(( لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا، قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا، أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))

[ ابن ماجه عن ثوبان ]

 لذلك أعظم شيء بحياة المؤمن أن تكون خلوته كجلوته، وسره كعلانيته، وظاهره كباطنه، وباطنه كظاهره، موحد، لذلك قال تعالى:

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ(264) ﴾

( سورة البقرة)

 إياك ومحبطات الأعمال، كبر، استعلاء، من وأذى، لحم كتفك من خيري، مفضل عليك، ما هذا الكلام ؟ هذا الكلام ما قاله أحد من الصحابة الكرام.

المؤمن مع المنعم لا مع النعمة:

 هناك شيء آخر يا أيها الأخوة، أحياناً الإنسان يعجب بعمله، عند علماء القلوب أن تشيد بعملك نوع من الشرك.

(( ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي ـ ما قال فهديتكم ـ ))

[ رواه الدارمي عن أبي سعيد الخدري]

 المؤمن مفتقر إلى الله عز وجل، المؤمن لا يرى عمله يرى فضل الله عليه، المؤمن مع المنعم لا مع النعمة.

(( مَنْ أصبَحَ منكم آمِنا في سِرْبه، مُعافى في جَسَدِهِ، عندهُ قوتُ يومِه، فكأنَّما حِيزَتْ له الدنيا بحذافيرها ))

[أخرجه الترمذي عن عبيد الله بن محصن ]

 فالإعجاب بالعمل يعمل استعلاء، لذلك قال بعض العلماء: رُبّ معصية أورثت ذلاً وانكساراً خير من طاعة أورثت عزاً واستكباراً.

(( لو لم تكونوا تذنبون خشيت عليكم ما هو أكبر من ذلك العجب العجب ))

[شعب الإيمان عن أنس بن مالك ]

 يا رب ما هذا الذي هو أكبر من الذنب ؟ قال العجب العجب.

كل عملك لا قيمة له مع الكبر والاعتداد بالذات و الاستعلاء على الخلق:

 أن تعتد باستقامتك، أن تعتد بإيمانك، أن ترى نفسك فوق الآخرين، أن تزدري الآخرين، كنت أقول دائماً شخص عنده كيلو لبن أضاف له أربعة لترات ماء، وضعه بكؤوس مع الثلج صار شراب عيران رائع جداً، هذا الكيلو قبل أربعة لتر ماء، يقبل هذا الكيلو نقطة كاز واحدة ؟ انتهى، الكبر مثل الكاز يفسد العمل، كل عملك لا قيمة له مع الكبر، مع الاعتداد بالذات، مع الاستعلاء على الخلق، فلذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ ))

[ رواه مسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه ]

 لو لم تحسوا بذنوبكم، أحياناً الكبر أكبر ذنب:

(( وَلجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ تَعالى فَيَغفِرُ لَهُمْ ))

[ رواه مسلم، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه ]

 والرواية الثانية:

(( لو لم تكونوا تذنبون خشيت عليكم ما هو أكبر من ذلك العجب العجب ))

[شعب الإيمان عن أنس بن مالك ]

الشرك نوعان ؛ خفي و جلي:

 إذاً ينبغي أن نخاف من محبطات الأعمال، المحبطات الرياء، المحبطات الإعجاب بالعمل، المحبطات الشرك بالله:

﴿ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (88) ﴾

(سورة الأنعام)

 لا تقل مشرك، المشرك نوعان شرك جلي أن تقول بوذا إله، هذا عندنا غير موجود والحمد لله، لكن هناك شرك خفي أن يعتمد الإنسان على ماله، الدراهم مراهم تحل بها كل المشكلات، فعلق بمشكلة جلس بالمنفردة أربعة وستين يوماً، لأنه قال الدراهم مراهم، تفضل حلها، هناك أشياء لا تحل بالمال، حينما تعتمد على مالك نوع من الشرك، حينما تعتمد على إنسان قوي هو قريب لك نوع من الشرك:

(( لو كنت متخذاً من العباد خليلاً لكان أبو بكر خليلي، ولكن أخ وصاحب في الله حتى يجمع الله بيننا ))

[ابن إسحاق عن بعض آل أبي سعيد بن المعلى]

 اعتمد على الله، لا تعتمد على مالك ولا على من حولك، مثلاً إنسان يكون همه الأول ابنه، يسافر، ويتجنس، ويتزوج أجنبية، ويقطع الاتصال به ثمانية أعوام لأنه نسي الله وعلق أمله بابنه، لذلك بعض العارفين بالله قال: أنا أعرف مقامي عند ربي من أخلاق زوجتي، إما أن يسلس قيادها وإما أن تتعبك كثيراً بحسب قربك من الله.

4 ـ الخوف من عدم قبول العمل:

 والخوف من عدم قبول العمل:

﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (23) ﴾

( سورة الفرقان)

 هذا خوف أيضاً، يقول لي شخص ما شاء الله، الله يتقبل، العبر بالتقبل:

﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (23) ﴾

( سورة الفرقان)

 أحياناً هناك خوف من الخذلان، الله يهمل، قال تعالى:

﴿ وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ (46) ﴾

( سورة التوبة)

ارتباط النية مع الرغبة عند القيام بالعمل:

 أنت تريد أن تأتي إلى الدرس لكن لا أريد أحداً أن يتكلم عليّ، تأتيك مشكلة قبل الدرس ويعطب الدولاب قبل الدرس، وتنشأ معك مشكلة قبل الدرس، ما في درس، أنت لست راغباً أن تأتي إلى الدرس:

﴿ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (46) ﴾

( سورة التوبة)

 يقول والله ناوي أن آتي، ناوي لكن ما عندك رغبة كبيرة جداً:

﴿ وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (46) ﴾

( سورة التوبة)

الناس ثلاثة ؛ عالم رباني و متعلم على سبيل نجاة و همج رعاع:

 يعني أنت هاتف محمول بصراحة إذا ما شحنته تطفئ الشاشة ويسكت، بقي مثل الناس يهتم لما يهتمون، ويفتن بما يفتنون، ويرغب بما يرغبون، وينسحق كما ينسحقون، وييأس كما ييأسون، وتتهاوى معنوياتهم كما تهاوت معنوياته، من هؤلاء الناس، الآية دقيقة جداً:

﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾

(سورة المائدة: 18 )

 من هؤلاء الناس ؟ من القطيع، القول الرائع، الناس ثلاثة، عالم رباني، و متعلم على سبيل نجاة، و همج رعاع لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق، فاحذر يا كميل أن تكون منهم.
ما الناس سوى قوم عبدوك، وغيرهم همجٌ همجُ.
 والله الذي لا إله إلا هو الذي لا يعرف الله كالبهيمة، أنا لي مصطلح قاسٍ، دابة فلتانة، كتلة شهوات، أناني، على دنيئة، على مزح رخيص، على قسوة بالغة، على ظلم، على إجحاف، وحش فلتان، والمؤمن ملك، الخوف من الخذلان:

﴿ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (46) ﴾

( سورة التوبة)

5 ـ الخوف من سلب الإيمان:

 الآن الخوف من سلب الإيمان، يعني ممكن سيدنا إبراهيم أبو الأنبياء أن يقول:

﴿ وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ ﴾

( سورة إبراهيم )

 الله عز وجل على كل شيء قدير، الخوف من سلب الإيمان.

6 ـ الخوف من سوء الخاتمة:

 الخوف من سوء الخاتمة: إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع، يعني يعمل بعمل أهل الجنة منافق ليس من أهل الجنة، يعمل بعملهم مصالحه تقتضي أن يرضيهم، يصلي في بلده لأن الصلاة إجبار، أما إذا سافر إلى أوربا يفعل جميع الموبقات بلندن.

(( إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ثم يدركه ما سبق له في الكتاب فيعمل بعمل أهل النار))

[رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ]

 هذا الخوف من سوء الخاتمة.

7 ـ الخوف من الموت:

 هو مصيبة المصائب الموت:

﴿ قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(8) ﴾

( سورة الجمعة)

 أصعب ليلة أول ليلة في القبر،

(( أن عبدي رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك ولم يبقَ لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت ))

 إنسان من أغنياء مصر، من كبار أغنياء مصر، وافته المنية، وأولاده سمعوا من بعض العلماء أن أصعب ليلة في القبر هي أول ليلة، فرجوا إنساناً فقيراً جداً يكاد يموت من الجوع أعطوه عشرة جنيهات لينام في هذه الليلة مع أبيهم في القبر (القصة رمزية)، جاء الملكان رأيا شخصين قال له عجيب، اثنان، يبدو الحي خاف فتحرك، فقال له: هذا حي وليس بميت، بدؤوا به أجلسوه، من شدة فقره أحضر كيس خيش، فتحه من مكان من أجل رأسه ومن مكانين من على الطرفين من أجل يديه وربطه بحبل، من شدة فقره، لا يملك من الدنيا إلا هذا الكيس وهذا الحبل، أيقظوه بدؤوا بالحبل من أين جئت بها ؟ قال: من البستان، كيف دخلت إلى البستان ؟ تلعثم، انهالوا عليه ضرباً حتى كادوا يقتلونه، الآن كيف دخل إلى البستان ؟ بعد هذا كيف أخذ الحبل ؟ بعد هذا من أين جاء بالكيس ؟ ففي صبيحة اليوم خرج من القبر وقال: أعان الله أباكم.

﴿ قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(8) ﴾

( سورة الجمعة)

الموضوع العلمي:

الحمام الزاجل:

 أيها الأخوة الكرام، من منكم يصدق أن هذا الحمام الزاجل وكالة أنباء، الحمام الزاجل كأن الله عز وجل سخره لنقل الرسائل، بريد سريع، الحمام الزاجل يزيد عن خمسمئة نوع، يمتاز الحمام الزاجل بحدة الذكاء، والقدرة الفائقة على الطيران، والغريزة القوية التي يهتدي بها إلى هدفه وموطنه، هو حيوان مستأنس وأليف قال تعالى:

﴿ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ ﴾

( سورة يس الآية: 42 )

الحمام الزاجل من أكبر الآيات الدالة على عظمة الله عز وجل:

 من جعله حاد الذكاء ؟ من جعله أليفاً ؟ من أعطاه قدرة فائقة على الطيران ؟ من هداه إلى هدفه ؟ من جعله مستأنساً ؟ هذا الحمام الزاجل يقطع مسافة ألف كيلو متر من دون توقف، سرعته كيلو متر بالدقيقة، يعني ستين كيلو بالساعة، ألف كيلو متر بلا توقف، هذا الحمام الزاجل يلد في العام تسعة أزواج من الزغاغيل كل عام، هل أحد منا اشترى سيارة وجد بعد سنة أمامها سيارة صغيرة ؟ نور الدين الشهيد استخدم الحمام بين دمشق والقاهرة، حيث كان ينقل البريد، وكان اسم السلطان ينقش على منقار هذا الحمام، وكان له ورق خاص يحمله ينقل به الرسائل، هذا الورق وزنه خفيف، وكان يستخدم هذا السلطان ألفين من الحمام الزاجل لإرسال الرسائل إلى الأمصار.

الله تعالى يتولى بذاته العلية هداية هذا الطائر إلى مستقره:

 الآن هولندا لما استعمرت بلد اسمه سومطرة بشرق آسيا بينهما سبعة عشر كيلو متر، استخدمت الحمام الزاجل قديماً لنقل الأوامر إلى هذه المستعمرة، سبعة عشر ألف كيلو متر، يعني الآن بالطائرات تهتدي بالأقمار الصناعية، الأقمار الصناعية تبث لكل طائرة بث مستمر موقع الطائرة وهناك إحداثيات، مرة كنت في قسم القيادة بالطائرة ساعة كبيرة جداً أي طائرة على بعد خمسين كيلو متر تظهر على شاشة هذه الساعة، أجهزة عالية الدقة، لكن لا يوجد طيار في الأرض يستطيع أن يطير بطائرة من دون هذه الأجهزة، فهذا الحمام الزاجل كيف يهتدي من هولندا أمستردام إلى سومطرة ؟ هناك بحار، هناك جبال، هناك صحارى، هناك سهول، الحقيقة هناك مجموعة فرضيات، أول فرضية قال: إن معالم الأرض طبعت في ذاكرة هذا الطائر، فجاء عالم ونقض هذه الفرضية، عصب عينيه فوصل إلى هدفه، التغت، هناك فرضية ثانية أن هذا الحمام يشكل مع الشمس زاوية يهتدي بها إلى موطنه، ألغيت النظرية كيف يطير ليلاً ؟ الطيران ليلاً ونهاراً ألغيت هذه النظرية.
 هناك نظرية ثالثة قال: عنده جهاز رادار في دماغه يهديه إلى الهدف، أحضروا جهازاً كهربائياً وضعوه على رأسه يصدر ذبذبات لتشويش هذا الجهاز الذي خلقه الله، وصل إلى هدفه التغت الثالثة، ثم توقعوا أن يهتدي عن طريق الساحة المغناطيسية، جاؤوا بمغناطيس، وأعطى موجات تخالف الساحة المألوفة، فاهتدى إلى موطنه، الآن لا يوجد تفسير إطلاقاً، كيف عصفور يخرج من دمشق ويستقر في الشتاء في جنوب إفريقيا، يقطع سبعة عشر ألف كيلو متر ويرجع ؟ لو أخطأ بالزاوية درجة واحدة يأتي في بغداد درجة ثانية يأتي في القاهرة، يأتي إلى دمشق الصالحية إلى عرودك إلى البيت الثالث إلى الليوان إلى عشه، من هداه ؟ ما عاد في تفسير إطلاقاً إلا أن الله يتولى بذاته العلية هداية هذا الطائر، من هولندا إلى سومطرة سبعة عشر ألف كيلو متر، ينطلق من أمستردام ويصل إلى سومطرة ما في عنده أجهزة ولا إحداثيات ولا اتصال خارجي ولا أقمار صناعية.

التفكر في خلق السماوات والأرض يضعنا وجهاً لوجه أمام عظمة الله عز وجل:

 أيها الأخوة الكرام، قال تعالى:

﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾

( سورة طه)

 أيها الأخوة، التفكر في خلق السماوات والأرض يضعك وجهاً إلى وجه أمام عظمة الله عز وجل، وبقدر ما تعظم الله عز وجل تطيعه، بقدر ما تعظمه تصطلح معه، بقدر ما تعظمه تحبه، ومن أعجب العجب أن تعرفه ولا تحبه، ومن أعجب العجب أيضاً أن تحبه ثم لا تطيعه.
 أرجو الله سبحانه وتعالى أن ننطلق جميعاً بتفكيرنا لمعرفة الله من خلال الكون، الحمام الزاجل من أكبر الآيات الدالة على عظمة الله عز وجل.


والحمد لله رب العالمين