خطبة الجمعة - الخطبة 0860 : خ1 - الزكاة ، خ2 - زكاة الفطر .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2002-11-29
بسم الله الرحمن الرحيم

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل لـه، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغـاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسـلم رسول اللـه سـيد الخلق والبشر، مـا اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين.
 اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

توزيع الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء :

 أيها الأخوة الكرام: الزكاة من أركان الإسلام، والأصل في الزكاة قوله تعالى:

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

[سورة التوبة: 103]

 أيها الأخوة الكرام: قبل أن نقف على معاني هذه الآية العظيمة، لابد من تقديم حول الغنى والفقر، قد يسأل سائل: لماذا كان الفقر في الناس؟
 أيها الأخوة: الحقيقة أن الله جلّ جلاله وزع الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء، وأعني بالحظوظ حظ المال، وحظ القوة، والوسامة، والصحة، والذكاء، القدرات العقلية، وسامة الإنسان وقوته وماله... هذا من حظوظ الدنيا.
 أيها الأخوة: هذه الحظوظ وزعت في الدنيا توزيع ابتلاء، فما من إنسان على وجه الأرض إلا وقد آتاه الله حظاً وزوى عنه حظاً، آتاه شيئاً ولم يؤته شيئاً آخر، ينبغي أن يعلم علم اليقين أن الذي آتاه الله حظ المال مادة امتحانه مع الله هو المال، والذي زوى الله عنه المادة امتحانه هو الفقر، فالفقر والغنى في الأصل من تقدير الله عز وجل لحكمة أرادها، ولكن لابد من وقفة متأنية عند الفقر، لقد قسم العلماء الفقر إلى فقر الكسل، وإلى فقر القدر، وإلى فقر الإنفاق، ففقر الكسل الإنسان المهمل لعمله، الذي لا يتقنه، المؤجل الإرجائي المسوف، الذي يكره عمله في الأعم الأغلب يبتلى بالفقر، هذا فقر مذموم فقر الكسل، بينما فقر القدر، فقر صاحبه معذور، إنسان أصيب بعاهة منعته من كسب المال، أصيب بشلل منعه من كسب المال، هذا فقر القدر وصاحبه معذور، بينما فقر الإنفاق صاحبه محمود.
 يا أبا بكر ماذا أبقيت لنفسك؟ قال: الله ورسوله ، فإما أن تكون فقيراً فقر كسل، فأنت مذموم عند الله وعند خلقه، وإما أن تكون فقير قدر فأنت معذور، وإما أن تكون فقير فقر إنفاق فأنت محمود.

الدنيا دار ابتلاء و امتحان :

 أيها الأخوة الكرام: حينما قال الله عز وجل:

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾

[ سورة الملك: 2 ]

 نحن في دار ابتلاء وامتحان، وهل تصدق أيها الأخ الكريم أنك ممتحن في اليوم الواحد عشرات المرات؟ يطرق بابك سائل، أنت ممتحن بهذا السائل، يستفزك إنسان، أنت ممتحن بهذا الاستفزاز، على كلٍّ هناك مجموعة من مواد الامتحان مدرجة في زمرتين، زمرة الامتحانات الإيجابية وزمرة الامتحانات السلبية، فأي حظ آتاه الله إياك أنت ممتحن به، وأي حظ زواه الله عنك أنت ممتحن به، إن كنت صحيحاً ماذا فعلت بهذه الصحة؟ هل تقوّيت بها على طاعة الله؟ أم تقوّيت بها على معصية الله؟ إن كنت غنياً ماذا فعلت بهذا المال هل أنفقته إسرافاً وتبذيراً وتيهاً واستعلاء وكبراً وتحقيقاً للشهوات المنحطة؟ أم أنك أنفقته على الفقراء والمساكين؟ ورد في بعض الأثر: " أن الله يسأل العبد يوم القيامة فيقول: عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه؟ يقول هذا العبد: لم أنفق منه شيئاً مخافة الفقر عـلى أولادي من بعدي، فيقول الله عز وجل: ألم تعلم أني أنـا الرزاق ذو القوة المتين؟ إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم، يقول لعبد آخر: عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه؟ يقول: يا رب أنفقته على كل محتاج ومسكين لثقتي بأنك خير حافظاً وأنت أرحم الراحمين، فيقول الله عز وجل: أنا الحافظ لأولادك من بعدك " وكم من إنسان كان متقياً لله عز وجل أكرم الله أولاده من بعده، وكم من إنسان أكل المال الحرام من أجل أولاده فبدد المال في وقت قصير وعاش أولاده الفقر المرير.
 أيها الأخوة الكرام: أنت مبتلى بما آتاك وبما زوي عنك، لذلك من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام: "اللهم ما رزقتنا مما نحب، فاجعله عوناً لنا فيما تحب، وما زويت عنا فيما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب"، أنت مبتلى فيما أعطيت وفيما زوي عنك، ولكن حينما سئل النبي عليه الصلاة والسلام أتحب أن تكون نبياً ملكاً أم نبياً عبداً، فقال عليه الصلاة والسلام:" بل نبياً عبداً، أجوع يوماً فأذكره، وأشبع يوماً فأشكره"
 يبدو من تحليل هذا الحديث أن القوة والغنى مزالقها أكبر من مزالق الفقر والضعف، من أوتي مالاً وفيراً وقوة قوية ربما زلت قدمه إلى الكبر والاستعلاء والوقوع في معاصي الله، ومن أوتي مالاً قليلاً وضعفاً ظاهراً ربما كان هذا أقرب إلى عبوديته لله، لكنه لا يمنع أن تجد غنياً من أغنى الأغنياء، تقياً من أتقى الأتقياء.
 يقول عبد الرحمن بن عوف: ماذا أفعل إذا كنت أنفق مئة في الصباح فيأتيني الله ألفاً في المساء.
 وليس الفقير الصابر بأعظم أجراً من الغني الشاكر.

الدنيا دار ابتلاء و تكليف و الآخرة دار جزاء و تشريف :

 أيها الأخوة: الذي آتاه الله حظ المال والقوة والعلم خياراته في العمل الصالح واسعة جداً، من هنا قال عليه الصلاة والسلام:

(( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ))

[ مسلم عن أبي هريرة]

 خيارات القوي واسعة جداً، وكنت أقول دائماً: إن كان طريق الغنى سالكاً وفق منهج الله ينبغي أن تكون غنياً، أما إذا كان لابد من سلوك الكذب والاحتيال والنفاق وارتكاب المعاصي والآثام من أجل أن تكون غنياً فالفقر وسام شرف للمؤمن، إن كان طريق القوة سالكاً وفق منهج الله ينبغي أن تكون قوياً لأن خيارات القوي في العمل الصالح واسعة جداً، بينما إذا كان طريق القوة أساسه النفاق والكذب والاحتيال وقهر الناس فالضعف وسام شرف للمؤمن، العبرة أن تعبد الله في كل أحوالك.
 أيها الأخوة الكرام: نحن في دار ابتلاء، والآخرة دار جزاء، نحن في دار تكليف، والآخرة دار تشريف، نحن في دار عمل والآخرة دار تكريم، فلذلك: الغنى والفقر بعد العرض على الله جل جلاله، فكل إنسان مكّنه الله في الأرض إما تمكين غنى فعبادته الأولى إنفاق المال، وإما تمكين علم فعبادته الأولى تعليم العلم، وإما تمكين قوة فعبادته الأولى إنصاف الضعيف وإحقاق الحق والأخذ بيد المظلوم، وهذا معنى أنه ينبغي أن تعبد الله وفق هويتك، أن تعبد الله فيما أقامك، أنت امرأة عبادتك الأولى رعاية الزوج والأولاد، تربية الأولاد تربية إسلامية، أقامك غنياً عبادتك الأولى إنفاق المال، أقامك قوياً عبادتك الأولى نصر الحق وإزهاق الباطل، أقامك عالماً عبادتك الأولى تعليم العلم، ينبغي أن تعبد الله فيما أقامك، وفي الظرف الذي وضعك فيه، وفي الوقت الذي أظلك، فلكل وقت عبادة، هناك عبادة الهوية، وهناك عبادة المكان والظرف، وهناك عبادة الوقت، وإن لله عملاً في الليل لا يقبله في النهار، وإن لله عملاً في النهار لا يقبله في الليل.

العاقل من يدخل الآخرة في حساباته :

 أيها الأخوة الكرام: حينما تعتقد أنك في دار ابتلاء ينبغي أن تدخل الآخرة في كل حساباتك، لو تصورنا أن إنساناً كانت مادة امتحانه الفقر لا أقول فقر الكسل فهو عقاب، الفقر الذي أعنيه أنه بذل وسعه كما قال النبي عليه الصلاة والسلام:

((عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لَمَّا أَدْبَرَ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ))

[أبو داود عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ]

 أن تستسلم لمشكلة ألمت بك، أو لواقع أحاط بك:

(( ...إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ ...))

[أبو داود عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ]

 لا تستسلم لمشكلة حلت بك، حاول أن تتخلص منها وتنقذ نفسك منها وتتحرك، اسع، فكر، دبر، تأمل، اسأل، توسط :

(( ... إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ...))

[أبو داود عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ]

 دبر الأمر :

(( ..فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ...))

[أبو داود عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ]

 لا يقال حسبي الله ونعم الوكيل إلا إذا استنفدت كل الوسائل وانتهى بك الأمر إلى واقع معين، فهذا قضاء وقدر ينبغي أن ترضى به، وتعلم علم اليقين أنه ليس في الإمكان أبدع مما كان، ليس في إمكاني أبدع مما أعطاني، أقامك الله على شكل معين، وقدرات معينة، وهيئة معينة، ومن أب وأم معينين، وفي مكان وزمان معينين، وفي إمكانيات معينة، فهذا الذي ليس لك اختيار فيه إنما أنت مسير فيه، هو أكمل شيء بحسب استعداداتك، وحسب اختياراتك، هذا معنى قول بعض العلماء: ليس في الإمكان أبدع مما كان، أي ليس في إمكاني أبدع مما أعطاني، اسع حيثما انتهى بك السعي فهذا قضاء وقدر، تحرك حيثما انتهت بك الحركة فهذا قضاء وقدر، عندئذ ينبغي أن ترضى، لو أن إنساناً كانت مادة امتحانه مع الله أن دخله محدود، فنجح في هذا الامتحان، صبر وتجمّل ولم يجلس أمام غني يتضعضع له لئلا يذهب ثلثا دينه، صبر، وتعفف، وتجمّل، وأدار وقته، وأنفق ماله المحدود بحكمة بالغة، وعبد الله، وآمن بكماله ووحدانيته ووجوده، ثم إنه عمل الأعمال الصالحة التي مكنه الله منها ولقي الله مؤمناً، عاش ستين عاماً وانتهت حياته إلى الجنة، عاش وقتاً محدوداً في الامتحان، ثم سيعيش اللانهاية والأبد والخلود في الجنان.
 نأتي إلى غني مكنه الله بالمال، لو تصورنا أنه لم ينجح في الامتحان، طغى وبغى ونسي المبتدا والمنتهى، أنفق ماله إسرافاً وتبذيراً، استعلى بماله على خلق الله، وأنفقه على شهوات محرمة، ثم عاش ستين عاماً، وانتهى أجله فاستحق النيران، فهل يقال للفقير في الدنيا: أنت مسكين؟ وهل يقال للغني: هنيئاً لك على هذا المال؟ ألم يعلمنا ربنا من قول الله عز وجل على قارون:

﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ ﴾

[سورة القصص: 79-80]

 معنى ذلك أنه ينبغي أن تملك بصيرة، وترى أن الفوز في طاعة الله:

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾

[ سورة الأحزاب: 71]

 أما هذه الدنيا فعرض حاضر، يأكل منه البر والفاجر، والآخرة وعد صادق يحكم فيه ملك عادل، وأن الله يعطي الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب، أعطاها لقارون وفرعون وهو لا يحبهم، أعطاها لعثمان بن عفان ولعبد الرحمن بن عوف وهو يحبهما، وأعطاها لسليمان الحكيم نبي كريم وهو يحبه، فليست مقياساً أن تنال الدنيا أو تزوى عنك، بل الذي يحكم هذا الموضوع قوله تعالى:

﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ﴾

[سورة الفجر: 15]

 هذه مقولته وتوهمه.

﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ﴾

[سورة الفجر: 16]

 هذا توهمه ومقولته، فكان الجواب الإلهي: كلا ليس عطائي إكراماً ولا منعي حرماناً، كلا، بل عطائي ابتلاء وحرماني دواء.

المال عطاء موقوف تقييمه على نوع استعماله :

 أيها الأخوة الكرام: حقيقة هامة يجب أن نتعلمها أن المال الذي بين يديك لا يمكن أن يكون نعمة كما تتوهم، وكما أنه لا يمكن أن يكون نقمة كما تظن، ليس نعمة ولا نقمة إنه عطاء موقوف تقييمه على نوع استعماله، إن أنفق في طاعة الله كان نعمة وأية نعمة، إن أنفق في معصية الله كان نقمة وأية نقمة، لذلك ورد في بعض الأحاديث:

(( بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا، أَوْ غِنًى مُطْغِيًا، أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا، أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا، أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا، أَوِ الدَّجَّالَ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوِ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ))

[ الترمذي عن أبي هريرة]

 عدّ النبي صلى الله عليه وسلم الغنى أحد أكبر المصائب، أي غنى؟ الغنى المطغي الذي يحمل صاحبه على الطغيان. الآية الكريمة:

﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى ﴾

[ سورة العلق: 6-7]

 إن رأى نفسه مستغنياً عن طاعة الله، فكم من فقر هو سبب لسلامة الإنسان ورقيه عند الله، وكم من غنى هو سبب لسقوط الإنسان من عين الله.

تعلق مصالح الأمة بالزكاة :

 أيها الأخوة الكرام: نعود لآية الزكاة، قال تعالى:

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾

[ سورة التوبة: 103 ]

 أيها الأخوة: كلمة خذ فعل أمر، وهو موجه إلى النبي عليه الصلاة والسلام كما قال بعض العلماء، لا على أنه نبي هذه الأمة، بل على أنه ولي أمرهم، لأن المال قوام الحياة وبالزكاة تتعلق مصالح الأمة، فأنت لست مخيراً أن تنفق زكاة مالك أو ألا تنفق، لابد أن تدفع الزكاة شئت أم أبيت، تؤخذ منك أخذاً.

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾

[ سورة التوبة: 103 ]

 والمنفي من قوله تعالى:

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾

[ سورة التوبة: 103 ]

 تفيد التبعيض، ليس في الإسلام أخذ المال كله أو مصادرته أو الاستيلاء عليه.

﴿ خُذْ مِنْ ﴾

[ سورة التوبة: 103 ]

 ربع العشر.

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾

[ سورة التوبة: 103 ]

 أي خذ بعض أموالهم، ودع لهم كرائم أموالهم، وهذا من توجيه النبي عليه الصلاة والسلام: خذ من أموالهم صدقة تؤكد صدقهم، الإنسان أحياناً قد يؤدي عبادات كثيرة لا تكلفه شيئاً، تكلفه أن يتوضأ ويصلي، هناك عبادات مكلفة فيها دفع مال.

رقي الإنسان بالعبادات التي فيها معاكسة لطبعه :

 الحقيقة العبادات المكلفة تتناقض مع طبع الإنسان، طبع الإنسان مركب على حب المال.

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾

[ سورة آل عمران: 14 ]

 فحينما تعاكس طبعك تغض بصرك عن محارم الله، أنت عاكست طبعك، ترقى بغض البصر أكثر مما ترقى بركعتين نافلتين لا تكلفانك شيئاً، غض البصر متعلق بشهوة أودعت فيك، ثم إنك حينما تنفق المال تعاكس طبعك، لأنه ركّب في طبعك حب المال، فإذا أنفقت المال فقد عاكست طبعك، وما سمي التكليف تكليفاً إلا لأنه ذو كلفة، التكليف سمي تكليفاً لأنه ذو كلفة – مكلف- تحتاج أن تعاكس الطبع الذي جبلت عليه، الإنسان طبع وجبل على حب المال وأخذه، أما إنفاقه فتكليف، والتكليف هنا يتناقض مع الطبع، لذلك ترقى به، الإنسان جبل على حب المرأة، والنظر إليها وملء عينيه من محاسنها، والتكليف يأمره بغض البصر، لذلك يرقى عند الله لأنه يعاكس طبعه، الإنسان جبل على أن يخوض في أعراض الناس وفضائحهم والتكليف يأمره أن يصمت، وفي الصمت جهد بالغ، فترقى بضبط اللسان رقياً كبيراً، و الإنسان جبل على أن ينام، فإذا استيقظ وصلى الفجر في وقته فقد عاكس طبعه لذلك يرقى.
الملاحظ أيها الأخوة: أن الإنسان يرقى بالعبادات التي فيها معاكسة لطبعه.

الزكاة تطهر الغني و الفقير و المال :

 لذلك:

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾

[ سورة التوبة: 103 ]

 فالحقيقة الآية عن الزكاة، وقد جاءت كلمة الزكاة في عشرات الآيات، هنا جاءت كلمة الصدقة مكان الزكاة كي تشير إلى أن الذي يؤدي زكاة ماله يقدم برهاناً على محبته لربه وطاعته له، لأنه عاكس هواه وطبعه وأنفق المال.

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ﴾

[ سورة التوبة: 103 ]

 أما كلمة أموال فتجب في كل الأموال، ما كان نقداً، وما كان عروض تجارة، وما كان ركازاً وأنعاماً، وما أخرجته الأرض في كل أموالهم، خذ من أموالهم، و هم ضمير الغائب مع ميم الجمع تعني أنه لا يمكن أن يستثنى مسلم من دفع الزكاة، لا ترفع عن إنسان ولا تطوى عن إنسان كشأن بعض الضرائب.

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ ﴾

[ سورة التوبة: 103 ]

 تطهر من؟ تطهر هذا الفقير من الحقد، ولا سيما إذا كان على احتكاك مع الغني، قد يكون الإنسان موظفاً عند غني، ويأتي هذا الغني بطعام يساوي الدخل الشهري لهذا الموظف، هذا الفقير ماذا يفكر؟ لماذا أنا أنفق هذا الرقم طوال الشهر وسيدي ينفقه في اليوم الواحد؟ قد ينشأ حقد عند هذا الفقير، لكن الزكاة إذا دفعت للفقراء المؤمنين استل من نفوسهم الحقد، تطهرهم، تطهر الفقير من الحقد، بدل أن يخشى الغني على ماله من الفقير أن يسرقه، يصبح الفقير حارساً له، تنشأ المحبة والمودة ويجبر قلب الفقير، يأكل ويشرب هو وأهله ويرتدي الثياب الجديدة، يشكر هذا الغني، كان الغني قلقاً على ماله فأصبح مطمئناً، لأن الحقد انتزع من نفس الفقير حينما أديت له الزكاة، شأنه كشأن معظم الناس، إنها تطهر الغني من الشح، وكيف أن الورم الخبيث ورم عضال يصيب الجسم. أنا أؤكد لكم أيها الأخوة: أن الشح مرض خبيث يصيب النفس.

﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

[ سورة الحشر: 9]

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ ﴾

[ سورة التوبة: 103 ]

 طبعًا على التفصيل تطهر الفقير من الحقد، والغني من الشح، الآن تطهر المال من تعلق حق الغير به، فالحجر المغصوب في دار رهن بخرابها، يمكن أن يكون هذا المال الذي هو من حق الفقير والذي لم يؤد للفقير، يمكن أن يكون سبباً في إتلاف المال كله، ورد في بعض الأحاديث:

((حصنوا أموالكم بالزكاة))

[الطبراني عن عبد الله بن مسعود]

 وما تلف مال في بر أو بحر إلا بحبس الزكاة، ومن أدى زكاة ماله أذهب عنه شره، شر المال أن يكون فيه ما هو من حق الفقير فلا يؤدى، فيأذن الله لهذا المال أن يتلف كله.

الزكاة تنمي المال و تزكيه :

 لذلك تطهر الفقير من الحقد، والغني من الشح، والمال من تعلق حق الغير به، ثم إن هذه الزكاة تنميهم وتزكيهم، والتزكية هي الزيادة، هذا الغني حينما ينفق ماله على الفقراء والمساكين وطلاب العلم وفي حل مشكلات المجتمع وكل واحد نال من ماله شكره من أعماقه، شعر الغني أنه فعل شيئاً مهماً، شعر بخطورته في الحياة، شعر أنه في قلوب الألوف ممن أعطاهم.

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾

[ سورة التوبة: 103 ]

 تزكو نفسه وتنمو، يشعر بإقبال على الله، ويشعر بنمو في ذاته، ويشعر أنه إنسان مهم في المجتمع، سبب سعادة العشرات من الناس، سبب مسح الدمعة من عيون الأطفال الصغار الجائعين.

﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾

[ سورة التوبة: 103 ]

 ثم يقول الله عز وجل: وتزكي نفس الفقير، يشعر أنه ليس منسياً أو مهاناً أو محروماً أو جائعاً، هو في قلب وضمير مجتمعه، مجتمعه بحث عنه وأدى له الزكاة، تنمو نفسه ونفس الغني والمال بالقوانين الاقتصادية. هذا الفقير حينما تعطيه زكاة مالك يملك قوة شرائية، يأتي إليك ليشتري منك ثانية فتزداد أرباحك، فالدول الغنية أحياناً تقدم مساعدات للدول الفقيرة كي تملكها القوة الشرائية لبضائعها، فهذا المال ينمو بقانون اقتصادي ثابت، ولكنه أيضاً ينمو بالعناية الإلهية الخاصة.
 أيها الأخوة الكرام: الزكاة فريضة من فرائض الإسلام، وقورنت بالصلاة في مواضع كثيرة من القرآن الكريم.
 أيها الأخوة: هذه الآية أصل في فرضية الزكاة.

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة التوبة: 103 ]

المال الذي تؤدى زكاته مهما كان كبيراً لا يعد كنزاً :

 أيها الأخوة: آخر ملاحظة: المال الذي تؤدى زكاته مهما كان كبيراً لا يعد كنزاً، بينما المال الذي لا تؤدى زكاته ولو كان فوق النصاب بقليل يعد كنزاً.

﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾

[ سورة التوبة: 35 ]

 أي مال أديت زكاته فليس بكنز، وأي مال لم تؤد زكاته هو عند الله كنز، وتنطبق عندئذ على الذي لا يؤدي زكاة ماله الآية الكريمة:

﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾

[ سورة التوبة: 34 ]

الحكمة من فرض الزكاة على المال الذي لا ينمو :

 هناك ملمح أخير: لماذا فرض الله الزكاة على المال الذي لا ينمو وهو الذهب والفضة والأموال النقدية؟ قال: فرضت الزكاة عليها من أجل ألا تخزن بل لتستثمر، فإذا خزنت أكلتها الزكاة، قال عليه الصلاة والسلام:

((عَنْ مَالِك أَنَّهم بَلَغَهم أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: اتَّجِرُوا فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى لَا تَأْكُلُهَا الزَّكَاةُ))

[موطَّأ مالك عَنْ مَالِك ]

 فالذي يكنز المال ولو أدى زكاته، يكنزه ويمنع أن يستثمر، ويمنع أن يحل به مشكلات الآخرين، ولا يقبل بالمضاربة، ولا بأي طريقة من طرائق نفع هذا المال، سوف تأكله الزكاة في وقت محدد، فكأن الله سبحانه وتعالى أمر أن تؤدى الزكاة على المال الذي لا ينمو كباعث أن يستثمر في صالح المؤمنين.
أيها الأخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.

* * *

الخطبة الثانية :

 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

زكاة الفطر :

 أيها الأخوة: هناك زكاة أخرى هي زكاة الفطر، فالصيام لا يدفع إلى الله عز وجل إلا بأداء زكاة الفطر، وحكمتها كما بين النبي عليه الصلاة والسلام:

(( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَات ))

[أبو داود عن ابن عباس ]

 إذاً زكاة الفطر فريضة على كل مسلم، الكبير والصغير، الذكر والأنثى، الحر والعبد.

(( عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ ))

[ البخاري عن ابن عمر]

 لعل الحكمة من زكاة الفطر أنها واجبة حتى على الفقير، الذي عنده قوت يومه فقط، كأن الله سبحانه وتعالى أراد أن يذيق الفقير طعم الإنفاق في العام مرة، وهذا الذي أدى زكاة فطره يحق له أن يأخذ زكاة الفطر أيضاً، على ألا يكون هناك اتفاق مسبق، الاتفاق بين شخصين على أن يؤدي كل واحد منهم للآخر زكاة فطره أسقط الزكاة، هذا الاتفاق ألغى الزكاة، لكن يحق لمن يدفع زكاة الفطر أن يأخذ زكاة الفطر أيضاً.
 التعاون قائم بين المسلمين، يجب على المسلم إذا كان يجد ما يفضل عن قوته وقوت عياله يوم العيد وليلته، يخرجها عن نفسه وعمن تلزمه مؤنته من المسلمين كالزوجة والولد، فإذا كان الأولاد لهم دخل خاص فالأولى أن ينفقوها هم.
 هناك من يبالغ ولا إسراف في الخير فيخرج عن الجنين في بطن أمه، ليس هناك حديث ثابت في هذا، لكن هذا وما تفعله أنت من خير يعلمه الله، هناك من ينفق عن الجنين في بطن أمه زكاة الفطر.

الحكمة من إخراج زكاة الفطر :

 حكمة إخراجها أيها الأخوة: كما قال عليه الصلاة والسلام:

(( ...زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَات ))

[أبو داود عن ابن عباس ]

 أيها الأخوة: هناك خلاف حول ما إذا كان يجوز أن تؤدى عيناً - أي طعاماً -وطعاماً محدداً كما جاء في الحديث، أو طعاماً موسعاً مما يأكله أهل البلد، أو مالاً، قضية خلافية بين العلماء، لكن هناك كلمة لبعض العلماء الأجلاء أنقلها إليكم كي تكون توضيحاً لهذا الاختلاف، قبل أن نقول هذه الكلمة المستحقون لزكاة الفطر هم الفقراء والمساكين من المسلمين لحديث ابن عباس رضي الله عنه "وطعمة للمساكين".

ارتباط صدقة الفطر بمصلحة الفقير :

 أيها الأخوة: مسألة صدقة الفطر ليست من مسائل الاعتقاد، ولا من قطعيات الدين وأصوله، إنما هي من مسائل الفروع، فالخلاف في مسائل الفروع ليس فيه هدى وضلال وليس فيه إيمان وكفر، بل يصعب أن يكون فيه خطأ وصواب، وإنما قد يكون فيه راجح ومرجوح، وقوي وأقوى، فلهؤلاء أدلة ولأولئك أدلة أخرى، هؤلاء ينظرون إلى معنى وأولئك ينظرون لمعنى آخر، هؤلاء ينظرون للفظ الحديث، وأولئك ينظرون لمقاصد الشريعة، فكان الواجب اللازم في مثل هذه المسائل وإن اختلف فيها أهل العلم، وإن كان لكل منهم مأخذ وقول واجتهاد ألا تكون سبباً للفرقة، والتباغض، وللنيل من بعض، وسب بعضهم لبعض، ووقوع بعضهم في أعراض بعض، وتنقص بعضهم بعضاً، فضلاً عن البغض الذي يحدث التحزّب الذي قد يقع، فهؤلاء مع هذا وأولئك مع ذاك، فيصبح لكل أتباع من يؤازرونه، وتتحول هذه المسائل الفرعية اليسيرة إلى قضايا في الولاء والبراء والحب والبغض، وقد تتحول أحياناً عند بعض الناس إلى ثوابت وقطعيات لا يقبلون الخلاف فيها. قضية خلافية، أنا أقول: يجب أن تعتمد على ضابط مصلحة الفقير، إن كانت مصلحته في أن يأخذ المال وهو ذو حكمة، فالأولى أن تعطيه المال، وإن كانت حكمته ضعيفة فالأولى أن تقدم له الطعام، اجعل من مصلحة الفقير ضابطاً في هذه القضية الخلافية.

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فـيمن تـوليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر مـا قضيت، فـإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل مـن واليت، ولا يعز مـن عـاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا الـتي فـيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا مـن كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وأذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداءك أعداء الدين، اللهم شتت شملهم واجعل تدميرهم في تدبيرهم، واجعل الدائرة تدور عليهم يا رب العالمين، اللهم بفضلك ورحمتك وفق ولاة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها إلى ما تحب وترضى، اجمعهم على الحق والخير والهدى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

والحمد لله رب العالمين