موضوعات إسلامية - موضوعات متفرقة - المحاضرة 007: الهجرة (2)- هجرة النبي صلى الله عليه وسلم .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1991-07-21
بسم الله الرحمن الرحيم

  الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علَّمتنا و زدنا علماً، وأرنا الحق حقاً و ارزقنا اتِّباعَه، وأرنا الباطلَ باطلاً و ارزقنا اجتنابه، و اجعلنا ممن يستمعون القولَ فيتَّبعون أحسنَه، وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين.

سيرة النبي الكريم تشريع و تعليم لنا :

 أيها الأخوة المؤمنون: لا زلنا في موضوع السيرة، و لا بدَّ من أن يكون واضحاً في أذهانكم أن سيرة النبي صلى الله عليه و سلم ليست أحداثاً وقعت من دون أن نستنبط منها الدلالات و العبر، ليس القصدُ أن نروي الأحداثَ، و ليس الدرسُ درسَ تاريخ، و لا درس قصص، و لكن درس تشريع و تعليم، فكل موقفٍ وكلُّ حدثٍ وكل تصرُّف و كلُّ قضاء قضاه اللهُ عز وجل لنبيِّه و لأصحابه له معنى كبيراً يلقي ضوءاً في حياتنا اليومية.
 كلُّكم يعلم أن أصحاب النبيِّ رضوان الله عليهم هاجروا بأمر النبيِّ عليه الصلاة و السلام إلى المدينة، و حينما شعرت قريشٌ أن عدد الصحابة الذين غادروا و التجؤوا إلى المدينة ورأوا في إخوانهم الأنصار أنصاراً و إخواناً قاسموهم أموالهم ومساكنهم و أعمالهم، و أن النبيَّ عليه الصلاة و السلام إذا انتقل إليهم أصبح في منعة و في قوة، و ربما توجَّه إلى قريش فأقلقها و أقضَّ مضاجعها، حينما أدركت قريش أن هجرة النبيِّ عليه الصلاة و السلام ستكون حاسمةً في تأسيس كيان إسلامي مستقلٍّ بإمكانه أن يتحرَّك و يقلق مضاجع الكفار، عندئذٍ تحرَّكت قريش.
 روى ابنُ إسحاق: و لما رأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه و سلم له شيعةٌ و أصحابٌ من غير بلدهم، و رأوا خروجَ أصحابه إليهم، عرفوا أنهم قد نزلوا داراً، و أصابوا منهم منَعةً، فحذروا خروجَ النبي صلى الله عليه وسلم، و عرفوا أنه قد أجمع لحربهم، فاجتمعوا في دار الندوة يتشاورون ما يصنعون في أمر النبيِّ عليه الصلاة و السلام حينما خافوه، ما الذي جرى في دار الندوة ؟ دارُ الندوة دار يعقد فيها زعماءُ قريش اجتماعات تشاور، و لا يقطعون أمراً إلا عن تشاور فيما بينهم، وما جرى من نقاش، و ما جرى من تشاور في دار الندوة، قال بعضهم: نحبس محمداً في الحديد، و نغلِّق عليه الأبوابَ، و نتربَّص به كغيره من الشعراء، ظنوه شاعراً، و لكنَّ هذا الرأي لم يلقَ استجابة من الحاضرين، طُرِح رأيٌ آخر، يخرجونه من ديارهم، ثم يتركونه يذهب حيث يشاء، و لكن هذا الرأي أيضاً لم يلق استجابةً لأنهم خافوا حلاوةَ منطق النبيِّ، و سحرَ بيانه، و قدرته على اجتذاب الناس، خافوا أن يجتمع الناسُ حوله فيصبح قوة كبيرة، إذًا رفضوا أن يحبسوه، و رفضوا أن يخرجوه، بقيَ حلٌّ ثالث وهو أن يقتلوه، حينما اتَّفقوا على أن يقتلوه ولكن القتل له في الجزيرة العربية مضاعفاتٌ كثيرة، إن الأخذ بالثأر، و إن العصبيات القبلية، و أن بني عبد مناف كانوا من أعزِّ قبائل قريش، و أن هؤلاء لن يدعوا أحداً يقتل محمداً و ينجو بدمه، إذًا ما العمل ؟ اتَّفقوا على أن يقتلوه بطريقة مأمونة، ذلك أن يختاروا من كل قبيلة فتى جلْداً شجاعاً ثم يذهب إليه فيضربه بسيفه، و حينئذ لن يستطيع بنو هاشم أن يقاتلوا العرب جميعاً، عندئذٍ يرضون بالدية، و يضيع دمُه بين القبائل جميعاً.

الله عز وجل عالم بكل شيء :

 الآن دقِّقوا ؛ ربُّنا عز وجل قال:

﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ ﴾

[ سورة إبراهيم: 46 ]

 تصوَّر إنساناً قويًّاً جدّاً عنده موظَّف ضعيف جدًّا، هذا الموظف ائتمر مع بعض الموظفين على الكيد لهذا المدير، أو لصاحب هذه المؤسسة، فاجتمع سرًّا و تداول و خطَّط و كتب و سمى و برمج، هذه الورقة التي كتب عليها خطَّته كانت بعد دقائق عند صاحب المؤسسة.

﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ ﴾

[ سورة إبراهيم: 46 ]

 الآن هناك نقطة مهمة جداً ؛ هذه النقطة هو أن الله يعلم كل شيء، هو معكم أينما كنتم، يعلم سركم و جهركم، يعلم الجهر و يعلم ما تخفي و ما تعلن، يعلم السرَّ و أخفى- ما خفي عنك يعلمه- فإذا كنت معه و أراد خصومُك أن يكيدوا لك أو أن يأتمروا عليك أو أن يخطِّطوا لإيقاع الأذى بك، يجب أن تعلم أن الله عز وجل يعلم كلَّ مكرهم، و أن مكرهم عند الله، معنى عنده أي عليم به قال تعالى:

﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾

[ سورة إبراهيم: 46 ]

 مكرٌ عظيم، و ربُّنا عز وجل يبيِّن حجم هذا المكرَ، عِظم هذا المكر، قال تعالى:

﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾

[ سورة إبراهيم: 46 ]

 و مع ذلك:

﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ ﴾

[ سورة إبراهيم: 46 ]

 كلُّ هذه الخطة، وكل هذا التشاور، و كل هذا التآمر، و كل هذا الإعداد، و كل هذا الترتيب في لمح البصر كان عند صاحب المؤسسة، وهو القوي، أما ربُّنا عز وجل - و لله المثل الأعلى - فالإنسان وهو يفكر تفكيره مكشوف، وهو يخطِّط تخطيطه مكشوف، وهو يطمح طموحه مكشوف، وهو يتمنى تمنِّياته مكشوفة، وهو يصارع نفسه و هواه صراعه مكشوف، فإذا كنت مع الله عز وجل فإن الله مطَّلع على كل خصومك، عندئذ من توفيق الله أنه يلهمك الخطة التي تبطل بها كيد خصومك، هؤلاء الذين بعضهم قال: نحبسه، و بعضهم قال: نخرجه، وبعضهم قال: نقتله، و بعضهم قال: نقتله بطريقة مأمونة، ننتخب من كل قبيلة فتى جلداً يضربونه ضربة واحدة يضيع دمُه بين القبائل، هؤلاء الذين فكَّروا و خطَّطوا و ائتمروا و فعلوا و دبَّروا غاب عنهم أن الهة بيده كل شيء، و هو مع كل شيء، و لا يعجزه شيء، و قد مرَّ بنا في اسم العزيز أن من معاني العزيز أنه يحتاجه كلُّ شيء في كل شيء، فحتى هؤلاء الذين ائتمروا على النبي عليه الصلاة و السلام حياتهم بيد الله عز وجل، لذلك إذا كنت مع الله فأنت أقوى مخلوق، لأن خصومك مهما كانوا أقوياء هم في قبضة الله أولاً، و في علم الله، و تحرُّكهم بقوة الله، في أيِّة لحظة اللهُ سبحانه و تعالى قادر أن يشلَّهم، و قادر أن يمنعهم،و قادر أن يحبط عملَهم، لذلك هذه السيرة ليست قصة تُروى، و لكن أحداث لها دلالات، و لها عبر، و لها مغزى عميق، أنت بعد ألفٍ و خمسمئة عام إذا كنت مع الله عز وجل من هو خصمُك؟ أيستطيع أحدٌ في الكون أن ينالك بأذى إلا أن يشاء اللهُ؟ إلا أن يأذن الله؟ إلا أن يسمح الله له بذلك؟ من هنا قال عليه الصلاة و السلام:

(( لا يرجو عبد إلا ربه، ولا يخافن إلا ذنبه ))

[ مسند الفردوس عن علي بن أبي طالب ]

من أطاع الله عز وجل ألهمه الله الصحيح و هو لا يدري :

 قال: أوحى اللهُ للنبي عليه الصلاة و السلام بما دبَّروا له، المؤامرة متى تنتهي ؟ إذا كُشِفت، قوتها في خفائها، و ضعفها في انكشافها، فما دام الله يعلم السرَّ و أخفى، فكل هذا التخطيط اللهُ معهم، و هو معكم أينما كنتم، علِم ما ائتمروا به، و أبلغ النبّي عليه الصلاة و السلام، و انتهى الأمرُ، أنت كمؤمن ما علاقتك بهذا الموضوع ؟ إذا أطعت اللهَ عز وجل قد يبدو لك من القواعد المستنبطة من الحياة أن خصومك سوف يوقعون بك الأذى، إذا وقعت في صراع بين أن تطيع اللهَ و بين أن ترضيَ من هم فوقك، وهذا الصراع يقع دائماً، و ربنا عز وجل لحكمة يريدها، يضع المؤمنَ في مكان صعبٍ أحياناً، منطق الأحداث و القواعد المستنبطة من علاقات الناس بعضهم ببعض تنبئك أنك إذا أغضبتَ فلاناً فسوف يوقع بك الأذى الشديد، و أمرُ الله عز وجل يتناقض مع توجيه فلان، فهذا درسٌ لنا جميعاً، إذا جاءك توجيهٌ أو جاءك ضغطٌ أو جاءك إغراءٌ من إنسان لا يعرف اللهَ عز وجل، و أنت تعتقد أنه قويٌّ، و بإمكانه أن يفعل بك ما يفعل، و أمرُ الله عز وجل إذا فعلتَه بحسب المظاهر، و بحسب القواعد المستنبطة من منطق الأحداث ربَّما أوقع بك الأذى الشديد، أنت إذا أطعت الله عز وجل واعتمدت عليه و توكَّلتَ عليه ما الذي يحدث ؟ أن كلَّ كيدٍ يُكادُ لك في علم الله عز وجل، و أن الله يلهمك المواقف التي تحبط بها كيدهم و أنت لا تدري، هذا هو توفيق الله عز وجل.

آيات القرآن و قوانينه وسننه متمثِّلة في سيرة النبيِّ :

 إذًا أنا أتمنى عليكم لا أن تكون هذه الأحداثُ قصصاً ممتعة تُروى، أو قصصاً نتبارك بها، بأنها قصة نبيِّنا عليه الصلاة و السلام، لا، الأمر أخطر بكثير، هذا الذي جاء في السيرة درسٌ تطبيقٌ للقرآن الكريم- أي السيرة - ألم تقل السيدة عائشة عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ: أَخْبِرِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم؟ فقالت:

(( كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ ))

[ البخاري عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ]

 إذًا القرآنُ متلوٌّ و مشاهد، مشاهد في سيرة النبيِّ، لذلك قال بعضُهم تجاوزاً: النبيُّ عليه الصلاة و السلام قرآن يمشي، فكلُّ آيات القرآن، و كل قوانين القرآن، و كل سنن القرآن متمثِّلة في سيرة النبيِّ عليه الصلاة و السلام، إذًا نحن أول استنباط من هذا الموقف كفار قريش و زعماء قريش، الرجال الأقوياء الذين أمرهم نافذٌ في بلدهم، بل و في الجزيرة العربية اجتمعوا و قرَّروا و أخذوا احتياطات ودبَّروا و ائتمروا، قال تعالى:

﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً ﴾

[ سورة الطارق: 15-16]

 وشتان بين كيد البشر و بين كيد خالق البشر، و شتان بين كيد المخلوق و كيد الخالق، و شتان بين كيد الضعيف و بين كيد القوي، شتان بين كيد الجاهل و بين كيد العالِم، شتان بين كيد الحادث و بين كيد القدير، فإذا كنت مع الله كان الله معك، كان اللهُ معك، و إذا كان اللهُ معك فمن عليك؟ و إذا كان الله عليك فمن معك؟ هذا درسٌ يجب أن تطبِّقه كلَّ يوم، اشعُر دائماً أنك إذا وقعت في ظرفٍ حرج بين أن تطيع الله عز وجل و تغضب زيداً و يحنق عليك زيدٌ و يتوعَّدك زيد و يلوِّح لك زيد بما عنده من عقوبات، إذا وقعت في ظرف حرج بين أن تطيع الله عز وجل وأن تغضب مخلوقاً، أو أن تطيع مخلوقاً و تغضب خالقاً، فاعلم علمَ اليقين أنك إذا أطعتَ الله عز وجل منعك من خصومك، لأنهم في قبضته، وحركاتهم في علمه، و كيدهم عنده، ممكن أن تكتب على ورقة شيئاً بعد فترة بسيطة يصل إلى خصمك ما في الورقة، قال تعالى:

﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ ﴾

[ سورة إبراهيم: 46 ]

 أي وهم يمكرون مكرهم عند الله عز وجل، هذا شيء فوق طاقة البشر.

البطل من كان مع الله دائماً :

 هناك آية ثانية دقيقة جداً، قال تعالى:

﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ﴾

[سورة الزخرف: 79]

 أنتم هكذا خطَّطتم و هكذا قرَّرتم، و هكذا أجمعتم على قتله، و أن يقتله فتيان من كل قبيلة، و أن يضيع دمُه بين كل القبائل، و أن تعجز بنو مناف عن الأخذ بالثأر من كل هؤلاء جميعاً، إذا يضيع دمُه، و يقبلون الدية، هكذا خطَّطتم، و هكذا أبرمتم، قال تعالى:

﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ﴾

[سورة الزخرف: 79]

 و نحن قرَّرنا أيضاً، قرَّرنا أن ننجِّيَّه و نجعله سيِّد البلاد و العباد، و أن يأتي إلى بلدكم فاتحاً، و أن تكونوا جميعاً رهن إشارة منه، لو أشار إشارةً لقُتلتم جميعاً، و أن يقول لكم: ما تظنون أني فاعل بكم ؟ يقولون: أخ كريم و ابن أخ كريم، فيقول عليه الصلاة و السلام:

((اذهبوا فأنتم الطلقاء ))

[السيرة النبوية]

 أنتم هكذا أبرمتم ونحن هكذا أبرمنا، فالبطل هو الذي مع الله دائماً، لأن أمر الله هو النافذ، يا فلان و يا شيبة بن ربيعة و يا عتبة و يا أمية بن خلف - خاطبهم في بدر واحداً واحداً - أوجدتم ما وعد ربُّكم حقًّا فإني وجدت ما وعدني ربي حقًّا، لقد أخرجتموني و آواني الناسُ، و خذلتموني و نصرني الناسُ، قالوا: أتخاطب قوماً جيَّفوا؟ قال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، إذًا أن تكون مع الحق دائماً، الحق هو المنتصر، هو الأبدي السرمدي، أنا تأثرتُ أنهم اتَّفقوا، نحبسه، لا، قد يأتي أصحابُه فيأخذونه من حبسه، نقتله، مشكلة، نطلقه مشكلة، إذًا يجب أن نقتله بطريقة مأمونة، قال تعالى:

﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ﴾

[سورة الزخرف: 79]

 فإذا كنت مع الواحد الديَّان، و إذا كنت أنت من حزب الله، قال تعالى:

﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ﴾

[سورة المائدة: 56]

 إذا كنت وليًّا لله، قال تعالى:

﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾

[سورة يونس: 62-63]

 هنا البطولة، أن تعرف مع من تقف، أن تعرف مع من تناصر، أن تعرف من هو الأقوى، الإنسان الذكي إذا وجد جهتين إذا كان يحبُّ ذاتَه و لا يعلِّق أهمِّية على صحة المبادئ يرى أيُّهما أرجح كفَّة و أيهما أقوى فينحاز له لضمان مستقبله، أنت يجب أن تؤمن أنك إذا كنت مع الله فأنت أقوى إنسان، و هكذا قيل: إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكَّل على الله، و إذا أردت أن تكون أكرمَ الناس فاتَّقِ الله، و إذا أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثقُ منك بما في يديك.

خطة النبي للردّ على مؤامرة قريش :

 طبعاً هذا الاجتماع الخطير الذي ائتمرت فيه قريش على قتل النبيِّ بشكلٍ يسير بُلِّغ للنبيِّ عن طريق الوحي، فالنبيُّ عليه الصلاة و السلام وضع خطَّة بإلهام من الله عز وجل للردِّ على هذه المؤامرة على قتله.
 أوَّلاً: أوحى إلى ابن عمِّه - القضية قضية ساعات، و الموضوع كلُّ أصحابه أصبحوا في المدينة، و الأنصار وقفوا موقفاً مشرِّفاً وهو ينتظرون النبيَّ، فصار هناك أرضٌ، و صار هناك كيان و قوة و خطر، فقريش معها ورقة رابحة باللغة الحديثة هو النبيُّ، فإذا قتلته انتهت الدعوةُ، وإذا أُفلِت من بين يديها انتهت قريش، فالقضية قضية مصيرية، فاجتمعت و قرَّرت و النبيُّ عليه الصلاة و السلام تلقَّى وحياً من الله عز وجل بما دار في دار الندوة، ووضع خطَّة محكمة بمعونة الله عز وجل، و اتِّكالاً عليه، و ثقة بنصره، و ثقة بأنه معصوم من أن يُقتل، و بأنه نبيُّ هذه الأمة، ونفَّذ الخطة، أنت كمؤمن، و المؤمن لا يأتيه الوحيُ، الوحي انتهى قولاً واحداً.

أنواع الوحي :

 طبعاً بالمناسبة الوحي أنواع، قال تعالى:

﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا ﴾

[سورة الزلزلة: 1-5]

 هذا وحي الأمر للجمادات، قال تعالى:

﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ﴾

[سورة النحل: 68]

 هذا وحي الغريزة للحيوانات، قال تعالى:

﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾

[سورة القصص: 7]

 هذا وحي الإلهام، وقال تعالى:

﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآَنَ﴾

[سورة يوسف: 3]

 هذا وحي رسالة، فوحي الرسالة انتهى، لكن يمكن أن يأتي إلهامٌ من الله عز وجل، يكون لك خصمٌ دبَّر لك شيئاً، فربُّنا عز وجل علِم هذا الشيء فألهمك أن تتَّجه إلى هذا المكان بدلاً من هذا المكان، هذا الشيء يقع كلَّ يوم.

معية الله عز وجل الحفظ و التأييد و النصر و الرعاية :

 إذًا علاقة المؤمن بهذه القصة أنك إذا كنت مع الله عز وجل ألهمك الطريق المناسب، و ألهمك الطريق السليم، وألهمك الطريق الذي ينجِّيك من خصومك، ألهمك تصرُّفاً أو موقفاً تحبط به مؤامرة خصومك، طبعاً لا يوجد إنسان ليس له أعداء، و العداء بين الحق و الباطل قديم و مستمر، فإذا كنت مع الله عز وجل و كان لك خصومك كأن الله عز وجل يلهمك أن تفعل كذا، أو أن تقول كذا، أو أن تمتنع عن الذهاب إلى هذا المكان، أن تذهب إلى هذا المكان، أن تخاطب فلاناً، و أن تصاحب فلاناً، هذا إلهامات هي ثمن و جزاء استقامتك و اعتمادك و اتِّكالك و اعتزازك و طاعتك، و الحقيقة أنك بين إلهام و بين وسوسة فإما أن تتحرَّك بوسوسة الشيطان، و الدعاء الشهير: "اللهم اجعل تدميرهم في تدبيرهم..." أحياناً الإنسان يفكر يفكر و يفكر، يخطِّط و يجمع و يطرح و يقسم و يضرب، و يأخذ رأي أصدقائه، ويعمل عملاً يكون فيه أجلُه، و يكون فيه إفلاسه، و يكون فيه تدميرُه، العاصي يتحرك بوساوس الشيطان، أما المؤمن نظير استقامته و طاعته لله و محبّته لله و اعتماده عليه و توكُّله عليه فيتحرَّك بإلهام من الله عز وجل، و القصص على هذا أكثر من أن تُحصى و المؤمن - و أنا واثق بكلامي - يشعر أن قوة خفيَّة تدفعه أن يفعل كذا، أو أن يغيِّر اتِّجاهه، أو أن يفعل كذا، أو أن يقول كذا، أو أن يقف هذا الموقف، في النهاية يرى أن هذه المواقف نجَّته من ملمَّة كبيرة، قال تعالى:

﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾

[سورة الطور: 48]

 و هذا معنى قوله تعالى:

﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[سورة الأنفال: 19]

 قال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾

[سورة البقرة: 153]

 قال تعالى:

﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾

[سورة التوبة: 36]

 و معية الله عز وجل الحفظ و التأييد و النصر و الرعاية.
 هذا أولُ درس، مستقيم مهما كان خصمُك قويًّا، حركته بعلم الله و بقبضة الله، بعلم الله و بقبضته، فيلهمك التَّحرُك المناسب لإحباط خطة خصمك، هذا ملخَّص الملخَّص، إذا كنت مستقيماً ألهمك الله حركة خاصة تكتشف بعد حين أن هذه الحركة أحبطت خطَّة خصمك، أحياناً يكون الموظَّف مؤمناً ومستقيماً، يربك الآخرين باستقامته، أربك الآخرين، وكشفهم، فيأتمرون عليه، و يلقون عليه تهماً باطلة، و يوّشُون به عند رؤسائهم، و يجعلون من هم فوقه يحنقون عليه هو لا أقول: ساذج، و المؤمن ليس ساذجاً، المؤمن كيِّس فطِن حذِر لكن هو مستسلم لله عز وجل، و طبَّق شرع الله و ما قبِل الحرام، فتجد ما الذي يحصل، أن كل كيد خصومه عند رؤسائه ينفضح، و ينكشف، و تعود الدائرة عليهم، و يزداد قوةً في عمله.

عدم الاستسلام لمنطق الأحداث :

 الآن الفكرة أنا أعلِّق عليها أهميَّة كبيرة، نحن عندنا شيء اسمه منطق الأحداث، هناك مراكز قوى في الحياة، فلان قوي و فلان ضعيف، و فلان غنيٌّ و فلان فقير، و فلان يستطيع أن يؤذي و فلان لا يستطيع أن يؤذي، عندنا منطق أحداث، هذا المنطق إذا أنت آثرت طاعة الله عز وجل يتعطَّل، مثلاً جاءك ضغطٌ معيَّن إن لم تفعل كذا تخسر عملك، وهذا الفعل يغضب اللهَ عز وجل، لا أفعل و ليكن ما يكون، بمنطق الأحداث يجب أن تخسر عملك، بمنطق الرحمن تزداد قوة في عملك، و يعلو شأنُك، و تُمنح ثقة لا حدود لها، و ينقلب خصومُك صغاراً مكشوفين يظهر حقدُهم وحسدُهم، و تنكشف مكيدتهم، فإياك أن تستسلم لمنطق الأحداث، استسلم لمنطق القرآن، قال تعالى:

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[سورة النحل: 97]

 و قال تعالى:

﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾

[سورة المائدة: 12]

استنباطات هامة من سيرة النبي :

 إذًا هذا أول درس؛ زعماء قريش اتَّفقوا و اجتمعوا و وضعوا خطة محكمة دقيقة، أبلغها اللهُ للنبي، و ألهمه خطةً أحبط بها خطَّتهم، ماذا فعل النبيُّ؟ قال: أوحى إلى ابن عمِّه عليٍّ رضي الله عنه أن يبيت في فراشه تلك الليلة، و أخبره بما كان من عزمه على الهجرة، و أمره أن يتخلَّف عنه حتى يؤدِّيَ ما عنده من الودائع إلى أصحابها، و كان صلى الله عليه و سلم موضعَ ثقة من أهل مكة جميعاً، فكانوا يحفظون عنده أماناتهم وودائعهم، رأوه على السرير في الفراش، اطمأنوا و ألبسه برده الأخضر، و النبيُّ عليه الصلاة و السلام خرج من بينهم و لم يروه، أنا مؤمن إيماناً بكل خلية من خلاياي أن كل مخلوق أمامك قد يراك و قد لا يراك، أحياناً يكون الشيءُ معقَّداً جدًّا تجد هذا الموظَّف ببساطة وافق لك، وببساطة عجيبة جداً ممكن أن يسبب لك متاعب لا تنتهي، فهذا الموظف ملهَم من الله عز وجل، إنما ربُّنا يوجِّهه توجيهاً بالتدقيق أو بالتساهل، فهؤلاء الذين وقفوا على باب بيت النبي عليه الصلاة و السلام وهم يتربَّصون به ليقتلوه و أيديهم على سيوفهم، كيف خرج من بينهم و لم يروه؟؟ و حينما خرج أمسك حفنةً من تراب و ألقاها على رؤوسهم و قال:

﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ﴾

[سورة يس: 9]

 أنت كمؤمن هذا الذي أمامك مخلوق بيد الله، ممكن ربُّنا عز وجل يعميه عنك، ممكن يفتِّحه عليك، و ممكن ينبِّهه إلى شيء، و ممكن لا ينبِّهه، فأنت علاقتك مع الله عز وجل و ليس مع الأشخاص، هذا الشخص بيد الله، هذا الدليل، شباب أشدَّاء أقوياء، أيديهم على الزناد بالتعبير الحديث أي على السيوف، وهم ينتظرون خروج النبي ليقتلوه، و ينفِّذوا خطَّة قريش، و النبي عليه الصلاة و السلام خرج من بينهم و ألقى عليهم التراب، و قد أصابهم نعاسٌ شديد، غفلوا عنه و خرج من بينهم، قال:

﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ﴾

[سورة يس: 9]

 خرج من بينهم و هم ينظرون إلى فراش النبي وهم مطمئنون أنه في الفراش، و الحقيقة عليٌّ مكانه، و قد سجِّيَ ببرده الأخضر، و لكن عندنا استنباط آخر، و الاستنباط الآخر أقوى ؛ أن هؤلاء الذين اتَّهموه و الذين لم يستجيبوا له لماذا وضعوا عنده أماناتهم ؟ إذًا هو موضعُ ثقة فيهم، إذًا هو عندهم صادق، هم ما كذَّبوه لأن الصدق و الأمانة متلازمان، ما دام أميناً فهو صادق، هو صادق و أمين، إذًا كِبرهم ومصالحهم منعتهم من أن يؤمنوا به، و هناك استنباط آخر أن المؤمن دائماً موضع ثقة، بالتجارة موثوق، بكل عمل موثوق، و يؤدِّي الأمانات إلى أهلها، أكبر دعم للمؤمن أن الناس جميعاً - على اختلاف آرائهم فيه، و على اختلاف تقييمهم له، وعلى اختلاف ردود فعلهم تِّجاه إسلامه- متَّفقون أنه أمين و لا يخون أبداً، هذا شيء ثابت، إذا كنت مؤمناً حقًّا فأنت موضع ثقة، و النبي الكريم قال:

((الأمانة غنى))

[الجامع الصغير عن أنس]

 لمجرَّد أن تكون أميناً أنت غنيٌّ بالمعنى المادي، لأنك إذا كنت أميناً مُنِحت ثقةَ الناس، و إذا منِحت ثقة الناس تحرَّكتَ حركة واسعة جدًّا.
 أذكر صديقاً لي يعمل في التجارة، ذهب إلى حلب و دخل إلى معمل ضخمٍ جدّاً، و هذا المعمل ينتج منسوجات، و لكن عليها طلب شديد، طلب منه بضاعة ديناً، قال له: انتظر أسبوعاً، حضر صاحب المعمل إلى الشام، و سأل عن الصديق، فجاء الجوابُ طيِّباً جداً، معه طيبة و نزيه و أمين، فقال له: أنت لك عندي رصيد سقف مليون ليرة - هذه منذ عشر سنوات - فائت ببضاعة و بِعها وادفع ثمنها، هذه السمعة الطيبة و هذه النزاهة و الأمانة سبَّبت له غنى مادياً، جاءته بضاعة بمليون ليرة و باعها و ربح و دفع ثمنها، لو كان مشكوكاً في أمانته لم يبعه إلا نقداً، إذًا الأمانة غنى مادي، و الحقيقة شيء عجيب جداً، الأمين متعفِّف و نزيه وورِع، ظاهر الورع أن تحت يديه أموالاً كان بإمكانه أن يستفيد منها، قال تعالى:

﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴾

[سورة الحشر: 16]

 نظير هذه الأمانة و الورع و الزهد و العفَّة أن الله عز وجل يجعله موضع ثقة الناس جميعاً، و إذا كان موضع ثقة الناس جميعاً أصبح غنيًّا بالمعنى المادي أيضاً، أنا أقول لإخواننا الذين يعملون في التجارة: أنت كم رأس مالك ؟ مئة ألف، إذا كنت مستقيماً و أميناً يصبح رأسُ مالك خمسين مليوناً، لأنه عندئذ يثق الناس بك، حتى الأجانب إذا شعروا أن هذا الإنسان موضع ثقة يمنحونه تسهيلات، إذًا الأمانة غنى كما قال النبيُّ الكريم، النبي عليه الصلاة و السلام وهم لم يصدِّقوا دعوته، و لم يستجيبوا له، لكن أموالهم وودائعهم و نفائسهم موضوعة أمانة عنده، هذا ماذا يعني ؟ أنه صادق في دعوته، و لكن كِبرهم و حسدهم ومصالحهم و زعامتهم منعتهم من أن يؤمنوا به، و ليس الذي يظنه الناسُ أنهم لم يقتنعوا .

قصة هجرة النبي عليه الصلاة و السلام :

 روى ابنُ إسحاق عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: " كان لا يخطئ رسولَ الله صلى الله عليه و سلم أن يأتي بيتَ أبي بكر أحدَ طرفي النهار" النبيُّ عليه الصلاة و السلام كان يزور أبا بكر كل يوم في بيته مودة و محبة، دائما الزيارة تسبب المودة، النبيُّ ممكن أن يقول له: تعالَ إليَّ، طبعا يستجيب، لكن إكراماً لهذا الصحابي الجليل، و إكراماً لسيد الصحابة كان النبي عليه الصلاة و السلام لا يخطئ، و معنى لا يخطئ هنا لا يفعل، لا يغفل عن أن يفعل، لا يخطئ أن يأتيَ بيت أبي بكر أحد طرفي النهار، إما بُكرة و إما عشيَّةً، حتى إذا كان اليومُ الذي أذِن الله فيه لرسوله في الهجرة و الخروج من مكة بين ظهري قومه أتانا - كلامُ من ؟ كلام السيدة عائشة – قالت: أتانا رسولُ الله صلى الله عليه و سلم بالهاجرة، في وقت غير معتاد- الظهيرة- في ساعة كان لا يأتي فيها، قالت: فلما رآه أبو بكر قال: ما جاء رسولُ الله في هذه الساعة إلا لأمرٍ جللٍ- لأمر خطير- فلما دخل تأخَّر له أبو بكر عن سريره فجلس عليه الصلاة و السلام و ليس عند أبي بكر إلا أنا و أختي أسماء - بناته الصغار - فقال عليه الصلاة و السلام: أخرج عني من عندك، هو قال:

((استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان))

[ رواية سهل بن عبد الرحمن الجرجاني عن محمد بن مطرف عن محمد بن المنكدرعن أبي هريرة مرفوعاً]

 أحياناً يكون عندك شخص مهمٌّ و هناك طفل صغير واقف، تنسى أن الطفل يسمع، هذا الطفل أحياناً ينقل، المؤمن كيس فطن حذر .

((استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان))

[ رواية سهل بن عبد الرحمن الجرجاني عن محمد بن مطرف عن محمد بن المنكدرعن أبي هريرة مرفوعاً]

 هكذا المؤمن، فقال: أخرج عني من عندك؟ قال: يا رسول الله إنما هما ابنتاي، وهذه لها معنى آخر أي الإنسان أولاده و بناته جزءٌ منه، وما ذاك فداك أبي و أمي؟ قال: إن الله قد أذِن بالخروج و الهجرة، هذا الخبر أسرَّه لسيدنا الصديق بعد ان جاء التوجيه الإلهي، فقال أبو بكر: الصحبة، أي هل بالإمكان أن أصاحبك يا رسول الله؟ قال: الصحبة نعم، قالت عائشة: فو الله ما شعرت قطُّ قبل ذلك اليوم أن أحداً يبكي من الفرح، حتى رأيتُ أبا بكر يومئذ يبكي ثم قال: يا نبيَّ الله إن هاتين راحلتين كنتُ أعددتهما لهذا- أي شعر أنه قد يهاجر مع النبي، فاشترى راحلتين و علفهما و هيَّأهما ليكونا مطيتي رسول الله و صاحبه- فاستأجرا عبد الله بن أرقط رجلاً من بني الديل بن بكر و كان مشركاً، ماذا عندنا كاستنباط من هذا ؟ هذا الرجل خبير بالطرقات، و يستطيع أن يمشي بهما في طريق آمنٍ، بين التلال و بين مسارب الوديان، بطريقة لا يُكشَف، و أنا حينما كنت في الحج أُنبِئتُ أن الطريق الحديث جداً بين مكة و المدينة هو طريق الهجرة الذي سار به النبيُّ صلى الله عليه و سلم، الاستنباط من هنا، أنه أحياناً قد تكون الخبرة عند غير مسلم، هذا غير المسلم ليس معادياً، لكن يجب أن نستفيد من خبرته، فالسؤال دقيق، استأجرا عبد الله بن أرقط، رجل من بني ديل بن بكر و كان مشركاً يدلهما على الطريق و دفعا إليه راحلتيهما، و كانتا عنده يرعاهما لميعادهما، الخطة التي رسمها النبيُّ صلى الله عليه و سلم أنه حينما يخرج من البيت تقوم قائمةُ قريش، أين ذهب النبيُّ؟ إذًا يجنِّدون كلَّ قواهم لإدراكه و اللحاق به و إلقاء القبض عليه، إذًا ليس من الحكمة أن يتَّجه النبيُّ إلى المدينة، مستحيل، هو ضعيف، هو مع الصديق رجلان، أما قريش فقبيلة و هم أشدَّاء أقوياء حاقدون، إذًا من الذكاء و الحكمة و الفطنة أن يختبئ النبي في أيام ثلاثة إلى أن تضعف همَّةُ قريش في البحث عن النبي، و الخطة المرسومة أن يخرج النبيُّ عليه الصلاة و السلام مع صاحبه الصديق إلى غار ثور، و أن يختفيا في هذا الغار مدةً، حتى ينظرا ما يكون من حال القوم في شأنهما، حتى إذا هدأت العاصفةُ، و كفَّ الطلبُ عنهما أخذا في السير إلى المدينة من طريق غير الطريق المألوف، و كان لا بدَّ لهما من دليل حاذق يهديهما سواء السبيل، و يأخذهما من طريق آمن و يبعدهما عن عيون القوم، فاختارا لذلك عبد الله بن أرقط و واعداه أن يوافيهما بعد أيام ثلاثة عند غار ثور، هناك خطة، أنت كمسلم هكذا من دون إعداد و من دون تخطيط و من دون تدبير، أخي اتركْها لسيدنا، أنا على الله أتوكل، والله لن يضيِّعني، هذا موقف غير إسلامي، بالتجارة، و في الدراسة، و في الزراعة، و في العمل، و في الوظيفة، و في كل شيء خطَّط و هيِء لكل مشكلة جواباً، و هيّء لكل ثغرة ما يسدُّها، و هيِّء لكل مفاجأة ما تغطِّيها به، هكذا فعل النبيُّ، و لو أنه خرج من مكة إلى المدينة احتمال أن يدركه القومُ قويٌّ جداً، هو مشرِّع، مع أنه معصوم علَّمنا كيف نأخذ بالأسباب.
 قال: غار ثور كهف بأعلى جبل ثور، وهو جبل عالٍ ذو قمَّتين، لا تقل: قُمة، القمة من القمامة، قل قِمة، بكسر القاف، جبل عالٍ ذو قمتين على ثلاثة أميال من جنوب مكة، أي تقريبا أربعة و نصف كيلو متر أو خمسة كيلو متر، مسير ساعة في الطريق المنحدر منها إلى اليمن، و المدينة نحو الشمال، و توجَّه النبيُّ على عكس ما يخطر في بال كل الملاحقين و المطاردين، كل المطاردين نحو الشمال، هو اتَّجه نحو الجنوب، نحو طريق اليمن، قال: يمشي السَّائرُ فيه نحو ساعتين في طريق ليِّنٍ كثيف الرمال، ثم يصعد فيه صعودا هيِّناً حتى يصل إلى قمَّته القريبة، فإذا وصل إليها مشى قليلاً في طريق ممهَّد سهل كأنه برزخ، ثم يأخذ في الصعود إلى القمة الأخرى في مرتقى وعرٍ شديد الانزلاق - انحداره شديد- كثير المضايق و الصخور، فلا يزال كذلك يبذل من جهده و قوته و يستعين بكل خبرته و حذقه حتى يصل إلى الغار عند القمة، إذا الإنسان ذهب إلى العمرة و أُتيح له أن يزور غار ثورٍ فليفعل ليرى كيف أن الله عز جل حمى نبيَّه صلى الله عليه و سلم في هذا الغار، و كانت هذه الحماية سبب انتشار الإسلام، حتى يصل إلى الغار عند القمة الثانية فيجده كهفاً ضيِّقاً لا تزيد مساحته عن مترين و نصف، رابضاً تحت صخرة ضخمة تغشِّي جوفَه ظلمةٌ خفيفة، له فتحتان، فتحة ضيِّقة في جانب منه، و أخرى من جانب آخر لا تزيد سعتها عن نصف متر، يجب أن يدخلها راكعاً أو منحنياً، وهي التي يستطيع الداخلُ أن يدخل منها بغير مشقة كبيرة، ماذا فعل سيدنا الصدِّيق؟ أبى أن يدخل إلى الغار إلا قبله، لعل فيه أفعى، و لعلَّ فيه عقرب، و لعلَّ فيه سبع، و لعلَّ فيه وحش، هذه قمة التضحية من أجل النبي عليه الصلاة و السلام، في تلك الليلة بات فتيان قريش يرصدون دارَ النبي ليقتلوه عند خروجه، فليس من عادة العرب أن يقتلوا شخصا في عقر داره، هذه عادة كانت متَّبعة، و بات عليُّ بن أبي طالب في فراش النبيِّ، و تغطَّى ببرده الحضرميِّ الأخضر، و جعل القومُ كلما نظروا من خِصاص الباب رأوا عليًّا فظنوه رسول الله، فاطمأنوا، فلما تنفَّس الصبحُ و انكشف الظلامُ قام النائمُ من فراشه فإذا هو عليُّ بن أبي طالب، فجُنَّ جنونُ القوم و طار صوابُهم، و حدقوا بعليٍّ ينهرونه و يتجاذبونه و يسألونه عن محمد أين ذهب؟ و أين اختفى؟ فيقول عليٌّ في هدوء: لا أدري، أمرتموه بالخروج فخرج فجعلوا يضربونه و يناوشونه بأيديهم و عصيِّهم حتى أخرجوه إلى المسجد فحبسوه هناك، و اجتمع القومُ عليه يحاولون بكل وسيلة أن يعرفوا منه مكان النبيِّ فلم يستطيعوا، فلما استيئسوا منه أطلقوه و تفرَّقوا يبحثون عنه في كل مكان، و ينقِّبون في كل فجٍّ، و يسألون كلَّ غادٍ و رائحٍ، و يقطعون الأرضَ شرقاً و غرباً و شمالاً و جنوباً، و يتتبَّعون آثار الأقدام في كلِّ طريق، و خرج الغضبُ و الغيظُ بهم عن أطوارهم فجعلوا يتخبَّطون بما يفعلون.

مواقف الإنسان تعبير عن ذاته و عقائده :

 روى ابنُ إسحاق: خرج النبيُّ عليه الصلاة و السلام و أبو بكر رضي الله عنه، قالت عائشة: أتانا نفرٌ من قريش فيهم أبو جهل بن هشام فوقفوا على باب أبي بكر، فخرجتُ إليهم فقالوا: أين أبوكِ يا بنت أبي بكر؟ قلتُ: لا أدري و اللهِ أين أبي، فرفع أبو جهل يدَه و كان فاحشاً خبيثاً فلطم خدَّي لطمةً طرح منها قُرطي- أي الحلق- و بالمناسبة، سمعتُ أو قرأت أن أبا جهل أيضاً أراد أن يؤذيَ ابنة رسول الله صلى الله عليه و سلم- السيدة فاطمة- و كانت صغيرة جداً، سألها أين أبوكِ ؟ قالت: لا أدري، فضربها ضرباً شديداً، فسمع بهذا أبو سفيان، فذهب إلى بيت أبي جهل و عنَّفه ووبَّخه و قد حمل فاطمة على يده و قال: اضربيه، هكذا سمعتُ، لما بلغ النبيَّ صلى الله عليه و سلم هذا رفع يديه إلى السماء و قال: يا ربي لا تنسَها لأبي سفيان، أي كلُّ شيء مسجَّل، كل موقف و كل دفاع، فيُقال: إن هذا الموقف من أبي سفيان الذي حارب النبيَّ ثلاث مرات جعل حياته تنتهي بالإيمان، آمن بالنبيِّ و أسلم و حسُن إسلامُه، فالإنسان يعتقد أن كلّ حركة و كل سكنة مسجَّلة عليه، هذه عبارة حديثة، ذاك الموقف سجَّلناه، كتب، و سوف تُحاسَب عنه، أنت اعتقِد أن الله عز وجل سيسجِّل عليك كل موقف، وقفتَ موقف المنسحِب، موقف المتبني، موقف المدافع، موقف المتَّقِد حماساً، موقف اللامبالي، موقف الغيور، موقف الشامت، هذه كلها مسجَّلة، فأنت مواقفك تعبير عن ذاتك، و عن إيمانك، و عن عقيدتك، و عن محبَّتك، و عن ورعك و استقامتك، فهذا أبو جهل بن هشام كان فاحشاً خبيثاً فلطم خدِّي لطمةً طرح منها قرطي.
يروي صاحبُ الدُّرِ المنثور فيما رواه أن النبيَّ صلى الله عليه و سلم مشى ليلةً على أطراف أصابعه، لئلا يظهر أثرُ رجليه على الأرض، العرب كانوا أذكياء جداً في اقتفاء الآثار، كانوا يعرفون المرأة الحاملَ من آثار أقدامها، يعرفون ذكراً أو أنثى، و كم هي في السنِّ و حامل أو غير حامل، من آثار الأقدام، هذا علم تفوَّق به العربُ جداً، فالنبيُّ عليه الصلاة و السلام لئلا تظهر آثارُ أقدامه على الأرض كان يمشي على أطراف أصابعه، حتى حفيت قدماه و أنه لم يصل الغارَ حتى تقطَّرت قدماه دمًا، ألم يقل عليه الصلاة و السلام: عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَمَا لِي وَلِبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلَالٍ))

[ الترمذي عَنْ أَنَسٍ]

 جعلنا الله من هؤلاء، ممن يتبِّع هذا النبيَّ العظيم.

من ائتمر عليه خصومه ألهمه الله خطة لردّ كيدهم :

 موقف أخير ؛ سيدنا الصديق وهما في طريقهما إلى الغار يمشي تارة خلف النبيِّ و تارة أمام النبي، فالنبيُّ عليه الصلاة و السلام سأله و قال له: لمَ تمشي هكذا ؟ قال: يا رسول الله أذكر الطلبَ، يلاحقونك ؛ فأمشي خلفك، و أذكر الرُّصدَ ؛ ينتظرونك، فأمشي بين يديك، هل هناك أرقى من هذه المحبَّة ؟ خطر في باله أنهم يلاحقونه فيشمي وراءه، حتى يكون درعاً له، و خطَر بباله خاطرٌ آخر، لعلَّهم أمامه ينتظرونه مشى بين يديه، فالنبيُّ استغرب، لم تفعل هكذا ؟ قال: أذكر الطلب فأمشي خلفك، و أذكر الرصد فأمشي أمامك.
 على كلٍّ هذه القصة أجملتها آيةٌ واحدة، قال تعالى:

﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾

[سورة الأنفال: 30]

 أي مكر يعود بالخير على كل العباد، و الإسلام انتشر، مكرُ الله عز وجل أي تدبيره في ردِّ مكر الكفار، و حفظ النبيِّ عليه الصلاة و السلام، ولم تكَد تمضي أيامٌ ثلاثة حتى يئست قريشٌ من العثور على النبي صلى الله عليه وسلم، و أيقنت أنه أُفلِت من يديها، و أخذ في طريقه إلى أصحابه في المدينة، فكفَّت عنه البحثَ، و جعلت مئة ناقة لمن يأتي بالنبيِّ حيًّا أو ميِّتا، طليقاً أو أسيراً، و إن شاء الله في درس قادم نتابع طريق الهجرة، و لكنني أُلحُّ عليكم مرة ثانية أن الأحداث معروفة، و أنا حينما أتلو على مسامعكم بعض هذه الأحداث لا ألقي عليكم جديداً، و لكن الذي أعلِّق عليه أهميَّة كبيرة هي الدلائل و العبر و الاستنتاجات و الدروس التي يمكن أن تُستنبط من هذه السيرة كي تكون لنا نوراً مضيئاً في حياتنا، فنحن عندنا نقطتان أو ثلاث من أول الدرس ممكن أن الله عز وجل يلهمك الصواب دائماً، كلما ائتمر عليك خصومُك يلهمك خطة تحبط بها مساعيهم، هذه لكل مؤمن مستقيم، و الله تعالى ماذا قال؟

﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾

[سورة الأنبياء: 87-88]

 الحديث عن سيدنا يونس قال تعالى:

﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾

[سورة الأنبياء: 88]

 يُستنبط من هذه الآية أن الله عز وجل إذا حفظ أنبياءه الكرام على قدر إيمانهم، و على قدر إخلاصهم، و على قدر ورعهم، ينال المؤمن نصيباً من حفظ الله عز وجل له.

والحمد لله رب العالمين