خطبة الجمعة - الخطبة 1104 : خ1 - حكم الاحتفال بذكرى المولد2 ، خ 2 - الخُلق العظيم رحمة من الله أودعت في قلب سيد المرسلين.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2009-03-13
بسم الله الرحمن الرحيم

الخــطــبـة الأولــى :

     الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وآل بيته الطيبين الطاهرين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين.
     اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

الله جلّ شأنه لحكمة بالغة أراد أن تكون علاقته بعباده علاقة حب لا علاقة إكراه :

     أيها الأخوة الكرام، لازلنا في ذكرى مولد سيد الأنام، ولكن الموضوع اليوم يحتاج إلى تقدمة، فأولاً أراد الله جلّ شأنه لحكمة بالغة بالغة أن تكون علاقته بعباده علاقة حب لا علاقة إكراه فقال تعالى:

﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي (256) ﴾

( سورة البقرة )

     أرادك أن تأتيه مختاراً، أرادك أن تؤمن به محبة، أراد أن تكون استجابتك له بمبادرة منك وليس بالقصر، والذي يؤكد أن الله عز وجل لا يرضى أن يكرهنا على الدين ما البديل قال تعالى:

﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾

( سورة المائدة الآية: 54 )

     يريد عباداً يحبهم ويحبونه، ولأنه قدم يحبهم فالبطولة لا أن تدعي محبة الله هذه سهلة جداً.

كل يدعي وصلاً بليلى      وليلى لا تقر لهم بذاكا
* * *

     هؤلاء الذين يدعون محبة الله خاضوا بحار الهوى دعوى وما ابْتلوا، لكن البطولة أن يحبك الله عز وجل، إلا أن محبة الله لابدّ من دليل يؤكد أنك تحب الله، قال تعالى:

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

(سورة آل عمران)

     أما هؤلاء الذين ادعوا محبة الله بماذا ردّ الله عليهم ؟ الذين قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه فرد الله عز وجل عليهم:

﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ (18) ﴾

( سورة المائدة)

الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر علة خيرية هذه الأمة :

     أريد الحقيقة المرة التي هي أفضل ألف مرة من الوهم المريح، فإذا قال المسلمون: نحن أمة الوحيين، ونحن أمة سيد الأنبياء، ونحن الأمة المختارة، ونحن الأمة التي فضلها الله على أمم أخرى، ونحن الأمة التي ورد بحقنا:

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 110 )

     الرد الإلهي جاهز:

﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ (18) ﴾

( سورة المائدة)

     أي ما لم نؤكد علة خيريتنا، علة خيريتنا من هذه الآية الكريمة في قوله تعالى:

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ (110) ﴾

( سورة آل عمران الآية: 110 )

     لذلك مما أخبر الله به نبيه عن علامات آخر الزمان قول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( كيف بكم إذا لم تأمروا بالمعروف، ولم تنهوا عن المنكر ؟ قالوا: أو كائن ذلك يا رسول الله ؟ قال: وأشد منه سيكون، قالوا: وما أشد منه ؟ قال: كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر، ونهيتم عن المعروف ؟ قالوا: أو كائن ذلك يا رسول الله ؟ قال: وأشد منه سيكون، قالوا: وما أشد منه ؟ قال: كيف بكم إذا أصبح المعروف منكراً المنكر معروفاً ؟ ))

[ ابن أبي الدنيا وأبو يعلى الموصلي في مسنده عن أبي أمامة بسند فيه ضعف ]

     الذي ينفق ماله في سبيل الله يتهم بالجنون، الذي يحضر مجالس العلم يقال له لا تضيع وقتك، هناك قيم تبدلت.

الله عز وجل لن يعذب المؤمنين مادامت سنة النبي الكريم مطبقة في بيوتهم و أعمالهم :

     أيها الأخوة الكرام، الحقيقة الخطيرة أنه لمجرد أن يقول المسلمون نحن خير أمة يقول الله لهم كما قال لغيرهم:

﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ (18) ﴾

( سورة المائدة)

     من هذه الآية المحكمة استنبط الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أن الله لا يعذب أحبابه: قل فلم يعذبكم بذنوبكم إن كنتم صادقين في محبتكم، مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن أعذبكم، لذلك يدعم هذه الآية قوله تعالى في الحديث عن علاقتنا بمنهج رسول الله:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

( سورة الأنفال الآية: 33 )

     سنتك مطبقة في بيوتهم، في كسب أموالهم، في إنفاق أموالهم، في حلهم، في ترحالهم، في علاقاتهم، في مناسباتهم:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

( سورة الأنفال الآية: 33 )

معرفة سيرة رسول الله فرض عين على كل مسلم :

     أيها الأخوة الكرام، هذه مقدمة، لكن الحقيقة الأولى في ذكرى مولد النبي عليه الصلاة والسلام أن معرفة سنة النبي عليه الصلاة والسلام القولية أي الأحاديث، والعملية السيرة، والإقرارية ما أقره النبي، فرض عين على كل مسلم، أنت لما تصلي ؟ لأن الصلاة فرض عين، فإذا أكدت لك بالدليل القطعي أن معرفة سنة النبي فرض عين على كل مسلم فما قولك ؟ أنت لماذا تتوضأ ؟ لأن الصلاة وهي فرض لا تصح إلا بالوضوء، فما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا تتم السنة إلا به فهو سنة، هذه قاعدة أصولية فإذا قال الله عز وجل:

﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (7) ﴾

( سورة الحشر )

     هذا الأمر متى يمكن أن يطبق ؟ يطبق في حالة واحدة إذا علمت ما الذي آتاك وما الذي عنه نهاك، إذاً لا يتم تطبيق هذه الآية المحكمة التي تؤكد اتباع النبي عليه الصلاة والسلام إلا إذا عرفت سنة النبي، انطلاقاً من قاعدة أصولية ما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا تتم السنة إلا به فهو سنة، فلا بد أن تطلع على سنة النبي القولية، وحينما قال الله عز وجل:

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ﴾

( سورة الأحزاب )

     كيف يكون النبي أسوة لك إن لم تعرف سيرته، علاقته بزوجته، بأولاده، بجيرانه، بإخوانه، بأصحابه، في حله، في ترحاله، في السلم، في الحرب، في السفر، في الإقامة، في الفقر، في الغنى، لذلك معرفة سيرة رسول الله فرض عين على كل مسلم لأن قدوة النبي لا تكون إلا إذا عرفت سنته العملية.

في ذكرى المولد النبوي علينا الانتباه إلى الحقائق التالية :

1 ـ الشيء الخطير التي تقع به الأمة أن يغدو دينها فلكلوراً:

     أيها الأخوة، هذه الحقيقة الأولى فنحن في ذكرى المولد لا ينفعنا أن نكتفي بالاحتفالات، ولا ينفعنا أن نكتفي بالأناشيد، ولا ينفعنا أن نكتفي بتقديم الضيافة، الذي ينفعنا فقط أن نحاول أن نتبع سنة النبي عليه الصلاة والسلام، أما أن تصبح الاحتفالات نوع من عاداتنا وتقاليدنا، نوعاً من الفلكلور، هذه الاحتفالات لا تقدم ولا تؤخر، نأتي بفرقة نشيد ننشد، تلقى كلمة، نأخذ الضيافة ونمضي ونحن على ما نحن عليه، بيوتنا ليست إسلامية، خروج نسائنا وبناتنا ليس إسلامياً، كسب أموالنا ليس إسلامياً، إنفاق أموالنا ليس إسلامياً، تمضية أوقات فراغنا ليس إسلامياً، هذا الشيء الخطير التي تقع به الأمة أن يغدو دينها فلكلوراً، أن يغدو دينها عادات وتقاليد، نحن في ذكرى المولد من أجل أن نتبع سيد الأنبياء والمرسلين.

2 ـ النبي عليه الصلاة والسلام معصوم بمفرده وأمته معصومة بمجموعها:

     الحقيقة الثانية الله عز وجل ما أمرنا أن نطيع النبي عليه الصلاة والسلام في كل شيء إلا لأنه عصمه عن أن يخطئ في أقواله، وفي أفعاله، وفي إقراراه، لذلك طمأننا ربنا عز وجل فقال:

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى(4) ﴾

( سورة النجم )

     توجيهات النبي عليه الصلاة والسلام ليست من ثقافته، ولا من خبرته، ولا من اجتهاده، ولا من معطيات عصره، لأن الله جعله أمياً، أميته وحده وسام شرف له، ليجعل الله وعاءه فارغاً من كل ثقافة أرضية، ليمتلئ هذا الوعاء بوحي السماء، فلو جعل وعاءه فيه وحي وثقافة ففي كل كلمة يقولها يسأل هذا من عندك أم من الوحي، الله طمأننا:

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى(4) ﴾

( سورة النجم )

     لذلك قالوا أمية النبي عليه الصلاة والسلام وحده وسام شرف له، وأميتنا وصمة عار بحقنا، من هنا تنطلق هذه الحقيقة النبي عليه الصلاة والسلام معصوم بمفرده وأمته معصومة بمجموعها.

(( أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ ))

[أخرجه ابن ماجه عن أنس بن مالك ]

     نحن كأمة النبي عليه الصلاة والسلام معصومون مجتمعين، بينما نبينا عليه أفضل الصلاة والتسليم معصوم بمفرده.

3 ـ الاستجابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم هي عين الاستجابة لله:

     أيها الأخوة، الحقيقة الثالثة ونحن في ذكرى المولد أن الاستجابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم هي عين الاستجابة لله الآية الكريمة:

﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (80) ﴾

(سورة النساء)

     وفي قوله تعالى:

﴿ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ ﴾

( سورة التوبة الآية: 62 )

     بضمير المفرد، يعني إرضاء رسول الله هو عين إرضاء الله، وإرضاء الله هو عين إرضاء رسول الله، والآية الثالثة:

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾

( سورة القصص الآية: 50 )

     أنت بين خيارين اثنين إما أن تستجيب لهذا النبي عليه الصلاة والسلام وإما أنك على خطب الهوى:

﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ﴾

( سورة القصص الآية: 50 )

4 ـ امتلاء قلب المؤمن إيماناً عند سماع سيرة النبي الكريم وأقواله وأفعاله وإقراره:

     أيها الأخوة الكرام، الحقيقة الرابعة: أنك إذا قرأت أو سمعت سيرة النبي عليه الصلاة والسلام العطرة وأقواله وأفعاله وإقراره ازداد قلبك إيماناً بدليل هو بالذات قال تعالى:

﴿ وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾

( سورة هود الآية: 120 )

     إذا كان قلب سيد الخلق وحبيب الحق يزداد ثبوتاً بسماع قصة نبي دونه فلأن يمتلئ قلبنا إيماناً بسماع قصة سيد الأنبياء من باب أولى.

5 ـ على المؤمن ألا يفرح بالدنيا لأنها عرض زائل:

     أيها الأخوة، حقيقة خامسة قل لي ما الذي يفرحك أقل لك من أنت، الله عز وجل ذكر قارون قال:

﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) ﴾

( سورة القصص)

     لا تفرح بالدنيا إن الله لا يحب الفرحين، الفرح بالدنيا ضيق أفق، لأن:

(( إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببا، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي ))

[ من كنز العمال عن ابن عمر ]

النبي الكريم رحمة مهداة ونعمة مزجاة :

     إذاً لا تفرح بالدنيا لأن الله لا يحب الفرحين بها لأن أفقهم ضيق، لأنه من الغباء أن تفرح بالدنيا، لأنك بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منك، لكن بماذا ينبغي أن تفرح ؟ قال تعالى:

﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا (58) ﴾

( سورة يونس)

     افرح إذا فهمت كتاب الله، افرح إذا كنت مستقيماً على أمر الله، افرح إذا كان بيتك إسلامياً، افرح إذا كان دخلك حلالاً، افرح إذا كنت تحب سيد الأنبياء:

﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا (58) ﴾

( سورة يونس)

     إذا قال الله عز وجل:

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) ﴾

( سورة الأنبياء)

     هو رحمة مهداة ونعمة مزجاة، فإذا فرحت بمحبتك لرسول الله، إذا فرحت باتباع سنته، إذا فرحت بتطبيق منهجه، فهذا هو الفرح الذي يريده الله.

حياة النبي الكريم منهج جليل لأجيال لا منتهى لأعدادها :

     أيها الأخوة الكرام، في تاريخ البشرية كلها بروادها، بأعلامها، بصفوتها، بقادتها، لا نكاد نعرف حياة نقلت إلينا أنباؤها وحفظت لنا وقائعها في وضوح كامل وتفصيل عميم، كما حفظت وكما نقلت إلينا حياة النبي عليه الصلاة والسلام، رسول رب العالمين ورحمته المهداة إلى الناس أجمعين، فكل كلمة قالها، وكل خطوة خطاها، وكل بسمة تألقت على محيّاه، وكل دمعة تحدرت من مآقيه، وكل نفس تردد في صدره، وكل مسعىً سار لتحقيق أمره، كل مشاهد حياته حتى ما كان منها من خاصة أمره، وأسرار بيته، وأهله، كل ذلك نقل إلينا بحروف كبار، موثقاً بأصدق ما عرف التاريخ الإنساني من وسائل وبينات، لقد رحل النبي صلى الله عليه وسلم عن دنيانا من قرابة ألف وأربعمئة عام وزيادة، ومع هذا فنحن إذ نقرأ سيرته وتاريخه اليوم لا نحس أننا نقرأ عنه، بل كأننا نسمعه، ونراه، ونعيش المشاهد كلها.

من خصال النبي عليه الصلاة و السلام :

1 ـ رحمته عليه الصلاة و السلام بالنفس:

     أيها الأخوة الكرام، ولا عجب في هذا فمادام الله قد اختاره ليختم به النبوة والأنبياء، فمن الطبيعي أن تكون حياته منهجاً جليلاً لأجيال لا منتهى لأعدادها، وأن تكون هذه الحياة بكل تفاصيلها أشد وضوحاً، وتألقاً من فلق الصبح ورابعة النهار، لا بالنسبة إلى عصره، فحسب بل بالنسبة إلى كل العصور.
     نختار في هذا اللقاء الطيب من شمائله رحمته لأن هذا العصر نشهد فيه قسوة ما بعدها قسوة:
     موت كعقاص الغنم، لا يدري القاتل لمَ يقتل، ولا المقتول فيمَ قتل، نشهد أسلحة فتاكة صممت لملاقاة الجيوش الجرارة تستخدم لقتل الأطفال والنساء والمدنيين، قسوة ما بعدها قسوة، ظلم ما بعده ظلم:

(( تمتلئ الأرض ظلماً وعدواناً حتى يأتي أخي عيسى فيملؤها قسطاً وعدلاً ))

[ ابن ماجه عن عبد الله بلفظ قريب منه ]

     لذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام:

(( إنما أنا رحمة مهداة ))

[الحاكم عن أبي هريرة ]

     رأى النبي إنساناً يذبح شاة أمام أختها، فغضب، قال له: هلا حجبتها عن أختها ؟ أتريد أن تميتها مرتين ؟.

(( الراحمون يرحمهم الرحمن ))

[الترمذي عن عبد الله بن عمرو]

(( ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ))

[الترمذي عن عبد الله بن عمرو]

(( إن كنتم تحبون رحمتي فارحموا خلقي ))

[الديلمى عن أبى بكر]

     أولاً ارحم نفسك، كان النبي عليه الصلاة والسلام في الجهاد وفي أيام رمضان وكان الحر لا يحتمل، والجهد كبير، والمشقة بالغة، فأمر بكوب ماء وشرب أمام أصحابه الكرام ليستخدم رخصة الإفطار في السفر، بلغه أن بعض أصحابه لم يفطروا فقال أولئك العصاة، ينبغي أن ترحم نفسك، أكد النبي على أن يرحم الإنسان نفسه، ما علاقتنا بهذا الكلام ؟ بدمشق 550 ألف مريض بالسكري ونقص السوائل عند هؤلاء يسبب لهم فشلاً كلوياً، أو خثرة بالدماغ، أو شلل، في البلاد الواعية أربعة بالمئة من المصابين بمرض السكري تتحول إصابتهم إلى شلل، أو فقد بصر، أو إلى فشل كلوي، وفي بعض بلاد المسلمين أربعة وخمسون بالمئة يصابون بالشلل، أو بالفشل الكلوي، أو بفقد البصر، لأنه ما فقه حقيقة دينه، أنت مريض ينبغي ألا تصوم في رمضان أنت ملك أسرتك، أنت ملك أمتك، إذا أصابك مرض عضال أصبحت عالة على الأمة، لذلك بادئ ذي بدء حرص النبي عليه الصلاة والسلام أن نرحم أنفسنا أولاً.

2 ـ رحمته عليه الصلاة و السلام بالوالدين:

     شيء آخر رحمته بالوالدين، أحد أصحابه جاء ليجاهد معه والجهاد ذروة سنام الإسلام قال له: ألك أبوان ؟ قال: نعم، قال: فيهما فجاهد.
     فضّل النبي عليه الصلاة والسلام بر الوالدين على أعلى عبادة في الإسلام وهي الجهاد في سبيل الله، بهما فجاهد.

3 ـ رحمته عليه الصلاة و السلام بالأهل:

     أيها الأخوة، الرحمة بالأهل قال النبي عليه الصلاة والسلام:

(( خيرُكُم خيرُكُم لأهْلِهِ ))

[أخرجه الترمذي عن عائشة أم المؤمنين ]

     جعل النبي عليه الصلاة والسلام الخيرية المطلقة أن تكون خيراً في بيتك، لأن معظم السلوك خارج البيت ينضوي تحت المصلحة، تتجمل، تتألق، تبتسم، تتواضع من أجل أن تكون مقبولاً في دائرتك، في عملك، في تجارتك، ولكن البطولة أن تكون في بيتك كاملاً:

(( خيرُكُم خيرُكُم لأهْلِهِ، وأنا خيرُكُم لأهْلِي ))

[أخرجه الترمذي عن عائشة أم المؤمنين ]

     وقال النبي عليه الصلاة والسلام:

((استوصوا بالنساء خيراً))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

((اتقوا الله في الضعيفين المرأة واليتيم))

[أخرجه ابن عساكر عن ابن عمر]

((أكرموا النساء فوالله ما أكرمهن إلا كريم ولا أهانهن إلا لئيم، وفي زيادة لهذا الحديث، يغلبن كل كريم ويغلبهن لئيم، وأنا أحب أن أكون كريماً مغلوباً من أن أكون كريماً غالباً))

[ورد في الأثر]

4 ـ رحمته عليه الصلاة و السلام بالأزواج:

     أيها الأخوة:

(( عن أبي قلادة رضي الله عنه قال حدثنا مالك، قال أتينا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ونحن شببة متقاربون فأقمنا عنده عشرين يوماً وليلة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رحيماً بنا رفيقاً، فلما ظن أنا قد اشتقنا لأهلنا، سألنا عمن تركنا بعدنا، فأخبرناه، فقال: ارجعوا إلى أهليكم، فأقيموا فيهم، وعلموهم، ومروهم، وذكر أشياء أحفظها أو لا أحفظها، وصلوا كما رأيتموني أصلي، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم ))

[متفق عليه عن أبي قلادة]

     عاش حياة المتزوج لعله اشتاق إلى أهله، والأصح لعل أهله اشتاقوا إليه، فهذا النبي عليه الصلاة والسلام رحمنا كأفراد، رحم آباءنا وأمهاتنا، فضل بر الوالدين على الجهاد في سبيل الله، رحم زوجاتنا وأولادنا.
     أما زوجة الصحابي الجليل عثمان بن مظعون رضي الله عنه دخلت على السيدة عائشة تشكو بثها وحزنها، فعثمان زوجها مشغول عنها بالعبادة، يقوم الليل، ويصوم النهار، لقي النبي عليه الصلاة والسلام عثمان بن مظعون فقال له:

(( يا عثمان أما لك في أسوة ؟ قال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله وماذا ذاك ؟ قال: تصوم النهار وتقوم الليل، قال: إني لأفعل هذا، فقال عليه الصلاة والسلام لا تفعل، إن لجسدك عليك حقاً وإن لأهلك عليك حقاً ))

[أخرج ابن سعد عن أبي بردة]

     وامتثل عثمان نصيحة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتزم أمره، وقرر أن يؤدي حق أهله، وفي صبيحة اليوم التالي ذهبت زوجة عثمان إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم عطرة نضرة كأنها عروس، واجتمع حولها النسوة، وأخذن يتعجبن من فرط ما طرأ عليها، كانت رثة الثياب منذ يومين، قلن لها: ما هذا يا زوج ابن مظعون ؟ فقالت وهي تضحك: أصابنا ما أصاب الناس.
     فرحم النبي عليه الصلاة والسلام الزوجات، ورحم الأمهات، ورحم الآباء، ورحم المؤمنين، لذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام:

(( انصرفي أيتها المرأة، وأعلمي من وراءك من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها وطلبها مرضاته واتباعها موافقته يعدل ذلك كله ـ أي يعدل الجهاد في سبيل الله ))

[أخرجه ابن عساكر وأخرجه البيهقى فى شعب الإيمان عن أسماء بنت يزيد الأنصارية]

5 ـ رحمته عليه الصلاة و السلام بالأولاد:

     رحمته بالأولاد، كان صلى الله عليه وسلم إذا رأى طفلاً أظهر له البشر والسرور، حدثني أخ عن إنسان دخل المسجد صغيراً والصف الأول فيه سبعة أشخاص وكان بينهم هذا الطفل، أحد المصلين بعنف ما بعده عنف دفع هذا الصبي ليصلي في الصف الثاني، لا يوجد صف ثان، يقول: والله تركت الصلاة خمسةً وخمسين عاماً من هذه القسوة، طفل في المسجد يجب أن يكرم، أن يحتفى به، أن تقدم له هدية، ليربط الهدية ببيت الله، فكان إذا رأى طفلاً أظهر البشر والسرور إيناساً له.
     وكان يأخذ أطفال أصحابه بين يديه يحملهم ويداعبهم، كان إذا مرّ بصبية يقرئهم السلام، يقول السلام عليكم أيها الصبية.
     و رأى صبية يتسابقون فجرى معهم تطييباً لهم، نبي عظيم سيد الخلق وحبيب الحق يلعب مع الصغار إيناساً لهم، يعني إذا شخص في بيته لاعب أطفاله شيء طبيعي جداً وهذا من سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وكان يلقى الصبي وهو يركب ناقته، فيدعوه إلى ركوب الناقة ليدخل السرور على قلبه.
     أيها الأخوة، مات لإحدى بنات النبي صلى الله عليه وسلم طفل صغير، فلما رفع إليه فاضت عيناه، فقال سعد بن عبادة يا رسول الله ما هذا ؟ فقال عليه الصلاة والسلام:

((هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء))

[أخرجه البخاري عن أسامة بن زيد]

6 ـ رحمته عليه الصلاة و السلام بالصغار عامة:

     أيها الأخوة، رحمته بالصغار عامةً، يقول ابن سويد: رأيت أبا ذر رضي الله عنه وعليه حلة (ثوب جميل)، وعلى غلامه مثلها فسألته عن ذلك فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( هم إخوانكم وخولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده))

[البخاري عن المعرور بن سويد]

     كم إنسانة أتت من بلاد بعيدة وانتحرت من شدة القسوة، يطعمونها أسوأ الطعام، وتعمل ليلاً نهاراً حتى تفضل أن تموت على أن تبقى عند هؤلاء.

(( هم إخوانكم وخولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس ))

     فحلة جميلة على أبي ذر وأخرى على خادمه، (( ولا تكلفوهم من العمل مالا يطيقون، فإن كلفتموهم فأعينوهم عليه )).
     مرّ النبي صلى الله عليه وسلم بصحابي يضرب غلاماً له، فقال له:

(( اعلم أبا ذر أن الله أقدر عليك منك عليه))

     وقد سأله رجل يا رسول الله عندي يتيم أأضربه ؟ فقال عليه الصلاة والسلام: مم تضرب منه ولدك.
     اجعل ابنك مكانه فإن أردت تأديبه لمصلحته فافعل مع اليتيم ولا شيء عليك، لذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام :

(( ليس منا من لم يجل كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه))

[ أحمد عن عبادة بن الصامت]

     ويقول النبي صلى الله عليه وسلم:

(( إني لأقوم إلى الصلاة أريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه))

[البخاري عن أبي قتادة ]

     أيها الأخوة، لهذا الموضوع تتمة إن شاء الله نذكره في الخطبة القادمة.
     أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم، فيا فوز المستغفرين أستغفر الله.

* * *

الخطبة الثانية :

     الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

القلب الرحيم من صفات المؤمن و القلب القاسي من صفات المنقطع عن الله تعالى :

     أيها الأخوة، الله عز وجل يقول:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 159 )

     والباء للسبب، يعني سبب هذا الخلق العظيم رحمة أودعت في قلب سيد المرسلين، هذه الرحمة من عند الله، وأي عبد مؤمن اتصل بالله يشعر بهذه الرحمة لذلك قال تعالى:

﴿ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ ﴾

( سورة الزمر الآية: 22 )

     إذا كان هناك مؤشر للإيمان ومؤشر لرحمة القلب فالمؤشران يتحركان معاً، أنت مؤمن بقدر رحمتك، وأنت بعيد عن الإيمان لا سمح الله بقدر قسوة قلبك.
     من صفات المؤمن أن قلبه رحيم، ومن صفات المنقطع عن الله أن قلبه قاسٍ.
     يا محمد بسبب رحمة استقرت في قلبك من خلال اتصالك بنا كنت ليناً لهم، فلما كنت ليناً لهم التفوا حولك، ولو كنت منقطعاً عنا لامتلأ القلب قسوة، ولانعكست القسوة غلظة، فانفضوا من حولك، هذه الآية يحتاجها كل أب، كل معلم، كل داعية، كل مدير، كل إنسان له منصب قيادي، تتصل بالله يمتلئ القلب رحمة تنعكس الرحمة ليناً، يلتف من حولك حولك، فإذا انقطع الإنسان عن الله امتلأ القلب قسوة وانعكست القسوة غلظة فانفضوا من حولك:

(( الراحمون يرحمهم الرحمن ))

[الترمذي عن عبد الله بن عمرو]

     قال تعالى:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 159 )

الخُلق العظيم الذي يتمتع به النبي الكريم :

     الآن من هو المخاطب ؟ سيد الخلق، حبيب الحق، سيد ولد آدم، الذي أوتي وحده الوسيلة:

(( سلوا لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا ))

[ مسلم عن ابن عمر]

     الذي آتاه الله فصاحة وبياناً وجمالاً وخلقاً حسناً:

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾

( سورة القلم )

     كأن الآية تقول أنت أنت، أنت بالذات، أنت يا محمد، أنت الذي بلغت قمة المجد، أنت بالذات:

﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 159 )

     فكيف بإنسان ليس نبياً ولا رسولاً ولا سيد الخلق ولا حبيب الحق ولم يؤتَ الفصاحة، ولا البيان، ولا جمال الصورة، وهو يدعو بغلظة، لما الغلظة يا أخي ؟ من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف ومن نهى عن منكر فليكن نهيه بلا منكر.

الدعاء :

     اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، انصر المسلمين في كل مكان، وفي شتى بقاع الأرض يا رب العالمين، اللهم أرنا قدرتك بأعدائك يا أكرم الأكرمين.

والحمد لله رب العالمين