الفقه الإسلامي - أحكام فقهية عامة - آيات الأحكام - الدرس ( 23 - 25 ) : رحمة الله عند الاستماع للقرآن ، الأعراف 204
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-06-29
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا لا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علَّمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقًّاً و ارزقنا اتِّباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، و اجعلنا ممن يستمعون القولَ فيتَّبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

رحمةُ الله كلمةٌ جامعة لعطائه وعطاءُ الله يبدأ من كل شيء يريح الإنسان :

 أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الثالث و العشرين من دروس: "آيات الأحكام"، و الآية اليوم قوله تعالى:

﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾

[سورة الأعراف: 204]

 إن قرأتَ أنت القرآنَ موضوعٌ آخر، تقرأه أنت، و للقراءة آدابٌ كثيرةٌ مكانها غيرُ هذا الدرس، الآن إن استمعتَ إلى القرآن، و إذا قرئ من قِبَل غيرِك، قال تعالى:

﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾

[سورة الأعراف: 204]

 أما لعلكم ترحمون، رحمةُ الله كلمةٌ جامعة مانعةٌ لعطاء الله، و عطاءُ الله يبدأ من كل شيء يريح الإنسان إلى سعادته النفسية، و إلى سعادته الأبدية، فإذا آتاك حكمةً، فالحكمةُ التي آتاك اللهُ إياها فاستخدمتها في كل خير هي من رحمة الله، إذا آتاك حكمة لقول الله عز وجل:

﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾

[سورة البقرة: 269]

 و إذا آتاك صبراً، فالصبرُ من نعم الله الكبرى، أي الواحد له محلٌّ تجاري، و عنده موظَّف اختلف معه فطردَه، فلما طرده اشتكى عليه و دلَّ على مستودعاتٍ فيها بضاعة لها إشكال، صودِرت هذه البضاعة و كُلِّف بضريبة باهظة جدًّاً، جعلته يقتل هذا الموظَّف، فحُكِم ثلاثين سنةً في السجن، و لو أنه صبر فإن المالَ يعود، لا تعلم مقدارَ نعمة الصبر، الإنسان بالصبر يتلقَّى قضاءَ الله و قدره بالرضا، فإذا رضيتَ عن الله عز وجل آثارُ المصيبة سريعًا ما تزول، و تنساها و تصبح ذكرى.

من آتاه الله الصبر و الحكمة و الأمن فهو أسعد إنسان :

 إذا اللهُ عز وجل آتاك الصبرَ، قال تعالى:

﴿ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾

[سورة النحل: 127]

 الإنسان أحياناً لضعف الصبر ينتهي و ينهار، آلاف الحالات، مرضٌ عُضال، مرض خبيث تلقَّاه الإنسانُ بالإيمان و الرضا بقضاء الله و قدره، شُفِيَ الإنسانُ من هذا المرض، و إنسان ثانٍ بلَّغه الطبيبَ المرضَ و قال له: معك أربعة أشهر، في اليوم الثاني مات، وما تمكَّن أن يصبر، فإذا اللهُ عز وجل آتاك الصبرَ، و آتاك الحكمةَ، و آتاك الرضا فأنت أسعدُ الناس، إذا آتاك الشعورَ بالأمن، لعلكم ترحمون، أعطاك الشعورَ بالأمن، أعطاك الرضا عن الله، أعطاك الصبر، و أعطاك الحكمةَ، أعطاك راحةَ البال، قال تعالى:

﴿ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾

[سورة محمد: 5]

 أعطاك مكانةً عاليةً في المجتمع، ألقى حبَّ الناس في قلبك، ألقى حبَّك في قلوب الناس، هذه من رحمة الله عز وجل، و رحمة الله عظيمة جدًّاً، كلمة لإنسان محترَم له منصبٌ رفيع، و له مكانةٌ، عطاؤه سليم، الملِك إذا أراد أن يعطيَ هديَّةً فماذا يقدِّم؟ ملك، أقلُّ شيء بيت، و أقلُّ شيء مركبة فاخرة، فلذلك قال تعالى:

﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾

[سورة الأعراف: 204]

التعرف إلى كلمة رحمة في القرآن الكريم :

 دقِّق، واحد جمع، و أكثرُ الناس يكسبون أرزاقاً، أما الواحد فتجاوز مرحلةَ كسب الرزق إلى مرحلة الجمع، و بين الناس و بين الطبقة الغنية هناك عدَّة عبارات، فلان حجمُه مئتا مليون، و فلان حجمه ثمانمئة مليون، هناك عبارة أخرى، فلان يحكي بخمسمئة مليون أي هذا تجاوز مرحلة الرزق و كسب الرزق، و دخل في مرحلة الجمع، ماذا قال الله عز وجل:

﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾

[ سورة الزخرف: 32 ]

 رحمة الله، أن تكون أثيراً عند الله، أن يكون لك مقعد صدق عند مليك مقتدر، أن يهبك اللهُ الحكمة، أن يهبك الصبرَ، أن يهبك صلاح البال، انزِل، أن يهبك أولاداً صالحين، الابنُ الصالح و اللهِ أيها الأخوة لو وُزِن ذهبًا فهو أغلى، الابن الصالح قرَّةُ عين والده، لك ابن سمعته طيَّبة، و أخلاقه عالية، بارٌ في خدمتك، الابن الصالح أضخم من أكبر ثروة في العالم، لعلكم ترحمون، أنا أتمنى أيَّة آيةٍ في كتاب الله فيها كلمة رحمة، أن تعرف ما معنى كلمة رحمة، قال تعالى:

﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾

[سورة آل عمران: 132]

 و قال تعالى:

﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾

[سورة الأعراف: 204]

 و قال تعالى:

﴿ إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ ﴾

[سورة الأعراف: 56]

 و اللهُ إذا أعطى أدهش.

السعادة الزوجية من رحمة الله عز وجل :

 يمكن أن تُدعى إلى طعام عشاء، تُدعى إلى حفل، إلى عقد قران، و تُقدَّم لك الضيافات الفاخرة جداً، أما أحياناً فتُدعى إلى بيت الله، على الأرض، كرسي مُريح لا يوجد، كأس من الشاي لا يوجد، كان عليه الصلاة و السلام إذا دخل المسجد قال:

((إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ وَإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ))

[مسلم عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ]

 إذا الإنسانُ وهبه اللهُ سعادة زوجية، هذه من رحمة الله، السعادة الزوجية، إذا وهبه امرأةً صالحة تسرُّه إن نظر إليه، تحفظه إن غاب عنها، و تطيعه إن أمرها، هذه من رحمة الله، هناك نِعمٌ لا يعرفها كثيرٌ من الناس، الإنسان يخرج من بيته إلى عمله مطمئنًّاً أشدّ الطمأنينة إلى أن زوجته طاهرة عفيفة، هذه الطمأنينة من نعمة الله الكبرى:

﴿ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾

[سورة الأعراف: 204]

 يهبك زواجاً سعيداً و يهبك أولاداً أبراراً، و يهبك رزقاً حلالاً، كم مصلحة مبنية على الحرام؟ فتح ملهى، قال لي: في خمسة و أربعين يوماً أرباحه ثمانية ملايين ليرة، مبلغ ضخم، و لكن قال تعالى:

﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾

[سورة يس: 12]

 كلُّ معصية في هذا الملهى، و كل انحراف، و كل فسق، و كل فجور، و الأغرب من ذلك يموت صاحبُ الملهى و يبقى الملهى مستمراً إلى أمد طويل، و كل شيء جرى في هذا الملهى في صحيفة الذي بناه، الميت روحه ترفرف فوق النعش تقول: "يا أهلي يا ولدي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المالَ مما حلَّ حرُم، فأنفقتُه في حِلِّه و في غير حلِّه، فالهناءُ لكم و التبعةُ عليَّ " شيء كبير.

كلمة الرحمة يجدها الإنسان في الصلاة و في تلاوة القرآن و في الإحسان :

 بدأتُ بكلمة:

﴿ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾

[سورة الأعراف: 204]

 و لو أن أحدكم أيها الأخوة قرأ القرآنَ و تتبَّع آيات الرحمة، شيء رائع جداً، تجدها في الصلاة، و تجدها في تلاوة القرآن، و تجدها في دخول مساجد الله، و تجدها في الإحسان، قال تعالى:

﴿ إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ ﴾

[سورة الأعراف: 56]

 و حبَّذا لو تُتُبِّعت هذه الآيات و أخذت جدولاً بها، رحمةُ الله عز وجل العطاءُ المطلقُ يبدأ من الجسم، صحة، يمرُّ في الأسرة، زواجٌ ناجح، و يصل إلى الأولاد، أولادٌ أبرارٌ، إلى السمعة، و إلى المكانة، إلى الأمن، الشعورُ بالأمن لا يُقدَّر بثمن، قال تعالى:

﴿ أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ﴾

[ سورة قريش:4]

 الخطّ البياني صاعد.

الموت نقلةٌ نوعية من نظام إلى نظام :

 و لو جاء الموتُ، الموت نقلةٌ نوعية من نظام إلى نظام، أما الخط البياني فصاعد، و أجمل دعاء: "اللهم اجعل نعم الدنيا متَّصلة بنعم الآخرة "،" ألا يا رُبَّ نفس طاعمة ناعمة في الدنيا جائعة عارية يوم القيامة "
 لي صديق له والدٌ، هذا الوالد من أثرياء هذه البلدة الكبار، دخلتُ مرة إلى بيته ما شاء الله، أربعمئة متر، فيه زينة، و فيه أجنحة شرقية و أجنحة غربية، تكييف و تدفئة و تُحف، الفاز ثمنه بالملايين، فاز كبير صيني، أثاث بيته من أرقى مستوى، يأتيه بالطائرة بالبريد الجوي، تُوفي، في أيام مطيرة جدًّاً أشتُري له قبرٌ، و الجنازة و صلت إلى القبر فُتح القبرُ مياه سوداء في القبر، سئل ابنُه ماذا نفعل؟ قال: ضعوه، وُضع هذا في قبر و المياه السوداء تجري فيه، يقول مديرُ معمله وهو يحضر معنا أحياناً، قال لي: أسبوع بأكمله ما تناولت لقمةً من الطعام، أُيُعقل أن فلاناً معلَّمه هنا يُدفن، الدعاء الرائع: "اللهم اجعل نعم الدنيا متصلة بنعم الآخرة"، " ألا يا رُبَّ نفسٍ طاعمةٍ ناعمةٍ في الدنيا جائعةٌ عارية يوم القيامة، ألا يا رُبَّ نفس جائعة عارية في الدنيا طاعمة ناعمة يوم القيامة " أما المؤمن فنرجو اللهَ سبحانه و تعالى أن يكرمنا اللهُ جميعا فيجعل نعمنا في الدنيا متَّصلة بنعم الآخرة، كلمة:

﴿ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾

[سورة الأعراف: 204]

 قال تعالى:

﴿ إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ ﴾

[سورة الأعراف: 56]

 و قال تعالى:

﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾

[ سورة الزخرف: 32 ]

الاستماع للقرآن أن تصمت و الإنصاتُ أن تُعمِل عقلك في آيات الله :

 و قال تعالى:

﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾

[سورة الأعراف: 204]

 إذا قرأ القرآنَ قارئٌ غيرُكم فاستمعوا له، أي لا يجوز أن تتكلم و القرآن يُتلى، أحيانا تستمع إلى القرآن في المذياع، و حديث و سؤال و جواب ومناقشة وخصومة، و القرآن يُتلى، هذا خلاف هذه الآية، قال تعالى:

﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ﴾

[سورة الأعراف: 204]

 يجب أن تستمع للقرآن، الواحد استمع فسكت، شارد في القضية الفلانية و الفلانية، و الدنيا الفلانية، و البضاعة الفلانية، و اللقاء الفلاني، و الدعوة الفلانية، و القرآنُ يُتلى، أنت استمعت و لكنك لم تنصت الإنصات هو التدبُّر، و الاستماع هو الصمت، فالاستماع أن تصمت و أما الإنصاتُ فأن تُعمِل عقلك في آيات الله، مهمَّتان، أن تسكت و أن تفكِّر، قال تعالى:

﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾

[سورة الأعراف: 204]

 قال: هذه الآية وردت عامَّة في وجوب الاستماع و الإنصات عند قراءة القرآن مطلقة، عندنا قاعدة أصولية: المطلق على إطلاقه، قال تعالى:

﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾

[سورة الأعراف: 204]

 هناك تعزية، هناك عيد مولد، هناك عيد قِران، بالمذياع، أنت جالس ابنُك يقرأ القرآنَ:

﴿ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا ﴾

[سورة الأعراف: 204]

 الزوجة جالسة و زوجها يقرأ القرآن، في كل الأحوال و في كل الأوقات و في كل الظروف و في كل الهيئات و في كل الأشكال، قال تعالى:

﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾

[سورة الأعراف: 204]

حالُ المؤمن في الصلاة إذا قرأ الإمام القرآن أن يستمع و ينصت لعله يُرحم :

 الآن إذا قرئ القرآن في الصلاة، أنت مؤتمٌّ، و الإمام يقرأ، لا يجز أن تفكِّر في شيء غير القرآن الذي يُتلى، سألني إنسان و قال لي: أنا أفكِّر في عظمة الله، قلت له: هذا غلط، أنت في صلاة و الإمام يقرأ القرآن، يجب أن تفكِّر في الذي يقرأه، صار هناك انتظام، و لو كنت تفكِّر في عظمة الله، عظمة الله مكانها وقتٌ آخر، أما أنت في صلاة فحالُ المؤمن في الصلاة أنه إذا قرأ الإمام القرآن عليه أن يستمع و أن ينصت، لعله يُرحم.

وجهات نظر العلماء مع أدلَّتهم حول سماع القرآن :

 إلا أن استماع المؤتمِّ بإمام موضع خلافيٌّ بين العلماء، و سأضع بين أيديكم وجهات نظر العلماء مع أدلَّتهم حول سماع القرآن، هل نقرأ مع الإمام؟ هل نصمت مطلقاً في الصلاة السرِّية و الجهرية؟ أم أن نقرأ مطلقاً في الصلاة السرية و الجهرية؟ أم أن ننصت في الجهرية و نقرأ في السرية؟
 اختلف العلماءُ في الحكم إذا كان الناسُ خلف الإمام، هل يجب عليهم الاستماع و الإنصات، و يسقط عنهم فرضُ القراءة، أم لا يجب عليهم بل عليهم أن يقرأوا، سواء في ذلك جهرية الإمام أو سريَّته ؟
 ذهب الأحنافُ إلى أن المأموم لا يقرأ خلف الإمام مطلقاً، لا في صلاةٍ جهرية و لا في صلاة سرية، و اللهِ في الصلاة الجهرية الحقُّ معهم، و شيء منطقي و قوي، إمام فصيح يقرأ القرآن بصوت جهوري و بأحكام رائعة، يختار آيات جميلة، ما معنى أن تقرأ معه أنت؟ النبيُّ عليه الصلاة و السلام سمع بعضَ أصحابه يقرأ معه القرآن:

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةٍ جَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ فَقَالَ هَلْ قَرَأَ مَعِي أَحَدٌ مِنْكُمْ آنِفًا فَقَالَ رَجُلٌ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِنِّي أَقُولُ مَالِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ قَالَ فَانْتَهَى النَّاسُ عَنْ الْقِرَاءَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الصَّلَوَاتِ بِالْقِرَاءَةِ حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ))

[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 أما أن تقف وراء الإمام في صلاة العصر لا تفعل شيئاً أبداً، الإنسان يجد نفسه محرَجاً، هكذا، لعلك وقفتَ خلف رسول الله و أنت صامت الدموع تنهمر، هذا رسول الله، و لكن أنت تصلي خلف إمام غير رسول الله، لعل الإمام أبا حنيفة أنه حال المقتدي من حال الإمام إلا أن الأحناف يرون أن المؤتمَّ يجب أن يصمت و ألا يقرأ القرآن إذا كان خلف الإمام، لا في صلاة جهرية و لا في صلاة سرية وضعُه أن يقف صامتاً.
 هناك جماعة أخرى ذهبوا إلى أن المأمومَ يقرأ إذا أسرَّ الإمام، و لا يقرأ إذا جهر الإمامُ، وهو قولُ عروة بن الزبير، و القاسم بن محمد، و الزهري، و الإمام مالك، المذهب المالكي مذهب معتدل، و مذهب قريب من الفطرة، أنت وراء الإمام في صلاة سرية تقرأ، وراء الإمام في صلاة جهرية لا تقرأ، الأحناف لا تقرأ لا في صلاة سرية و لا في صلاة جهرية، المالكية تصمت في الصلاة الجهرية و تقرأ في الصلاة السرية.
 و ذهب الشافعي رضي الله عنه إلى أن المأموم يجب أن يقرأ مطلقاً أكان في صلاة سرية أم في صلاة جهرية، لذلك أحياناً تُفاجأ أنه إلى جانبك إنسان مذهبه شافعي، الإمام يقرأ الفاتحة و هو يقرأ معه الفاتحة، أنا أميل في هذا الموضوع للمذهب المالكي.

فضلُ كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه :

 أيها الأخوة، على كلٍّ يعنينا:

﴿ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾

[سورة الأعراف: 204]

 النص الشهير: "إن فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه "، لو دخلت إلى مكتبة فيها مئة ألف كتاب، القرآن الكريم وحده في كفَّة و المئة ألف كتاب في كفة ثانية، المئة ألف كتاب من تأليف بني البشر، و القرآن الكريم كلام خالق البشر، و فضلُ كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه، لا يوجد كتابٌ بشكل مطلق إلا و فيه بعض الأخطاء، لأن العصمة للأنبياء، والله عز وجل حقٌّ مطلق، أما ما سوى الأنبياء فيصيب و يخطئ، لا يوجد كتاب ليس فيه خطأ، مهما بدا لك الكتاب رائعاً، هناك كتاب من أشهر الكتب أُلِّف في العصور القديمة كان مؤلَّف الكتاب يتوهَّم أن الإنسان إذا أكل أكلاً حارًّاً يصعد بخارُ الطعام إلى دماغه، كأن المعدة مفتوحة و الجوف فارغ و الدماغ فوق و صعد البخار إلى فوق، كتاب محترم جدًّاً لا يوجد كتاب على الإطلاق تقرأه إلا و فيه بعض الخلل إلا كلام الله عز وجل، لا يأتيه الباطل، فموقف الإنسان من كلام الله موقف كبير، أحياناً القرآن فيه أصول العلوم كلها.

آداب الضيافة :

 قلت مرة لإنسان: هل تصدِّق أن آداب الضيافة كلها في سطر واحد في كتاب الله، قال لي: أين؟ قلت له: في قصة أيضاً، سيدنا إبراهيم حينما جاءه الضيوف قال:

﴿ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ ﴾

[سورة الذاريات: 26]

 راغ: انسلَّ خفية، هناك إنسان يأتيه ضيوفٌ يصنع لهم عشاءً، يستحي الضيف، لا شكراً، أنا من عادتي لا أتعشَّى، و هو من عادته أنه يتعشَّى دائماً، الضيف لا يُسأل، سيدنا إبراهيم راغ إلى أهله انسلَّ خفية، و ما سأله، قال تعالى:

﴿ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾

[سورة هود: 69]

 سرعةُ تقديم الطعام، اثنان: عدم سؤال الضيف، و سرعة تقديم الطعام قال تعالى:

﴿ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾

[سورة هود: 69]

 أكلٌ طيِّبٌ، الآن أنا شاهدتُ في بعض الضيافات وُضع الطعام ووُضعت الفاكهة و الحلويات، و صاحب البيت مشغول بحديث معيَّن، و الأكل بقي ساعة و ما قال صاحب البيت للضيوف: تفضَّلوا، الضيف مستحيل أن يمدَّ يده مباشرة من عنده، لا يستطيع، وقد يكون جائعاً قال تعالى:

﴿ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ ﴾

[سورة الذاريات: 26]

﴿ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾

[سورة هود: 69]

 قدَّم الطعام سريعاً، قال تعالى:

﴿ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾

[سورة هود: 69]

 شيء نفيس، قال تعالى:

﴿ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ﴾

[سورة الذاريات: 27]

 أحياناً يضع لك صحن السلطة أمامك و صحن اللحم بعيد عنك، و الطاولة كبيرة أنت تأكل السلطة:

﴿ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ﴾

[سورة الذاريات: 27]

من يقرأ القرآن يجد فيه قواعد و قوانين عن كل شيء :

 توزيعُ الطعام على المائدة فيه آدابٌ، أحياناً تجتمع الأطباقُ الفاخرةُ في جهة، و الأطباقُ غيرُ الفاخرة بجهة أخرى، و الناسُ جالسون في الأطراف، و الطبقُ يتوزَّع، طبقٌ هنا و طبقٌ هنا، و هكذا، أو أمام الضيف إبريق ماء كبير و كؤوس و خبز و لا مكان للأكل، قال تعالى:

﴿ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ ﴾

[سورة الذاريات: 27]

 ما سأل و جاء بالطعام سريعاً، و كان الطعام طيباً و قرَّبه إلى الضيف، و دعاه إلى أن يأكل، هذا كلام الله عز وجل، فأنت عندما تقرأ القرآن تجد فيه قواعد و قوانين.

احتمالات الآية التالية :

 قال تعالى:

﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ﴾

[ سورة هود: 6 ]

 هناك عالم من علماء البلاغة وضع عشرة احتمالات لهذه الآية، أي احتمال آخر ليست قرآناً، مثلاً لو قال: الدواب على الله رزقها، ليس قرآناً، اختل القصر، ما من دابة غير الدواب على الله رزقها، لأن من تفيد استغراق أفراد النوع، أنا دخلت إلى صفٍّ، قلت: طلابُ الصف لهم عندي مكافأة، الطلاب الحاضرون أمامي، و هناك طالب غائب له مكافأة؟ بالنص لا، أما إذا قلت: ما من طالب في هذا الصف إلا و له عندي مكافأة، هذه من تفيد استغراق أفراد النوع، مريض أو غائب أو مطرود له مكافأة، انظر: ما من دابة، نملة سمراء على صخرة صمَّاء في ليلة ظلماء لها عند الله رزق، وعَلٌ يعيش في رؤوس جبال هيمالايا له عند الله رزق، سمكة في أعماق المحيطات لها عند الله رزق، قال تعالى:

﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ﴾

[ سورة هود: 6 ]

 إذًا لما حذفنا " من " هذا الكلام ليس قرآناً، و حذفنا " ما و إلا" النفي و الاستثناء ألغينا القصر، الدواب كلها اللهُ يرزقها، ليست قرآناً، الله يرزقها أو لا يرزقها، ليس هناك إلزام أما على فتفيد الإلزام:

﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ﴾

[ سورة هود: 6 ]

 فعلى تفيد الإلزام، "دابة" تنكير شمول، فلو جاءت معرَّفة اختلَّ المعنى، الدابة منكَّرة تنكير شمول، و من لاستغراق أفراد النوع، و ما للاستثناء و القصر، و على تفيد الإلزام.

طريقة انتقال الطعام لك باختيارك أما هو فهو لك :

﴿ وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ﴾

[ سورة هود: 6 ]

 مستقرها: أين هي؟ و مستودع طعامها: أين هو؟ أنت في الشام مثلاً، هناك في سرغايا بستان تفاح، الشجرة الرابعة الغصن الخامس خمس تفاحات على الغصن، هذه لك، مثلاً، أما طريقة وصول هذا التفاح إليك فباختيارك، قد يأكل الإنسان هذه التفاحات ضيافة، و قد يأكلها شراءً، وقد يأكلها هدية، و قد يأكلها سرقة، وقد يأكلها احتيالاً، و قد يأكلها تسوُّلاً، تسوُّل أو سرقة و هدية أو شراء أو ضيافة، طريقة انتقال هذا الطعام لك باختيارك، أما هو فهو لك، قال تعالى:

﴿ وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ﴾

[ سورة هود: 6 ]

كل آية في القرآن الكريم شفاء للنفس :

 صدِّقوني أيها الأخوة قد تُمضي عشرين سنة، و أربعين سنة، و خمسين سنة، و هذا القرآن لا تنقضي عجائبُه، و كل حرف فيه قانون، و كل حرف فيه قاعدة، و كل حرف فيه دستور، و كل حرف فيه سنة، شيء دقيق جداً، لذلك قال تعالى:

﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا ﴾

[سورة الأعراف: 204]

 أنا أقول لكم: لا شيء في حياة إنسان- أيِّ إنسان - يعلو على أن يفهم كلام الله، لأن كلام الله منهج لهذا الإنسان، إنسان يكره زوجته، ماذا يفعل؟ يطلِّقها، هناك توجيه، النبيُّ عليه الصلاة و السلام قال:

((لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ ))

[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 هذا توجيه النبي، أنا أقول لكم هذه الكلمة: إذا الإنسان ألزم نفسه أن يقرأ كل يوم بضع صفحات من كتاب الله، إذا عنده فراغ وهو متقاعد يقرأ جزءاً، وإذا عنده أعمال كثيفة جدا يقرأ خمس صفحات الحدَّ الأدنى، صدِّقوني لا يمكن إلا وأن تجد فيما تقرأ حلًّاً لمشكلة، إجابة عن سؤال، وتوجيه لعمل جيِّد، دائما أنت مع الحقيقة المطلقة، فالإنسان إذا ابتعد عن كتاب الله ابتعد عن توجيه الخالق، و عن توجيه الصانع، ابتعد عن الحقيقة المطلقة، مثلاً له جار غنيٌّ، تفلُّت و كفر و فسق و فجور و استعلاء و غطرسة و كبرياء، هو من بيته إلى المسجد و غضُّ بصر و استقامة و ليس معه مال، دخلُه محدود، و ساعة عطلة يختلُّ توازن المؤمن يا رب هذا لا يعرف شيئاً اسمه صلاح، و كفر و فجور و عنده أموال لا تأكلها النيران، وهذا المستقيم لا يجد قوت يومه اقرأ القرآن، قال تعالى:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾

[ سورة الأنعام: 44]

﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ*مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾

[سورة آل عمران: 196-197]

 و قال تعالى:

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾

[ سورة إبراهيم: 42]

 ألا ترتاح؟ ترتاح راحة كبيرة، قال تعالى:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

[ سورة النحل الآية: 97 ]

 و قال تعالى:

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾

[ سورة الجاثية: 21 ]

 كل آية أيها الأخوة شفاء للنفس.

الأمراض النفسية تتلاشى بقراءة القرآن الكريم :

 أساساً القرآنُ شفاءٌ للناس، و اللهُ عز وجل سمَّى القرآن شفاء، شفاء لما في الصدور، و سمى العسل شفاء الأبدان، عندك القرآن و العسل، للجسم العسل، للنفس القرآن الكريم، قال تعالى

﴿ وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الإسراء: 82 ]

 وقال تعالى:

﴿ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾

[سورة التوبة: 21]

 و اللهِ شيء جميل، إنسان يمشي في الطريق وجد مساحات وطرقات و حدائق وأمامه السيارات كلها سوداء، ييئس؟ لا: قال تعالى:

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾

[سورة النساء: 77]

 لا تكفي هذه الآية:

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنْ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾

[سورة النساء: 77]

 قال تعالى:

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾

[سورة التوبة: 38]

 لا ترضي هذه الآية. و اللهِ أيها الأخوة، لا يمكن أن يبقى عندك مرضٌ نفسي، ولا ضيق، و لا خوف، و لا قلق، و لا تشاؤم، و لا سوداوية، كل هذه الأمراض النفسية تتلاشى إذا قرأتَ القرآن، إذا قرأته حق قراءته، وتلوته حقَّ تلاوته، و حق التلاوة أن تتلوه تلاوة صحيحة، وأن تفهمه، و أن تتدبَّره، و أن تطبِّقه، اقرأْ وافهم و طبِّق.

تلخيص لما سبق :

 أيها الأخوة، أختم هذا الدرس بالعودة إلى منطلقه، وهو أن الإنسان إذا استمع إلى القرآن، أو إذا سمع القرآنَ يُتلى بشكل مطلق في أيِّ مكان و في أي زمان، وحتى داخل الصلاة عليه أن يستمع و أن ينصت، و الأحناف يرون أن المؤتمَّ يجب أن ينصت، رأيُ الصحابة الكرام، ابنُ مسعود و سعد و جابر و ابن عباس و أبو الدرداء و أبو سعيد و زيد بن ثابت و أنس، كلُّ هؤلاء الصحابة الكرام ذمُّوا من قرأ خلف الإمام، فقد روى عبدُ الرحمن بن أبي ليلى عن عليٍّ كرم الله وجهه أنه قال:" من قرأ خلف الإمام فقد أخطأ الفطرة ".
 وعن زيد بن ثابت قال:"من قرأ خلف الإمام مُلِئ فمُه تراباً " و روي عنه أنه:" من قرأ خلف الإمام فلا صلاة له " أي لا صلاة كاملة له، و قال الشعبي:" أدركت سبعين بدريًّاً كلُّهم يمنعون المقتدي من القراءة خلف الإمام ".
وهناك أخبار كثيرةٌ عن رسول الله تؤكِّد هذا، بعض الرجال صلى خلف رسول الله و قرأ القرآن، فنزلت هذه الآيةُ:

﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾

[سورة الأعراف: 204]

 و في حديث آخر أن النبي عليه الصلاة و السلام:

((عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاكٍ فَصَلَّى جَالِسًا وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنْ اجْلِسُوا فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا ))

[البخاري عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ]

 و أُخرِج عن جابر أن النبي صلى الله عليه و سلم قال:

((مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ))

[ابن ماجه عَنْ جَابِرٍ]

 قراءة الإمام قراءة للمؤتمِّ، والإمام الشافعي يحتج بحديث عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ))

[البخاري عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ]

 التوفيق بين المذهبين أن قراءة الإمام هي قراءة للمؤتمِّ، فالمؤتم قرأ الفاتحة من خلال الإمام، و في حديث عن النبي عليه الصلاة و السلام أنه قال:

((مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ))

[ابن ماجه عَنْ جَابِرٍ]

 روايات كثيرة، أما المالكية كما قلت فمذهبهم مذهب معتدل، فالمؤتم ينبغي أن يقرأ خلف الإمام في الصلاة السرية، و ينبغي أن ينصت في الصلاة الجهرية، و رجل قرأ خلف رسول الله صلى الله عليه و سلم:

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةٍ جَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ فَقَالَ هَلْ قَرَأَ مَعِي أَحَدٌ مِنْكُمْ آنِفًا فَقَالَ رَجُلٌ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِنِّي أَقُولُ مَالِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ قَالَ فَانْتَهَى النَّاسُ عَنْ الْقِرَاءَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الصَّلَوَاتِ بِالْقِرَاءَةِ حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ))

[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 فهذه الآية من آيات الأحكام، قال تعالى:

﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾

[سورة الأعراف: 204]

 يجب أن تسكت وهذا هو الاستماع، و يجب أن تتدبَّر وهذا هو الفهم، و يجب أن تطبِّق، فإذا استمعتَ و فهمتَ و طبَّقتَ فقد تلوتَ القرآن حقَّ تلاوته.

والحمد لله رب العالمين