محاضرات وندوات خارجية - لبنان - المحاضرة 33 : محاضرة طرابلس - الإعجاز العلمي في القرآن الكريم .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2003-08-14
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم:
 اللهم ما أمسى بنا من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر، اللهم أنت ربنا لا إله إلا أنت خلقتنا ونحن عبادك ونحن على عهدك ووعدك ما استطعنا، نعوذ بك من شر ما صنعنا، نبوء لك بنعمتنا عليك، ونبوء بذنوبنا فاغفر لنا فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت يا رب العالمين، اللهم إنا أمسينا منك في نعمة وعافية وفضل وصدق فأتمم نعمتك وعافيتك وسترك علينا في الدنيا والآخرة يا رب العالمين.
 السيد وزير الأشغال العامة والنقل ممثلاً بالأستاذ مصطفى أديب: أصحاب الفضيلة والسعادة الفعاليات التربوية والاجتماعية والصحية، أيها الإخوة والأخوات: باسم كشافة الإيمان الإسلامية نرحب بكم في هذه الأمسية الطيبة المباركة، وفي هذه الليلة العظيمة ليلة الجمعة، وفي هذا المجمع التربوي الإسلامي أهلاً وسهلاً بكم، نجتمع وإياكم اليوم على مائدة القرآن هذا الكتاب الخالد الذي يقول فيه صلى الله عليه وسلم:

(( ستكون فتن فيقول علي رضي الله عنه: ما المخرج منها يا رسول الله ؟ فيقول عليه الصلاة والسلام: كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أذله الله، فهو حبل الله المتين، وهو النور المبين، وهو الشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه، هو الذي لا يشبع منه العلماء ولا تزيغ به الأهواء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولن تنتهي الجن إذ سمعته إلا أن قالوا: إنا سمعنا قرآناً عجبا، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم ))

 أيها الإخوة والأخوات:
 لا أريد أن أطيل لأن من سيتكلم هو أولى بالكلام بكثير مني فهو أستاذنا وحبيبنا وشيخنا ودكتورنا ومحاضرنا إنه ضيف لبنان الكبير، كبير بما يحمل في ثناياه في ثنايا عقله وقلبه من كتاب الله ومن سنة رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم، كيف لا وهو الذي سيحدثنا عن الإعجاز العلمي في القرآن والسنة عن هذا الكتاب الخالد الذي تحدى الله به العرب والعجم، وتحدى به الإنس والجن، عندما قال:

﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ﴾

[ سورة الإسراء: الآية 88]

 عندما يتحداهم بآيتين اثنتين في الأولى يقول:

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾

[ سورة القصص: الآية 71 ]

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾

[ سورة القصص: الآية 72 ]

 نعم أيها الإخوة إن محاضرنا اليوم هو فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي، إنه ضيف لبنان الكبير فليتفضل مشكوراَ ومأجورا:
 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد: فإنني أشكر القائمين على مدارس الإيمان، على هذه الدعوة الكريمة التي أسأل الله جل جلاله أن يوفقني أن أكون عند حسن ظن إخوتي الكرام.
 أيها الإخوة الكرام:
 الإنسان هو المخلوق الأول رتبة لقوله تعالى:

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾

[ سورة الأحزاب: الآية 72 ]

 ولأن الإنسان حمل الأمانة سخر الله له ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه، ومعلوم أن المسخر له أكرم من المسخر:

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً (70)﴾

[ سورة الإسراء: الآية 70 ]

 أيها الإخوة الكرام:
 الإنسان هو المخلوق المكلف، مكلف بعبادة الله عز وجل، قال تعالى:

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾

[ سورة الذاريات: الآية 56 ]

 والعبادة في أدق تعاريفها طاعة طوعية ممزوجة بمحبة قلبية أساسها معرفة يقينية تفضي إلى سعادة أبدية، فالعبادة هي الطاعة، والطاعة أصل فيها، وسببها المعرفة وثمارها السعادة في الدنيا والآخرة، لأن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾

[ سورة هود: الآية 119 ]

 خلقهم ليرحمهم، والإنسان أيها الإخوة أودع الله فيه قوة إدراكية بها يتميز على بقية المخلوقات، فما لم يبحث عن الحقيقة، وما لم يبحث عن سر وجوده وعن غاية وجوده يكون قد هبط من مستوى إنسانيته إلى مستوى لا يليق به.
 أيها الإخوة الأحباب:
 لو أن الإنسان بما أودع فيه ربه من قوة إدراكية جال في هذا الكون الذي بكل دقائقه وبكل جزئياته بوجود الله عز وجل وبكماله وبوحدانيته لوجد في الكون دقة ما بعدها دقة، إتقاناً ما بعده إتقان، حكمة ما بعدها حكمة.
 أيها الإخوة الكرام:
 الله جل جلاله في قرأنه الكريم ذكر آيات تزيد عن ألف وثلاثمائة آية تتحدث عن خلق السموات والأرض وكلكم يعلم أيها الإخوة أن آيات الأمر تقتضي الطاعة وأن آيات النهي تقتضي الترك، فماذا تقتضي هذه الآيات ؟ آيات خلق السموات والأرض في القرآن الكريم.
 أيها الإخوة:
 الله عز وجل يقول:

﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾

[ سورة الأنعام: الآية 103 ]

 ولكن الكون كله مظهر لأسمائه الحسنى وصفاته الفضلى، سيكفي أن يعمل الإنسان عقله بما في السموات والأرض حتى يتعرف إلى الخالق من الخلق، وإلى المنظم من النظام، وإلى الحكيم من الحكمة، وإلى المسير من التسيير، فلا بد من أن نعمل عقولنا في خلق السموات والأرض والله عز وجل يقول:

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)﴾

[ سورة آل عمران ]

 يقول عليه الصلاة والسلام:

(( الويل لمن لم يتفكر في هذه الآية ))

 أيها الإخوة الكرام:
 ماذا في السماوات والأرض ؟ بين الأرض وبين أقرب نجم ملتهب أربع سنوات ضوئية والضوء يقطع في الثانية الواحدة ثلاثمائة ألف كيلو متر، فكم يقطع في الدقيقة ؟ وكم يقطع في الساعة ؟ وكم يقطع في اليوم ؟ وكم يقطع في العام ؟ وكم يقطع في أربعة أعوام ؟ هذه المسافة التي بيننا وبين أقرب نجم ملتهب تحسب مرة بالضوء وتحسب مرة بالكيلو مترات، لو أردنا أن نصل إلى هذا النجم بمركبة أرضية لاحتجنا إلى خمسين مليون عام، خمسين مليون عام نحتاجها كي نصل إلى أقرب نجم ملتهب إلى الأرض، فمتى نصل إلى نجم القطب الذي يبعد عنا أربعة آلاف سنة ضوئية ؟ ومتى نصل إلى مجرة المرأة المسلسلة التي تبعد عنا مليوني سنة ضوئية ؟ ومتى نصل إلى أحدث مجرة اكتشفت حديثاً تبعد عنا عشرين مليار سنة ضوئية ؟ قال تعالى:

﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) ﴾

[ سورة الواقعة ]

 لو قرأ عالم فلك هذه الآية، بل لو وقف عند أحد كلماتها وهي مواقع لخر ساجداً لله عز وجل، هذه المجرة كانت في جهةٍ ما من الفضاء الكوني قبل عشرين مليار سنة، وأرسل ضوءاً باتجاه الأرض وبقي هذا الضوء يجري عشرين مليار سنة حتى وصل إلينا ورأيناه، لكن هذه المجرة سرعتها تزيد عن مئتين وأربعين ألف كيلو متر في الثانية، أين هي الآن من عشرين مليار سنة ؟ تسير بسرعة مئتين وأربعين ألف كيلو متر في الثانية، فلو أن الآية فلا أقسم بالمسافات بين النجوم ليس هذا قرأناً، لكن الله عز وجل قال: فلا أقسم بمواقع النجوم لأن كلمة موقع لا تعني أن صاحب الموقع في الموقع، فلا أقسم بمواقع النجوم، وأنه لقسمٌ لو تعلمون عظيم، هذا الآله العظيم يعصى ؟ هذا الآله العظيم لا يخطب وده ؟ هذا الآله العظيم لا نتوب إليه ؟ لا نسعى لخدمة خلقه ؟ لا نأتمر بأمره ؟ يقول الله عز وجل:

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً (71) ﴾

[ سورة الأحزاب: الآية 71 ]

 وقال تعالى:

﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾

[ سورة فاطر: الآية 28 ]

 إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطيك شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل.
 أيها الأخوة الكرام:
 الأرض تبتعد عن الشمس مئة وستة وخمسين مليون كيلو متر، والشمس تكبر الأرض بمليون ثلاثمائة ألف مرة، أي أن جوف الشمس يتسع لمليون وثلاثمئة ألف أرض و بينهما مئة وستٍ وخمسين مليون كيلو متر، يقطعها الضوء في ثماني دقائق، أحد أبراج السماء هو برج العقرب، فيه نجم متألق أحمر اللون يسميه علماء الفلك قلب العقرب،هذا النجم هيئوا أنفسكم لسماع هذه الحقيقة، هذا النجم الصغير الأحمر اللون المتألق الذي اسمه قلب العقرب يتسع للأرض والشمس مع المسافة بينهما:

﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (64)﴾

[ سورة غافر:الآية 64]

 أيها الإخوة الكرام:
 الله جل جلاله يقول:

﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (5)﴾

[ سورة السجدة: الآية 5 ]

 حار العلماء بهذه الآية، فإذا بهذه الآية تنطوي على أحدث نظرية توصل إليها العلم، إنها النظرية النسبية التي تؤكد أن أعلى سرعة في الكون هي سرعة الضوء، ثلاثمئة ألف تقريباً، وأن الأجسام إذا سارت بسرعة الضوء أصبحت ضوءاً وأصبحت كتلتها صفراً وحجمها لا نهائياَ، وأن الأجسام إذا سبقت الضوء تراجع الزمن، فإذا سارت مع الضوء توقف الزمن، فإذا قصرت عن الضوء تراخى الزمن، هذه النظرية النسبية التي قلبت مفاهيم العلوم مودعة في كلمات في القرآن الكريم، يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يومٍ كان مقداره ألف سنةٍ من ما تعدون، من الثابت أن القمر يدور حول الأرض كل شهر دورة، فيكفي أن نأخذ مركز الأرض ومركز القمر وأن نصل بينهما بخط هذا الخط هو نصف قطر الدائرة التي هي مسار القمر حول الأرض من السهل جداً أن نعرف طول هذا الخط، المسافة بين الأرض والقمر مضافٌ إليها نصف قطر القمر مع نصف قطر الأرض، خذ الخط بين مركز الأرض ومركز القمر يساوي نصف قطر الدائرة التي هي مسار القمر حول الأرض، فإذا ضربنا هذا الرقم باثنين كان القطر، فإذا ضربنا هذا الرقم بالبي 3014 كان المحيط، طالب من طلاب المرحلة الثانوية بإمكانه أن يحسب كم يقطع القمر في رحلته حول الأرض في شهر ؟  فإذا ضرب هذا الرقم باثني عشر أصبح الناتج كم يقطع القمر في رحلته نحو الأرض في عام، فإذا ضرب هذا الرقم بألف أصبح الناتج كم يقطع القمر في رحلته حول الأرض في ألف عام، هذا الرقم عدد الكيلو مترات التي يقطعها القمر في رحلته حول الأرض في ألف عام.
 في الآية الكريمة:

﴿مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (5)﴾

[ سورة السجدة: الآية 5 ]

 والعرب تعدوا السنة القمرية، لو قسم هذا الرقم على ثواني اليوم، ثواني اليوم ستين ضرب ستين بأربع وعشرون، لكانت النتيجة مذهلة إنها سرعة الضوء، الدقيقة مئتان وتسعة و تسعين ألف وسبعمائة واثنان وتسعين هذه سرعة الضوء الدقيقة تأتي من تقسيم ما يقطعه القمر في رحلته حول الأرض في ألف عام على ثوان اليوم، أي أن الزمن الذي يستغرقه القمر في رحلته حول الأرض في ألف عام يقطعه الضوء في يوم واحد، ذلكم الله رب العالمين.

﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (36)﴾

[ سورة النحل: الآية 36 ]

 أيها الإخوة الكرام:
 قبل عدة أعوام عرضت إحدى أكبر وكالات الفضاء في العالم صورة لو تأملتها لا تشك لثانية واحدة أنها وردة جورية، بكل ما في هذه الكلمة من معنى , وردة بأوراقها الحمراء الداكنة ووريقاتها الخضراء الزاهية وكأسها الأزرق في الوسط، لا تشك لثانية واحدة أنها وردة جورية، إنها في الحقيقة صورة انفجار لنجم اسمه عين القط، يبعد عنا ثلاثة آلاف سنة ضوئية، والصورة منشورة في موقع وكالة الفضاء في الانترنت، كتب تحت هذه الصورة من جهة إسلامية الآية الكريمة:

﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (37) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (38)﴾

[ سورة الرحمن ]

 لو قرأت كل التفاسير التي تشرح هذه الآية لا يروى غليلك إلا بهذه الصورة.
 الإمام علي رضي الله عنه يقول:
 في القرآن آياتً لمّا تفسر بعد ولكن أيها الأخوة من الثابت أن الله سبحانه وتعالى كونه يدل على كماله المطلق وكمال الخلق يدل على كمال التصرف، فهذا الإله القوي العليم الرحيم الحكيم لا يمكن أن يدع عباده من دون توجيه وبيان لذلك أنزل الكتب وأرسل الأنبياء والمرسلين هؤلاء الأنبياء والمرسلون معهم منهج و الإنسان آتاه الله عقلاً يدله على ربه وجبله جبِلةً تدله على خطئه، وأودع به الشهوات ليرقى بها مرتين، مرة صابراً ومرة شاكراً إلى رب الأرض والسماوات إن الشهوات حيادية لأنه مخير، يمكن أن تكون سلماً يرقى بها أو دركاتٍ يهوي بها، هذه الشهوات بإمكانه أن يتحرك من خلالها مئةً وثمانين درجةً لكن كنهج الله يمنع العدوان ويمنع أن يبني الإنسان مجده على أنقاض الآخرين وأن يبني غناه على فقرهم وأن يبني قوته على ضعفهم وأن يبني أمنه على خوفهم وأن يبني حياته على موتهم، لذلك جاء منهج الله عز وجل يحدد حركة الإنسان بما هو مباح، وفيما هو مستحسن وفيما هو واجب وفيما هو فرض، فإذا جاء الأنبياء بمنهج الله عز وجل الذي فيه افعل ولا تفعل، هذا المنهج سيحد من تفلت أهل الأهواء، لذلك يعد رد الفعل الطبيعي عند الناس المتفلتين أن يكذبوا برسالة الأنبياء والمرسلين، وقال الذين كفروا لست مرسلاً فكيف يشهد الله لعباده أن هذا الإنسان رسوله، وكيف يأتي هذا الرسول بدليل قاطع مفحمٍ على أنه رسول الله، إنه الإعجاز، إنها المعجزة من هنا نبدأ: لذلك تعد معجزات الأنبياء السابقين معجزات حسيةً، كتألق عود الثقاب تألق مرة ثم انطفأ، فأصبح هذا التألق خبراً يصدقه من يصدقه ويكذبه من يكذبه، إلا أن رسالة النبي عليه الصلاة والسلام هي خاتمة الرسالات ورسالته موجهةٌ إلى كل أمم الأرض، وقال تعالى:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)﴾

[ سورة الأنبياء: الآية 107 ]

 فلا بد أن تكون معجزته مستمرة، معجزات الأنبياء السابقين الذي كانوا لأقوامهم فقط معجزاتٌ حسية، بينما معجزة النبي عليه الصلاة والسلام معجزةٌ علمية مستمرةٌ إلى نهاية الدوران، لكن الحكمة البالغة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشرح هذه الآيات الكونية التي في القرآن الكريم، إما باجتهاد منه أو بتوجيه من الله عز وجل ذلك لأنه لو شرحها شرحاً مقتضباً يتناسب مع البيئة التي عاش بها لأنكرنا عليه، ولو شرحها شرحاً يتناسب مع التقدم العلمي وقد رأى من آيات الله الكبرى لأنكر عليه أصحابه لذلك تركت هذه الآيات كي يكشف العلم كل ما تقدم عن جانب من عظمة القرآن الكريم، هذه قصة الإعجاز، معجزات الأنبياء السابقين وإعجاز القرآن الكريم الذي هو مستمر إلى نهاية الدوران.
 أيها الأخوة الكرام:
 من الآيات الدالة على عظمة الله في القرآن الكريم هي قوله تعالى في سورة البقرة:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ﴾

[ سورة البقرة: الآية 27 ]

 بعوضةٌ تذكر في القرآن الكريم هل من مخلوق أهون على الناس من بعوضة بل أن النبي عليه الصلاة والسلام قال:

(( والله لو أن الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء ))

 بعوضة في القرآن الكريم:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ﴾

[ سورة البقرة: الآية 27 ]

 ماذا في البعوضة في رأس البعوضة مئة عين، عرضت الصور في ندوةٍ تلفزيونيةٍ في دمشق في رأس البعوضة مئة عين، وقد قدرت بمجهر الكتروني، وفي فم البعوضة ثمانية وأربعون سناً، وفي صدر البعوضة ثلاثة قلوب، قلب مركزي وقلب لكل جناح، وفي كل قلب أذينان وبطينان ودسامان، والبعوضة تملك جهازاً لا تملكه الطائرات الحديثة اليوم التي استخدمت في حرب العراق، تملك جهاز استقبال حراري فهي لا ترى الأشياء لا بأحجامها ولا بأشكالها ولا بألوانها، ولكنها تراها بحرارتها فقط.
 ودقة هذا الجهاز واحد على ألف من الدرجة المئوية لو ارتفعت الحرارة واحد من ألف من الدرجة المئوية لتحسس جهاز استقبالها الحراري، أنها ترى في الليل ترى الشيء الساخن وتتجه نحوه ترى النائم في الفراش فتتجه نحوه، ماذا تفعل البعوضة لعلها إذا وقعت على رأس إنسانٍ على جبينه أن يقتلها مزودة بجهاز تخدير وحينما يفعل النائم هكذا تكون البعوضة في سماء الغرفة يشعر بوخزة بعد أن ينتهي فعل التخدير، معها جهاز تخدير، وما كل دمٍ يناسبها ينام أخوان على فراش واحد يستيقظ الأول وقد ملئ جبينه بلسعات البعوضة ويستيقظ الثاني ولا لسعة واحدة في جبينه، إذاً معها جهاز استقبال حراري، ومعها جهاز تحليل للدم، ومعها جهاز تخدير، وقد يكون الدم لزجاً فلا يسري في خرطومها، معها جهاز رابع جهاز تمييع، فمن جهاز استقبال حراري إلى جهاز تخدير إلى جهاز تحليل إلى جهاز تمييع وماذا في خرطوم البعوضة ؟ في خرطوم البعوضة الدقيق جداً ست سكاكين أربعة سكاكين تحدث جرحاً مربعاً، وسكينان يلتئمان على شكل أنبوب لامتصاص الدم، الأرجل أيها الأخوة منوعة، قد تضطر أن تقف على سطح أملس تستخدم المحاجم، المحاجم أساسها الضغط، تفريغ الهواء تحتها كي تلصق بالبلور مثلاً، فإذا وقفت على سطحٍ خشنٍ تستخدم المخالب، هذه البعوضة التي قال الله عنها الآية السابقة، قال تعالى:

﴿سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾

[ سورة فصلت: الآية 53 ]

 فماذا في النفس ؟
 أيها الأخوة والأخوات:
 المرأة حينما تلد ينزل مع الجنين قرص من اللحم يسمى المشيمة ويسمى عندنا في الشام الخلاص، هذه المشيمة فيها من آيات دالة على عظمة الله ما لا يصدق، تلقى في الحاوية مباشرة، أو تدفن تحت الأرض، هذه المشيمة أيها الأخوة تنتقي بها دورتا الأم والجنين، تلتقي في المشيمة دورتا دم الأم والجنين، ولكل دورة زمرة والزمرتان لا تختلطان، لو أننا أعطينا إنسانا دماً من غير زمرته لمات في الحال، ينحل دمه، في المشيمة تلتقي دورتا الأم والجنين معاً ولا تختلطان، بينهما غشاء سماه الأطباء غشاء ًعاقلاً لأنه يقوم بوظائف يعجز عنها أكبر علماء الأرض، بل إن وظائفه لو أنيطت بأكبر عالم في الطب لمات الجنين بساعة واحدة، ما الوظائف التي يقوم بها هذا الغشاء العاقل بين دورتي دم الأم ودم الجنين ؟ هذا الغشاء العاقل يختار من دم الأم المواد الغذائية البروتينات السكريات الشحوم الفيتامينات المعادن ما يناسب الجنين، وهذا الاختيار بكميات محكمة حكيمة تتبدل كل يوم، بحسب حاجة الجنين، لم يستطيع أن يقدم للجنين كل يوم وجبة غذائية، بحسب نموه وبحسب حاجته، هذا الغشاء العاقل يأخذ من دم الأم ما يحتاجه الجنين من فيتامينات ومن معادن ومن أشباه معادن ومن بروتينات ومن شحوم ومن سكريات، إذن هو جهاز هضم للجنين، وهذا الغشاء العاقل يأخذ من دم الأم الأكسجين ويطرحه في دم الجنين كي يحرق السكر وتتولد الطاقة، إذن هو جهاز تنفس، وها الغشاء العاقل يأخذ من دم الأم المناعة التي اكتسبتها في حياتها، فجميع الأمراض التي اكتسبت مناعة ضدها تنتقل هذه المناعة إلى دم الجنين، كي لا يصاب بالأمراض التي شفيت منها أمه، وهذا الغشاء العاقل يعيد إلى دم الأم ثاني أكسيد الكربون الناتج عن احتراق السكريات في جسم الجنين، وحمض البولة والمواد السامة يعيدها إلى دم الأم كي تطرحها من خلال رئتيها وكليتيها، وهذا الغشاء العاقل يقدم لدم الجنين مواد تحرق السكر في حرارة الجسم، فهو بنكرياس للجنين، وهذا الغشاء العاقل يقدم مواد تمنع رفض الجنين في بطن الأم، وهذا الغشاء العاقل يأمر ثديي الأم قبيل الولادة بإدرار الحليب.

﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21)﴾

[ سورة الذاريات: الآية 21 ]

 هل فكر أحدنا في خلق الإنسان المبدع ؟

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4)﴾

[ سورة التين: الآية 4 ]

 فإذا لم يتعرف إلى الله عز وجل ولم يستجب لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم:

﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5)﴾

[ سورة التين: الآية 5 ]

 أيها الإخوة الكرام:
 لو أن إنساناً يمشي في بستان في أيام الصيف الحارة ورأى أفعى ما الذي يحصل ؟ الذي يحصل أن شكل الأفعى انطبع على شبكية العين، وفي شبكية العين عشر شبكات وشبكية العين مؤلفة من مئة وثلاثين مليون مخروط وعصي من أجل نقل أدق تفاصيل الصورة وهذه العين وحدها من آيات الله الدالة على عظمته:

﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10) فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ(13)﴾

[ سورة البلد ]

 أي يفك رقبته من شهوات الدنيا:

إلى متى وأنت باللذات مشغول  وأنت عن كل ما قدمت مسؤول
تعصي الإله وأنت تظهر حبه  ذاك لعمــري في المقام شنيع
لو كان حبك صادقاً لأطعـته  إن المــحب لمن يـحب يطيع
***

 فهذه الصورة تنطبع على شبكية العين إحساساً ثم إنها تنقل عبر العصب البصري تسعمئة ألف عصب، العصب البصري مؤلف من تسعمئة ألف عصب، تشحن هذه الصورة إلى مركز الرؤيا في الدماغ، في الدماغ مفهومات الأفعى تلقاها الإنسان من دراسته ومن تجاربه ومن قصص جدته فكوّن الدماغ مفهوم الأفعى،شيء خطير وشيء قاتل وشيء مميت، الدماغ ماذا يفعل ؟ الدماغ رئيس الجهاز العصبي، ملك الجهاز العصبي، إلى جانبه ملكة وزنها نصف غرام إنها الغدة النخامية، ملكة الجهاز الهرموني، ملك وملكة بينهما ضابط اتصال هو تحت السرير البصري ؛ رئيس الجهاز العصبي، ملك الجهاز العصبي يلتمس من ملكة الجهاز الهرموني أن تواجه الخطر، ملكة الجهاز الهرموني عندها وزير داخلية ترسل أمراً إلى الكظر كي يواجه هذا الخطر، ماذا يفعل الكظر ؟ يرسل أول أمر إلى القلب فيرتفع نبضه، فالخائف يرتفع نبض قلبه إلى مئة وثمانين نبضة، فإذا ارتفع النبض لا بد من أن يرتفع وجيب الرئتين كي تتناسب حركة الرئتين مع حركة القلب، إذاً الكظر وزير الداخلية يصدر أمراً ثانياً للرئتين فيرتفع وجيبهما، فالخائف يلهث، إن هذا الخائف له لون وردي جميل، لكنه الآن لا يحتاج هذا اللون، يحتاج كي ينجو بنفسه، يصدر أمراً ثالثاً إلى الأوعية المحيطة فتضيق لمعتها فيصفر لون الخائف، ثم يصدر أمراً رابعاً إلى الكبد فيطلق كمية سكر إضافية كي يكون وقوداً للخطر الذي هو حاصل، لو فحصنا دم خائف لوجدنا كمية السكر عالية جداً، ثم يصدر أمراً خامساً إلى الكبد برفع نسبة عنصر التجلط، لو فحصنا دم خائف لوجدنا دمه أقرب إلى التجلط منه إلى التميع، هذا يتم في ثوان معدودة، قال تعالى:

﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (64)﴾

[ سورة غافر: الآية 64]

﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88) ﴾

[ سورة النمل: الآية 88]

﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21)﴾

[ سورة الذاريات: الآية 21 ]

 أيها الإخوة الكرام:
 إلى سنوات لا تزيد عن العشرين، بل لا تزيد عن عشر سنوات أجمع الأطباء في العالم كله أنه إلى جانب القلب غدة صغيرة جداً تضمر ضموراً تاماً بعد عامين اسمها التيموس أو الغدة السعترية، هذه الغدة وأنا أعني ما أقول أجمع الأطباء أنه لا وظيفة لها إطلاقاً، كنت في زيارة لمؤتمر علمي تم في أمريكا والتقيت بطبيب اختصاصه الغدد، فأعطاني بحثاً أن هذه الغدة التي أجمع الأطباء في العالم أنه لا وظيفة لها لأنها تضمر هي أخطر غدة في جسم الإنسان، هي مدرسة حربية بكل ما في هذه الكلمة من معنى، ذلك لأن في الجسم جهاز مناعة مكتسب، هذا الجهاز ـ وأنا أعني ما أقول ـ جيش بكل ما في الكلمة من معنى، فيه خمس فرق، الفرقة الأولى فرقة الاستطلاع مهمتها معلوماتية فقط كأجهزة المخابرات تماماً، تتجه إلى الجرثوم لتأخذ شيفرته الكيماوية فقط و لا تقاتله، تعود بهذه الشيفرة إلى معامل تصنيع السلاح في العقد اللمفاوية، في هذه العقد هناك فرقة أخرى تُصنِّع السلاح، هذه العقد تصنع السلاح ولها خصيصة لا تصدق وهي أنها تتمتع بذاكرة تفوق حد الخيال، لو أنها صنعت مصلاً مضاداً لهذا الجرثوم وشفي المريض من هذا الجرثوم وعاد الجرثوم بعد سبعين عاماً، الملف جاهز، تُصنِّع سلاحاً مضاداً لهذا الجرثوم بعد سبعين عاماً من دون أن تبحث عن هويته أو عن صفته الكيماوية، يتمتع جهاز المناعة المكتسب بذاكرة عجيبة جداً جداً، هذه الفرقة الثانية، الأولى استخبارية والثانية تصنيع السلاح، أما فرقة مشاة البحرية أي الخلايا المقاتلة هذه فرق خطيرة جداً سأتحدث عنها بعد قليل، الفرقة الرابعة فرقة الخدمات، والفرقة الخامسة اكتشفت في عام ألف وتسعمائة وسبعة وستين هي فرقة المغاوير، هذه الفرقة تكتسح الخلية السرطانية في وقت مبكر جداً وتلتهمها، خمس فرق ؛ فرقة الاستطلاع، وفرقة تصنيع السلاح، والفرقة المقاتلة، وفرقة الخدمات، وفرقة المغاوير.
 نقف عند فرقة القتال، هذه الفرقة أيها الإخوة قوية جداً معها سلاح فتاك ولكنها جاهلة سماها العلماء الخلية التائية الهمجية، لابد من أن تدخل إلى مدرسة حربية فتتعلم من هو الصديق ومن هو العدو، تبقى في هذه المدرسة سنتين وقد قدرت هذه الغدة أربعة آلاف مرة، فإذا هي كالمدرج الروماني، وهذه الخلايا قابعةٌ على المقاعد تتلقى توجيهات لا نعلم كنهها في من هو الصديق ومن هو العدو، بعد عامين تتخرج هذه الخلايا، كان اسمها الخلايا التائية الهمجية فأصبح اسمها الآن الخلايا التائية المثقفة، تتخرج من هذه الكلية من مخرجين امتحانيين، المخرج الأول يُعطى الممتحن عنصراً صديقاً فإذا قتله رسب وقُتِل، وإذا لم يقتله نجح وسَلِم، وفي المخرج الثاني يُعطى عنصراً عدواً، فإذا قتله نجح وسلم وإن لم يقتله رسب وقُتِل، هذا الجيل المتخرج هو الذي سيتولى تعليم الأجيال الصاعدة وتنتهي مهمة المدرسة الحربية وتُغلق أبوابها وتضمر وتنتهي، ضمور هذه الغدة أوهم العلماء أنه لا وظيفة لها، مع أنها أخطر وظيفة في الجسم، هذه الأجيال الصاعدة تتلقى التعليم من الجيل الأول، لكن التعليم في سن الستين أو السبعين يضعف، تنشأ حالة اسمها الخرف المناعي، أي التعليم ليس متقناً، كمعلم تقدمت به السن فملّ من التعليم ينشأ في جسم الإنسان حرب أهلية، أما الكريات البيضاء المقاتلة بدل أن تقاتل الأعداء تقاتل الأصدقاء، سبعة أمراض في الإنسان منها التهاب المفاصل، بسبب أن الكريات البيضاء تهاجم المفاصل وهو الجسم الذي صممت لتدافع عنه، قال تعالى:

﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾

[ سورة لقمان: الآية 11 ]

 أيها الإخوة الكرام:
 في خلق السموات والأرض، وفي خلق الإنسان من الآيات الدالة على عظمة الله ما لا يوصف، هذه الغدة النخامية وزنها نصف غرام تفرز تسعة هرمونات، لو أن أي هرمون لم يفرز لأصبحت حياة الإنسان جحيماً لا يُطاق، الهرمون الأول هرمون النمو مؤلف من مئة وثمانية وثمانين حمض أميني، وهذه الغدة النخامية مربوطة من تحت السرير البصري بمئة وخمسين ألف عصب، هذا الدماغ آية دالة على عظمة الله عز وجل، ويجب أن يكون في كل ليتر دم عشر ميكرو غرام من هذا الهرمون، فلو قلت الكمية لتقزم الإنسان، ولو ارتفعت لتعملق الإنسان، هرمون الجنس، هرمون النمو، هرمون توازن السوائل، هرمون إدرار الحليب، هرمونات لا تعد ولا تحصى تفرزها ملكة الغدد وزنها نصف غرام، العصب الشمي أيها الإخوة ينتهي بعشرين مليون عصب، كل عصب ينتهي بسبع أهداب، الهدب مغطى بمادة تتفاعل مع الرائحة، يتشكل من هذا التفاعل شكل هندسي، يشحن إلى الدماغ ويعرض على الذاكرة الشمية وفيها عشرة آلاف بند حيثما توافق الشكلان عرفت أن هذه رائحة الياسمين، أتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر.
 أيها الإخوة:
 ورد في بعض الآثار القدسية:

((إني والإنس والجن في نبأ عظيم، أخلق ويُعبد غيري، وأرزق ويُشكر سواي، خيري إلى العباد نازل وشرهم إلي صاعد، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم ويتبغضون إلي بالمعاصي وهم أفقر شيء إلي، من أقبل علي منهم تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب، أهل ذكري أهل مودتي، أهل شكري أهل زيادتي، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد والسيئة بمثلها وأعفو، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها.))

 ورد في بعض الآثار القدسية:

((أن ليس كل مصلٍ يصلي، إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي، وكف شهواته عن محارمي، ولم يصر على معصيتي، وأطعم الجائع، وكسا العريان، ورحم المصاب، وآوى الغريب، كل ذلك لي، وعزتي وجلالي إن نور وجهه لأضوأ عندي من نور الشمس، على أن أجعل الجهالة له حلماً والظلمة نوراً، يدعوني فألبيه، يسألني فأعطيه، يقسم علي فأبره، أكلؤه بقربي، وأستحفظه ملائكتي، مثله عندي كمثل الفردوس لا يُمس ثمرها ولا يتغير حالها.))

((يا رب أي عبادك أحب إليك حتى تحبه بحبك ؟ قال: أحب عبادي إلى تقي القلب، نقي اليدين، لا يمشي إلى أحد بسوء، أحبني وأحب من أحبني، وحببني إلى خلقي، قال: يا رب إنك تعلم أني أحبك، وأحب من يحبك، فكيف أحببك إلى خلقك ؟ قال: ذكرهم بآلائي ـ الآيات الدالة على عظمة الله ـ و نعمائي و بلائي ))

 أي أنه لابد من أن يستقر في قلب المؤمن تعظيم لله من خلال آياته الكونية.
 أيها الإخوة:
 ملمح لطيف إذا قال الله عز وجل:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً (41) ﴾

[ سورة الأحزاب: الآية 41]

 الأمر ينصب على الكثرة لأن المنافق يذكر الله:

﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً (142) ﴾

[ سورة النساء: الآية 142 ]

 و إذا ذكر الإيمان بالله فإنما ينصب على الإيمان بالله العظيم بدليل:

﴿إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33)﴾

[ سورة الحاقة: الآية 33 ]

 إبليس مؤمن بمعنى:
 قال له ربي:

﴿فَبِعِزَّتِكَ ﴾

[ سورة ص: الآية 82]

 آمن به رباً و آمن به عزيزاً، قال:

﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12)﴾

[ سورة الأعراف: الآية 12 ]

 آمن به خالقاً، قال:

﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14)﴾

[ سورة الأعراف: الآية 14 ]

 آمن بالدار الآخرة و هو إبليس اللعين، معنى ذلك ما كل إيمان ينجي صاحبه، الإيمان الذي ينجي صاحبه لابد من أن يحملك على طاعة الله، من قال لا إله إلا الله بحقها دخل الجنة، قيل و ما حقها ؟ قال أن تحجزه عن محارم الله، فلابد من أن تؤمن بالله العظيم، و من أجل أن تؤمن بالله العظيم ينبغي أن تتفكر في كونه الكبير، و التفكر من أرقى العبادات، و تفكر ساعة خير من قيام ليلة كما ورد في الحديث الصحيح.
 أيها الإخوة الكرام:
 ذكرهم بآلائي و نعمائي و بلائي.
 إخوتنا الكرام:
 الوقت قصير بمعنى أنه من أدق تعريفات الإنسان أنه بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه، ما من يوم ينشق فجره إلا و ينادي يا بن آدم أنا خلق جديد و على عملك شهيد فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة، ما مضى فات و المؤمل غيب و لك الساعة التي أنت فيها، فالإنسان بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه، إذاً هو زمن أو رأسماله هو الزمن أو أثمن شيء يملكه هو الزمن، و الزمن وعاء عمله، هذا الزمن إما أن ينفق استهلاكاً كشأن معظم الناس و إما أن ينفق استثماراً.
 كيف ينفق استهلاكاً ؟ نأكل و نشرب و نعمل و ننام و نستمتع بالحياة الدنيا، و نفاجأ بملك الموت:

﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24)﴾

[ سورة الفجر: الآية 24 ]

﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾

[ سورة المؤمنون: الآية 100 ]

(( مر النبي عليه الصلاة و السلام بقبر فقال صاحب هذا القبر إلى ركعتين مما تحقرون من تنفلكم خير له من كل دنياكم ))

 أيها الإخوة الكرام:
 إنفاق الزمن إنفاقاً استهلاكياً أن نأكل و نشرب و نستمتع بالحياة إلى أن يأتينا الأجل، و يدانا صفر من العمل الصالح، و علة وجودنا بعد الإيمان بالله العمل الصالح، والدليل أن الإنسان إذا جاء ملك الموت، يقول:

﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً﴾

[ سورة المؤمنون ]

 فذكرهم بآلائي من أجل أن نعظم الله وبنعمائي من أجل أن نحبه، وببلائي من أجل أن نخافه، لكن كيف يستثمر الوقت، كيف يستهلك كما يفعل معظم الناس، كيف يستثمر تعمل في الوقت الذي سينقضي عملاً ينفعك بعد أن ينقضي الوقت.
 قال تعالى:

﴿وَالْعَصْرِ (1)﴾

[ سورة العصر: الآية 1]

 أقسم بمطلق الزمن، بهذا المخلوق الأول، الذي هو بحقيقته زمن، جواب القسم:

﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2)﴾

[ سورة العصر ]

 أي خسارة يا رب، قال العلماء: إن مضي الزمن يستهلكه، الأولى أن نعد أعمارنا عداً تنازلياً، لا عداً تصاعدياً، أن نسأل أنفسنا كم بقي لنا، الذي تجاوز الأربعين هل بقي بقدر ما مضى، إذا كان الذي مضى مضى كلمح البصر والذي بقي يمضي كلمح البصر.
 أيها الأخوة الكرام:
 ينفق الوقت إنفاقاً استثمارياً بأربع حالات:

﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) ﴾

[ سورة العصر ]

 هذه أركان النجاة من الخسارة المحققة، ففي اليوم الذي لا تزداد فيه علماً بالله ولا تزداد به عملاً بما علمت، ولا تزداد دعوة إلى الله كفرض عين ولا تزداد صبراً على طاعته وعن معصيته وعلى قضائه وقدره هو خسارة محققة.
 أيها الأخوة الكرام:
 جاءني سؤال: قال يا حبذا لو تبين للحضور في نهاية المحاضرة الفرق بين العقل والقلب؟
الحقيقة القلب قلبان قلب الجسم و هو المضخة التي تضخ الدم إلى سائر أنحاء الجسم و قلب النفس الذي قال الله عنها:

﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾

[ سورة الأعراف: الآية 179 ]

 فالفكر شيء و العقل شيء، نحن نستخدم كلمة العقل ليتحدث عن الفكر، أما في الدماغ فكر، و في صدري عقل هو القلب قلب النفس، هذه مصطلحات سلامية، أما في عالم الكمبيوتر الفكر هو الذاكرة الرام، و القلب هو الهارد، أي أن المعلومات مثبتة في القلب ديناميكياً، فالإنسان حينما يموت عقله معه لكن ذاكرته تفنى، هذا شرح موجز و إلى لقاء آخر إن شاء الله و أشكر حضوركم و اهتمامكم و أسأل الله أن أكون عند حسن ظنكم، و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.
 في نهاية هذه المحاضرة القيمة لا يسعنا إلا أن نشكر باسمكم شيخنا و محاضرنا و دكتورنا و ضيفنا الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي و نقول له ما علمنا إياه رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم جاء النابغة الجعدي يبين مفاخر الإسلام و مفاخر رسول الإسلام فقال له عليه الصلاة و السلام:

((لم يصبغ الله فاك يا أبا ليلى))

 فنحن نقول اليوم باسمكم لشيخنا و أستاذنا لم يصبغ الله فاك، بارك الله فيك و جزاك الله عنا كل خير، في نهاية هذه المحاضرة يسر كشافة الإيمان الإسلامية في لبنان أن تقدم درعاً للمحاضر الضيف.

والحمد لله رب العالمين